متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

1- هذا (باب قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) في الحديث الموصول الآتي تامًا إن شاء الله تعالى: (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ) [خ¦8] ، وفي «فرع اليونينيَّة» كهي: ((كتاب الإيمان، وقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم))، وفي أخرى: ((باب الإيمان وقول النَّبيِّ))، والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ ذكر الإيمان بعد ذكر كتاب الإيمان لا طائل تحته كما لا يخفى، وسقط لفظ: ((باب)) عند الأَصيليِّ، والإسلام لغةً: الانقياد والخضوع، ولا يتحقَّق ذلك إلَّا بقبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التَّصديق كما سبق، قال الله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35 ـ 36] ، فالإيمان لا ينفكُّ عن الإسلام حكمًا، فهما متَّحدان في التَّصديق، وإن تغايرا بحسب المفهوم؛ إذ مفهوم الإيمان: تصديق القلب، ومفهوم الإسلام: أعمال الجوارح، وبالجملة: لا يصحُّ في الشَّرع أن يُحكَم على أحدٍ بأنَّه مؤمنٌ وليس بمسلمٍ، أو مسلمٌ وليس بمؤمنٍ، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا، ومن أثبت التَّغاير؛ فقد يُقَال له: ما حكم من آمن ولم يسلم، أو أسلم ولم يؤمن؟ فإن أثبت لأحدهما حكمًا ليس بثابتٍ للآخر؛ فقد ظهر بطلان قوله، فإن قِيلَ قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] صريحٌ في تحقُّق الإسلام بدون الإيمان، أُجِيب: بأنَّ المراد أنَّهم انقادوا في الظَّاهر دون الباطن، فكانوا كمن تلفَّظ بالشَّهادتين ولم يصدِّق بقلبه، فإنَّه تجري عليه الأحكام في الظَّاهر ا ه.

(وَهُوَ)؛ أي: الإيمان المبَوَّب عليه عند المصنِّف؛ كابن عُيَيْنَةَ والثَّوريِّ وابن جريجٍ ومجاهدٍ ومالكٍ بن أنسٍ، وغيرهم من سلف الأمَّة وخلفها، من المتكلِّمين والمحدِّثين: (قَوْلٌ) باللِّسان؛ وهو النُّطق بالشَّهادتين، (وَفِعْلٌ)، ولأبي ذَرٍّ عن [1] الكُشْمِيهَنيِّ: ((وعملٌ)) بدل «فعلٌ»، وهو أعمُّ من عمل القلب والجوارح؛ لتدخل الاعتقادات والعبادات، وهو موافقٌ لقول السَّلف: اعتقادٌ بالقلب [/ج1ص85/] ونطقٌ باللِّسان، وعملٌ بالأركان، وأرادوا بذلك: أنَّ الأعمال شرط في كماله، وقال المتأخِّرون _ومنهم الأشعريَّة وأكثر الأئمَّة كالقاضي، ووافقهم ابن الرَّاونديُّ من المعتزلة_: هو تصديق الرَّسول عليه السلام بما عُلِمَ مجيئه به ضرورةً، تفصيلًا فيما عُلِمَ تفصيلًا، وإجمالًا فيما علم إجمالًا، تصديقًا جازمًا مُطلَقًا، سواءٌ كان لدليلٍ أم لا، قال الله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22] ، {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] ، وقال عليه الصلاة والسلام: «اللهمَّ ثبِّت قلبي على دينك»، وإذا ثَبَتَ أنَّه فعل القلب؛ وَجَبَ أن يكون عبارةً عن مجرَّد التَّصديق، وقد خرج بقيد «الضَّرورة» ما لم [2] يُعلَمْ بالضَّرورة أنَّه جاء به؛ كالاجتهادات، وبـ: «الجازم»: التَّصديق الظَّنيُّ، فإنَّه غيرُ كافٍ، وقيل: هو المعرفة، فقومٌ [3] : بالله، وهو مذهب جهم بن صفوان، وقومٌ: بالله وبما جاء به الرَّسول إجمالًا، وهو منقولٌ عن بعض الفقهاء، وقال الحنفيَّة: التَّصديق بالجَنَان، والإقرار باللِّسان، قال العلَّامة التَّفتازانيُّ: إلَّا أنَّ التَّصديق ركنٌ لا يحتمل السُّقوط أصلًا، والإقرار قد يحتمله؛ كما في حالة الإكراه، فإن قلت: قد لا يبقى التَّصديق [4] ؛ كما في حالة النَّوم والغفلة، أُجِيب: بأنَّ التَّصديق باقٍ في القلب، والذُّهول إنَّما هو عن حصوله، وذهب جمهور المحقِّقين إلى أنَّه هو التَّصديق بالقلب، وإنَّما الإقرارُ شرطٌ؛ لإجراء الأحكام في الدُّنيا، كما أنَّ تصديق القلب أمرٌ باطنيٌّ لابدَّ له من علامةٍ ا ه، وقال النَّوويُّ رحمه الله: اتَّفق أهل السُّنَّة من المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين: أنَّ المؤمن الذي يُحكَم بأنَّه من أهل القبلة ولا يخلَّد في النَّار؛ لا يكون إلَّا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشُّكوك، ونطق مع ذلك بالشَّهادتين، فإن اقتصر على أحدهما؛ لم يكن من أهل القبلة أصلًا، بل يُخلَّد في النَّار، إلَّا أن يعجز عن النُّطق؛ لخللٍ في لسانه، أو لعدم التَّمكُّن منه؛ لمعالجة المنيَّة أو لغير ذلك، فإنَّه حينئذٍ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظٍ ا ه، وقالتِ الكراميَّة: النُّطق بكلمتي الشَّهادة فقط، وقال قومٌ: العمل، وذهب الخوارج والعلَّاف وعبد الجبَّار إلى أنَّه الطَّاعات بأَسْرِها، فرضًا كانت أو نفلًا، وذهب الجبَّائيُّ وابنه وأكثر المعتزلة البصريَّة إلى أنَّه الطَّاعات المُفترَضة من الأفعال والتَّروك دون النَّوافل، وقال الباقون منهم: العمل والنُّطق والاعتقاد، والفارق بينه وبين قول السَّلف السَّالف: أنَّهم جعلوا الأعمال شرطًا في الكمال، والمعتزلة جعلوها شرطًا في الصِّحَّة، فهذه ثمانية أقوالٍ؛ خمسةٌ منها بسيطةٌ، والأوَّل والثامن [5] مُركَّبٌ ثلاثيٌّ، والرَّابع مُركَّبٌ ثُنائيٌّ، ووجه الحصر: أنَّ الإيمان لا يخرج بإجماع المسلمين عن فعل القلب وفعل الجوارح، فهو حينئذٍ: إمَّا فعل القلب فقط؛ وهو المعرفة على الوجهين أو التَّصديق المذكور، وإمَّا فعل الجوارح فقط؛ وهو فعل اللِّسان؛ وهو الكلمتان، أو غير فعل اللِّسان؛ وهو العمل بالطَّاعات المُطلَقة أو المُفترَضة، وإمَّا فعل القلب والجوارح معًا، والجارحة: إمَّا اللِّسان وحده، أو جميع الجوارح، وهذا كلُّه بالنَّظر إلى ما عند الله تعالى، أمَّا بالنَّظر إلى ما عندنا؛ فالإيمان هو الإقرار فقط، فإذا أقرَّ؛ حكمنا بإيمانه اتِّفاقًا. نعم؛ النِّزاع واقعٌ في نفس الإيمان والكمال، فإنَّه لابدَّ فيه من الثَّلاثة إجماعًا، فمن أقرَّ بالكلمة جرت عليه الأحكام في الدُّنيا، ولم يُحكَم بكفره، إلَّا إنِ اقترن به فعلٌ؛ كالسُّجود لصنمٍ، فإن كان غير دالٍّ عليه كالفسق؛ فمن أطلق عليه الإيمان؛ فبالنَّظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنَّظر إلى [6] كماله، ومن أطلق عليه الكفر؛ فبالنَّظر إلى أنَّه فَعَل فِعْل الكافر، ومن نفاه عنه؛ فبالنَّظر إلى حقيقته، وأثبت المعتزلة الواسطة، فقالوا: الفاسق لا مؤمنٌ ولا كافرٌ.

(وَ) إذا تقرَّر هذا؛ فاعلم أنَّ الإيمان (يَزِيدُ) بالطَّاعة، (وَيَنْقُصُ) بالمعصية؛ كما عند المؤلِّف [خ¦قبل: 8] وغيره، وأخرجه أبو نعيمٍ كذا بهذا اللَّفظ في ترجمة الشَّافعيِّ رحمه الله من «الحلية»، وهو عند الحاكم بلفظ: الإيمان قولٌ وعملٌ، ويزيد وينقص، وكذا نقله اللَّالكائيُّ في كتاب «السُّنَّة» عن الشَّافعيِّ، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق بن رَاهَوَيْه، بل قال به من الصَّحابة: عمر بن الخطاب، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وابن مسعودٍ، ومعاذ بن جبلٍ، وأبو الدَّرداء، وابن عبَّاسٍ، وابن عمرَ، وعُمارةُ، وأبو هريرةَ، وحذيفةُ، وعائشةُ، وغيرهم رضي الله عنهم، ومن التَّابعين: كعب الأحبار، وعروة، وطاووس، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم، وروى [/ج1ص86/] اللَّالكائيُّ أيضًا بسندٍ صحيحٍ عن البخاريِّ قال: لقيت أكثر من ألف رجلٍ من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، ويزيد وينقص، وأمَّا توقُّف مالكٍ رحمه الله عن القول بنقصانه؛ فخشيةَ أن يُتَأَوَّل عليه مُوافقَة الخوارج.

