متن الصحيح الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

6- (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ)؛ بفتح العين المُهملَة وسكون المُوحَّدة وفتح المُهملَة، هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة العَتَكيُّ _بالمُهملَة والمثنَّاة الفوقيَّة المفتوحتين_ المروزيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين، عن ستٍّ وسبعين سنةً، (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك بن واضحٍ الحنظليُّ التَّميميُّ مولاهم، المروزيُّ الإمام المتَّفق على ثقته وجلالته، من تابعي التَّابعين، وكان والده من التُّرك مولًى لرجلٍ من هَمْدان، المُتوفَّى سنة إحدى وثمانين ومئةٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) ابن يزيد بن مشكان الأيليُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ، (قَالَ)؛ أي: البخاريُّ وفي «الفرع» كـ: «أصله» بدل «قال»: «ح» مُهملَةٌ مفردةٌ في الخطِّ، مقصورةٌّ في النُّطق على ما جرى عليه رسمهم إذا أرادوا الجمع بين إسنادين فأكثر عند الانتقال من سندٍ لآخر؛ خوف الإلباس [1] ، فربَّما يُظَنُّ أنَّ السَّندين واحدٌ، ومذهب الجمهور: أنَّها مأخوذةٌ من التَّحويل، وقال عبد القادر الرَّهاويُّ وتبعه الدِّمياطيُّ: من الحائل الذي يحجز بين الشَّيئين، وقال: ينطق بها، ومنعه الأوَّل. وعن بعض المغاربة يقول بدلها: الحديث، وهو يشير إلى أنَّها رمزٌ عنه، وعن خطِّ الصَّابونيِّ وأبي مسلمٍ اللَّيثيِّ وأبي سعيدٍ الخليليِّ: «صحَّ»؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّ حديث هذا الإسناد سقط، أو خوف تركيب الإسناد الثَّاني مع الأوَّل، فيُجعَلا إسنادًا واحدًا، وزعم بعضهم أنَّها مُعجمَةٌ؛ أي: إسنادٌ آخر، فَوَهِمَ.

(وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) _بكسر الموحدة وسكون المعجمة_ المروزيُّ السَّختيانيُّ، وهو ممَّا انفرد البخاريُّ بالرِّواية عنه عن سائر الكتب السِّتَّة، وتُوفِّي سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((نحوه عن الزُّهريِّ))؛ يعني: أنَّ عبد الله بن المبارك حدَّث به عبدان عن يونس وحده، وحدَّث به بشر بن محمَّدٍ عن يونس ومعمر معًا، أمَّا باللَّفظ؛ فعن يونس، وأمَّا بالمعنى؛ فعن معمر، ومن ثمَّ زاد فيه لفظة: «نحوه»، (قَالَ)؛ أي: الزُّهريّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: ((أخبرنا)) (عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ عَبْدِ اللهِ) ابن عُتْبَة _بضمِّ العين المُهملَة وسكون المثنَّاة الفوقيَّة، وفتح المُوحَّدة_ ابن مسعودٍ، الإمام الجليل، أحد الفقهاء السَّبعة، التَّابعيُّ، المُتوفَّى بعد ذهاب بصره سنة تسعٍ أو ثمانٍ أو خمسٍ أو أربعٍ وتسعين، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ): (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ)؛ بنصب «أجودَ» خبر كان؛ أي: أجودهم على الإطلاق، (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ) حال كونه (فِي رَمَضَانَ) برفع «أجود»: اسم كان، وخبرها محذوفٌ وجوبًا على حدِّ قولك: أخطب ما يكون الأمير قائمًا؛ أي: حالة كونه قائمًا، و«ما»: مصدريَّةٌ؛ أي: أجود أكوان الرسول صلى الله عليه وسلم، و«في رمضان» [2] سدَّ مسدَّ الخبر؛ أي: حاصلًا فيه، أو على أنَّه مبتدأٌ مضافٌ إلى المصدر؛ وهو: «ما يكون»، و«ما»: مصدريَّةٌ، وخبره: «في رمضان»، تقديره: أجود أكوانه عليه الصلاة والسلام حاصلةٌ له في رمضان، والجملة كلُّها: خبر «كان»، واسمها: ضميرٌ عائدٌ على الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وللأَصيلِّي وأبي ذَرٍّ كما في «اليونينيَّة»: ((أجودَ))؛ بالنَّصب خبر «كان».

وعُورِض: بأنَّه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها، وأُجِيب: بجعل اسم «كان» ضمير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، و«ما» حينئذٍ: مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، والتَّقدير: كان عليه الصلاة والسلام متَّصفًا بالأجوديَّة مدَّة كونه في رمضان، مع أنَّه أجود النَّاس مُطلَقًا. وتُعقِّب: بأنَّه إذا كان فيه ضمير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يصحُّ أن يكون «أجودَ» خبرًا لـ: «كان»؛ لأنَّه مضافٌ إلى الكون، ولا يُخبَر بكونٍ [/ج1ص71/] عمَّا ليس بكونٍ، فيجب أن يُجعَل مبتدأً، وخبره «في رمضان»، والجملة خبر «كان» ا ه فليُتأمَّل، وقال في «المصابيح»: ولك مع نصب «أجودَ» أن تجعل «ما» نكرةً موصوفةً، فيكون «في رمضان» متعلِّقًا بـ: «كان» مع أنَّها ناقصةٌ؛ بناءً على القول بدلالتها على الحدث، وهو صحيحٌ عند جماعةٍ، واسم «كان» ضميرٌ عائدٌ له عليه الصلاة والسلام، أو إلى جوده المفهوم ممَّا سبق؛ أي: وكان عليه الصلاة والسلام أجود شيءٍ يكون، أو: وكان جوده في رمضان أجود شيءٍ يكون [3] ، فجعل الجود متَّصفًا بالأجوديَّة مجازًا؛ كقولهم: شعر شاعرٍ. ا ه.

