حاشية على مختصر ابن أبي جمرة

حديث: ألقوها وما حولها وكلوه.

          219- قوله: (عَنْ مَيْمُوْنَةَ) [خ¦5540] أي: بِنْتِ الحارِثِ، إحْدى أُمَّهاتِ المُؤمنين.
          قولُه: (أَنَّ فَأْرَةً) بالهمْزِ السَّاكِن على الأفصَحِ، هي حَيَوانٌ مُؤْذٍ، زائدٌ في الفَسادِ، وهي الفُوَيْسِقَةُ التي أَمَرَ النَّبيُّ صلعم بقَتْلِها في الحِلِّ والحرَمِ، وسُمِّيتْ بذلك لخُرُوجِها منْ جُحْرِها على النَّاسِ.
          وأصْلُ الفِسْقِ الجَوْرُ والخُرُوجُ عنِ الاسْتِقامةِ، وسمِّيت بعضُ الحيَواناتِ فَوَاسِقَ على الاسْتعارةِ لخُبْثهنَّ، وقد أَبْدَتِ الفَأْرة جَوْرَها الخبِيْثَ في قَطْعِ حِبالِ سَفينةِ نُوْحٍ ╕.
          والفَأْرُ عَظيمُ الحِيَلِ، كَثيرُ الأذى، يَقْرِضُ الثِّيابَ والكُتُبَ، ويأكُلُ الحُبُوبَ والزُّرُوعَ والمائعاتِ ويَرْمي فيها بَعْرَه ليُفْسِدها.
          وهيَ تُعادِي العَقْربَ، فإذا جعلتَ الفأْرة مَع العَقْرب في قارُورةٍ فإنَّه يقَعُ بينهما قِتالٌ شديدٌ عجيبٌ؛ لأنَّ العقرَبَ تلْدغ الفأرةَ، والفأرةَ تحتالُ على أن تقبضَ إبْرتها والعقربُ لا تمكِّنُها من ذلك وتضرِبُها، فإذا قبضتِ الفأرةُ على إبْرتِها غلبتها، وإذا ضربتها العقربُ كثيراً أهْلَكَتْها.
          ومِن الفأْرِ صِنْفٌ ُيحبُّ الدَّراهِم والدَّنانير، يسرقُها ويلعبُ بها، وكثيراً ما يُخرجها من بيتِه ويلعبُ بها وَيَرْقصُ عليها، ثمَّ يردُّها إلى بيْتِه واحداً واحداً، فإذا أقفرَ البَيْت من الأدمِ لم يألَفْه الفأْرُ.
          قالَ أنسُ بنُ أبي إياس: وقفَتْ عجوزٌ على قَيْسٍ فقالت: أشْكو إليك قِلَّة الفأرِ!
          فقال: ما ألطفَ ما سألَتْ! تذكر أن بَيْتَها أقفرُ من الأدم، فاكثِرْ لها يا غُلام.
          نقله الزَّيْن عبد الرَّحمن بنُ داوُد القادِريُّ الحنْبلِيُّ في كتابه «نُزهَة الأفْكارِ في خواص الحيوان والنَّباتِ والأحْجارِ».
          قولُه: (فَمَاتَتْ) أي: في السَّمْنِ.
          قوله: (فَسُئِلَ النَّبِيُّ صلعم) أي: أنجسَتِ السَّمْنَ، فيمتَنِعُ أكْلُه أَمْ لا.
          وَقَوله: (فَقَالَ) أي: النَّبيُّ صلعم.
          قوله: (أَلْقُوْهَا) أي: ألْقوا الفأْرة بعْدَ استخراجِها من السَّمْنِ.
          وقوله: (وَمَا حَوْلَهَا) أيْ: ألْقُوا ما حَوْلَ الفأْرةِ منَ السَّمْنِ.
          وهذا يدلُّ على أنَّ السَّمنَ كان جامِداً؛ لأنَّه لا يُمكن طرحُ ما حَوْلها من المائع الذَّائب، ولأنَّه لو كان مائعاً لم يكُن له حَوْل، لأنَّه لَو نُقِلَ مِن أيِّ جانبٍ مَهْما نُقِلَ لخلفَه / غيره في الحالِ فيصيرُ ممَّا حولها، فيحتاج إلى إلْقائِه كُلِّه.