ثمَّ استدلَّ المؤلِّف على زيادة الإيمانِ بثمانِ آياتٍ من القرآن العظيم مصرِّحة بالزِّيادة، وبثبوتها يثبت المقابل، فإنَّ كلَّ قابلٍ للزِّيادة قابلٌ للنُّقصان ضرورةً، فقال: (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((وقال)) (اللهُ تَعَالَى) بـ: «الواو»، في سورة الفتح، ولأبي ذَرٍّ: (( عزَّ وجلَّ )): ({لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}) [الفتح: 4] ، وقال تعالى في الكهف: ({وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}) [الكهف: 13] ؛ أي: بالتَّوفيق والتَّثبيت، وهذه الآية ساقطةٌ في رواية ابن عساكر، كما في «فرع اليونينيَّة» كهي، والآية الثَّالثة في مريم: ({وَيَزِيدُ الله}) بالواو، وفي رواية ابن عساكر: ((يزيد الله))، وفي أخرى للأَصيليِّ: ((وقال: {وَيَزِيدُ الله})) ({الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى}) [مريم: 76] ؛ أي: بتوفيقه، (وَقَالَ) في القتال، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ: ((وقوله))، وفي روايةٍ بإسقاطهما، والابتداء بقوله عزَّ وجلَّ: ({وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى}) بالتَّوفيق ({وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}) [محمد: 17] ؛ أي: بيَّن لهم ما يتَّقون، أو أعانهم على تقواهم، أو أعطاهم جزاءها، وقال تعالى في المدَّثِّر: ({وَيَزْدَادَ})، ولابن عساكر والأَصيليِّ: ((وقوله: {وَيَزْدَادَ})) ({الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا}) بتصديقهم بأصحاب النَّار المذكورين في قوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلَّا ملائكةً...} الآية [المدثر: 31] ، (وَقَوْلُهُ) تعالى في براءة: ({أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ})؛ أي: السُّورة ({إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا}) [التوبة: 124] بزيادة العلم الحاصل من تدبُّرها، وبانضمام الإيمان بها، وبما فيها إلى إيمانهم. (وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ) في آل عمران: ({فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا}) [آل عمران: 173] ؛ لعدم التفاتهم إلى من ثبَّطهم عن قتال المشركين، بل ثبت يقينهم بالله وازداد إيمانهم، قال البيضاويُّ: وهو دليلٌ على أنَّ الإيمان يزيد وينقص. (وَقَوْلُهُ تَعَالَى) في الأحزاب: ({وَمَا زَادَهُمْ})؛ أي: لمَّا رأوا الخَطْب أو البلاء في قصَّة الأحزاب، وسقطت: واو «وما» للأَصيليِّ، فقال: ((ما زادهم)) ({إِلَّا إِيمَانًا}) بالله تعالى ومواعيده ({وَتَسْلِيمًا}) [الأحزاب: 22] لأوامره ومقاديره، فإن قلت: الإيمان: هو التَّصديق بالله ورسوله، والتَّصديق شيءٌ واحدٌ لا يتجزَّأ، فلا يُتصوَّر كمالُه تارةً، ونقصُه أخرى، أُجِيب: بأنَّ قبوله الزِّيادة والنَّقص ظاهرٌ، على تقدير دخول القول والفعل فيه، وفي الشَّاهد شاهدٌ بذلك؛ فإنَّ كلَّ أحدٍ يعلم أنَّ ما في قلبه يتفاضل، حتَّى إنَّه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكُّلًا منه في بعضها [7] ، وكذلك في التَّصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها، ومن ثمَّ كان إيمان الصِّدِّيقين أقوى من إيمان غيرهم، وهذا مبنيٌّ على ما ذهب إليه المحقِّقون من الأشاعرة: من أنَّ نفس التَّصديق لا يزيد ولا ينقص، وأنَّ الإيمان الشَّرعيَّ يزيد وينقص بزيادة ثمراته _التي هي الأعمال_ ونقصانها، وبهذا يحصل التَّوفيق بين ظواهر النُّصوص الدَّالَّة على الزِّيادة وأقاويل السَّلف بذلك، وبين أصل وضعه اللُّغويِّ وما عليه أكثر المتكلِّمين. نعم؛ يزيد وينقص؛ قوَّةً وضعفًا، وإجمالًا وتفصيلًا، أو تعدُّدًا بحسب تعدُّد المؤمن به، وارتضاه النَّوويُّ، وعَزَاه التَّفتازانيُّ في «شرح عقائد النَّسفيِّ» لبعض المحقِّقين، وقال في «المواقف»: إنَّه الحقُّ، وأنكر ذلك أكثر المتكلِّمين والحنفيَّة؛ لأنَّه متى قُبِلَ ذلك؛ كان شكًّا وكفرًا، وأجابوا عن الآيات السَّابقة ونحوها بما نقلوه عن إمامهم: أنَّها محمولةٌ على أنَّهم كانوا آمَنوا في الجملة، ثمَّ يأتي فرضٌ بعد فرضٍ، فكانوا يؤمنون بكل فرضٍ خاصٍّ، وحاصله: أنَّه كان يزيد بزيادة ما يجب الإيمان به، وهذا لا يُتصَّور في غير عصره صلى الله عليه وسلم، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الاطِّلاع على تفاصيل الفرائض يمكن في غير عصره عليه الصلاة والسلام، والإيمان واجبٌ إجمالًا: فيما عُلِمَ إجمالًا، وتفصيلًا: فيما عُلِمَ تفصيلًا، ولا خفاء في أنَّ التَّفصيليَّ أَزْيَدُ. ا ه.

ثمَّ استدلَّ المؤلِّف على قبول الزِّيادة أيضًا بقوله: (وَالْحُبُّ فِي اللهِ) وهو _بالرَّفع_ مبتدأٌ (وَالْبُغْضُ فِي اللهِ): عطفٌ عليه، وقوله: (مِنَ الإِيمَانِ) خبرُ المبتدأِ، وهذا لفظُ حديثٍ رواه أبو داودَ من حديث أبي أُمامةَ؛ لأنَّ الحبَّ والبغض يتفاوتان.

(وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) ابن مروان الأمويُّ القرشيُّ أحد الخلفاء الرَّاشدين، المُتوفَّى بدير سمعان بحمصَ يوم [/ج1ص87/]

الجمعة، لخمس ليالٍ بَقِين من رجب سنة إحدى ومئةٍ (إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ)؛ بفتح العين وكسر الدَّال المُهملَتين فيهما، ابن عَمرة _بفتح العين_ الكنديِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ: (إِنَّ لِلإِيمَانِ)؛ بكسر همزة «إنَّ» في «اليونينيَّة» (فَرَائِضَ)؛ بالنَّصب اسم «إنَّ» مُؤخَّرًا؛ أي: أعمالًا مفروضةً، (وَشَرَائِعَ)؛ أي: عقائد دينيَّةً، (وَحُدُودًا)؛ أي: منهيَّاتٍ ممنوعةً (وَسُنَنًا)؛ أي: مندوباتٍ، وفي رواية ابن عساكرَ: ((إنَّ الإيمان فرائضُ)) بالرَّفع خبر «إنَّ»، وما بعده: معطوفٌ عليه، ووقع للجرجانيِّ: ((فرائع [8] )) وليس بشيءٍ، (فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا)؛ أي: الفرائض وما معها؛ فقد (اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ)؛ فيه إشارةٌ إلى قبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصانَ، ومن ثمَّ ذكره المؤلِّف هنا استشهادًا، لا يُقال: إنَّه لا يدلُّ على ذلك بل على خلافه؛ إذ قال: للإيمان كذا وكذا، فجعل الإيمان غير الفرائض وما ذُكِرَ معها، وقال: مَنِ استكملها؛ أي: الفرائض وما معها، فجعل الكمال لِمَا للإيمان، لا للإيمان؛ لأنَّا نقول: آخر كلامه يُشعِر بذلك حيث قال: فمن استكملها _أي: الفرائض وما معها_؛ فقد استكمل الإيمان، (فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا)؛ أي: فسأوضِّحها (لَكُمْ) إيضاحًا يفهمه كلُّ أحدٍ منكم، والمُرَاد: تفاريعها لا أصولها؛ إذ كانت معلومةً لهم على سبيل الإجمال، وأراد: سأبيِّنها لكم على سبيل التَّفصيل، (حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ؛ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ)، وليس في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ إذ الحاجة لم تتحقَّق، أو أنَّه علم أنَّهم يعلمون مقاصدها، ولكنَّه استظهر وبالغ في نصحهم وتنبيههم على المقصود، وعرَّفهم أقسام الإيمان مُجمَلًا، وأنه سيذكرها مفصَّلًا إذا تفرَّغ لها، فقد كان مشغولًا بالأهمِّ، وهو من تعاليق المؤلِّف المجزومة، وهي محكومٌ بصحَّتها، ووصله أحمدُ وابن أبي شيبة في كتاب «الإيمان» لهما من طريق عيسى بن عاصمٍ، قال: حدَّثني عديُّ بن عديٍّ... فذكره.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) الخليل، زاد الأَصيليُّ في روايته، كما في «فرع اليونينيَّة» كهي: ((صلى الله عليه وسلم))، وقد عاش فيما رُوِيَ مئة سنةٍ وخمسًا وسبعين سنةً، أو مئتي سنةٍ، ودُفِنَ بحبرون؛ بالحاء المُهملَة: ({وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي})؛ أي: ليزداد [9] بصيرةً وسكونًا بمضامَّة العيان إلى الوحي والاستدلال؛ فإنَّ عين اليقين فيه طمأنينةٌ ليست في علم اليقين، ففيه دلالةٌ على قَبول التَّصديق اليقينيِّ للزِّيادة، وعند ابن جريرٍ بسندٍ صحيحٍ إلى سعيد بن جُبيرٍ؛ أي: يزداد يقيني، وعن مجاهدٍ: لِأزدادَ إيمانًا إلى إيماني، لا يُقال: كان المناسب أن يذكر المؤلِّف رحمه الله هذه الآية عند الآيات السَّابقة؛ لأنَّا نقول: إنَّ هاتيك دلالتُها على الزِّيادة صريحةٌ بخلاف هذه؛ فِلذا أخَّرها إشعارًا بالتَّفاوت.

(وَقَالَ مُعَاذٌ)؛ بضمِّ الميم والذَّال المُعجَمة، وللأَصيليِّ في روايته: ((وقال معاذ بن جبلٍ)) كما في «فرع اليونينيَّة» كهي، ابن عمرٍو [10] الخزرجيُّ الأنصاريُّ، المُتوفَّى سنة ثمانيةَ عَشَرَ، وله في البخاريِّ ستَّةُ أحاديث للأسود بن هلالٍ: (اجْلِسْ بِنَا) بهمزة وصلٍ؛ (نُؤْمِنْ) بالجزم (سَاعَةً)؛ أي: نزداد إيمانًا؛ لأنَّ معاذًا كان مؤمنًا؛ أي: مؤمنٌ، وقال النَّوويُّ: معناه: نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدِّين، فإنَّ ذلك إيمانٌ، وقال القاضي أبو بكرِ بن العربيِّ: لا تعلُّق فيه للزِّيادة؛ لأنَّ معاذًا إنَّما أراد تجديد الإيمان؛ لأنَّ العبد يؤمن في أوَّل مرَّةٍ فرضًا، ثمَّ يكون أبدًا مجدِّدًا كلَّما نظر أو فكَّر، قال في «الفتح» متعقِّبًا له: وما نفاه أوَّلًا؛ أثبته آخرًا؛ لأنَّ تجديد الإيمان إيمانٌ، وهذا التَّعليق وصله أحمد وابن أبي شيبة _كالأوَّل_ بسندٍ صحيحٍ إلى الأسود بن هلالٍ قال: قال لي معاذُ: اجلس...؛ فذكره، وعُرِفَ من هذا: أنَّ الأسود أبهم نفسه.

(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله، وجدُّه غافلٌ؛ بالمُعجَمة والفاء، الهُذليُّ؛ نسبةً إلى جدِّه هُذيل بن مدركَة، المُتوفَّى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وله في «البخاريِّ» خمسةٌ وثمانون حديثًا: (الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ)؛ أكَّده بـ: «كلٍّ» لدلالتها _كـ: «أجمع»_ على التَّبعيض للإيمان؛ إذ لا يُؤكَّد بهما إلَّا ذو أجزاءٍ يصحُّ افتراقها حسًّا أو حكمًا، وهذا التَّعليق طرفٌ من أثرٍ رواه الطَّبرانيُّ بسندٍ صحيحٍ، وتتمَّته: «والصبر نصف الإيمان»، ولفظ «النِّصف» صريحٌ في التَّجزئة.