والرَّفع أكثر وأشهر روايةً، ولأبي ذَرٍّ: ((فكان أجود))؛ بالفاء بدل الواو، وفي هذه الجملة الإشارة إلى أنَّ جوده عليه الصلاة والسلام في رمضان يفوق على جوده في سائر أوقاته، (حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) عليه السلام؛ إذ في ملاقاته زيادة ترقيةٍ في المقامات، وزيادة إطلاعه على علوم الله تعالى، ولا سيَّما مع مدارسة القرآن. (وَكَانَ) جبريل (يَلْقَاهُ)؛ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وجوَّز الكرمانيُّ أن يكون الضمير المرفوع للنَّبيِّ، والمنصوب لجبريل، ورجَّح الأوَّل العينيُّ؛ لقرينة قوله: «حين يلقاه جبريل» (فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ)؛ بالنَّصب مفعولٌ ثانٍ لـ: «يدارسه»، على حدِّ: جاذبته الثَّوب، والفاء في «فيدارسه» عاطفةٌ على «يلقاه»، فبمجموع ما ذُكِرَ من رمضان ومدارسة القرآن وملاقاة جبريل يتضاعف جوده؛ لأنَّ الوقت موسم الخيرات؛ لأنَّ نِعَمَ الله على عباده تربو فيه على غيره، وإنَّما دارسه بالقرآن؛ لكي يتقرَّر عنده، ويرسخ أتمَّ رسوخٍ، فلا ينساه، وكان هذا إنجاز وعده تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام؛ حيث قال له: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] ، وقال الطِّيبيُّ: فيه تخصيصٌ بعد تخصيصٍ على سبيل التَّرقِّي؛ فضَّل أوَّلًا جوده مطلقًا على جود النَّاس كلِّهم، ثمَّ فضَّل ثانيًا جود كونه في رمضان على جوده في سائر أوقاته، ثمَّ فضَّل ثالثًا جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جوده في رمضانَ مُطلَقًا، ثمَّ شبَّه جوده بالرِّيح المُرسَلة فقال: (فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ بالرَّفع: مبتدأٌ، خبره قوله: (أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ)؛ أي: المُطلَقة، إشارةٌ إلى أنَّه في الإسراع بالجود أسرع من الرِّيح، وعبَّر بـ: «المُرسَلة» إشارةً إلى دوام هبوبها بالرَّحمة، وإلى عموم النَّفع بجوده عليه الصلاة والسلام، كما تعمُّ الرِّيح المرسلة جميع ما تهبُّ عليه، وفيه جواز المبالغة في التَّشبيه، وجواز تشبيه المعنويِّ بالمحسوس؛ ليقرب لفهم سامعه؛ وذلك أنَّه أثبت له أوَّلًا وصف الأجوديَّة، ثمَّ أراد أن يصفه بأزيدَ من ذلك، فشبَّه جوده بالرِّيح المُرسَلة، بل جعله أبلغ منها في ذلك؛ لأنَّ الرِّيح قد تسكن. وفيه استعمال «أفعل» التَّفضيل في الإسناد الحقيقيِّ والمجازيِّ؛ لأنَّ الجود منه صلى الله عليه وسلم حقيقةٌ، ومن الرِّيح مجازٌ، فكأنَّه استعار للرِّيح جودًا باعتبار مجيئها بالخير، فأنزلها منزلة مَنْ جاد. وفي تقديم معمول «أجود» على المفضَّل عليه نكتةٌ لطيفةٌ؛ وهي أنَّه لو أخَّره لَظُنَّ تعلُّقه بالمُرسَلَة، وهذا وإن كان لا يتغيَّر به المعنى المُرَاد من الوصف بالأجوديَّة، إلَّا أنَّه تفوت فيه المبالغة؛ لأنَّ المراد وصفه بزيادة الأجوديَّة على الرِّيح مُطلَقًا، والفاء في «فلرسول الله صلى الله عليه وسلم» للسَّببيَّة، واللَّام: للابتداء، وزِيدَت على المبتدأ تأكيدًا، أو هي جواب قسمٍ مقدَّرٍ، وحكمة المدارسة؛ ليكون ذلك سنَّةً في عرض القرآن على مَنْ هو أحفظ منه، والاجتماع عليه والإكثار منه، وقال الكرمانيُّ: لتجويد لفظه، وقال غيره: لتجويد حفظه، وتُعقِّب: بأنَّ الحفظ كان حاصلًا له، والزِّيادة فيه تحصل ببعض المجالس.

وفي هذا الحديث التَّحديث والإخبار والعنعنة والتَّحويل، وفيه عددٌ من المراوزة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صفة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم» [خ¦3554] و«فضائل القرآن» [خ¦4997] ، و«بدء الخلق» [خ¦3220] ، ومسلمٌ في «الفضائل النَّبويَّة».

ولمَّا فرغ من بدء الوحي؛ شرع يذكر جملةً من أوصاف المُوحَى إليه، فقال ممَّا رويناه [4] بالسَّند السَّابق:

[1] في (ص): «الالتباس».
[2] في هامش (م): «حال. صحَّ».
[3] قوله: «أو: وكان جوده في رمضان أجود شيءٍ يكون»، سقط من (ص).
[4] في (ب) و(س): «رويته».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

6-. حدَّثنا عَبْدانُ، قالَ: أخبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: أخبَرَنا يُونُسُ عن الزُّهْرِيِّ (ح) _وحدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: أخبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: أخبَرَنا يُونُسُ ومَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ [1] _ قالَ: أخبَرَني [2] عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أَجْوَدُ [3] ما يَكُونُ فِي رَمَضانَ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ يَلْقاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضانَ فَيُدارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ.

