متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

5- وبه قال: (حَدَّثَنَا)، ولأبي الوقت: ((أخبرنا)) (مُوسَى) أبو سلمة (بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَرِيُّ؛ بكسر الميم وإسكان النُّون وفتح القاف؛ نسبةً إلى مِنْقَر بن عبيدٍ الحافظ، المُتوفَّى بالبصرة في رجب سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) _بفتح العين المُهملَة والنُّون_ الوضَّاح بن عبد الله اليشكُريُّ _بضمِّ الكاف_ المتوفَّى سنة ستٍّ وسبعين [1] ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) أبو الحسن الكوفيُّ الهمْدانيُّ؛ بالميم السَّاكنة والدَّال المُهملَة، وأبو عائشة لا يُعرَف اسمه، (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) _بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة، وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة_ ابن هشامٍ الكوفيُّ الأسديُّ، قتله الحجَّاج صبرًا في شعبان سنة خمسٍ وتسعين، ولم يقتل بعده أحدًا، بل لم يعش بعده إلَّا أيامًا، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، عبد الله الحبر ترجمان القرآن، أبي الخلفاء، وأحد العبادلة الأربعة، المُتوفَّى بعد أن عَمِيَ بالطَّائف سنة ثمانٍ وستِّين، وهو ابن إحدى وسبعين سنةً على الصَّحيح في أيَّام ابن الزُّبير، وله في «البخاريِّ» مئتا حديثٍ وسبعة عشَر حديثًا، (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: (( عزَّ وجلَّ )): ({لَا تُحَرِّكْ بِهِ})؛ أي: بالقرآن ({لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ})، (قَالَ): (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ) القرآنيِّ لثقله عليه (شِدَّةً) بالنَّصب مفعول «يعالج»، والجملة في موضع [2] نصبٍ خبر «كان». (وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (مِمَّا)؛ أي: ربَّما؛ كما قاله في «المصابيح» (يُحَرِّكُ)، زاد في بعض الأصول: ((به)) (شَفَتَيْهِ)؛ بالتَّثنية، أي: كثيرًا ما كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، قاله القاضي عياضٌ والسَّرَقَسْطيُّ [3] ، وكان يكثر من ذلك حتَّى لا ينسى، أو لحلاوة الوحي في لسانه، وقال الكرمانيُّ: أي: كان العلاج ناشئًا من تحريك الشَّفتين؛ أي: مبدأ العلاج منه، أو «ما» بمعنى: من الموصولة، وأُطلِقت على «من» يعقل مجازًا؛ أي: وكان ممَّن يحرِّك شفتيه، وتُعقِّب: بأنَّ الشِّدَّةَ حاصلةٌ قبل التَّحريك، وأُجِيب: بأنَّ الشِّدَّة وإن كانت حاصلةً له قبل التَّحريك إلَّا أنَّها لم تظهر إلَّا بتحريك الشَّفتين؛ إذ هي أمرٌ باطنيٌّ لا يدركه الرَّائي إلَّا به، قال سعيد بن جُبيرٍ: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما: (فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا)؛ أي: شفتيَّ (لك) كذا للأربعة، وفي بعض النُّسخ: ((لكم)) كما في «اليونينيَّة». (كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَرِّكُهُمَا)، لم يقل كما قال في الآتي: كما رأيت ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّ ابن عباس لم يدرك ذلك. (وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن جُبيرٍ: (أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا. فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ)، وإنَّما قال ابن جبيرٍ: كما رأيت ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّه رأى ذلك منه من غير نزاعٍ، بخلاف ابن عبَّاسٍ؛ فإنَّه لم يَر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة؛ لسبق نزول آية القيامة على مولده؛ إذ كان قبل الهجرة بثلاث سنين، ونزول الآية في بدء الوحي؛ كما هو ظاهرُ صنيع المؤلِّف، حيث أورده هنا، ويحتمل أن يكون أخبره أحدٌ من الصَّحابة أنَّه رآه عليه الصلاة والسلام يحرِّكهما، أو أنَّه عليه الصلاة والسلام أخبر ابن عبَّاسٍ بذلك بعد، فرآه ابن عبَّاسٍ حينئذٍ. نعم؛ ورد ذلك صريحاً في «مسند أبي داود الطَّيالسيِّ»، ولفظه: قال ابن عبَّاسٍ: «فأنا أحرِّك لك شفتيَّ كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرِّكهما»، وجملة: «فقال ابن عبَّاسٍ... إلى قوله: فأنزل الله» اعتراضٌ بالفاء، وفائدتها: زيادة البيان بالوصف على القول.