(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) عبدُ الله، وجدُّه [/ج1ص88/] الخطَّاب، أحد العبادلة، السَّابق للإسلام مع أبيه، أحد السِّتَّة المكثرين للرِّواية، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وسبعين: (لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ)؛ بالتَّعريف، وفي رواية ابن عساكرَ: ((عبدٌ)) بالتنكير (حَقِيقَةَ التَّقْوَى) التي هي وقاية النَّفس عن الشِّرك والأعمال السَّيِّئة، والمُواظَبة على الأعمال الصَّالحة (حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ)؛ بالمُهمَلة والكاف الخفيفة؛ أي: اضطرب (فِي الصَّدْرِ)، ولم ينشرح له، وخاف الإثم فيه، وفي بعض نسخ المغاربة: ((ما حَكَّ))؛ بتشديد الكاف، وفي بعض نسخ العراقيَّة [11] : ((ما حاكَّ))؛ بالألف والتَّشديد؛ من المُحاكَّة، حكاهما صاحب «عمدة القاري» والبرماويُّ، وقد روى مسلمٌ معناه من حديث النَّوَّاس بن سـمعان مرفوعًا: «البُّر: حُسْنُ الخُلُق، والإثم: ما حاك في نفسك وكرهت أن يَطَّلِع النَّاسُ عليه»، وفي أثر ابن عمر هذا إشارةٌ إلى أنَّ بعض المؤمنين بلغ كُنْهَ الإيمان، وبعضهم لم يَبْلُغْه، فتجوز الزِّيادة والنُّقصان.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ)؛ أي: ابن جَبْرٍ؛ بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة، غير مُصغَّرٍ على الأشهر، المخزوميُّ مولى عبد الله بن السَّائب المخزوميِّ، المُتوفَّى وهو ساجدٌ سنة مئةٍ؛ في تفسير قوله تعالى: ({شَرَعَ لَكُمْ}) [الشورى: 13] زاد الهرويُّ وابن عساكرَ: (({من الدِّين}))؛ أي: (أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ)؛ أي: نوحًا (دِينًا وَاحِدًا)، خصَّ نوحًا عليه الصلاة والسلام؛ لِمَا قِيلَ: إنَّه الذي جاء بتحريم الحرام وتحليل الحلال، وأوَّل من جاء بتحريم الأمَّهات والبنات والأخوات، لا يُقَال: إنَّ «إيَّاه» تصحيفٌ وقع في «أصل البخاريِّ» في هذا الأثر، وإنَّ الصَّواب: «وأنبياءه»، كما عند عبد بن حميدٍ وابن المنذر وغيرهما، وكيف يفرد مجاهد الضَّمير لـ: «نوحٍ» وحده؟ مع أنَّ في السِّياق ذكر جماعةً؛ لأنَّه أُجِيب: بأنَّ نوحًا عليه السلام أُفْرِدَ في الآية، وبقيَّة الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام عُطْفٌ عليه، وهم داخلون فيما وصَّى به نوحًا في تفسير مجاهدٍ، وكلُّهم مشتركون في ذلك، فَذِكْرُ واحدٍ منهم يغني عن الكلِّ، على أنَّ نوحًا أقربُ مذكورٍ في الآية، وهو أَوْلى بِعَوْدِ الضَّمير إليه في تفسير مجاهدٍ، فليس بتصحيفٍ، بل هو صحيحٌ، وهذا التَّعليق أخرجه عبد بن حميدٍ في «تفسيره» بسندٍ صحيحٍ عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ({شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}) [المائدة: 48] ؛ أي: (سَبِيلًا)؛ أي: طريقًا واضحًا [12] ، وهو تفسيرٌ لـ: {منهاجًا}، (وَسُنَّةً) يُقَال: شَرَع يَشْرَع شَرْعًا [13] ؛ أي: سنَّ، فهو تفسيرٌ لـ: {شرعةً}، فيكون من باب اللَّفِّ والنَّشر الغير المرتَّب، وسقطت ((الواو)) من «وقال» لابن عساكر، وهذا التَّعليق وصله عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» بسندٍ صحيحٍ.

[1] في (ص): «و».
[2] في غير (ب) و(س): «لا».
[3] في هامش (ص): «قوله: فقوم؛ أي: مذهب قوم. انتهى».
[4] في (ب) و(س): «التَّصديق قد يُذهَل عنه».
[5] في (ص): «والثاني»، وهو تحريفٌ.
[6] قوله: «إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنَّظر إلى»، سقط من (ص).
[7] في (م): «غيرها».
[8] في (ص): «شرائع».
[9] في (ب) و(س): «ليزداد».
[10] في (م): «عمر»، وليس بصحيحٍ.
[11] في (ب) و(س): «العراق».
[12] في (ص): «واحدًا».
[13] في (م): «شرعة».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(1) بابٌ: قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [1] : «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَىَ خَمْسٍ»

وهو قَوْلٌ وفِعْلٌ، ويَزِيدُ [2] ويَنْقُصُ؛ قالَ [3] اللَّهُ تَعالَىَ [4] : { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ } [الفتح: 4] . { وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } [5] [الكهف: 13] . { وَيَزِيدُ [6] اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } [مريم: 76] . { وَالَّذِينَ [7] اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ } [محمد: 17] . { وَيَزْدَادَ [8] الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } [المدثر: 31] . وقَوْلُهُ: { أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } [التوبة: 124] . [/ج1ص10/] وقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ [9] : { فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً } [آل عمران: 173] . وقَوْلُهُ تَعالَىَ: { وَمَا [10] زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } [الأحزاب: 22] .

والحُبُّ فِي اللَّهِ والبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإِيمانِ.

وَكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلىَ عَدِيِّ بنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلإِيمانِ فَرائضَ [11] وشَرائعَ [12] وحُدُودًا وسُنَنًا [13] ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإِيمانَ، ومَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْها لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُها لَكُمْ حتَّىَ تَعْمَلُوا بِها، وإِنْ أَمُتْ فَما أَنا عَلَىَ صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ.

وقالَ إِبْراهِيمُ [14] : { وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [البقرة: 260] .

وقالَ مُعاذٌ [15] : اجْلِسْ بِنا نُؤْمِنْ ساعَةً.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اليَقِينُ الإِيمانُ كُلُّهُ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ: لا يَبْلُغُ العَبْدُ [16] حَقِيقَةَ التَّقْوَىَ حتَّىَ يَدَعَ ما حاكَ فِي الصَّدْرِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: { شَرَعَ لَكُم [17] } [الشورىَ: 13] : أَوْصَيْناكَ يا مُحَمَّدُ وإِيَّاهُ دِينًا واحِدًا.

وقالَ [18] ابْنُ عَبَّاسٍ: { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } [المائدة: 48] : سَبِيلًا وسُنَّةً.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي، وفي رواية ابن عساكر: «بابُ الإِيمانِ وقولِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
[2] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «وهو قول وعمل ويزيد». وفي رواية ابن عساكر: «وهو قولٌ يزيدُ».
[3] في رواية الأصيلي: «وقال».
[4] في رواية أبي ذر: «عزَّ وَجَلَّ».
[5] قوله: «{ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى }» ليس في رواية ابن عساكر.
[6] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «وقال: { وَيَزِيدُ... }».
[7] في رواية الأصيلي: «وقال: { وَالَّذِينَ... }»، والآية كلها ليست في رواية ابن عساكر.
[8] في رواية ابن عساكر والأصيلي: «وقوله: { وَيَزْدَادَ... }».
[9] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «عزَّ وَجَلَّ»، وهذه الآية ليست في نسخة.
[10] في رواية الأصيلي: «ما».
[11] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وبهامش اليونينية: «وقع للجرجاني: فرائع، وليس بشيء» (ن)، ونقله في الإرشاد.
[12] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[13] في رواية ابن عساكر: «إنَّ الإيمانَ فرائضُ وشرائعُ وحدودٌ وسننٌ» ا ه.
[14] في رواية الأصيلي زيادة: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
[15] في رواية الأصيلي زيادة: «بن جبل».
[16] في رواية ابن عساكر: «عبدٌ».
[17] في رواية أبي ذر وحاشية رواية ابن عساكر زيادة: «{ مِّنَ الدِّينِ }».
[18] في رواية ابن عساكر: «قال».





( وَهُوَ قَوْلٌ ) هَذَا مِنْ كَلامِ البُخَارِيِّ، وَهُو رَاجِع إِلَى الإِيْمَانِ الْمُبَوَّبِ عَلَيْهِ، لا الإسلام المذكور في الحديثِ، فإنه سيأتي منه تغايرُهما في باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام.

( والحب في الله والبغض في الله من الإيمان ) رواه البيهقي مرفوعًا بلفظ: «إن أوثق عُرى الإيمان أن تحبَّ في الله، وأن تبغض في الله».

( فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ ) بالنصب اسم ( إنَّ ).

( وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ ) هو بهمزة وصل.

( حَتَّى يَدَعَ ) منصوب بأن مضمرة.

( مَا حَاكَ ) أي: اضطرب ولم ينشرح به الصدر.

( وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ ) كذا علَّقه موقوفًا، وقال عبد الحق في «الجمع بين الصحيحين»: أسنده محمد بن خالد المخزومي، عن سفيان الثوري، عن زبيد [1] [/ج1ص27/]

عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن صخر في «الفوائد». انتهى.

[1] جاء في هامش [ب] : هو اليامي.





(1) [ باب: الإيمان وقَوْلِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ))]

(وَهُوَ) أي: الإيمان.

قال الزركشيُّ: هذا من كلام البخاري، وهو راجعٌ إلى الإيمان المبوب عليه، لا الإسلامِ المذكور في الحديث، فإنه سيأتي فيه تغايرهما في باب: سؤال جبريل عن الإيمان.

قلت: هذا ليس بظاهر، فإن مذهبَ البخاري أنَّ معناهما واحدٌ، ولولا ذلك، لما حسُن منه إدخالُ هذا الحديث في كتاب الإيمان في معرض الاستدلالِ به [1] على قبولهِ الزيادةَ والنقصَ، وسيأتي فيه مزيد كلامٍ.

(قَوْلٌ) باللسان.

(وَفِعْلٌ) بالجوارح وبالجنَان، فأطلق على اعتقادِ القلب فعلًا.

(وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ) أي: الإيمان بهذا التفسير، وأمَّا باعتبار حقيقة التَّصديق، فلا يزيدُ ولا ينقص.

نعم، هو قابلٌ للشدة والضَّعف، وقد أطلق كثيرون أنَّ نفس التَّصديق يزيد بتظاهر [2] الأدلة، وكثرةِ النظر، وينقصُ بفقدِ ذلك، ولهذا كان إيمانُ الصديقين أقوى من إيمان غيرهم؛ بحيث لا تعتريهم الشُّبهة، ولا يتزلزلُ [3] إيمانهم، وهو إذا تأملت إنما يرجعُ إلى القوة والضعف.

(وَالْحُبُّ فِي الله، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإيمَانِ) رواه البيهقي مرفوعًا بلفظ: ((أَوثقُ عُرَى الإِيمانِ

@%ج1ص38%

أَن تُحبَّ في اللهِ، وتُبغضَ في اللهِ))، و((في)) للسببية [4] ؛ مثل: ((دَخَلتِ امرأةٌ [5] النَّارَ في هرَّة)).

(فَرَائِضَ) جمع فريضة، وهي [6] ما يُحمد فاعلُه، ويُذم تاركُه.

(وَشَرَائِعَ) جمع شريعة [7] ، قيل: والمراد بها نحو: صفة الصلاة، وعدد [8] شهر رمضان، وعَدد جلد القاذف، وعِدد الطلاق، وفيه نظرٌ.

(وَسُنَنًا) جمع سُنَّة، وهي [9] : ما يُحمد فاعلُه، ولا يُذم تاركُه، ويرادفها: المندوبُ، والتطوُّعُ، والمستَحبُّ، والنافلة، والمرغَّبُ فيه، وللمالكية في ذلك تفصيلٌ معروفٌ.

(وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً) قال ذلك للأسودِ بنِ هلالٍ.

(وَقَالَ [10] ابْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ الإيمَانُ كُلُّهُ) ولا يؤكد بـ ((كل)) إلا ذو أجزاء يصحُّ افتراقُها [11] حِسًّا أو حُكمًا.

وقد ذكر عبد الحقِّ في «الجمع بين الصحيحين»: أن هذا حديثٌ [12] أسنده محمدُ بنُ خالدٍ المخزوميُّ عن سفيانَ الثوريِّ، عن زُبيدٍ، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.

(مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ) ما وقع فيه، ولم ينشرح له، وخيف الإثمُ فيه.

قال بعضُهم: وصوابه: ((حَكَّ))، وردَّه القاضي بأنه يقال: حاكَ يَحيكُ، وحَكَّ يَحكُّ؛ بمعنًى.

[1] ((به)): ليست في (ق).
[2] في (ق): ((بظاهر)).
[3] في (ق): ((ويتزلزل)).
[4] في (ق): ((السببية)).
[5] ((امرأة)): ليست في (ق)، في (د): ((المرأة)).
[6] في (ق): ((وهو)).
[7] في (ق): ((شرائع)).
[8] في (ق) هنا والمواضع التالية: ((وعدة)).
[9] في (ق): ((وهو)).
[10] في (ق): ((فقال)).
[11] في (ق): ((فراقها)).
[12] في (ق): ((حيث)).