[1] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «نحوَه عن الزهري».
[2] في رواية أبي ذر: «أخبَرَنا».
[3] في رواية الأصيلي: «أجودَ» بالنصب، وفي رواية أبي ذر: «فكان أجودَ».





6- (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ)؛ بفتح العين المُهملَة وسكون المُوحَّدة وفتح المُهملَة، هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة العَتَكيُّ _بالمُهملَة والمثنَّاة الفوقيَّة المفتوحتين_ المروزيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين، عن ستٍّ وسبعين سنةً، (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك بن واضحٍ الحنظليُّ التَّميميُّ مولاهم، المروزيُّ الإمام المتَّفق على ثقته وجلالته، من تابعي التَّابعين، وكان والده من التُّرك مولًى لرجلٍ من هَمْدان، المُتوفَّى سنة إحدى وثمانين ومئةٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) ابن يزيد بن مشكان الأيليُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ، (قَالَ)؛ أي: البخاريُّ وفي «الفرع» كـ: «أصله» بدل «قال»: «ح» مُهملَةٌ مفردةٌ في الخطِّ، مقصورةٌّ في النُّطق على ما جرى عليه رسمهم إذا أرادوا الجمع بين إسنادين فأكثر عند الانتقال من سندٍ لآخر؛ خوف الإلباس [1] ، فربَّما يُظَنُّ أنَّ السَّندين واحدٌ، ومذهب الجمهور: أنَّها مأخوذةٌ من التَّحويل، وقال عبد القادر الرَّهاويُّ وتبعه الدِّمياطيُّ: من الحائل الذي يحجز بين الشَّيئين، وقال: ينطق بها، ومنعه الأوَّل. وعن بعض المغاربة يقول بدلها: الحديث، وهو يشير إلى أنَّها رمزٌ عنه، وعن خطِّ الصَّابونيِّ وأبي مسلمٍ اللَّيثيِّ وأبي سعيدٍ الخليليِّ: «صحَّ»؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّ حديث هذا الإسناد سقط، أو خوف تركيب الإسناد الثَّاني مع الأوَّل، فيُجعَلا إسنادًا واحدًا، وزعم بعضهم أنَّها مُعجمَةٌ؛ أي: إسنادٌ آخر، فَوَهِمَ.

(وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) _بكسر الموحدة وسكون المعجمة_ المروزيُّ السَّختيانيُّ، وهو ممَّا انفرد البخاريُّ بالرِّواية عنه عن سائر الكتب السِّتَّة، وتُوفِّي سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((نحوه عن الزُّهريِّ))؛ يعني: أنَّ عبد الله بن المبارك حدَّث به عبدان عن يونس وحده، وحدَّث به بشر بن محمَّدٍ عن يونس ومعمر معًا، أمَّا باللَّفظ؛ فعن يونس، وأمَّا بالمعنى؛ فعن معمر، ومن ثمَّ زاد فيه لفظة: «نحوه»، (قَالَ)؛ أي: الزُّهريّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: ((أخبرنا)) (عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ عَبْدِ اللهِ) ابن عُتْبَة _بضمِّ العين المُهملَة وسكون المثنَّاة الفوقيَّة، وفتح المُوحَّدة_ ابن مسعودٍ، الإمام الجليل، أحد الفقهاء السَّبعة، التَّابعيُّ، المُتوفَّى بعد ذهاب بصره سنة تسعٍ أو ثمانٍ أو خمسٍ أو أربعٍ وتسعين، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ): (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ)؛ بنصب «أجودَ» خبر كان؛ أي: أجودهم على الإطلاق، (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ) حال كونه (فِي رَمَضَانَ) برفع «أجود»: اسم كان، وخبرها محذوفٌ وجوبًا على حدِّ قولك: أخطب ما يكون الأمير قائمًا؛ أي: حالة كونه قائمًا، و«ما»: مصدريَّةٌ؛ أي: أجود أكوان الرسول صلى الله عليه وسلم، و«في رمضان» [2] سدَّ مسدَّ الخبر؛ أي: حاصلًا فيه، أو على أنَّه مبتدأٌ مضافٌ إلى المصدر؛ وهو: «ما يكون»، و«ما»: مصدريَّةٌ، وخبره: «في رمضان»، تقديره: أجود أكوانه عليه الصلاة والسلام حاصلةٌ له في رمضان، والجملة كلُّها: خبر «كان»، واسمها: ضميرٌ عائدٌ على الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وللأَصيلِّي وأبي ذَرٍّ كما في «اليونينيَّة»: ((أجودَ))؛ بالنَّصب خبر «كان».

وعُورِض: بأنَّه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها، وأُجِيب: بجعل اسم «كان» ضمير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، و«ما» حينئذٍ: مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، والتَّقدير: كان عليه الصلاة والسلام متَّصفًا بالأجوديَّة مدَّة كونه في رمضان، مع أنَّه أجود النَّاس مُطلَقًا. وتُعقِّب: بأنَّه إذا كان فيه ضمير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يصحُّ أن يكون «أجودَ» خبرًا لـ: «كان»؛ لأنَّه مضافٌ إلى الكون، ولا يُخبَر بكونٍ [/ج1ص71/] عمَّا ليس بكونٍ، فيجب أن يُجعَل مبتدأً، وخبره «في رمضان»، والجملة خبر «كان» ا ه فليُتأمَّل، وقال في «المصابيح»: ولك مع نصب «أجودَ» أن تجعل «ما» نكرةً موصوفةً، فيكون «في رمضان» متعلِّقًا بـ: «كان» مع أنَّها ناقصةٌ؛ بناءً على القول بدلالتها على الحدث، وهو صحيحٌ عند جماعةٍ، واسم «كان» ضميرٌ عائدٌ له عليه الصلاة والسلام، أو إلى جوده المفهوم ممَّا سبق؛ أي: وكان عليه الصلاة والسلام أجود شيءٍ يكون، أو: وكان جوده في رمضان أجود شيءٍ يكون [3] ، فجعل الجود متَّصفًا بالأجوديَّة مجازًا؛ كقولهم: شعر شاعرٍ. ا ه.