وهذا الحديث يُسمى المُسلسَل بتحريك الشَّفة، لكنَّه لم يتَّصل تسلسله، ثمَّ عطف على قوله: «كان يعالج» قوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: (( عزَّ وجلَّ )): ({لَا تُحَرِّكْ}) يا محمَّد ({بِهِ})؛ أي: بالقرآن ({لِسَانَكَ}) قبل أن يتمَّ وحيه؛ ({لِتَعْجَلَ بِهِ}): لتأخذه على عجلةٍ مخافة أن يتفلَّت منك. وعند ابن جريرٍ من رواية الشَّعبيِّ: عجل به من حبِّه إيَّاه، [/ج1ص69/] ولا تَنافيَ بين محبَّته إيَّاه والشِّدَّة التي تلحقه في ذلك، ({إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ})؛ أي: قراءته، فهو مصدرٌ مضافٌ للمفعول، والفاعل محذوفٌ، والأصل: وقراءتك إيَّاه، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ولا منافاةَ بين قوله: «يحرِّك شفتيه»، وبين قوله في الآية: {لا تحرِّك به لسانك}؛ لأنَّ تحريك الشَّفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلَّا اللِّسان يلزم منه تحريك اللِّسان، أو اكتفى بالشَّفتين، وحذف اللِّسان لوضوحه؛ لأنَّه الأصل في النُّطق، أو الأصل حركة الفم، وكلٌّ من الحركتين ناشئٌ عن ذلك، وهو مأخوذٌ من كلام الكرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ الملازمة بين التَّحريكين ممنوعةٌ على ما لا يخفى، وتحريك الفم مُستبعَدٌ، بل مستحيلٌ؛ لأنَّ الفم اسمٌ لِمَا يشتمل عليه الشَّفتان، وعند الإطلاق لا يشتمل على الشَّفتين ولا على اللِّسان، لا لغةً ولا عرفًا، بل هو من باب الاكتفاء، والتَّقدير: فكان ممَّا يحرِّك به شفتيه ولسانه، على حدِّ: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] ؛ أي: والبرد، وفي «تفسير ابن جريرٍ الطَّبريِّ» _كالمؤلِّف في تفسير سورة القيامة_ من طريق جريرٍ عن ابن أبي عائشة: «ويحرِّك به لسانه وشفتيه» [خ¦4929] ، فجمع بينهما.

(قَالَ) ابن عبَّاسٍ في تفسير {جمعه}؛ أي: (جَمَعَهُ) بفتح الميم والعين (لَكَ صَدْرُكَ)؛ بالرَّفع على الفاعليَّة، كذا في أكثر الرِّوايات، وهي في «اليونينيَّة» للأربعة؛ أي: ((جمعه الله في صدرك))، وفيه إسناد الجمع إلى الصَّدر بالمجاز، على حدِّ: أنبت الرَّبيع البقل؛ أي: أنبت الله في الرَّبيع البقل، واللَّام للتَّعليل أو للتَّبيين، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((جمْعُه لك صدرُك))؛ بسكون الميم وضمِّ العين مصدرًا، ورفع راء «صدرك» فاعلٌ به، ولكريمة والحَمُّويي ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: ((جَمْعه لك في صدرك))؛ بفتح الجيم وإسكان الميم وزيادة «في»، وهو يوضِّح الأوَّل، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر أيضًا ممَّا في الفرع كأصله: ((جمْعه له))؛ بإسكان الميم؛ أي: جمْعُهُ تعالى للقرآن في صدرك، وللأَصيليِّ وحده: ((جمعه لك في صدرك)) بزيادة: «في». (وَ) قال ابن عبَّاسٍ أيضًا في تفسير {قرآنه}؛ أي: (تَقْرَأَهُ)؛ بفتح الهمزة في «اليونينيَّة». وقال البيضاويُّ: إثبات قرآنه في لسانك، وهو تعليلٌ للنَّهي، ({فَإِذَا قَرَأْنَاهُ}) بلسان جبريل عليك؛ ({فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}: قَالَ) ابن عبَّاسٍ في تفسيره: {فاتَّبع}؛ أي: (فَاسْتَمِعْ لَهُ)، ولأبي الوقت: (({فاتَّبع قرآنه}: فاستمع له)) من باب الافتعال المقتضي للسَّعي في ذلك؛ أي: لا تكون قراءتك مع قراءته، بل تابعةً لها متأخِّرةً عنها. (وَأَنْصِتْ)؛ بهمزة القطع مفتوحةً؛ من أنصَت ينصِت إنصاتًا، وقد تُكسَر؛ من نصَت ينصُت نصتًا؛ إذا سكت واستمع للحديث؛ أي: تكون حال قراءته ساكتًا، والاستماع أخصُّ من الإنصات؛ لأنَّ الاستماعَ الإصغاءُ، والإنصاتَ _كما مرَّ_: السُّكوتُ، ولا يلزم من السُّكوت الإصغاء. ({ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}) فسَّره ابن عبَّاسٍ بقوله: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ)، وفسَّره غيره: ببيان ما أشكل عليك من معانيه، قال: وهو دليلٌ على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ أي: لكن لا عن وقت الحاجة [4] ا ه. وهو الصَّحيح عند الأصوليِّين، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ؛ لما تقتضيه «ثمَّ» من التَّراخي، وأوَّل من استدلَّ لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكرٍ بن الطَّيِّب، وتبعوه، وهذا لا يتمُّ إلَّا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلَّا؛ فإذا حُمِلَ على أنَّ المراد استمرار حفظه له بظهوره على لسانه؛ فلا، قال الآمديُّ: يجوز أن يُراد بالبيان الإظهار، لا بيان المُجمَل، يُقال: بان الكوكب؛ إذا ظهر، قال: ويؤيِّد ذلك أنَّ المراد: جميع القرآن، والمُجمَل: إنَّما هو بعضه، ولا اختصاص لبعضه بالأمر المذكور دون بعضٍ، وقال أبو الحسين البصريُّ: يجوز أن يُراد البيان التَّفصيليُّ، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجماليِّ، فلا يتمُّ الاستدلال. وتُعقِّب: باحتمال إرادة المعنيين الإظهار والتَّفصيل وغير ذلك؛ لأنَّ قوله: «بيانه» جنسٌ مضافٌ، فيعمُّ جميع أصنافه؛ من إظهاره وتبيين أحكامه، وما يتعلَّق بها من تخصيصٍ وتقييدٍ ونسخٍ وغير ذلك، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة طه: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] ، فنهاه عن الاستعجال في تلقِّي الوحي من الملَك ومساوقته في القرآن حتَّى يتم وحيه. (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ) ملك الوحي المُفضَّل به على سائر الملائكة؛ (اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ) عليه السلام (قَرَأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَرَأَ)، [/ج1ص70/] ولغير أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((قرأه)) بضمير المفعول؛ أي: القرآن، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَني: ((كما كان قرأ))، والحاصل: أنَّ الحالة الأولى: جمعه في صدره، والثانية: تلاوته، والثَّالثة: تفسيره وإيضاحه.