قوله: (وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ): هذه المسألةُ الكلام فيها معروفٌ، فمَن أرادها؛ فينظر مظانَّها، وهي مذكورةٌ في أوَّل (كتاب الإيمان) من [1] «شرح مسلم» للنوويِّ، وكذا القطعة التي [2] له على «البخاريِّ»، وكذا «شرح المهذَّب» له، وكذا مِن شرح شيخنا وغيرها.

قوله: (إلى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ): قال الدِّمياطيُّ: (روى عن أبي الدرداء وغيرِه، مات سنة «120ه - »، كان على قضاء الجزيرة في خلافة عمر بن عبد العزيز) انتهى، وهوَ عَدِيُّ بنُ عَدِيِّ بنِ عَمِيرةَ -بفتح العين، وكسر الميم- أبو فروةَ الكِنْديُّ، سيِّدُ أهل الجزيرة، ثقةٌ ناسكٌ، فقيهٌ، أخرجَ له أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجه [3] .

قوله: (إِنَّ لِلْإِيمَانِ): هو بكسر همزةِ (إِنَّ) على الحكاية، وليست مفتوحةً.

قوله: (فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا): الفرائضُ: ما فرض الله عزَّ وجلَّ، والشَّرائعُ: كالتوجُّهِ إلى القبلة، وصفات الصلاة، وعدد شهر رمضان، وعدد جلد القاذف، وعدد الطلاق... إلى غير ذلك، والسُّنَن: ما أَمر به الشارعُ مِن فضائل الأعمال، فمتى أتى الشَّخص بالفرائض والسُّنن وعَرَفَ الشَّرائع؛ فهو مؤمنٌ كاملٌ، قاله ابن المُرابط، نقلَه شيخُنا الشَّارح.

وقوله: (وَحُدُودًا): هو جمعُ حَدٍّ؛ وهو المنعُ؛ أي: ممنوعات الإيمان، وهذا هو الظاهر؛ لعطفه الحدود على ما هو معطوف على (فَرَائِضَ) ، وتُستعملُ الحدودُ بمعنى التفصيلات؛ أي: تفصيلات الإيمان، وكذا بمعنى الشُّروط؛ أي: شروط الإيمان، وبمعنى الطاعات، وبمعنى الأوامر، وكلُّ ذلك قد يُقال في قوله: (وحدودًا) ، والأوَّلُ أظهرُ، والله أعلم، قُلتُه ولم أَرَهُ لِأَحدٍ.

قوله: (مُعَاذٌ): هو معاذُ بنُ جَبَلٍ رضي الله عنه، مشهورُ الترجمةِ.

قوله: (اجْلِسْ بِنَا): قال ابن شيخنا البلقينيِّ: (قال ذلك للأسود بن هلال) انتهى.

والأسودُ هذا تابعيٌّ على الصحيح، وقيل: صحابيٌّ، وهو الأسودُ بن هلالٍ المحاربيُّ، أبو سلَّام _ بالتشديد- الكوفيُّ، أدرك الجاهليَّة، ورَوى عن عمر، ومعاذ، وثعلبة بن زهدم، وابن مسعود، وعنه: إبراهيم، وأبو حَصِين -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين-، وأشعث [4] بن أبي الشَّعثاء، وآخرون، وثَّقه ابنُ معين، مات سنة (84 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ [5] .

قوله: (حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ): هو بالحاء المهملة، وفي آخره كافٌ مخفَّفة؛ وهو ما وقع في الخَلَد، ولا ينشرحُ [6] له الصدر، وخيف فيه الإثم، قال ابن قُرقُول: (وقال [/ج1ص19/] بعضُهم: صوابُه: حَكَّ) ، قال ابن قُرقُول: (ولم يقُل: شيئًا؛ لأنَّ العربَ تقول: حاكَ يحيك، وحَكَّ يحُكُّ، واحتكَّ وأحاك؛ لغة؛ إذا تحرَّك) انتهى [7]

[1] في (ب): (في) .
[2] (التي): مثبتمن (ج) .
[3] انظر «تهذيب الكمال» (19/534) .
[4] في (ب): (وأشعب) .
[5] انظر «تهذيب الكمال» (3/231) .
[6] في (ب): (يشرح) .
[7] «مطالع الأنوار» (*) .





(وَالْحُبُّ فِي اللهِ): (الحُبُّ) مبتدأٌ، و (مِنَ الْإِيمَانِ) خبرُه، ويَحتملُ أن تكون الجملةُ عطفًا على ما أضاف إليه الباب، فتدخل في ترجمة الباب؛ كأنَّه قال: والحبِّ في الله من الإيمان، وألَّا تكون، بل ذُكِرَتْ [1] لبيانِ إمكانِ الزِّيادةِ والنُّقصانِ؛ كذكرِ الآيات، وعلى التَّقديرين: يَحتملُ أن يقصدَ به الحديثَ النَّبويَّ وقد ذُكِرَ على سبيل التَّعليق، وأن يكون كلامَ البخاريِّ؛ كقوله: (وهو قَوْلٌ وفِعْلٌ).

و (فِي) هنا: للسببيَّة؛ أي: بسببِ طاعةِ الله ومعصيتِه، ومِنَ الفقهاءِ مَن قال: إنَّها قد تَرِدُ للسببيَّةِ، واختارَهَ مِنَ النُّحاةِ ابنُ مالكٍ فقط ؛ كقوله تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ} [النور: 14] ؛ أي: بسببِ، وقولِه تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} [الأنفال: 68] ، وكقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «في النَّفسِ المؤمنةِ مئةٌ مِنَ الإِبِلِ»، وقولِه: «دَخَلَتِ النَّارَ فِيْهَا»، ولم يُثبتْهُ البيضاويُّ [2] ، قال الإمامُ [3] : لأنَّ المرجعَ فيه إلى أهلِ اللُّغةِ، ولم يذكرْهُ أحدٌ منهم، وأمَّا ما استدلُّوا به؛ فيُمكِنُ حملُهُ على الظَّرفيَّة التَّقديريَّة مجازًا.

وأصلُ (في) الظَّرفيَّةُ، وقال ابنُ هشامٍ في «التوضيح»: (ولـ«في» [4] ستَّةُ معانٍ... إلى أنْ قال: وللسببيَّة؛ نحو: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ} [النور: 14] )، وقال في «المغني»: (لهُ عشَرةُ معانٍ... الثالث: التعليلُ؛ نحو: {فذلكن الذي لمتنني فيه} [يوسف: 32] ، {لمسكم فيما أفضتم} [النور: 14] ، وفي الحديث: «أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا» ).

(إِنَّ لِلْإِيمَانِ): بكسرِ الهمزةِ؛ على الحكايةِ.

(نُؤْمِنْ): بالجزمِ؛ جوابُ الأمرِ.

(حَتَّى يَدَعَ): منصوبٌ بـ (أنْ) المقدَّرةِ.

[1] في النسختين: (ذكر).
[2] أي: في كتابه «منهاج الوصول إلى علم الأصول»، والبيضاوي: هو الإمام الفقيه الأصولي المفسِّر القاضي ناصرُ الدين أبو الخير أو أبو سعيد عبدُ الله بن عمر بن محمد البيضاوي الشافعي، عالم أذربيجان، كان عالمًا مبرَّزًا نظَّارًا خيِّرًا صالحًا متعبِّدًا، وَلِيَ قضاء شيراز، وصنَّف التصانيف، ومنها: تفسيره المشهور «أنوار التنزيل» مختصر «الكشاف»، و«تحفة الأبرار شرح المصابيح»، و«طوالع الأنوار» في التوحيد، و«منهاج الوصول إلى علم الأصول»، و«شرح التنبيه»، و«الغاية القصوى في دراية الفتوى»، و«شرح الكافية»، و«لب اللباب في علم الإعراب»، وغيرها، توفِّي رحمه الله تعالى بتبريز سنة (685هـ)، وقيل: (691هـ)، انظر «الوافي بالوفيات» (17/206)، «طبقات الشافعية الكبرى» (8/157)، «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (2/172)، «بغية الوعاة» (2/47).
[3] أي: الفخر الرازي في «المحصول في علم الأصول» (1/548)؛ إذ هو أصل كتاب الأرموني «الحاصل»، والأخير هو أصل كتاب البيضاوي «المنهاج»، والفخر الرازي: هو الإمام العلامة فخر الدِّين أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي القرشي التَّيمي الطَبَرِستاني الرازي، ولد سنة (544هـ)، وهو مفسِّرٌ، متكلِّمٌ، فقيهٌ، أصوليٌّ، حكيمٌ، أديبٌ، شاعرٌ، طبيبٌ، ويلقَّب عند علماء الأصول بـ(الإمام)، بلغت تصانيفه (75) مصنفًا، منها: تفسيره الكبير «مفاتيح الغيب»، و«المحصول في علم الأصول»، توفي رحمه الله تعالى سنة (606هـ)، وله اثنتان وستون سنة، ودفن بظاهر هَرَاة، انظر «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» (ص462)، «وفيات الأعيان» (4/248)، «الوافي بالوفيات» (4/175)، «طبقات الشافعية الكبرى» (8/81).
[4] في (أ): (لـ«في») بغير واو.





1- هذا (باب قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) في الحديث الموصول الآتي تامًا إن شاء الله تعالى: (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ) [خ¦8] ، وفي «فرع اليونينيَّة» كهي: ((كتاب الإيمان، وقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم))، وفي أخرى: ((باب الإيمان وقول النَّبيِّ))، والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ ذكر الإيمان بعد ذكر كتاب الإيمان لا طائل تحته كما لا يخفى، وسقط لفظ: ((باب)) عند الأَصيليِّ، والإسلام لغةً: الانقياد والخضوع، ولا يتحقَّق ذلك إلَّا بقبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التَّصديق كما سبق، قال الله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35 ـ 36] ، فالإيمان لا ينفكُّ عن الإسلام حكمًا، فهما متَّحدان في التَّصديق، وإن تغايرا بحسب المفهوم؛ إذ مفهوم الإيمان: تصديق القلب، ومفهوم الإسلام: أعمال الجوارح، وبالجملة: لا يصحُّ في الشَّرع أن يُحكَم على أحدٍ بأنَّه مؤمنٌ وليس بمسلمٍ، أو مسلمٌ وليس بمؤمنٍ، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا، ومن أثبت التَّغاير؛ فقد يُقَال له: ما حكم من آمن ولم يسلم، أو أسلم ولم يؤمن؟ فإن أثبت لأحدهما حكمًا ليس بثابتٍ للآخر؛ فقد ظهر بطلان قوله، فإن قِيلَ قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] صريحٌ في تحقُّق الإسلام بدون الإيمان، أُجِيب: بأنَّ المراد أنَّهم انقادوا في الظَّاهر دون الباطن، فكانوا كمن تلفَّظ بالشَّهادتين ولم يصدِّق بقلبه، فإنَّه تجري عليه الأحكام في الظَّاهر ا ه.