          وفي «مُسنَد» إسْحاقَ بنِ راهوَيْه(1): «إنْ كانَ جامِداً فألْقُوْها وما حَوْلَهَا وَكُلُوْهُ، وإنْ كانَ ذائِباً فلَا تَقْرَبُوهُ».
          وفرَّقَ الجُمهورُ بين الجامِدِ والمائعِ فقالوا بالتَّفْصيل.
          واستُدِلَّ بقولِه في الرِّواية المُفصَّلة: «وإنْ كَانَ مائِعاً فلا تَقْرَبُوْهُ»[د 3842، ت 1798، س 4260، حم 7591]، على أنَّه لا يَجوزُ الانتفاعُ به في شيءٍ.
          فيحتاجُ مَن أجازَ الانتفاعَ به في غير الأكْلِ كالشَّافعيَّة أوْ أجازَ بَيْعَه كالحنفيَّة إلى الجوابِ عنِ الحديثِ؛ فإنَّهم احتجُّوا به في التَّفرِقة بين الجامِد والمائعِ.
          ويمكن أنْ يقالَ: إنَّهم احتجُّوا بحديْث ابنِ عُمَرَ عِنْد البَيْهقيِّ[20114]: «إنْ كَانَ السَّمْنُ مائِعاً انْتَفِعُوا بِه ولا تأْكُلُوا».
          وحدِيثِ ابنِ عُمَرَ في فَأْرةٍ وقَعَت في زَيْتٍ(2): «اسْتَصْبِحُوا بِه، وادْهُنُوا بهِ».
          فقوله: (فَلَا تَقْرَبُوْهُ)، أيْ: في الأكْلِ، ولم يَرِدْ في طرِيقٍ صَحيحٍ تحديدُ ما يُلقى.
          نَعَم؛ أخْرجَ ابنُ أبي شَيْبةَ مِنْ مُرْسَلِ عطاءِ(3) بنِ يَسَارٍ بسَنَدٍ جيِّدٍ أنَّه يكون قَدْر الكَفِّ.
          وذكر السَّمْن والفأْرة في الحديث غيرُ قيدٍ خِلافاً لابن حَزْمٍ، فإنَّه خصَّ التَّفرِقةَ بين الجامِد والمائع بالفأْرةِ.
          فلو وقعَ غير جنْس الفأرِ منَ الدَّواب في مائعٍ لم ينجس إلَّا بالتَّغْيير، واستُدِلَّ بقولِه: «فَماتَتْ»، على أنَّ تأثيرَها في المائع إنَّما يكون بمَوتها فيه، فلو وقَعَت فيه وخرجتْ بلا مَوْتٍ لم يضر.
          ولم يقعْ في رِواية مالكٍ التَّقْييدُ بالمَوْتِ، فيلزم مَن لا يقول بحَمْل المطْلَقِ على المقيَّد أنْ يقولَ بالتَّأثير ولَو خرجت وهي في الحياة.
          وقدِ التزمَه ابنُ حَزْمٍ، فخالفَ الجُمْهورَ أيضاً.
          قوله: (وَكُلُوْهُ) أي: السَّمْن الباقي.
          وهذا الحديثُ ذكَره البخاريُّ في باب: إذا وقَعَتِ الفأْرةُ في السَّمْن الجامِد أوِ الذَّائبِ [خ¦5538].


[1] لم أجده في مسنده وهو مسائل الإمام أحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه برقم 2844.
[2] البيهقي 20116 موقوفاً وأرسله مكمول في المصنف لابن أبي شيبة 24891 من قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[3] لم أجده في مصنف ومسند ابن أبي شيبة بهذا اللفظ؛ وهو في المصنف 24879 بلفظ: «وإن كان جاهداً فألقها وما حولها وكل بقيته».