ورواة هذا الحديث ما بين مكِّيٍّ وكوفيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وهما موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبيرٍ، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4927، 4928، 4929] ، و«فضائل القرآن» [خ¦5044] ، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ.

ولمَّا كان ابتداء نزول القرآن عليه صلى الله عليه وسلم في رمضان على القول به كنزوله إلى السَّماء جملةً واحدةً فيه؛ شرع المؤلِّف يذكر حديث تعاهد جبريل له عليهما السلام في رمضان في كلِّ سنةٍ، فقال:

[1] في غير (د): «وتسعين»، وهو تحريفٌ.
[2] في غير (د) و(م): «محلِّ».
[3] في غير (م): «كالسَّرقسطيِّ».
[4] في (د): «الحسن».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

5-. حدَّثنا [1] مُوسَى بنُ إِسْماعِيلَ، قالَ: حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ، قالَ: حدَّثنا مُوسَى بنُ أَبِي عائِشَةَ، قالَ: حدَّثنا سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعالَىَ [2] : { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } [القيامة: 16] قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وكانَ مِمَّا يُحَرِّكُ [3] شَفَتَيْهِ _فقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنا أُحَرِّكُهُما لَكُمْ [4] كَما كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُهُما. وقالَ سَعِيدٌ: أَنا أُحَرِّكُهُما كَما رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُما. فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ_ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعالَىَ [5] : { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ }. قالَ: جَمْعُهُ لَهُ فِي صَدْرِكَ [6] وتَقْرَأَهُ، { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ }. قالَ [7] : فاسْتَمِعْ لَهُ وأَنْصِتْ. { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } [القيامة: 16 - 19] : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا أَنْ تقْرَأَهُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذا أَتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَما قَرَأَهُ [8] .

[1] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أخبَرَنا».
[2] في رواية الأصيلي: «عزَّ وَجَلَّ».
[3] في نسخة زيادة: «به» (ب، ص).
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «لك». كتبت بالحمرة.
[5] في رواية أبي ذر: «عزَّ وَجَلَّ». وزاد في (ب، ص) نسبتها إلىَ رواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا.
[6] هكذا في روايةٍ للأصيلي أيضًا (و، ب، ص)، وفي روايةٍ لأبي ذر وابن عساكر وللسمعاني عن أبي الوقت: «جمْعُه له صدرُك» (ب، ص)، وفي روايةٍ أخرىَ لأبي ذر ولابن عساكر وللأصيلي وللسمعاني عن أبي الوقت: «جمْعُه لك صدرُك»
[7] لفظة: «قال» ليست في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[8] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «كما قرأ»، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ وأخرىَ عن أبي ذر: «كما كان قرأ».





5- ( قال: جمْعُهُ لك ) رواه الأصيلي بِسكونِ الْمِيْمِ وَضمِّ العَينِ وَرفعِ الرَّاءِ من ( صدرك )؛ أي: جمعه صدرُك، ورواه غيره بفتح الميم وفتح العين ورفع الراء و( صدرُك ) فاعل من صدرك، ولأبي ذر: «جَمْعه لك في صدرك» بفتح الجيم وإسكان الميم.

ومعناه كما قال أبو الفرج: أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يحرك [ب:5] شفتيه بما يسمعه من جبريل قبل إتمام جبريل الوحي استعجالًا لحفظه، فقيل: { لا تُحَرِّكْ بِهِ }، أي: بالقرآن: { لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ } [ القيامة: 16 - 17 ] . أي: علينا جمعه وضمُّه في صدرك. {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ}؛ أي: إذا فرغ جبريل من قراءته {فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ}.

( فاستمع له وأنصِت ): بفتح الهمزة وكسرها؛ لأنَّه يقال: أنصت ونصت لغتان بمعنى سكت.


5# (أَبُو عَوَانة) بفتح العين المهملة.

(يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً): أي: يُزاول لأجل التنزيل شدةً، فـ ((مِن)) تعليلية.

(وَكَانَ [1] مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) الضمير في ((كان)) يرجعُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤيِّده التصريحُ به في رواية مسلم: ((وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلَ عليه الوحيُ ممَّا يحركُ شَفَتيه))، وممَّا مرادفة ربما؛ كقوله:

~وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الفَمِ

قاله السيرافي وجماعة.

ومعناها [2] : التَّكثير، وخَرَّجوا عليه قولَ سيبويه: واعلم أنهم ممَّا يحذفون [3] .

كذا قال ابن هشام. والظاهر: أن ((مِن)) فيهما ابتدائية، و((ما)) مصدرية، وأنهم جعلوا كأنهم خلقوا من الضرب والحذف، مثل: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37] .

قلت: ليس المثالان نظير الآية [4] ، ولا يتأتى فيهما ما أراد؛ وذلك لأنَّ فعل الصَّلة فيهما مسند إلى ضميرٍ يرجعُ إلى المحدث عنهم، فيلزم عند الشَّك [5] إضافةُ المصدر إلى ذلك الضَّمير، فيؤول الأمر إلى جعلهم كأنهم خُلقوا من ضربهم ومن حذفهم، وذلك غير متصوَّر ألبتة، وهذا ليس بموجود [6] في الآية.