والرَّفع أكثر وأشهر روايةً، ولأبي ذَرٍّ: ((فكان أجود))؛ بالفاء بدل الواو، وفي هذه الجملة الإشارة إلى أنَّ جوده عليه الصلاة والسلام في رمضان يفوق على جوده في سائر أوقاته، (حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) عليه السلام؛ إذ في ملاقاته زيادة ترقيةٍ في المقامات، وزيادة إطلاعه على علوم الله تعالى، ولا سيَّما مع مدارسة القرآن. (وَكَانَ) جبريل (يَلْقَاهُ)؛ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وجوَّز الكرمانيُّ أن يكون الضمير المرفوع للنَّبيِّ، والمنصوب لجبريل، ورجَّح الأوَّل العينيُّ؛ لقرينة قوله: «حين يلقاه جبريل» (فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ)؛ بالنَّصب مفعولٌ ثانٍ لـ: «يدارسه»، على حدِّ: جاذبته الثَّوب، والفاء في «فيدارسه» عاطفةٌ على «يلقاه»، فبمجموع ما ذُكِرَ من رمضان ومدارسة القرآن وملاقاة جبريل يتضاعف جوده؛ لأنَّ الوقت موسم الخيرات؛ لأنَّ نِعَمَ الله على عباده تربو فيه على غيره، وإنَّما دارسه بالقرآن؛ لكي يتقرَّر عنده، ويرسخ أتمَّ رسوخٍ، فلا ينساه، وكان هذا إنجاز وعده تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام؛ حيث قال له: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] ، وقال الطِّيبيُّ: فيه تخصيصٌ بعد تخصيصٍ على سبيل التَّرقِّي؛ فضَّل أوَّلًا جوده مطلقًا على جود النَّاس كلِّهم، ثمَّ فضَّل ثانيًا جود كونه في رمضان على جوده في سائر أوقاته، ثمَّ فضَّل ثالثًا جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جوده في رمضانَ مُطلَقًا، ثمَّ شبَّه جوده بالرِّيح المُرسَلة فقال: (فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ بالرَّفع: مبتدأٌ، خبره قوله: (أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ)؛ أي: المُطلَقة، إشارةٌ إلى أنَّه في الإسراع بالجود أسرع من الرِّيح، وعبَّر بـ: «المُرسَلة» إشارةً إلى دوام هبوبها بالرَّحمة، وإلى عموم النَّفع بجوده عليه الصلاة والسلام، كما تعمُّ الرِّيح المرسلة جميع ما تهبُّ عليه، وفيه جواز المبالغة في التَّشبيه، وجواز تشبيه المعنويِّ بالمحسوس؛ ليقرب لفهم سامعه؛ وذلك أنَّه أثبت له أوَّلًا وصف الأجوديَّة، ثمَّ أراد أن يصفه بأزيدَ من ذلك، فشبَّه جوده بالرِّيح المُرسَلة، بل جعله أبلغ منها في ذلك؛ لأنَّ الرِّيح قد تسكن. وفيه استعمال «أفعل» التَّفضيل في الإسناد الحقيقيِّ والمجازيِّ؛ لأنَّ الجود منه صلى الله عليه وسلم حقيقةٌ، ومن الرِّيح مجازٌ، فكأنَّه استعار للرِّيح جودًا باعتبار مجيئها بالخير، فأنزلها منزلة مَنْ جاد. وفي تقديم معمول «أجود» على المفضَّل عليه نكتةٌ لطيفةٌ؛ وهي أنَّه لو أخَّره لَظُنَّ تعلُّقه بالمُرسَلَة، وهذا وإن كان لا يتغيَّر به المعنى المُرَاد من الوصف بالأجوديَّة، إلَّا أنَّه تفوت فيه المبالغة؛ لأنَّ المراد وصفه بزيادة الأجوديَّة على الرِّيح مُطلَقًا، والفاء في «فلرسول الله صلى الله عليه وسلم» للسَّببيَّة، واللَّام: للابتداء، وزِيدَت على المبتدأ تأكيدًا، أو هي جواب قسمٍ مقدَّرٍ، وحكمة المدارسة؛ ليكون ذلك سنَّةً في عرض القرآن على مَنْ هو أحفظ منه، والاجتماع عليه والإكثار منه، وقال الكرمانيُّ: لتجويد لفظه، وقال غيره: لتجويد حفظه، وتُعقِّب: بأنَّ الحفظ كان حاصلًا له، والزِّيادة فيه تحصل ببعض المجالس.

وفي هذا الحديث التَّحديث والإخبار والعنعنة والتَّحويل، وفيه عددٌ من المراوزة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صفة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم» [خ¦3554] و«فضائل القرآن» [خ¦4997] ، و«بدء الخلق» [خ¦3220] ، ومسلمٌ في «الفضائل النَّبويَّة».

ولمَّا فرغ من بدء الوحي؛ شرع يذكر جملةً من أوصاف المُوحَى إليه، فقال ممَّا رويناه [4] بالسَّند السَّابق:

[1] في (ص): «الالتباس».
[2] في هامش (م): «حال. صحَّ».
[3] قوله: «أو: وكان جوده في رمضان أجود شيءٍ يكون»، سقط من (ص).
[4] في (ب) و(س): «رويته».





6- (نَحْوَهُ): منصوبٌ مفعولُ (حَدَّثَنَا) ؛ أي [1] : نحوَ الحديثِ الآتي بَعْدَهُ، وهذَا خلافُ عمل الناسِ في عَودِ الضَّمير.