(وَهُوَ)؛ أي: الإيمان المبَوَّب عليه عند المصنِّف؛ كابن عُيَيْنَةَ والثَّوريِّ وابن جريجٍ ومجاهدٍ ومالكٍ بن أنسٍ، وغيرهم من سلف الأمَّة وخلفها، من المتكلِّمين والمحدِّثين: (قَوْلٌ) باللِّسان؛ وهو النُّطق بالشَّهادتين، (وَفِعْلٌ)، ولأبي ذَرٍّ عن [1] الكُشْمِيهَنيِّ: ((وعملٌ)) بدل «فعلٌ»، وهو أعمُّ من عمل القلب والجوارح؛ لتدخل الاعتقادات والعبادات، وهو موافقٌ لقول السَّلف: اعتقادٌ بالقلب [/ج1ص85/] ونطقٌ باللِّسان، وعملٌ بالأركان، وأرادوا بذلك: أنَّ الأعمال شرط في كماله، وقال المتأخِّرون _ومنهم الأشعريَّة وأكثر الأئمَّة كالقاضي، ووافقهم ابن الرَّاونديُّ من المعتزلة_: هو تصديق الرَّسول عليه السلام بما عُلِمَ مجيئه به ضرورةً، تفصيلًا فيما عُلِمَ تفصيلًا، وإجمالًا فيما علم إجمالًا، تصديقًا جازمًا مُطلَقًا، سواءٌ كان لدليلٍ أم لا، قال الله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22] ، {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] ، وقال عليه الصلاة والسلام: «اللهمَّ ثبِّت قلبي على دينك»، وإذا ثَبَتَ أنَّه فعل القلب؛ وَجَبَ أن يكون عبارةً عن مجرَّد التَّصديق، وقد خرج بقيد «الضَّرورة» ما لم [2] يُعلَمْ بالضَّرورة أنَّه جاء به؛ كالاجتهادات، وبـ: «الجازم»: التَّصديق الظَّنيُّ، فإنَّه غيرُ كافٍ، وقيل: هو المعرفة، فقومٌ [3] : بالله، وهو مذهب جهم بن صفوان، وقومٌ: بالله وبما جاء به الرَّسول إجمالًا، وهو منقولٌ عن بعض الفقهاء، وقال الحنفيَّة: التَّصديق بالجَنَان، والإقرار باللِّسان، قال العلَّامة التَّفتازانيُّ: إلَّا أنَّ التَّصديق ركنٌ لا يحتمل السُّقوط أصلًا، والإقرار قد يحتمله؛ كما في حالة الإكراه، فإن قلت: قد لا يبقى التَّصديق [4] ؛ كما في حالة النَّوم والغفلة، أُجِيب: بأنَّ التَّصديق باقٍ في القلب، والذُّهول إنَّما هو عن حصوله، وذهب جمهور المحقِّقين إلى أنَّه هو التَّصديق بالقلب، وإنَّما الإقرارُ شرطٌ؛ لإجراء الأحكام في الدُّنيا، كما أنَّ تصديق القلب أمرٌ باطنيٌّ لابدَّ له من علامةٍ ا ه، وقال النَّوويُّ رحمه الله: اتَّفق أهل السُّنَّة من المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين: أنَّ المؤمن الذي يُحكَم بأنَّه من أهل القبلة ولا يخلَّد في النَّار؛ لا يكون إلَّا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشُّكوك، ونطق مع ذلك بالشَّهادتين، فإن اقتصر على أحدهما؛ لم يكن من أهل القبلة أصلًا، بل يُخلَّد في النَّار، إلَّا أن يعجز عن النُّطق؛ لخللٍ في لسانه، أو لعدم التَّمكُّن منه؛ لمعالجة المنيَّة أو لغير ذلك، فإنَّه حينئذٍ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظٍ ا ه، وقالتِ الكراميَّة: النُّطق بكلمتي الشَّهادة فقط، وقال قومٌ: العمل، وذهب الخوارج والعلَّاف وعبد الجبَّار إلى أنَّه الطَّاعات بأَسْرِها، فرضًا كانت أو نفلًا، وذهب الجبَّائيُّ وابنه وأكثر المعتزلة البصريَّة إلى أنَّه الطَّاعات المُفترَضة من الأفعال والتَّروك دون النَّوافل، وقال الباقون منهم: العمل والنُّطق والاعتقاد، والفارق بينه وبين قول السَّلف السَّالف: أنَّهم جعلوا الأعمال شرطًا في الكمال، والمعتزلة جعلوها شرطًا في الصِّحَّة، فهذه ثمانية أقوالٍ؛ خمسةٌ منها بسيطةٌ، والأوَّل والثامن [5] مُركَّبٌ ثلاثيٌّ، والرَّابع مُركَّبٌ ثُنائيٌّ، ووجه الحصر: أنَّ الإيمان لا يخرج بإجماع المسلمين عن فعل القلب وفعل الجوارح، فهو حينئذٍ: إمَّا فعل القلب فقط؛ وهو المعرفة على الوجهين أو التَّصديق المذكور، وإمَّا فعل الجوارح فقط؛ وهو فعل اللِّسان؛ وهو الكلمتان، أو غير فعل اللِّسان؛ وهو العمل بالطَّاعات المُطلَقة أو المُفترَضة، وإمَّا فعل القلب والجوارح معًا، والجارحة: إمَّا اللِّسان وحده، أو جميع الجوارح، وهذا كلُّه بالنَّظر إلى ما عند الله تعالى، أمَّا بالنَّظر إلى ما عندنا؛ فالإيمان هو الإقرار فقط، فإذا أقرَّ؛ حكمنا بإيمانه اتِّفاقًا. نعم؛ النِّزاع واقعٌ في نفس الإيمان والكمال، فإنَّه لابدَّ فيه من الثَّلاثة إجماعًا، فمن أقرَّ بالكلمة جرت عليه الأحكام في الدُّنيا، ولم يُحكَم بكفره، إلَّا إنِ اقترن به فعلٌ؛ كالسُّجود لصنمٍ، فإن كان غير دالٍّ عليه كالفسق؛ فمن أطلق عليه الإيمان؛ فبالنَّظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنَّظر إلى [6] كماله، ومن أطلق عليه الكفر؛ فبالنَّظر إلى أنَّه فَعَل فِعْل الكافر، ومن نفاه عنه؛ فبالنَّظر إلى حقيقته، وأثبت المعتزلة الواسطة، فقالوا: الفاسق لا مؤمنٌ ولا كافرٌ.

(وَ) إذا تقرَّر هذا؛ فاعلم أنَّ الإيمان (يَزِيدُ) بالطَّاعة، (وَيَنْقُصُ) بالمعصية؛ كما عند المؤلِّف [خ¦قبل: 8] وغيره، وأخرجه أبو نعيمٍ كذا بهذا اللَّفظ في ترجمة الشَّافعيِّ رحمه الله من «الحلية»، وهو عند الحاكم بلفظ: الإيمان قولٌ وعملٌ، ويزيد وينقص، وكذا نقله اللَّالكائيُّ في كتاب «السُّنَّة» عن الشَّافعيِّ، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق بن رَاهَوَيْه، بل قال به من الصَّحابة: عمر بن الخطاب، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وابن مسعودٍ، ومعاذ بن جبلٍ، وأبو الدَّرداء، وابن عبَّاسٍ، وابن عمرَ، وعُمارةُ، وأبو هريرةَ، وحذيفةُ، وعائشةُ، وغيرهم رضي الله عنهم، ومن التَّابعين: كعب الأحبار، وعروة، وطاووس، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم، وروى [/ج1ص86/] اللَّالكائيُّ أيضًا بسندٍ صحيحٍ عن البخاريِّ قال: لقيت أكثر من ألف رجلٍ من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، ويزيد وينقص، وأمَّا توقُّف مالكٍ رحمه الله عن القول بنقصانه؛ فخشيةَ أن يُتَأَوَّل عليه مُوافقَة الخوارج.

ثمَّ استدلَّ المؤلِّف على زيادة الإيمانِ بثمانِ آياتٍ من القرآن العظيم مصرِّحة بالزِّيادة، وبثبوتها يثبت المقابل، فإنَّ كلَّ قابلٍ للزِّيادة قابلٌ للنُّقصان ضرورةً، فقال: (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((وقال)) (اللهُ تَعَالَى) بـ: «الواو»، في سورة الفتح، ولأبي ذَرٍّ: (( عزَّ وجلَّ )): ({لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}) [الفتح: 4] ، وقال تعالى في الكهف: ({وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}) [الكهف: 13] ؛ أي: بالتَّوفيق والتَّثبيت، وهذه الآية ساقطةٌ في رواية ابن عساكر، كما في «فرع اليونينيَّة» كهي، والآية الثَّالثة في مريم: ({وَيَزِيدُ الله}) بالواو، وفي رواية ابن عساكر: ((يزيد الله))، وفي أخرى للأَصيليِّ: ((وقال: {وَيَزِيدُ الله})) ({الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى}) [مريم: 76] ؛ أي: بتوفيقه، (وَقَالَ) في القتال، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ: ((وقوله))، وفي روايةٍ بإسقاطهما، والابتداء بقوله عزَّ وجلَّ: ({وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى}) بالتَّوفيق ({وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}) [محمد: 17] ؛ أي: بيَّن لهم ما يتَّقون، أو أعانهم على تقواهم، أو أعطاهم جزاءها، وقال تعالى في المدَّثِّر: ({وَيَزْدَادَ})، ولابن عساكر والأَصيليِّ: ((وقوله: {وَيَزْدَادَ})) ({الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا}) بتصديقهم بأصحاب النَّار المذكورين في قوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلَّا ملائكةً...} الآية [المدثر: 31] ، (وَقَوْلُهُ) تعالى في براءة: ({أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ})؛ أي: السُّورة ({إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا}) [التوبة: 124] بزيادة العلم الحاصل من تدبُّرها، وبانضمام الإيمان بها، وبما فيها إلى إيمانهم. (وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ) في آل عمران: ({فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا}) [آل عمران: 173] ؛ لعدم التفاتهم إلى من ثبَّطهم عن قتال المشركين، بل ثبت يقينهم بالله وازداد إيمانهم، قال البيضاويُّ: وهو دليلٌ على أنَّ الإيمان يزيد وينقص. (وَقَوْلُهُ تَعَالَى) في الأحزاب: ({وَمَا زَادَهُمْ})؛ أي: لمَّا رأوا الخَطْب أو البلاء في قصَّة الأحزاب، وسقطت: واو «وما» للأَصيليِّ، فقال: ((ما زادهم)) ({إِلَّا إِيمَانًا}) بالله تعالى ومواعيده ({وَتَسْلِيمًا}) [الأحزاب: 22] لأوامره ومقاديره، فإن قلت: الإيمان: هو التَّصديق بالله ورسوله، والتَّصديق شيءٌ واحدٌ لا يتجزَّأ، فلا يُتصوَّر كمالُه تارةً، ونقصُه أخرى، أُجِيب: بأنَّ قبوله الزِّيادة والنَّقص ظاهرٌ، على تقدير دخول القول والفعل فيه، وفي الشَّاهد شاهدٌ بذلك؛ فإنَّ كلَّ أحدٍ يعلم أنَّ ما في قلبه يتفاضل، حتَّى إنَّه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكُّلًا منه في بعضها [7] ، وكذلك في التَّصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها، ومن ثمَّ كان إيمان الصِّدِّيقين أقوى من إيمان غيرهم، وهذا مبنيٌّ على ما ذهب إليه المحقِّقون من الأشاعرة: من أنَّ نفس التَّصديق لا يزيد ولا ينقص، وأنَّ الإيمان الشَّرعيَّ يزيد وينقص بزيادة ثمراته _التي هي الأعمال_ ونقصانها، وبهذا يحصل التَّوفيق بين ظواهر النُّصوص الدَّالَّة على الزِّيادة وأقاويل السَّلف بذلك، وبين أصل وضعه اللُّغويِّ وما عليه أكثر المتكلِّمين. نعم؛ يزيد وينقص؛ قوَّةً وضعفًا، وإجمالًا وتفصيلًا، أو تعدُّدًا بحسب تعدُّد المؤمن به، وارتضاه النَّوويُّ، وعَزَاه التَّفتازانيُّ في «شرح عقائد النَّسفيِّ» لبعض المحقِّقين، وقال في «المواقف»: إنَّه الحقُّ، وأنكر ذلك أكثر المتكلِّمين والحنفيَّة؛ لأنَّه متى قُبِلَ ذلك؛ كان شكًّا وكفرًا، وأجابوا عن الآيات السَّابقة ونحوها بما نقلوه عن إمامهم: أنَّها محمولةٌ على أنَّهم كانوا آمَنوا في الجملة، ثمَّ يأتي فرضٌ بعد فرضٍ، فكانوا يؤمنون بكل فرضٍ خاصٍّ، وحاصله: أنَّه كان يزيد بزيادة ما يجب الإيمان به، وهذا لا يُتصَّور في غير عصره صلى الله عليه وسلم، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الاطِّلاع على تفاصيل الفرائض يمكن في غير عصره عليه الصلاة والسلام، والإيمان واجبٌ إجمالًا: فيما عُلِمَ إجمالًا، وتفصيلًا: فيما عُلِمَ تفصيلًا، ولا خفاء في أنَّ التَّفصيليَّ أَزْيَدُ. ا ه.