وانظر هل يمكن جعل قوله:

@%ج1ص22%

((يحرك شفتيه)) خبر ((كان))، والتقدير: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه مما يعالج، فحذف صلة ((ما)) للعلم بها؛ كقوله:

~نَحْنُ الأُلَى [7] فَاجْمَعْ جُمُو عَكَ [8] ثُمَّ وَجِّهْهُمْ إِلَيْنَا [9]

أي: نحن الأُلى عُرِفوا بالنَّجدة والشجاعة، فتأمله.

[1] في (ق): ((فكان)).
[2] في (ق) زيادة: ((هاهنا)).
[3] ((واعلم أنهم مما يحذفون)): ليست في (د).
[4] في (ق): ((المثالان نظراً)).
[5] في (ق): ((السبكي)).
[6] في (ق): ((بموجوه)).
[7] في (ق): ((الآتي)).
[8] في (ق): ((جمعوك)).
[9] في (م) و(ج) و(د): ((إليَّا)).





5- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ): هو الوضَّاحُ بنُ عبد الله الحافظ اليَشْكُريُّ، ثقةٌ، توفِّي سنةَ (176 هـ ) [1] ، أخرجَ له الجماعةُ [2] .

قوله: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ): هو عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، وللعبَّاس أولادٌ؛ عشرةُ ذكورٍ.

وإذا أُطلِقَ ابنُ عبَّاسٍ؛ فالمرادُ: عبدُ الله هذا، وهذا أوَّلُ حديثٍ وقعَ لابنِ عبَّاسٍ في هذا الصحيح، وقد روى له بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ الحافظُ في «مسنده» ألفَ حديثٍ، وسِتَّ مئةِ حديثٍ، وستِّينَ حديثًا.

وقد أخرجَ له الشيخانِ خمسةً وتسعينَ حديثًا منها، وانفردَ البخاريُّ منها بمئةٍ وعشرينَ [3] ، ومسلمٌ بتسعةٍ وأربعينَ.

فائدةٌ: اعلم أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أحدُ المكثرينَ السِّتَّة أو السبعة، ولكن غالب ما روى عنِ الصحابة، والذي سمعه منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قليلٌ جِدًّا في جَنْبِ ما رَوى، وقد روى له البخاريُّ حديثًا في (باب كيف الحشر): «إنَّكم ملاقو الله حُفاةً عُراةً مشاةً غُرلًا» [خ¦6524] ، وقد عقَّبَه سفيانُ -وهو ابنُ عُيينةَ- بقولِه: هذا ممَّا نَعُدُّ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قال: (سمعتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) انتهى.

قال الغزاليُّ في «المستصفى»: (إنَّه لم يسمع إلَّا أربعةَ أحاديثَ؛ لصِغَرِ سِنِّه) انتهى.

وقال غيرُه: له تسعةُ أحاديثَ، أو عشرةٌ.

وقال أبو جعفرٍ محمَّدُ بنُ الحسنِ البغداديُّ في كتابه: (وقد سألتُ أبا داودَ؛ قلتُ: ما سمعتَ مِن يحيى بن معينٍ يقولُ في روايةِ ابنِ عبَّاسٍ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟

قال: سمعتُه يقولُ روى عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تسعةَ أحاديثَ، قال: وذكر عنه أنَّه قال: (قُبِضَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا ختينٌ [4] ، ابنُ أربعَ عشرةَ [5] سنةً، فكانَ الناسُ يُعَزُّونَنِي) .

وسُئِلَ غُنْدرٌ: كم روى ابنُ عبَّاسٍ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سماعًا؟ قال: عشرةَ أحاديثَ.

قال [6] بعضُهم: ناظرتُ [7] يحيى بنَ سعيدٍ القطَّانَ في روايةِ ابنِ عبَّاسٍ عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: (له تسعةُ أحاديثَ) .

وقال الحافظُ شمسُ الدين ابنُ قيِّمِ الجوزيَّةِ في «الهدى» في (رضاع الكبير): [ (إنَّه سمع منه دونَ العشرينَ] [8] حديثًا، وسائِرُها عنِ الصحابةِ) [9] .

[قوله: (جَمْعُه لَكَ فِي صَدْرِكَ)] [10] : رواهُ الأصيليُّ بسكونِ الميمِ، وضمِّ العين، وضمِّ راء (صَدْرُكَ) ؛ أي: جمْعُه صدرُك، وغيرُه: بفتح الميم، و (صدرُك) فاعلٌ، ولأبي ذرٍّ: (جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ) ؛ بفتح الجيم، وإسكان الميم؛ ومعناه: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان يُحَرِّكُ شفتيه بما سمعَه مِنْ جبريلَ عليه السلام [11] استعجالًا بحِفْظِه، فنزلتْ.

قوله: (فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ): الاستماعُ والإصغاءُ والإنصاتُ: السكوتُ.

قوله: (وَأَنْصِتْ): هو بفتح الهمزة رباعيٌّ، وَوَصْلِها ثلاثيٌّ؛ لُغتان، وفي «القاموس»: (نصت، وأنصت، وانتصت؛ بمعنى: سَكَتَ) .

[1] في (ب): (172 هـ ) ، وهو خطأ.
[2] «تهذيب الكمال» (30/441) .
[3] زيد في (ب): (حديثًا) .
[4] في (ب): (ختن) .
[5] في (ب): (عشر) .
[6] في (ب): (وقال) .
[7] في (ب): (بالحديث) .
[8] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (عشرة أحاديث، وقال بعضهم) .
[9] «زاد المعاد في هدى خير العباد» (*) .
[10] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[11] (عليه السلام): مثبت من (ب) .