(وَكَانَ أَجْوَد): رَفعُ الدَّال أصحُّ وَأشهَرُ، قاله النوويُّ ؛ أي: كانَ أجوَدُ أكوانه في رمضان؛ أي: أحسنُ أيامِهِ فيها، فهوَ مُبتَدَأٌ مُضَافٌ إلى المصدَر، وخبره: (فِي رَمَضَانَ).

قال البُلقينيُّ: (وهذا الإعرابُ هو مقتضى كلام البخاري؛ إذ قال: «بابٌ: أجودُ ما كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يكون في رمضان»).

والنَّصبُ على أنَّه خَبَرُ (كَانَ)، وفيهِ بُعْدٌ؛ لأنَّه يلزمُ منه أنَّ خبرَها هو اسمُها، ولا يصحُّ إلَّا بتأويلٍ بعيدٍ.

وقال المحبُّ: (قال شيخُنا أبو عبد الله السُّلَميُّ: يقال بالرَّفع، ولا يجوز فيه النَّصب؛ لأنَّ «ما» مصدريَّةٌ مُضافةٌ إلى «أجودُ»، وتقديره: وكان جودُه الكثيرُ في رمضانَ، وإذا قيل: وكان هو جودَه في رمضان؛ بالنَّصب على الخبر؛ لم يجز ذلك إلا اتِّساعًا، وهو قبيح، ولو قدَّرنا «ما» نكرةً مضافةً؛ لَدَخَلَ في ذلك مَنْ يُتصوَّرُ منه الجودُ ومَنْ لا يُتصوَّر، وذلك غيرُ سائغٍ في اللِّسان) هذا آخِرُ كلامه.

قلتُ: ويمكن أن يُقال: تُخَصُّ النَّكرةُ باقتران الجود بها، فلا يَدخل فيه إلَّا مَن يُتصوَّرُ منه الجودُ، وحينئذٍ يجوز النَّصب.

قال ـ أي: النَّوويُّ [2] ـ رضي اللهُ عنه: (الرَّفع من ثلاثة أوجُهٍ:

أحدُها: أن يكون بدلًا من المضمر بدلَ اشتمالٍ؛ كقولكَ: «نفعني زيدٌ علمُه الغزيرُ».

والثَّاني: أن يكون مبتدأً، و«في رمضانَ» خبرُه، والجملة خبر «كان»، [واسمها] المضمرُ.

والثَّالث: أن يكون هو نفسه اسم «كان»، والخبر «في رمضانَ») انتهى.

وقال بعضُ المشايخ: (إنَّ ابنَ مالكٍ سُئِل عن ذلك، فذكر للرَّفع ثلاثةَ أوجُهٍ، وللنَّصبِ وجهين)، ثمَّ قال: (وفي ذهني أنَّه رجَّحَ الرَّفعَ، وأنَّ القُرطبيَّ إمَّا رجَّحَ النَّصبَ، وإمَّا جزمَ به).

(وقال البُلقينيُّ: «إنَّ النَّوويَّ سأَلَ ابنَ مالكٍ عن ذلك، فذكر جوابهُ»، ثم تعقَّبَهُ البُلقينيُّ، وانظُرْهُ أوَّلَ «الصَّوم» [خ¦1902] ) [3] .

وقال البِرْماويُّ: (فأمَّا الرَّفع؛ فمن وُجوهٍ:

أحدُها: أنَّ اسم «كان» ضمير النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، و«أجوَدُ» مبتدأٌ مضافٌ للمصدر المُؤَوَّل من «مَا» المصدريَّة والفعل؛ أي: أجودُ أكوانِه، و«في رمضان» خَبرُه؛ أي: حاصلٌ له، والجملةُ خبرُ «كَانَ».

[الثاني] [4] : كذلك، إلَّا أنَّ خبرَ المبتدَأِ محذوفٌ سدَّتِ الحالُ مسدَّهُ؛ وهي «فِي رَمَضَانَ»؛ أي: حاصلًا فيه، فهوَ على حدِّ: «أخطبُ ما يكونُ الأميرُ قائمًا».

الثَّالث والرَّابع: كالوجهين السَّابقين، إلَّا أنَّ اسم «كَانَ» ضميرُ الشَّأن.

الخامس: أنَّ الضَّمير للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو اسم «كانَ»، و«أجوَدُ»: بدلُ اشتمالٍ منه.

السَّادس: يقدَّر [5] في الكلام «وقتَ»؛ كما في نحو: «جاءك مَقْدَمَ الحاجِّ»؛ أي: وَقتَ قدومه، والتَّقدير هنا: كان أجودُ أوقاتِ أكوانه وقتَ كونه في رمضانَ، وإسنادُ الجود إلى أوقاته على سبيل المبالغة؛ كما في إسناد نحو: «نهارُه صائمٌ».

وأمَّا النَّصب؛ فعلى أنَّه خبرُ «كانَ»، لكنْ لا بإضافتها إلى ما بعدها، بل تكون «ما» مصدريَّةً وقتيَّةً؛ أي: كان أجودَ مُدَّةَ كونه في رمضان؛ أي: أجودَ ممَّا [6] هو في غيره وإن كان جودُه دائمًا؛ لأنَّ رمضانَ مَوسِمُ الخير، واللهُ تعالى يتَفضَّل فيه على عباده، فهو متابعٌ سنَّةَ الله في ذلك؛ ولأنَّه يُلاقي البَشَرَ كمُلاقاة أمينِ الوحي، فشَكَرَ اللهَ بالإنعام على عباده [7] ، وأحسَنَ إليهم كما أحسنَ إليه، ولأنَّه يُناجي الرَّسول وهو جبريل، فيقدِّم بين يدي نجواهُ صدقةً، وهذا وإن كان نُسِخَ؛ فالنسخُ للوجوب لا يلزمُ منه نسخُ الجوازِ ولا الاستحبابِ) [8] .