ثمَّ استدلَّ المؤلِّف على قبول الزِّيادة أيضًا بقوله: (وَالْحُبُّ فِي اللهِ) وهو _بالرَّفع_ مبتدأٌ (وَالْبُغْضُ فِي اللهِ): عطفٌ عليه، وقوله: (مِنَ الإِيمَانِ) خبرُ المبتدأِ، وهذا لفظُ حديثٍ رواه أبو داودَ من حديث أبي أُمامةَ؛ لأنَّ الحبَّ والبغض يتفاوتان.

(وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) ابن مروان الأمويُّ القرشيُّ أحد الخلفاء الرَّاشدين، المُتوفَّى بدير سمعان بحمصَ يوم [/ج1ص87/]

الجمعة، لخمس ليالٍ بَقِين من رجب سنة إحدى ومئةٍ (إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ)؛ بفتح العين وكسر الدَّال المُهملَتين فيهما، ابن عَمرة _بفتح العين_ الكنديِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ: (إِنَّ لِلإِيمَانِ)؛ بكسر همزة «إنَّ» في «اليونينيَّة» (فَرَائِضَ)؛ بالنَّصب اسم «إنَّ» مُؤخَّرًا؛ أي: أعمالًا مفروضةً، (وَشَرَائِعَ)؛ أي: عقائد دينيَّةً، (وَحُدُودًا)؛ أي: منهيَّاتٍ ممنوعةً (وَسُنَنًا)؛ أي: مندوباتٍ، وفي رواية ابن عساكرَ: ((إنَّ الإيمان فرائضُ)) بالرَّفع خبر «إنَّ»، وما بعده: معطوفٌ عليه، ووقع للجرجانيِّ: ((فرائع [8] )) وليس بشيءٍ، (فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا)؛ أي: الفرائض وما معها؛ فقد (اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ)؛ فيه إشارةٌ إلى قبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصانَ، ومن ثمَّ ذكره المؤلِّف هنا استشهادًا، لا يُقال: إنَّه لا يدلُّ على ذلك بل على خلافه؛ إذ قال: للإيمان كذا وكذا، فجعل الإيمان غير الفرائض وما ذُكِرَ معها، وقال: مَنِ استكملها؛ أي: الفرائض وما معها، فجعل الكمال لِمَا للإيمان، لا للإيمان؛ لأنَّا نقول: آخر كلامه يُشعِر بذلك حيث قال: فمن استكملها _أي: الفرائض وما معها_؛ فقد استكمل الإيمان، (فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا)؛ أي: فسأوضِّحها (لَكُمْ) إيضاحًا يفهمه كلُّ أحدٍ منكم، والمُرَاد: تفاريعها لا أصولها؛ إذ كانت معلومةً لهم على سبيل الإجمال، وأراد: سأبيِّنها لكم على سبيل التَّفصيل، (حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ؛ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ)، وليس في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ إذ الحاجة لم تتحقَّق، أو أنَّه علم أنَّهم يعلمون مقاصدها، ولكنَّه استظهر وبالغ في نصحهم وتنبيههم على المقصود، وعرَّفهم أقسام الإيمان مُجمَلًا، وأنه سيذكرها مفصَّلًا إذا تفرَّغ لها، فقد كان مشغولًا بالأهمِّ، وهو من تعاليق المؤلِّف المجزومة، وهي محكومٌ بصحَّتها، ووصله أحمدُ وابن أبي شيبة في كتاب «الإيمان» لهما من طريق عيسى بن عاصمٍ، قال: حدَّثني عديُّ بن عديٍّ... فذكره.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) الخليل، زاد الأَصيليُّ في روايته، كما في «فرع اليونينيَّة» كهي: ((صلى الله عليه وسلم))، وقد عاش فيما رُوِيَ مئة سنةٍ وخمسًا وسبعين سنةً، أو مئتي سنةٍ، ودُفِنَ بحبرون؛ بالحاء المُهملَة: ({وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي})؛ أي: ليزداد [9] بصيرةً وسكونًا بمضامَّة العيان إلى الوحي والاستدلال؛ فإنَّ عين اليقين فيه طمأنينةٌ ليست في علم اليقين، ففيه دلالةٌ على قَبول التَّصديق اليقينيِّ للزِّيادة، وعند ابن جريرٍ بسندٍ صحيحٍ إلى سعيد بن جُبيرٍ؛ أي: يزداد يقيني، وعن مجاهدٍ: لِأزدادَ إيمانًا إلى إيماني، لا يُقال: كان المناسب أن يذكر المؤلِّف رحمه الله هذه الآية عند الآيات السَّابقة؛ لأنَّا نقول: إنَّ هاتيك دلالتُها على الزِّيادة صريحةٌ بخلاف هذه؛ فِلذا أخَّرها إشعارًا بالتَّفاوت.

(وَقَالَ مُعَاذٌ)؛ بضمِّ الميم والذَّال المُعجَمة، وللأَصيليِّ في روايته: ((وقال معاذ بن جبلٍ)) كما في «فرع اليونينيَّة» كهي، ابن عمرٍو [10] الخزرجيُّ الأنصاريُّ، المُتوفَّى سنة ثمانيةَ عَشَرَ، وله في البخاريِّ ستَّةُ أحاديث للأسود بن هلالٍ: (اجْلِسْ بِنَا) بهمزة وصلٍ؛ (نُؤْمِنْ) بالجزم (سَاعَةً)؛ أي: نزداد إيمانًا؛ لأنَّ معاذًا كان مؤمنًا؛ أي: مؤمنٌ، وقال النَّوويُّ: معناه: نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدِّين، فإنَّ ذلك إيمانٌ، وقال القاضي أبو بكرِ بن العربيِّ: لا تعلُّق فيه للزِّيادة؛ لأنَّ معاذًا إنَّما أراد تجديد الإيمان؛ لأنَّ العبد يؤمن في أوَّل مرَّةٍ فرضًا، ثمَّ يكون أبدًا مجدِّدًا كلَّما نظر أو فكَّر، قال في «الفتح» متعقِّبًا له: وما نفاه أوَّلًا؛ أثبته آخرًا؛ لأنَّ تجديد الإيمان إيمانٌ، وهذا التَّعليق وصله أحمد وابن أبي شيبة _كالأوَّل_ بسندٍ صحيحٍ إلى الأسود بن هلالٍ قال: قال لي معاذُ: اجلس...؛ فذكره، وعُرِفَ من هذا: أنَّ الأسود أبهم نفسه.

(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله، وجدُّه غافلٌ؛ بالمُعجَمة والفاء، الهُذليُّ؛ نسبةً إلى جدِّه هُذيل بن مدركَة، المُتوفَّى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وله في «البخاريِّ» خمسةٌ وثمانون حديثًا: (الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ)؛ أكَّده بـ: «كلٍّ» لدلالتها _كـ: «أجمع»_ على التَّبعيض للإيمان؛ إذ لا يُؤكَّد بهما إلَّا ذو أجزاءٍ يصحُّ افتراقها حسًّا أو حكمًا، وهذا التَّعليق طرفٌ من أثرٍ رواه الطَّبرانيُّ بسندٍ صحيحٍ، وتتمَّته: «والصبر نصف الإيمان»، ولفظ «النِّصف» صريحٌ في التَّجزئة.

(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) عبدُ الله، وجدُّه [/ج1ص88/] الخطَّاب، أحد العبادلة، السَّابق للإسلام مع أبيه، أحد السِّتَّة المكثرين للرِّواية، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وسبعين: (لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ)؛ بالتَّعريف، وفي رواية ابن عساكرَ: ((عبدٌ)) بالتنكير (حَقِيقَةَ التَّقْوَى) التي هي وقاية النَّفس عن الشِّرك والأعمال السَّيِّئة، والمُواظَبة على الأعمال الصَّالحة (حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ)؛ بالمُهمَلة والكاف الخفيفة؛ أي: اضطرب (فِي الصَّدْرِ)، ولم ينشرح له، وخاف الإثم فيه، وفي بعض نسخ المغاربة: ((ما حَكَّ))؛ بتشديد الكاف، وفي بعض نسخ العراقيَّة [11] : ((ما حاكَّ))؛ بالألف والتَّشديد؛ من المُحاكَّة، حكاهما صاحب «عمدة القاري» والبرماويُّ، وقد روى مسلمٌ معناه من حديث النَّوَّاس بن سـمعان مرفوعًا: «البُّر: حُسْنُ الخُلُق، والإثم: ما حاك في نفسك وكرهت أن يَطَّلِع النَّاسُ عليه»، وفي أثر ابن عمر هذا إشارةٌ إلى أنَّ بعض المؤمنين بلغ كُنْهَ الإيمان، وبعضهم لم يَبْلُغْه، فتجوز الزِّيادة والنُّقصان.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ)؛ أي: ابن جَبْرٍ؛ بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة، غير مُصغَّرٍ على الأشهر، المخزوميُّ مولى عبد الله بن السَّائب المخزوميِّ، المُتوفَّى وهو ساجدٌ سنة مئةٍ؛ في تفسير قوله تعالى: ({شَرَعَ لَكُمْ}) [الشورى: 13] زاد الهرويُّ وابن عساكرَ: (({من الدِّين}))؛ أي: (أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ)؛ أي: نوحًا (دِينًا وَاحِدًا)، خصَّ نوحًا عليه الصلاة والسلام؛ لِمَا قِيلَ: إنَّه الذي جاء بتحريم الحرام وتحليل الحلال، وأوَّل من جاء بتحريم الأمَّهات والبنات والأخوات، لا يُقَال: إنَّ «إيَّاه» تصحيفٌ وقع في «أصل البخاريِّ» في هذا الأثر، وإنَّ الصَّواب: «وأنبياءه»، كما عند عبد بن حميدٍ وابن المنذر وغيرهما، وكيف يفرد مجاهد الضَّمير لـ: «نوحٍ» وحده؟ مع أنَّ في السِّياق ذكر جماعةً؛ لأنَّه أُجِيب: بأنَّ نوحًا عليه السلام أُفْرِدَ في الآية، وبقيَّة الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام عُطْفٌ عليه، وهم داخلون فيما وصَّى به نوحًا في تفسير مجاهدٍ، وكلُّهم مشتركون في ذلك، فَذِكْرُ واحدٍ منهم يغني عن الكلِّ، على أنَّ نوحًا أقربُ مذكورٍ في الآية، وهو أَوْلى بِعَوْدِ الضَّمير إليه في تفسير مجاهدٍ، فليس بتصحيفٍ، بل هو صحيحٌ، وهذا التَّعليق أخرجه عبد بن حميدٍ في «تفسيره» بسندٍ صحيحٍ عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ({شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}) [المائدة: 48] ؛ أي: (سَبِيلًا)؛ أي: طريقًا واضحًا [12] ، وهو تفسيرٌ لـ: {منهاجًا}، (وَسُنَّةً) يُقَال: شَرَع يَشْرَع شَرْعًا [13] ؛ أي: سنَّ، فهو تفسيرٌ لـ: {شرعةً}، فيكون من باب اللَّفِّ والنَّشر الغير المرتَّب، وسقطت ((الواو)) من «وقال» لابن عساكر، وهذا التَّعليق وصله عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» بسندٍ صحيحٍ.