5- (شِدَّةً): إمَّا مفعولٌ به لـ (يُعالِجُ)، وإمَّا مفعولٌ مطلقٌ؛ أي: معالجةً شديدةً.

(وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ): قال الكرمانيُّ: (أي: كان العلاجُ ناشئًا مِن تحريك الشفتين؛ أي: مبدأُ العلاجِ منه، أو «ما» بمعنى: «مَنْ»؛ إذ قد تجيء للعقلاء أيضًا؛ أي: كان ممَّن يحرِّك) انتهى.

وقال غيرُه: أعاد (كان)، وهو جائزٌ إذا طال الكلامُ، كما في قوله تعالى: {أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ}.

وقال الكرمانيُّ: (قال عياض: معناه: كثيرًا ما كان يفعلُ ذلك، وقيل: معناه: هذا من شأنه ودأبه) انتهى كلامُ الكرمانيِّ، فجعل (ما) كناية عن ذلك، ومثلُه قوله: (كان ممَّا يقولُ [1] لأصحابه: «مَن رأى منكم رؤيا»)، وأدغم النون في ميم (ما)، وقيل: معناها: (ربَّما)، وهو قريبٌ من الأوَّل؛ لأنَّ (ربَّما) قد تأتي للتكثير.

وقال شيخُنا بعد إيراد كلام الكرمانيِّ ـ وهو: أي: كان العلاجُ ناشئًا من تحريكِ الشفتين؛ أي: مبدأُ العلاجِ منه، أو (ما) موصولةٌ، وأُطلقت على مَن يَعقل مجازًا ـ: (وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الشِّدَّة حاصلةٌ له قبل التحريك، والصوابُ ما قاله ثابتٌ: إنَّ المراد: كان كثيرًا ما يفعلُ ذلك، وورودُ (ممَّا) في هذا كثيرٌ، ومنه حديثُ الرؤيا، ومنه قولُ الشاعر: [من الطويل]

~ وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً عَلَى وَجْهِهِ يُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ

ويؤيِّدُه: ما في «التفسير»: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريلُ بالوحي وكان [2] ممَّا يحرِّك به لسانَه وشفتيه»، فأتى بهذا اللفظ مجرَّدًا عن تقدُّمِ العِلاج الذي قدَّره الكرمانيُّ، فظهر ما قال ثابتٌ، ووجهُ ما قال غيرُه: أنَّ «مِن» إذا وقع بعدها «ما»؛ كانت بمعنى «رُبَّما»، وهي تطلق على القليل والكثير، وفي كلام سيبويه مواضعُ من هذا؛ منها قولُه: «اعلم أنَّهم ممَّا يحذفون كذا» [3] ، ومنه حديثُ البراء: «كنَّا إذا صلَّينا خلفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ممَّا نحبُّ أن نكونَ عن يمينه» [4] ، وفي حديث سمرةَ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الصبح ممَّا يقول لأصحابه: مَن رأى منكم رؤيا» [5] ) [6] .

(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) إلى قولهِ: (فَأَنْزَلَ اللهُ): جملةٌ معترضةٌ بالفاء، وذلك جائزٌ؛ كما قال الشَّاعر: [من الكامل]

~ وَاعْلَمْ ـ فَعِلْمُ المَرِءِ يَنْفَعُهُ ـ أَنْ سَوفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِرَا

(فَأَنْزَلَ اللهُ): عطفٌ على (كَانَ يُعَالِجُ).

(كَمَا قَرَأَهُ): (الهاء) للقرآن، وضميرُ الفاعِل عائدٌ إلى (جبريل)، وفي بعضها: (قرأَ) ؛ بحذف المَفعُول.

[قوله: (قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَ): كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقرأُ ما قرأه جبريلُ بعينه، ولهذا قال: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، ونحن كذلك نقولُ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}، وهذا فيه دلالةٌ على التقيُّدِ بألفاظِ القرآن، وأنَّه لا يجوزُ تغييرُها ولا التعبيرُ عنها بغيرِ العربيَّةِ، ولا العدولُ إلى معناها، وهذا اتِّفاقٌ مِنَ العلماءِ إلَّا ما يُحكى عن بعضِهم، ويقال: إنِّه رجعَ عنه.

وأمَّا غيرُ القرآنِ؛ فإنَّه إذا أتاه جبريلُ به يكونُ عليه السلام متصرِّفًا فيه، فيذكرُه بمعناه مرَّةً، وبلفظِه أُخرى، والأغلبُ الأوَّلُ] .

[1] في النسختين: (كان يقول مما يقول).
[2] الذي في النسختين و«الفتح» (1/39): (فكان)، والمثبت لفظ البخاري في «صحيحه» (4929).
[3] «الكتاب» (1/24).
[4] أخرجه بهذا اللفظ أحمد في «مسنده» (4/290)، وابن ماجه في «سننه» (1006).
[5] سلف تخريجه قريبًا.
[6] «فتح الباري» (1/39).