(حِيْنَ يَلْقَاهُ): في موضع حالٍ، فإنْ جُعِلَ ما قبله [9] حالًا؛ فهو من تداخُل الحال؛ لأنَّ الثانية من شيءٍ في الأُولى، فهي حالٌ مِن حالٍ.

(كَانَ يَلْقَاهُ): يَحتمل كونُ الضَّمير المرفوع لـ (جبريل)، والمنصوب لـ (الرَّسُول)، وبالعكس.

(فَيُدَارِسُهُ): يتعدَّى لمفعُولين ثانيهما: (الْقُرْآنَ) ؛ لأنَّ المفاعَلة في المتعدِّي لواحدٍ تُصيِّرُه متعدِّيًا لاثنين؛ كـ«جاذبتُه الثوبَ».

(فَلَرَسُولُ اللهِ): قَالَ الكرمَانيُّ: (بفتح اللَّام؛ لأنَّه لام الابتداء زِيدَ على المبتدأ؛ للتَّأكيد) [10] انتهى.

وقال والدي رحمه الله تعالى: (الذي كنتُ أفهمُه أنَّها لامُ الابتداء دخلت للتَّأكيد) [11] .

وقال الزَّرْكَشيُّ: (إنَّها لامُ القَسَم) [12] .

وقال شيخُنا الحافظ أبو الفضل في «الفتح»: (الفاءُ سببيَّةٌ، واللَّامُ للابتداء، وزِيْدَت في الابتداءِ؛ للتَّأكيد، وهي جوابُ قَسَمٍ محذوف) [13] انتهى.

وقال ابن الملقِّن: (بفتح اللَّام) [14] ، ولم يُبَيِّنْ ما هي.

وقال العلَّامة سراج الدِّين البُلقينيُّ: (اِعلم أنَّ السَّبب يغلب على الفاء العاطفة للجملة؛ كما في هذا الموضع، ومنه قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عليه} [البقرة: 37] ، وقوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ} [القصص: 15] ، وتقع الفاءُ المذكورة في عطف الصِّفة، ومنه: {لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زُقُّومٍ*فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُون} [الواقعة: 52-3] .

واللَّام: هي لامُ الابتداء، وهي مفتوحةٌ أبدًا، وفائدتُها: تأكيدُ مضمون الجملة، ولا تجتمعُ مع «إنَّ»؛ لأنَّ لكلٍّ منهما صدرَ الكلام، فزحلقوها في باب «أنَّ» عن صدر الجملة، وأما في غير باب «إنَّ»؛ ففي دخولها على الخبر المقدَّم خلافٌ؛ نحو: «لَقام زيدٌ»، وفي دخولها على الفعل المضارع؛ نحو: «لَيقوم زيدٌ» خلافٌ، وأجاز بعضُهم دخولَها على الماضي الجامد؛ نحو: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 62] ، وبعضُهم يُجيز دخولَها على المتصرِّف المقرون بـ«قد»؛ نحو: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ} [الأحزاب: 15] ، والمشهورُ: أنَّ هذه لام القَسَمِ).

[1] أي: ليست في (ب).
[2] أي النووي: مثبت من (ب).
[3] ما بين قوسين جاء في (أ) في الهامش، وفي (ب) بعدُ عقب كلام البرماوي بعد قوله: (ولا الاستحباب)، ولعل هذا هو مكانه المناسب.
[4] ما بين معقوفين سقط من النسختين.
[5] في (ب): (مقدَّر).
[6] في النسختين: (ما)، والمثبت من مصدره.
[7] على عباده: ليس في (ب).
[8] «اللامع الصبيح» (1/75-6).
[9] في (ب): (بعده)، ولا يصح.
[10] «الكواكب الدراري» (1/51).
[11] «التلقيح» (1/13).
[12] «التنقيح» (1/19).
[13] «فتح الباري» (1/41).
[14] «التوضيح» (2/359).





6- قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ): هو لقبٌ، واسمُه عبدُ الله بنُ عثمانَ بنِ جَبَلَةَ بنِ أبي روَّاد العَتَكِيُّ المِروزيُّ، أبو عبد الرحمن الحافظ، تصدَّقَ بألفِ ألفٍ، وعاش ستًّا وسبعين سنةً، وتوفِّي سنةَ (221 هـ ) ، قال بعضُهم: إنَّما قيل له [1] : (عبدان) ؛ لأنَّ كنيتَه: أبو عبد الرحمن، واسمُه: عبد الله، فاجتمعَ في اسمِه وكُنيتِه العبدان، وتعقَّبَه بعضُهم، فقال: هذا لا يصحُّ، بل ذلك مِن تغيير العامَّة للأسامي وكسرِها لها في زمن صِغَرِ المُسَمَّى، أو نحو ذلك.

قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا [2] يُونُسُ [3] ): (عبدُ الله) [4] : هذا هو ابنُ المبارك، شيخُ خُراسان، ترجمتُه معروفةٌ؛ فلا نُطوِّلُ بها.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): هو ابنُ شهابٍ المذكور، تقدَّم أنَّه محمَّدُ بنُ مسلمِ بنِ عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله بنِ شهابٍ.

