حاشية على مختصر ابن أبي جمرة

حديث: خذي فرصةً ممسكةً، فتوضئي ثلاثًا

          22- قوله: (إنَّ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ) [خ¦315] وهي أَسماءُ بنتُ يَزِيدَ بنِ السَّكَنِ _بالسِّين والكافِ المفتوحتَين_ خَطِيبةُ النِّساءِ، أي: واعظتهنَّ.
          والذي وَقَع لمُسلمٍ[ش61/332]: «شَكَل»(1)، بفَتْح السِّين والكاف، وباللَّام، فلعلَّ الواقعةَ تكرَّرت مرَّتَين مَع امْرأتَين.
          قوله: (كَيْفَ أَغْتَسِلُ) استفهامٌ من تلْك المرأة عَن كيفيَّة اغتسالِها مِنَ الحيْضِ.
          قوله: (خُذِي) أي: بعْدَ إيصالِ الماءِ لشَعْركِ وبشركِ.
          قوله: (فِرْصَةً) بكسرِ الفاءِ، وبالصَّادِ المهملة.
          قال في «المخْتَار»: والفِرْصَةُ بالكَسْرِ: قِطْعةُ قُطْنٍ، أو خِرْقَةً تَمسَّحُ بها المرأةُ مِنَ الحيْضِ. انتهى.
          وقالَ في «المِصْباح»: الفِرْصَةُ مِثْلُ سِدْرَة: قِطْعةُ قُطْنٍ أوْ خِرْقةٌ تَسْتَعْمِلُها المرأةُ في مَسْحِ دَمِ الحيْضِ. انتهى.
          وحكَى ابنُ سِيْدَهْ تثليثَها.
          وفي رِوايةٍ لأبي داوُد[315]: [قَرْصَةً](2) بفَتْح القافِ والصَّاد المهملة، أي: شيئاً يَسيراً مِثْل القَرْصَةِ بطَرَفِ الأُصْبُعَيْن، قال ابنُ قُتَيْبةَ: إنَّما هو [قَرْضَةً](3) بالقافِ وبالضَّادِ المُعجَمة، أي: قِطْعةٌ يَسيرةٌ مِثْلُ القَرْضِ بطَرَفِ الأُصْبُعَيْن.
          والرِّوايةُ ثابتةٌ بالفاءِ والصَّادِ المهملةِ، ولا مجال للرَّأي في مِثْلِه، والمعنى صحيحٌ بنَقْل أئمَّة اللُّغةِ.
          قوله: (مُمَسَّكَةً) بضمِّ الميم الأُولى وفَتْح الثَّانيةِ، ثمَّ مهملةٌ مُشدَّدةٌ مفتوحةٌ، أي: مطليَّةً بالمسكِ الذي هو الطِّيب المعرُوف.
          قولُه: (فَتَوَضَّئِي) أي: الوضوء اللُّغوي، وهو التَّنظيفُ.
          ولأَبوَي ذَرٍّ والوَقْتِ والأَصيْليِّ وابنِ عَساكِرَ: «وتَوَضَّئِي».
          وفي رِوايةٍ: / «فَتَوَضَّئي بِهَا(4)».
          قَوله: (ثَلَاثاً) هو مُرتبطٌ بقولِه: (قَالَ)، أو مرتبِطٌ ﺑ (قَالَتْ).
          ويدلُّ لذلك، ما رُوي في البخاريِّ عن عائشةَ [خ¦314]: إنَّ امرأةً سألَتِ النَّبيَّ صلعم عَن غُسْلِها منَ الحيضِ؟ فأمَرَها كيفَ تَغْتَسِل قال: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فتَطَهِّري بِها».
          قالت: كيفَ أتطهَّر بِها؟ قال: «سُبْحان الله تَطَهَّري بِها!».
          قالتْ عائشةُ: فجذبتُها فقلتُ لها: تَتَبَّعي بِها أَثرَ الدَّمِ. انتهى.
          فالعاملُ في (ثَلَاثاً) (قَالَ) أوْ (قَالَتْ) على التَّنازع.
          وقالَ المصنِّف في «شرحِه»: إنَّه مُرتبطٌ بقولِه: (تَوَضَّئِي)، فيكون مُبالغةً في التَّنظيف.
          قوله: (ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ صلعم) هذا مَقُولُ قَوْلِ عائشة.
          وقولُه: (اسْتحْيي) بياءَيْنِ لأنَّه الأفصَحُ.
          وهذا يدلُّ على تكْرارِ القَوْلِ منْه ومنها، فالحقُّ أنَّ (ثَلاثاً) مرتبطٌ بقولِه: (قَالَ) أو(5) (قَالَتْ).
          قوله: (فأَعْرَضَ).
          ولأَبوَي ذَرٍّ والوَقْتِ والأَصِيْليِّ وابنِ عَساكرَ: «وَأَعْرَضَ» بالواوِ.
          قوله: (أَوْ قَالَ) شكٌّ منْ عائشةَ في كَوْن الواقِع من النَّبيِّ صلعم الاستحْياء والإعْراض بوَجْهه، أوِ الواقع منه أنَّه قال: «تَوَضَّئي بِهَا».
          قوله: (فأَخَذْتُهَا) منْ مَقُولِ قولِ عائشةَ.
          وقوله: (فَأَخْبَرْتُهَا بِما يُرِيْدُ النَّبِيُّ صلعم) أي: من أنَّها تتبع بهذه الفِرْصة أثرَ الدَّمِ في الفَرْج لإزالة الرَّائحة الكريهة، وهذا الإتباعُ مندوبٌ سَواءٌ كانتْ متزوِّجةً أو غير متزوِّجة.
          نَعَمْ؛ إنْ كانت محدةً أو محرمةً فلا تتبع أثر الدَّم بهذه الفِرْصة المُمَسَّكة.
          واستنبطَ منَ الحديث، أنَّ العالِمَ يكنِّي بالجواب في الأُمور المسْتورة، وأنَّ المرأةَ تسأل عَن أمْر دِيْنها، وتكرير الجواب لإفهام السَّائلِ.
          وأنَّ للطَّالب الحاذِق تفهيمُ السَّائل قول الشَّيخ وهو يسمع.
          وفيه دلالةٌ على حُسن خُلق الرَّسولِ صلعم وعَظِيم حلمِه وحَيائِه.
          وهذا الحديثُ ذكَرهُ البخاريُّ في باب: غسل المحيْضِ.


[1] قال النووي في شرح مسلم: 4/16 هو شكل بالشين المعجمة والكاف المفتوحتين هذا هو الصحيح المشهور وحكى صاحب المطالع فيه إسكان الكاف...
[2] ما بين الحاصرتَين من المحقق.
[3] ما بين الحاصرتَين من المحقق.
[4] كذا في الأصل، وسقطت من «م».
[5] كذا في الأصل، وفي «م»: و.