5- وبه قال: (حَدَّثَنَا)، ولأبي الوقت: ((أخبرنا)) (مُوسَى) أبو سلمة (بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَرِيُّ؛ بكسر الميم وإسكان النُّون وفتح القاف؛ نسبةً إلى مِنْقَر بن عبيدٍ الحافظ، المُتوفَّى بالبصرة في رجب سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) _بفتح العين المُهملَة والنُّون_ الوضَّاح بن عبد الله اليشكُريُّ _بضمِّ الكاف_ المتوفَّى سنة ستٍّ وسبعين [1] ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) أبو الحسن الكوفيُّ الهمْدانيُّ؛ بالميم السَّاكنة والدَّال المُهملَة، وأبو عائشة لا يُعرَف اسمه، (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) _بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة، وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة_ ابن هشامٍ الكوفيُّ الأسديُّ، قتله الحجَّاج صبرًا في شعبان سنة خمسٍ وتسعين، ولم يقتل بعده أحدًا، بل لم يعش بعده إلَّا أيامًا، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، عبد الله الحبر ترجمان القرآن، أبي الخلفاء، وأحد العبادلة الأربعة، المُتوفَّى بعد أن عَمِيَ بالطَّائف سنة ثمانٍ وستِّين، وهو ابن إحدى وسبعين سنةً على الصَّحيح في أيَّام ابن الزُّبير، وله في «البخاريِّ» مئتا حديثٍ وسبعة عشَر حديثًا، (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: (( عزَّ وجلَّ )): ({لَا تُحَرِّكْ بِهِ})؛ أي: بالقرآن ({لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ})، (قَالَ): (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ) القرآنيِّ لثقله عليه (شِدَّةً) بالنَّصب مفعول «يعالج»، والجملة في موضع [2] نصبٍ خبر «كان». (وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (مِمَّا)؛ أي: ربَّما؛ كما قاله في «المصابيح» (يُحَرِّكُ)، زاد في بعض الأصول: ((به)) (شَفَتَيْهِ)؛ بالتَّثنية، أي: كثيرًا ما كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، قاله القاضي عياضٌ والسَّرَقَسْطيُّ [3] ، وكان يكثر من ذلك حتَّى لا ينسى، أو لحلاوة الوحي في لسانه، وقال الكرمانيُّ: أي: كان العلاج ناشئًا من تحريك الشَّفتين؛ أي: مبدأ العلاج منه، أو «ما» بمعنى: من الموصولة، وأُطلِقت على «من» يعقل مجازًا؛ أي: وكان ممَّن يحرِّك شفتيه، وتُعقِّب: بأنَّ الشِّدَّةَ حاصلةٌ قبل التَّحريك، وأُجِيب: بأنَّ الشِّدَّة وإن كانت حاصلةً له قبل التَّحريك إلَّا أنَّها لم تظهر إلَّا بتحريك الشَّفتين؛ إذ هي أمرٌ باطنيٌّ لا يدركه الرَّائي إلَّا به، قال سعيد بن جُبيرٍ: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما: (فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا)؛ أي: شفتيَّ (لك) كذا للأربعة، وفي بعض النُّسخ: ((لكم)) كما في «اليونينيَّة». (كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَرِّكُهُمَا)، لم يقل كما قال في الآتي: كما رأيت ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّ ابن عباس لم يدرك ذلك. (وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن جُبيرٍ: (أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا. فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ)، وإنَّما قال ابن جبيرٍ: كما رأيت ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّه رأى ذلك منه من غير نزاعٍ، بخلاف ابن عبَّاسٍ؛ فإنَّه لم يَر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة؛ لسبق نزول آية القيامة على مولده؛ إذ كان قبل الهجرة بثلاث سنين، ونزول الآية في بدء الوحي؛ كما هو ظاهرُ صنيع المؤلِّف، حيث أورده هنا، ويحتمل أن يكون أخبره أحدٌ من الصَّحابة أنَّه رآه عليه الصلاة والسلام يحرِّكهما، أو أنَّه عليه الصلاة والسلام أخبر ابن عبَّاسٍ بذلك بعد، فرآه ابن عبَّاسٍ حينئذٍ. نعم؛ ورد ذلك صريحاً في «مسند أبي داود الطَّيالسيِّ»، ولفظه: قال ابن عبَّاسٍ: «فأنا أحرِّك لك شفتيَّ كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرِّكهما»، وجملة: «فقال ابن عبَّاسٍ... إلى قوله: فأنزل الله» اعتراضٌ بالفاء، وفائدتها: زيادة البيان بالوصف على القول.

وهذا الحديث يُسمى المُسلسَل بتحريك الشَّفة، لكنَّه لم يتَّصل تسلسله، ثمَّ عطف على قوله: «كان يعالج» قوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: (( عزَّ وجلَّ )): ({لَا تُحَرِّكْ}) يا محمَّد ({بِهِ})؛ أي: بالقرآن ({لِسَانَكَ}) قبل أن يتمَّ وحيه؛ ({لِتَعْجَلَ بِهِ}): لتأخذه على عجلةٍ مخافة أن يتفلَّت منك. وعند ابن جريرٍ من رواية الشَّعبيِّ: عجل به من حبِّه إيَّاه، [/ج1ص69/] ولا تَنافيَ بين محبَّته إيَّاه والشِّدَّة التي تلحقه في ذلك، ({إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ})؛ أي: قراءته، فهو مصدرٌ مضافٌ للمفعول، والفاعل محذوفٌ، والأصل: وقراءتك إيَّاه، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ولا منافاةَ بين قوله: «يحرِّك شفتيه»، وبين قوله في الآية: {لا تحرِّك به لسانك}؛ لأنَّ تحريك الشَّفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلَّا اللِّسان يلزم منه تحريك اللِّسان، أو اكتفى بالشَّفتين، وحذف اللِّسان لوضوحه؛ لأنَّه الأصل في النُّطق، أو الأصل حركة الفم، وكلٌّ من الحركتين ناشئٌ عن ذلك، وهو مأخوذٌ من كلام الكرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ الملازمة بين التَّحريكين ممنوعةٌ على ما لا يخفى، وتحريك الفم مُستبعَدٌ، بل مستحيلٌ؛ لأنَّ الفم اسمٌ لِمَا يشتمل عليه الشَّفتان، وعند الإطلاق لا يشتمل على الشَّفتين ولا على اللِّسان، لا لغةً ولا عرفًا، بل هو من باب الاكتفاء، والتَّقدير: فكان ممَّا يحرِّك به شفتيه ولسانه، على حدِّ: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] ؛ أي: والبرد، وفي «تفسير ابن جريرٍ الطَّبريِّ» _كالمؤلِّف في تفسير سورة القيامة_ من طريق جريرٍ عن ابن أبي عائشة: «ويحرِّك به لسانه وشفتيه» [خ¦4929] ، فجمع بينهما.