قوله: («ح»: وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ): اعلم أنَّ هذا أوَّلُ مكانٍ وقعَ فيه التحويلُ، واعلم أنَّها جرتْ عادةُ أهل الحديث إذا كان للحديث إسنادان فأكثرَ، وجمعوا بين الأسانيد في متنٍ واحدٍ، إذا انتقلوا مِن سندٍ إلى سندٍ آخرَ؛ كتبوا بينهما حاءً مفردةً مهملةً صورة (ح) ، والذي عليه عملُ أهلِ الحديث أَن يَنطِقَ القارئُ بها كذلك [5] مفردةً، واختارَه أبو عمرو بن الصلاح، وذهب الحافظُ عبد القادر الرُّهاويُّ إلى أنَّ القارئَ لا يلفظُ بها، وأنَّها حاءٌ مِن حائل؛ أي: تحوُّل بين الإسنادين، وأنكر كونَها مِن قولهم: الحديث وغير ذلك، لمَّا سأله ابنُ الصلاح عن ذلك، قال ابنُ الصلاح: (وذاكرت فيها بعضَ أهل العلم مِن أهل الغرب [6] ، وحكيتُ له عن بعضِ مَن لقيتُ مِن أهل الحديث أنَّها حاءٌ مهملةٌ؛ إشارةً إلى قولنا: «الحديث»، فقال لي: أهل الغرب -وما عرفتُ بينهمُ اختلافًا- يجعلونها حاءً مهملة، ويقول أحدُهم إذا وصل إليها: الحديث) .

قال ابن الصلاح: (وحكى لي بعضُ مَن جمعتني وإيَّاه الرحلةُ بخُراسان عمَّن وصفَه بالفضل مِنَ الأصبهانيِّينَ: أنَّها مِنَ التحويل مِن إسنادٍ إلى إسنادٍ آخرَ) .

وقال ابن الصلاح: (وجدتُ بخطِّ الأستاذ الحافظ أبي عثمان الصابونيِّ، والحافظ أبي مسلمٍ عمرَ بنِ عليٍّ الليثيِّ البخاريِّ، والفقيه المحدِّث أبي سعيد الخليليِّ في مكانها بدلًا عنها «صح» صريحةً، قال: وهذا يُشعرُ بكونِها رمزًا إلى [7] «صح»، وحَسُنَ إثباتُ «صح» ههنا؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّ حديث هذا الإسناد سقطَ، ولئلَّا يُرَكَّب الإسنادُ الثاني على الأوَّل، فيُجعلا إسنادًا واحدًا) .

وأمَّا (بِشْرُ) ؛ فهو ابنُ محمَّدٍ، وهو بموحَّدةٍ، وشينٍ معجمةٍ، مِروزيٌّ، انفرد البخاريُّ بالإخراج له، ذكره ابنُ حِبَّانَ في «الثقات» [8] ، توفِّي سنةَ (224 هـ ) [9] .

قوله: (نَحْوَهُ): هو منصوبٌ مفعولُ (وَحَدَّثَنَا) ، وهذا معطوفٌ على السند قبلَه، لا تعليقًا؛ فاعلمه.

والضميرُ في (نحوَه) ؛ أي: نحوَ الحديث الآتي بعدَه، وهذا خلافُ عمل الناس في عودِ الضميرِ، والله أعلم. [/ج1ص14/]

قوله: (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ): رفعُ الدالِ مِن (أَجْوَدُ) أصحُّ وأشهرُ، قاله النوويُّ في «شرح مسلم» [10] ؛ أي: كان أجودُ أكوانِه [11] رمضانَ؛ أي: أحسن أيَّامه فيها، فهو مبتدأٌ مضافٌ إلى المصدرِ، وخبرُه (رَمَضَانَ) .

والنصبُ على أنَّه خبرُ (كَانَ) ، وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّه يلزمُ منه أنَّ [12] خبرَها هو اسمُها، ولا يصحُّ إلَّا بتأويلٍ بعيدٍ.

وقال المُحِبُّ الطبريُّ عن شيخِه محمَّد بن أبي [13] الفضل السُّلميِّ: (بالرفع، ولا يجوزُ فيه النصب...) إلى آخر كلامه.

وقال بعضُ مشايخي: إنَّ ابنَ مالكٍ سُئل عن ذلك، فذكر للرفعِ ثلاثةَ أوجهٍ، وللنصبِ وجهين، ثمَّ قال: (وفي ذهني أنَّه رجَّحَ الرفعَ، وأنَّ القُرطبيَّ إمَّا رجَّح النصبَ، وإمَّا جزمَ به) انتهى.

قوله: (فَلَرَسُولُ اللهِ): هو بفتح اللَّام، والذي كنتُ أفهمُه أنَّها لامُ الابتداء، دخلت تأكيدًا، ورأيتُ بعضَهم قال: إنَّها لامُ القَسَمِ، والله أعلم.

وشيخُنا الشَّارحُ لم يتعرَّض لها، إلَّا أنَّه قال: (إنَّها مفتوحةٌ) .

قوله: (مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ [14] ): يعني: إسراعًا وعمومًا، وقيل: عطاؤه عامٌّ؛ كالريح.

[1] (له): ليست في (ب) .
[2] في (ب): (بن) .
[3] في «اليونينيَّة»: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) ، والمثبت موافق لما في (ق) .
[4] (عبد الله): ليست في (ب) .
[5] في (ب): (لذلك) .
[6] زيد في (ب): (وما عرفت بينهم اختلافًا يجعلونها حاء مهملة، ويقول أحدهم) .
[7] في (ب): (لما) .
[8] «الثقات» (*) .
[9] «تهذيب الكمال» (*) .
[10] «المنهاج شرح مسلم» (*) .
[11] في (ب): (أحواله) .
[12] (أن): ليست في (ب) .
[13] (أبي): ليست في (ج) .
[14] (المرسلة): ضرب عليها في (ج) .





6- ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ ) بنصب ( أجود ) خبر ( كان ).

( وَكَانَ أَجْوَدُ ) بالرفع على المشهور، إما على أنَّه مبتدأ مضاف إلى المصدر وهو ( مَا يَكُونُ )، و( ما ) مصدرية وخبره: ( فِي رَمَضَانَ )، تقديره: أجود أكوانه في رمضان، والجملة بكاملها خبر كان، واسمُها ضمير عائد على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيْرِ فِي ( كَانَ ) بدل اشْتِمَالٍ.