[1] في (ص): «و».
[2] في غير (ب) و(س): «لا».
[3] في هامش (ص): «قوله: فقوم؛ أي: مذهب قوم. انتهى».
[4] في (ب) و(س): «التَّصديق قد يُذهَل عنه».
[5] في (ص): «والثاني»، وهو تحريفٌ.
[6] قوله: «إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنَّظر إلى»، سقط من (ص).
[7] في (م): «غيرها».
[8] في (ص): «شرائع».
[9] في (ب) و(س): «ليزداد».
[10] في (م): «عمر»، وليس بصحيحٍ.
[11] في (ب) و(س): «العراق».
[12] في (ص): «واحدًا».
[13] في (م): «شرعة».





( وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ ) للكُشْمِيهنيِّ: «قول وعمل»، وهذا لفظ حديث أخرجه الدَّيلميُّ في «مسند الفردوس» من حديث أبي هريرة.

وروى ابن ماجه بإسناد ضعيف من حديث عليٍّ: «الإيمان عقد بالقلب، وإقرار باللِّسان، وعمل بالأركان».

وروى أحمد من حديث معاذ بن جبل: «الإيمان يزيد وينقص».

( وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ ): هو لفظ حديث أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة، والتِّرمذيُّ من حديث معاذ بن أنس. [/ج1ص153/]

( فإِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ ) لابن عساكر: «فإنَّ الإيمان فرائض»، أي: أعمال مفروضة.

( وَشَرَائِعَ ) أي: عقائد دينيَّة.

( وَحُدُودًا ) أي: منهيَّات ممنوعة.

( وَسُنَنًا ) أي: مندوبات.

( وَقَالَ مُعَاذٌ ): هو ابن جبل كما صرَّح به الأَصِيلي، وأخرج أثرَه هذا ابنُ أبي شيبة في كتاب «الإيمان».

( وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ ): أخرجه الطَّبرانيُّ بسند صحيح وزاد: «والصَّبر نصف الإيمان»، وأخرجه أبو نعيم في «الحلية»، والبيهقيُّ في «الزُّهد» من حديثه مرفوعًا.

(حَاكَ ) بالمهملة والكاف الخفيفة، أي تردَّد واضطرب ولم ينشرح له الصَّدر.

( أَوْصَيْنَاكَ يَا محمَّد وَإِيَّاهُ دِينًا )، قال البلقينيُّ: هذا تصحيف وصوابه: [أوصاك] [1] يا محمَّد وأنبياءَه، كذا أخرجه عبدُ بن حُمَيد والفِرْيابيُّ وابن جرير وابن المنذر في تفاسيرهم وبه يستقيم الكلام، وكيف يفرد مجاهد الضَّمير لنوح وحده مع أنَّ في السِّياق ذكر جماعة ؟. [/ج1ص154/]

[1] ما بين معقوفتين سقط [ع] وعنده إشارة لحق إلى الهامش ولكن غير ظاهر بسبب التصوير.





لا تتوفر معاينة

1- بابُ الإيمانِ، وقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ)).

وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] وقال تعالى:{وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] وقال [1] تعالى:{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76] [2]:{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] وَقَوْلُهُ [3] تعالى: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31]، وقوله تعالى: [4] {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } [5] [التوبة:124] وَقَوْلُهُ تعالى: {فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران: 173].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فمَا [6] زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22].

(وَالحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ).

وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رحمه الله تعالى إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ، وَشَرَائِعَ، وَحُدُودًا [7]، وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا [8]، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ.

وَقَالَ [9] إِبْرَاهِيمُ صلَّى الله عليه وسلم: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260].

وَقَالَ مُعَاذُ رضيَ الله عنه: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ.

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما: لَا يَبْلُغُ عبدٌ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ [10] فِي صدْرِهِ [11].

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13]: أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عَنْهُما: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] سَبِيلًا وَسُنَّةً.

{دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان:77]: إيمانكم.

[1] زاد في (ك): ((الله)).
[2] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((وقال تعالى)).
[3] في (ك): ((وقال)).
[4] قوله: (({وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} وقوله تعالى:)) ليس في (ع).
[5]قوله: ((وقوله تعالى: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } )) ليس في (ت).
[6] في (ت): ((وما)).
[7] في (ص): ((إن للإيمان شرائط وحدودًا )).
[8] في (ك): ((حتى تعلموها))، وفي (ص): ((حتى تعلموا بها)).
[9] في (ع): ((قال)).
[10] جاء في حاشية (ص): ((أي: ما يقع في القلب)).
[11] في (ت) و(ك): ((الصدر))، وفي (ص): ((الصدور)).
#%ص87%





لا تتوفر معاينة

(1) قوله: (وَالْبُغْضُ فِي اللهِ وَالْحُبُّ فِي اللهِ [1] مِنَ الإِيمَانِ): أي: بسبب طاعة الله ومعصيته.

قوله: (إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ [وَحُدُودًا] وَسُنَنًا): الفرائض: ما فُرِض علينا من صلاة وزكاة ونحوهما، والشَّرائع: كالتَّوجه إلى القبلة، وصفات الصَّلاة، وعَدَد شهر رمضان، وعدد حدِّ القاذف، وعدد الطَّلاق إلى غير ذلك، والسُّنن: ما أمر به الشَّارع [من فضائل الأعمال] [2] ، فمن أتى بالفرائض والسُّنن وعرف الشَّرائع؛ فهو مؤمنٌ كامل.

قوله: (وإن [3] أَعِشْ؛ فَسَأُبَيِّنُهَا): أوضِّحها إيضاحًا يفهمه [كلُّ أحد] [4] .

ومعنى: ({لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] ): ليزداد.

قوله: ( [الْيَقِينُ] الإِيمَانُ كُلُّهُ): اليقين: هو العلم وزوال الشَّكِّ، وذلك عبارة عن التَّصديق؛ وهو أصل الإيمان.

قوله: (حَاكَ): هو ما يقع في القلب، ولا يُشرَح له صدره، وخاف الإثم فيه.

قوله: ({شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48] ): [سبيلًا وسنَّة] .

[1] في «اليونينيَّة»: (وَالْحُبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ).
[2] (من فضائل الأعمال): مثبت «التوضيح»: (2/444).
[3] في «اليونينيَّة»: (فإن).
[4] (كل أحد): مثبت «التوضيح»: (2/445).





هذا ((باب قول النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) في الحديث الآتي موصولًا: ((بني الإسلام على خمس)) وفي رواية: بإسقاط لفظ (باب) ، وفي رواية: (باب الإيمان وقول النبي...) إلى آخره.

و (الإسلام) لغةً: الانقياد والخضوع، ولا يتحقق إلَّا بقبول الأحكام والإذعان؛ وذلك حقيقة التصديق، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا، فهما متحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم؛ فمفهوم الإيمان تصديق القلب، ومفهوم الإسلام إعمال الجوارح، وبالجملة: لا يصح أن يحكم على أحد أنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن؛ وهذا معنى الوحدة.

فإن قيل: قوله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] صريح في تحقق الإسلام بدون الإيمان.

قلنا: المراد أن الإسلام المعتبر في الشرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية بمعنى الانقياد في الظاهر من غير انقياد الباطن بمنزلة المتلفظ بالشهادة من غير تصديق في باب الإيمان؛ فافهم.

((وهو)) ؛ أي: الإيمان عند المؤلف ومالك والثوري: ((قول)) باللسان؛ وهو النطق بالشهادتين ((وفعل)) وفي رواية: (وعمل) بدل (فعل) ؛ وهو أعم من عمل القلب والجوارح؛ لتدخل الاعتقادات والعبادات؛ فهو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، والمراد أنَّ الأعمال شرط لكماله، وقالت الأئمة الماتريدية: الإيمان في الشرع هو التصديق بما جاء [به] النبي الأعظم عليه السلام من عند الله تعالى والإقرار به؛ أي: بما جاء من عند الله باللسان، إلا أن التصديق ركن لا يحتمل السقوط أصلًا، والإقرار قد يحتمله؛ كما في حالة الإكراه.

فإن قيل: قد لا يبقى التصديق كما في حالة النوم والغفلة.

قلنا: التصديق باق في القلب، والذهول إنَّما هو عن حصوله، ولو سلم، فالشارع جعل المحقق الذي لم يطرأ عليه ما يضاده في حكم الباقي، حتى كان المؤمن اسمًا لمن آمن في الحال أو المضي ولم يطرأ عليه ما هو علامة التكذيب، وهذا مذهب بعض العلماء منهم، وهو اختيار الإمامين فخر الإسلام وشمس الأئمة.

وذهب جمهور المحققين منهم إلى أنَّه هو [/ص10/] التصديق بالقلب، وإنَّما الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا؛ لما أنَّ تصديق القلب أمر باطن لا بدَّ له من علامة، فمن صدق بقلبه ولم يقرَّ بلسانه؛ فهو مؤمن عند الله وإن لم يكن مؤمنًا في أحكام الدنيا، ومن أقرَّ بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق؛ فبالعكس، وهذا اختيار الشيخ الإمام أبي منصور رضي الله تعالى عنه، والنصوص معاضدة لذلك؛ منها: قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ} [المجادلة: 22] ، وقوله: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 106] ، وقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] ، وتمامه في محله، وبهذا علم أن الإنسان إما مؤمن أو كافر، ولا واسطة بينهما عند أهل السنة، وأثبت المعتزلة واسطة، فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر، والصحيح: أن المعتزلة فسقة؛ لأنَّهم على التوحيد، وبدعهم غير مكفرة بل مفسقة؛ فليحفظ.

وإذا وجد من العبد التصديق والإقرار؛ صح أن يقول: أنا مؤمن حقًّا؛ لتحقق الإيمان، ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؛ لأنَّه إن كان للشك؛ فهو كافر لا محالة، وإن كان للتأدب، أو للشك في العاقبة والمآل لا في الحال والآن، أو التبرك بذكره تعالى؛ فلا يضر، لكن الأولى تركه؛ لاحتمال توهم الشك، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين؛ فليحفظ.

((و)) الإيمان ((يزيد)) بالطاعة ((وينقص)) بالمعصية، عند المؤلف، وهو مذهب محمد بن إدريس الشافعي وأحمد ابن حنبل وغيرهم، واستدل المؤلف لهذا بثمان آيات؛ وكلها محمولة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وهل هو مخلوق أم لا؟ قيل وقيل، والأحسن ما قاله الإمام أبو الليث السمرقندي الحنفي: إن الإيمان إقرار وهداية، فالإقرار صنع العبد؛ وهو مخلوق، والهداية صنع الرب؛ وهو غير مخلوق؛ فليحفظ.

((قال)) وفي رواية: (وقال) ((الله تعالى)) بالواو في سورة (الفتح) ، وفي رواية: (عز وجل) : (({لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ})) [الفتح: 4] ، وقال في (الكهف) : (({وَزِدْنَاهُمْ هُدًى})) [الكهف: 13] ؛ بالتوفيق، وهذه الآية ساقطة في رواية، وفي (مريم) : [76] قوله: (({وَيَزِيدُ اللهُ})) وفي روايةبالواو، وفي أخرى: (وقال: {ويزيد الله}) (({الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى})) بالتوفيق.

((وقال)) في القتال، وفي رواية: (وقوله) ، وفي أخرى: بإسقاطهما والابتداء بقوله: (({وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى})) بالتوفيق (({وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ})) [محمد: 17] ؛ أي: بيَّن لهم ما يتقون، وقال في (المدثر) : (({وَيَزْدَادَ})) وفي رواية: (وقوله: {ويزداد}) (({الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا})) [المدثر: 31] ؛ بتصديقهم أصحاب النار المذكورين بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً}... الآية [المدثر: 31] ، ((وقوله)) تعالى في (براءة) : (({أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ})) أي: السورة (({إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا})) [براءة: 124] ؛ بالعلم الحاصل بتدبرها ((وقوله جل ذكره)) في آل عمران: (({فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا})) [آل عمران: 173] ؛ لعدمِ التفاتِهم إلى من ثبَّطهم عن قتال المشركين، بل ثبت يقينهم بالله تعالى، ((وقوله تعالى)) في الأحزاب: (({وَمَا زَادَهُمْ})) ؛ أي: لما رأوا البلاء (({إِلَّا إِيمَانًا})) بالله ورسوله (({وَتَسْلِيمًا})) [الأحزاب: 22] لأوامره.