(قَالَ) ابن عبَّاسٍ في تفسير {جمعه}؛ أي: (جَمَعَهُ) بفتح الميم والعين (لَكَ صَدْرُكَ)؛ بالرَّفع على الفاعليَّة، كذا في أكثر الرِّوايات، وهي في «اليونينيَّة» للأربعة؛ أي: ((جمعه الله في صدرك))، وفيه إسناد الجمع إلى الصَّدر بالمجاز، على حدِّ: أنبت الرَّبيع البقل؛ أي: أنبت الله في الرَّبيع البقل، واللَّام للتَّعليل أو للتَّبيين، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((جمْعُه لك صدرُك))؛ بسكون الميم وضمِّ العين مصدرًا، ورفع راء «صدرك» فاعلٌ به، ولكريمة والحَمُّويي ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: ((جَمْعه لك في صدرك))؛ بفتح الجيم وإسكان الميم وزيادة «في»، وهو يوضِّح الأوَّل، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر أيضًا ممَّا في الفرع كأصله: ((جمْعه له))؛ بإسكان الميم؛ أي: جمْعُهُ تعالى للقرآن في صدرك، وللأَصيليِّ وحده: ((جمعه لك في صدرك)) بزيادة: «في». (وَ) قال ابن عبَّاسٍ أيضًا في تفسير {قرآنه}؛ أي: (تَقْرَأَهُ)؛ بفتح الهمزة في «اليونينيَّة». وقال البيضاويُّ: إثبات قرآنه في لسانك، وهو تعليلٌ للنَّهي، ({فَإِذَا قَرَأْنَاهُ}) بلسان جبريل عليك؛ ({فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}: قَالَ) ابن عبَّاسٍ في تفسيره: {فاتَّبع}؛ أي: (فَاسْتَمِعْ لَهُ)، ولأبي الوقت: (({فاتَّبع قرآنه}: فاستمع له)) من باب الافتعال المقتضي للسَّعي في ذلك؛ أي: لا تكون قراءتك مع قراءته، بل تابعةً لها متأخِّرةً عنها. (وَأَنْصِتْ)؛ بهمزة القطع مفتوحةً؛ من أنصَت ينصِت إنصاتًا، وقد تُكسَر؛ من نصَت ينصُت نصتًا؛ إذا سكت واستمع للحديث؛ أي: تكون حال قراءته ساكتًا، والاستماع أخصُّ من الإنصات؛ لأنَّ الاستماعَ الإصغاءُ، والإنصاتَ _كما مرَّ_: السُّكوتُ، ولا يلزم من السُّكوت الإصغاء. ({ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}) فسَّره ابن عبَّاسٍ بقوله: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ)، وفسَّره غيره: ببيان ما أشكل عليك من معانيه، قال: وهو دليلٌ على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ أي: لكن لا عن وقت الحاجة [4] ا ه. وهو الصَّحيح عند الأصوليِّين، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ؛ لما تقتضيه «ثمَّ» من التَّراخي، وأوَّل من استدلَّ لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكرٍ بن الطَّيِّب، وتبعوه، وهذا لا يتمُّ إلَّا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلَّا؛ فإذا حُمِلَ على أنَّ المراد استمرار حفظه له بظهوره على لسانه؛ فلا، قال الآمديُّ: يجوز أن يُراد بالبيان الإظهار، لا بيان المُجمَل، يُقال: بان الكوكب؛ إذا ظهر، قال: ويؤيِّد ذلك أنَّ المراد: جميع القرآن، والمُجمَل: إنَّما هو بعضه، ولا اختصاص لبعضه بالأمر المذكور دون بعضٍ، وقال أبو الحسين البصريُّ: يجوز أن يُراد البيان التَّفصيليُّ، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجماليِّ، فلا يتمُّ الاستدلال. وتُعقِّب: باحتمال إرادة المعنيين الإظهار والتَّفصيل وغير ذلك؛ لأنَّ قوله: «بيانه» جنسٌ مضافٌ، فيعمُّ جميع أصنافه؛ من إظهاره وتبيين أحكامه، وما يتعلَّق بها من تخصيصٍ وتقييدٍ ونسخٍ وغير ذلك، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة طه: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] ، فنهاه عن الاستعجال في تلقِّي الوحي من الملَك ومساوقته في القرآن حتَّى يتم وحيه. (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ) ملك الوحي المُفضَّل به على سائر الملائكة؛ (اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ) عليه السلام (قَرَأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَرَأَ)، [/ج1ص70/] ولغير أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((قرأه)) بضمير المفعول؛ أي: القرآن، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَني: ((كما كان قرأ))، والحاصل: أنَّ الحالة الأولى: جمعه في صدره، والثانية: تلاوته، والثَّالثة: تفسيره وإيضاحه.