وَيَجُوْزُ النصب على أنَّه خبر ( كان )، ورُدَّ بأنه يلزم منه أن يكون خبرُها اسْمَهَا، وَأجيب بجعل اسم ( كَان ) ضَمير النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، و( أجود ) [/ج1ص18/] خبرها، ولا يضاف إلى ( ما )، بل تجعل ( ما ) مصدرية نائبة عن ظرف الزمان.

والتقدير: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره.

( فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ ) أحسن ما قيل فيه: إنَّ مدارسته له القرآن يجدِّد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، ويحققه أنَّ المراد بالجود ما هو أعم من الصدقة [1] .

( فَلَرَسُولُ اللَّهِ) اللام جواب قسم مقدَّر.

( مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ) أي: إسراعًا، وقيل: إعطاءً.

[1] جاء في هامش [ب] : بلغ النسخ بها والدي الحافظ نفع الله تعالى به، مقابلة، وقراءة للبعض وسماعًا، للباقي بحق سماعي على المصنف للبعض، وأجازة بالباقي محمد البرماوي عفا الله عنه.





6- ( أَجْوَدَ النَّاسِ ) بالنَّصب خبر كان.

( وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَان ) للأكثر برفع ( أجود ) اسم ( كان ) والخبر محذوف أو مبتدأ مضاف إلى المصدر، وهو ( ما يكون )، وخبره ( في رمضان )، والتَّقدير: أجود أكوانه في رمضان، والجملة: خبر كان، واسمها: ضميره صلَّى الله عليه وسلَّم.

وللأَصِيلي بالنَّصب خبر كان، واسمها: ضميره صلَّى الله عليه وسلَّم.

و ( ما ) مصدريَّة ظرفيَّة، أي: كان مدَّة كونه في رمضان أجود منه في غيره.

( فَلَرَسُولُ اللَّهِ ): هي لام الابتداء زيدت على المبتدأ تأكيدًا، وقيل: جواب قسم مقدَّر.

( أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ ) يعني: أنَّه في الإسراع بالجود أسرع من الرِّيح.

( الْمُرْسَلَةِ ) المطلقة، وقيل: الرِّيح المرسلة هي التي يرسلها الله [لإنزال الغيث] [1] العامِّ الذي يكون سببًا لإصابة الأرض كلَّها، وهو صلَّى الله عليه وسلَّم أعمُّ برًّا منها. [/ج1ص137/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (لأنها كالغيث)





6- ((حدثنا عبدان)) ؛ بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة، وفتح المهملة: لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومئتين، عن ست وسبعين سنة، ((قال: أخبرنا عبد الله)) بن المبارك بن واضح الحنظلي، التميمي، مولاهم المروزي، تابع التابعين؛ وهو من أتباع الإمام الأعظم، توفي سنة إحدى وثمانين ومئة، ((قال أخبرنا يونس)) بن يزيد بن مشكان الأيلي، المتوفى سنة تسع وخمسين ومئة؛ كما مر، ((عن الزهري)) محمد بن مسلم بن شهاب.

((قال)) أي: المؤلف، وفي «الفرع»: (ح) مهملة مفردة في الخط، مقصورة في النطق؛ لأجل الجمع بين الإسنادين:

((وحدثنا بِشْر بن محمد)) ؛ بكسر الموحدة وسكون المعجمة: المروزي السختياني، المتوفى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، ((قال: أخبرنا عبد الله)) ؛ هو ابن المبارك الحنفي، ((قال: أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه)) ، ولأبوي ذر والوقت: (نحوه عن الزهري) يعني: أنَّ ابن المبارك حدث به عبدان عن يونس وحده، وحدث به بشر عن يونس ومعمر معًا.

((قال)) أي: الزهري ((أخبرني)) بالإفراد، ولأبي ذر: أخبرنا ((عبيد الله)) بالتصغير ((بن عبد الله)) بن عتبة؛ بضم العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، وفتح الموحدة: ابن مسعود، أحد الفقهاء السبعة، التابعي، المتوفى سنة تسع وتسعين، ((عن ابن عباس)) رضي الله عنهما ((قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس)) ، بنصب (أجود) خبر (كان) ؛ أي: أجودهم على الإطلاق، ((وكان أجود ما يكون)) حال كونه ((في رمضان)) برفع أجود؛ اسم (كان) وخبرها محذوف وجوبًا.

وللأصيلي وأبي ذر: (أجود) بالنصب خبر (كان) ، ولأبي ذر: (فكان أجود) بالفاء، وفيه إشارة إلى أن جوده عليه السلام في رمضان أكثر من جوده في غيره، ((حين يلقاه جبريل)) عليه السلام، ((وكان)) جبريل ((يلقاه)) ؛ أي: النبي عليه السلام.

وجوز الإمام الكرماني أن يكون الضمير المرفوع لـ (النبي) ، والمنصوب لـ (جبريل) ، ورجح الأول: الإمام بدر الدين العيني؛ لقرينة قوله: (حين يلقاه جبريل) ((في كل ليلة من رمضان)) ، مصدر رَمَضَ إذا احترق، ممنوع من الصرف للزيادة، ((فيدارسه القرآن)) ، بالنصب مفعول ثان لـ (يدارسه) ، والفاء عاطفة، وإنما يدارسه حتى يتقرر عنده ويرسخ؛ وهذا إنجاز وعده تعالى له في قوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى} [الأعلى: 6] .

((فلرسول الله)) ؛ مبتدأ، خبره قوله: ((أجود بالخير من الريح المرسلة)) ؛ أي: المطلقة، وعبر بـ (المرسلة) ؛ إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، كما أنه عليه السلام دائم الجود، والفاء في (فلرسول) : للسببية، واللام للابتداء، وزيدت على المبتدأ؛ للتأكيد.