فاستدل المؤلف ومن وافقه بهذه الآيات على أن الإيمان يزيد وينقص، وقال رئيس المجتهدين الإمام الأعظم وإمام الأئمة المعظم أبو حنيفة، وأصحابه؛ الإمام أبو يوسف، والإمام محمد، والإمام زفر، والإمام الحسن، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين: إنَّ حقيقة الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لما مر أنَّه التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان؛ وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، حتى إن من حصل له حقيقة التصديق، فسواء أتى بالطاعات أو ارتكب المعاصي؛ فتصديقه باق على حاله لا تغير فيه أصلًا، وهذه الآيات السابقة التي ظاهرها يدل على زيادة الإيمان؛ محمولة على ما قاله إمامنا الإمام الأعظم: إنهم كانوا آمنوا بالجملة، ثم يأتي فرض بعد فرض، فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص.

وحاصله: أنه كان يزيد بزيادة ما يجب الإيمان به؛ وهذا لا يتصور في غير عصر النبي الأعظم عليه السلام، وبهذا قال جمهور المتكلمين وكذا المحققون، وقيل: المراد بالزيادة: ثمرته، وإشراق نوره، وضياؤه في القلب؛ فإنَّه يزيد بالأعمال وينقص بالمعاصي باعتبار جهات هي غير ذات التصديق؛ بل بسبب تفاوت الإيمان باعتبار تلك الجهات يتفاوت المؤمنون عندنا.

ولهذا قال إمامنا الإمام الأعظم: (إيماني كإيمان جبريل لا مثل إيمانه) ؛ لأنَّ المثليَّة تقتضي المساواة في كل الصفات، والشبيه لا يقتضيه، فلا أحد يسوِّي بين إيمان آحاد الناس وإيمان الملائكة والأنبياء من كل وجه بل يتفاوت، غير أن ذلك التفاوت هل هو بزيادة ونقص في نفس ذات التصديق، أو هو يتفاوت لا بزيادة ونقص في نفس الذات، بل بأمور زائدة عليها؟فنحن معاشر الحنفية ومن وافقنا نمنع التفاوت في نفس ذات التصديق، ونقول: إنَّ ما يتخايل من أنَّ القطع يتفاوت قوة إنَّما هو راجع إلى ظهوره وانكشافه، فإذا ظهر القطع بحدوث العالم بعد ترتب مقدماته؛ كان الجزم الكائن فيه كالجزم في حكمنا: الواحد نصف الاثنين، وإنما تفاوتهما باعتبار أنه إذا لوحظ هذا خصوصًا مع عزوب النظر؛ فيخيل أن الجزم أولى وليس بقوي في ذاته، إنَّما هو أجلى عند العقل، فنحن معاشر الحنفية ومن وافقنا نمنع ثبوت ماهية المشكك، ونقول: إن الواقع على أشياء متفاوتة فيه، فيكون التفاوت عارضًا لها خارجًا عنها، لا ماهية لها ولا جزء ماهية؛ لامتناع اختلاف الماهية واختلاف جزئها، وحاصله: أن الخلاف باق، وقد قال بذلك جمهور المتكلمين وبعض الأشاعرة منهم؛ إمام الحرمين وغيره من المحققين، والله تعالى أعلم.

ثم استدل أيضًا بقوله: ((والحب في الله)) مبتدأ ((والبغض في الله)) عطف عليه وقوله: ((من الإيمان)) خبر، وهذا لفظ حديث رواه أبو داود من حديث أبي أمامة، فإن الحب والبغض يتفاوتان؛ باعتبار ما يعرض عليهما من الجهات الخارجة.

((وكتب عمر بن عبد العزيز)) بن مروان، الأموي، أحد الخلفاء الراشدين، المتوفى في خامس وعشرين رجب، سنة إحدى ومئة، قيل: بدير سمعان بحمص، وقيل: بدمشق في القنوات، ((إلى عَدِي بن عَدِي)) ؛ بفتح العين وكسر الدال المهملتين فيهما: ابن عَمرة بفتح العين، الكندي، التابعي، المتوفى سنة عشرين ومئة: ((إن للإيمان)) ؛ بكسر الهمزة ((فرائضَ)) ؛ بالنصب اسم (إن) مؤخر؛ أي: أعمالًا مفروضة ((وشرائع)) ؛ أي: عقائد ((وحدودًا)) ؛ أي: منهيات، ((وسننًا)) ؛ أي: مندوبات، وفي رواية: (إن الإيمان فرائضُ) بالرفع خبر (إن) ، وما بعده معطوف عليه، وفي رواية: (فرائع) ؛ بالفاء في أوله والعين المهملة في آخره؛ وهو بمعنى: فرائض؛ فافهم.

((فمن استكملها)) ؛ أي: الفرائض وما معها؛ فقد ((استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها؛ لم يستكمل الإيمان)) ؛ وهذا لا يدل على ما استدل له؛ بل فيه دلالة على عدم قبول الإيمان الزيادة والنقصان؛ لأنَّه جعل الإيمان غير الفرائض وما بعدها، فإن قوله: (إن للإيمان فرائض...) إلخ؛ مثل قولك: (إن لزيد عمامة وجبة وإنبازًا) ، وجعل أيضًا الكمالَ كمالَ الإيمان لا للإيمان، والمعنى: من استكملها بأن أتى بها على وجهها؛ فقد استكمل الإيمان، بأن وجد حلاوته وأشرق نوره عليه، ومن لم يستكملها؛ لم يجد ذلك فصار كالشجرة بلا ثمر، وهذا آخر كلامه مشعر بذلك؛ فليحفظ.

((فإن أعش)) لم أذق الموت؛ ((فسأبينها)) ؛ أي: أوضحها ((لكم)) ، والمراد: تفاريعها لا أصولها؛ لأنَّها معلومة لهم إجمالًا، وأراد بيانها تفصيلًا ((حتى تعملوا بها، وإن أمت؛ فما أنا على صحبتكم بحريص)) وليس في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنَّ الحاجة لم تتحقق، أو أنه علم أنهم يعلمون مقاصدها، ولكنه استظهر في نصحهم، وعرفهم أقسام الإيمان مجملًا، وأنه سيذكرها لهم مفصلًا إذا تفرغ لهم، فقد كان مشغولًا بالأهم، وهذا من تعاليق المؤلف المجزومة؛ وهي محكوم بصحتها، ووصله أحمد وابن أبي شيبة في كتاب «الإيمان» لهما من طريق عيسى بن عاصم.

((وقال إبراهيم)) الخليل، وفي رواية: (صلى الله عليه وسلم) وقد عاش مئة وخمسًا وسبعين سنة، أو مئتين، ودفن بحبرون؛ بالحاء المهملة؛ كذا قيل: (({وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي})) [البقرة: 260] ؛ أي: يسكن قلبه عن المنازعة إلى رؤية الكيفية المطلوب رؤيتها، أو المطلوب سكونه بحصول متمناه من المشاهدة المحصلة للعلم البديهي بعد العلم النظري، وهذا قطع منه بالقدرة على إحياء الموتى كمن قطع بوجود دمشق وما فيها من أجنة ذات ثمار وانهار جارية، فنازعته نفسه في رؤيتيها، فإنَّها لا تسكن وتطمئن، حتى يحصل مناها، وكذا شأنها في كل مطلوب لها مع العلم بوجوده، فليس تلك المنازعة والتطلب ليحصل القطع بوجود دمشق؛ إذ الغرض ثبوته، فهذا لا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا أَخَّرَ هذه الآية عن الآيات السابقة؛ فليحفظ.

((وقال مُعاذُ)) ؛ بضم الميم والذال المعجمة، وفي رواية: (وقال معاذ بن جبل) ؛ هو ابن عمرو الخزرجي الأنصاري، المتوفى سنة ثمانية عشر للأسود بن هلال: ((اجلس بنا)) بهمزة وصل ((نؤمنْ)) بالجزم ((ساعة)) ؛ أي: حصة من الزمان؛ أي: نتذاكر الخير، وأحكام الآخرة، وأمور الدين؛ فإن ذلك من الإيمان؛ أي: من فروعه ولا دلالة فيه على قبول الزيادة، كما لا يخفى؛ فليحفظ، وهذا التعليق وصله أحمد وابن أبي شيبة كالأول للأسود بن هلال.

((وقال ابن مسعود)) عبد الله، وجده غافل؛ بالمعجمة والفاء: الهذلي؛ نسبة إلى جده هذيل بن مدركة، المتوفى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين: ((اليقين الإيمان كله)) ؛ أي: التصديق القلبي هو نفس ذات الإيمان، وإنما أكده بـ (كل) الدالة على التبعيض؛ باعتبار فروع الإيمان، وهذا التعليق طرف من أثر رواه الطبراني، وتتمته: (والصبر نصف الإيمان) ؛ أي: ثواب الصبر على المشقة يعدل ثواب نصف الثواب الحاصل من الإيمان، فلا دلالة فيه أيضًا على التجزئة؛ كما قيل؛ فليحفظ؛ فافهم.

((وقال ابن عمر)) عبد الله [/ص11/] وجدُّه الخطاب، أحد العبادلة السابقة للإسلام مع أبيه، المتوفى سنة ثلاث وسبعين ((لا يبلغ العبد)) ؛ بالتعريف، وفي رواية: بالتنكير ((حقيقة التقوى)) التي أعلاها امتثال الأوامر واجتناب النواهي كلها، وأدناها وقاية الشرك ((حتى يدع ما حاك)) بالمهملة والكاف المخففة؛ أي: اضطرب ((في الصدر)) ولم ينشرح له، وفي رواية: بتشديد الكاف بدون ألف (ما حك) ، وفي نسخة بالألف والتشديد من المحاكاة، وقد روى مسلم معناه من حديث النواس بن سمعان مرفوعًا: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع الناس عليه»؛ أي: من الأذى لإخوانك المؤمنين؛ والمعنى: لا يبلغ العبد التقوى الحقيقية العليا حتى يترك جميع المنهيات، حتى ما أضمره واضطرب في صدره من الأذى لإخوانه المؤمنين، فلا دالة فيه على الزيادة والنقصان، كما لا يخفى.

((وقال مجاهد)) بن جَبْر بفتح الجيم وسكون الموحدة، غيرُ مصغَّر على المشهور، المخزومي مولى عبد الله بن السائب المخزومي، المتوفى سنة مئة وهو ساجد، في تفسير قوله تعالى: (({شَرَعَ لَكُم})) وفي رواية: ({مِّنَ الدِّينِ} [الشورى: 13] ) ؛ أي: ((أوصيناك يا محمد وإياه)) ؛ أي: نوحًا ((دينًا واحدًا)) .

إنما خص نوحًا عليه السلام؛ لما قيل: إنه الذي جاء بتحريم الحرام وتحليل الحلال، وأول من جاء بتحريم الأمهات، والبنات، والأخوات، لا يقال: إن (إياه) تصحيف، وإن الصواب: وأنبياءه، وكيف يفرد الضمير لنوح وحده مع أن في السياق ذكر جماعة؟ لأنا نقول: إن نوحًا أفرد في الآية، وبقية الأنبياء عطف عليه، وهم داخلون فيما وصى به نوحًا وكلهم مشتركون في ذلك، فذكر واحد يغني عن الكل، على أن نوحًا أقرب مذكور في الآية، فليس بتصحيف، وهذا التعليق أخرجه عبد بن حميد في «تفسيره» عن شبابة.

((وقال ابن عباس)) عبد الله رضي الله عنهمافي تفسير قوله تعالى: (({شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48] : سبيلًا)) ؛ أي: طريقًا واضحًا ((وسنةٌ)) ، لفٌّ ونشر مشوَّش، يعني: أن معنى {شرعة}: سنة، ومعنى {منهاجًا}: سبيلًا، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في «تفسيره».