ورواة هذا الحديث ما بين مكِّيٍّ وكوفيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وهما موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبيرٍ، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4927، 4928، 4929] ، و«فضائل القرآن» [خ¦5044] ، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ.

ولمَّا كان ابتداء نزول القرآن عليه صلى الله عليه وسلم في رمضان على القول به كنزوله إلى السَّماء جملةً واحدةً فيه؛ شرع المؤلِّف يذكر حديث تعاهد جبريل له عليهما السلام في رمضان في كلِّ سنةٍ، فقال:

[1] في غير (د): «وتسعين»، وهو تحريفٌ.
[2] في غير (د) و(م): «محلِّ».
[3] في غير (م): «كالسَّرقسطيِّ».
[4] في (د): «الحسن».





5- ( مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) هو التَّبُوذَكي.

( أَبِي عَائِشَةَ ) لا يعرف اسمه.

( يُعَالِجُ ): العلاج محاولة الشَّيء بمشقَّة.

( وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ) معناه: كان كثيرًا ما يفعل ذلك، قاله ثابت السَّرْقُسْطيُّ، وهذا التَّركيب واقع في كلامهم كثيرًا كقوله في حديث الرُّؤيا: «كان ممَّا يقول لأصحابه: من رأى منكم رؤيا» وقول البراء: «كنَّا إذا صلَّينا خلف النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ممَّا نحبُّ أن نكون عن يمينه».

وقول الشَّاعر:

~ وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً عَلَى وَجْهِهِ يُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ [/ج1ص135/]

ووجهه: أنَّ ( من ) إذا وقع بعدها ( ما ) كانت بمعنى رُبَّ، وهي تطلق على الكثير كما تطلق على القليل.

وقال الكرمانيُّ: معناه: كان العلاج ناشئًا من تحريك الشَّفتين.

وقال ابن حجر: وفيه نظر؛ لأنَّ الشِّدَّة حاصلة له قبل التَّحريك؛ ولأنَّه في التَّفسير أتى بهذا اللَّفظ مجرَّدًا عن تقدُّم العلاج. [خ:4927]

( فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ) لم يقل: كما رأيت، كما قال سعيد بن جبير؛ لأنَّ ابن عبَّاس لم ير النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في تلك الحالة؛ لأنَّ سورة القيامة مكِّيَّة باتِّفاق؛ بل الظَّاهر أنَّ نزول هذه الآيات كان في أوَّل الأمر، ولهذا أورده البخاريُّ في بدء الوحي.

( جَمَعَهُ لَكَ صَدْرُكَ ) كذا للأكثر بفتح الميم فعلًا و ( صدرُك ) فاعل، وللأَصِيلي بسكونها وضمِّ العين مصدرًا مبتدأ، وصدرك الخبر، ولأبي ذرٍّ: «في صدرك». [/ج1ص136/]


لا تتوفر معاينة

وقال [1] البخاريُّ رحمه الله تعالى ورضي عنه:

5- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى ابْنُ أَبِي عَائِشَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16] [2]

أما (ابْنِ عَبَّاسٍ): فهو أبو العباس عبدُ الله بنُ العبَّاسِ بنِ عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أمه أمُّ الفضل لُبَابةُ الكبرى بنت الحارث، أخت ميمونة بنت

#%ص64%

الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها.

كان يقال لابن العباس رضيَ اللهُ عنهما: الحَبْرُ والبَحْرُ؛ لكثرة علمه.

دعا له رسول الله [3]صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: (( اللهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ )).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: نِعْمَ [4]ترجمان القرآن ابن عباس.

وتعظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه له واعتداده به وتقديمه على الصغار والكبار مشهور معروف عند الخواص وغيرهم.

وهو أحد العبادلة وهم أربعة [5]: عبدُ الله بنُ عباسٍ، وعبدُ الله بنُ عمرَ بنِ الخطاب، وعبدُ الله بنُ الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص [6]، كذا قاله الأئمة الأعلام، كأحمد [7]بن حنبل وغيره، قيل [8]لأحمدَ: وابن [9]مسعود منهم؟ قال: لا، ليس ابن مسعود من العبادلة.

قال البيهقي: لأن ابن مسعود تقدمت وفاته، وهؤلاء عاشوا حتى احْتِيْجَ إلى علمهم واشتهروا.

وأما قولُ أبي نصر الجوهري في كتابه «صحاح اللغة»: ابن مسعود منهم [10]، وترك ابن العاص [11]، فمردود عليه، وكيف يُقْبَلُ وهو مُنَابذٌ لما [12]قاله أعلام المحدثين، وهم أهل هذا والمرجوعُ فيه إليهم [13].

وابن عباس رضي الله عنهما [14] أحدُ الستة الذين هم أكثر الصحابة روايةً عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رضيَ اللهُ عنهم.

قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: ستةٌ من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أكثروا الرواية عنه وعُمِّروا أبو هريرة، وابن عمر [15]، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس رضي الله عنهم، وأبو هريرة رضي اللهُ عنه أكثرهم حديثًا.

وقال أحمد بن حنبل: ليس أحد من الصحابة رضيَ اللهُ عنهم يُروى عنه في الفتوى أكثر من ابن عباس رضيَ اللهُ عنهما.

ومن مناقب ابن عباس رضيَ اللهُ عنهما أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حَنَّكه بريقه.

وعن ابن عيينة قال: كان للناس [16] ثلاثة ابن عباس في زمنه، والشعبي في زمنه، والثوري في زمنه.

وعن ميمون بن مِهْران قال: شهدتُ جنازةَ ابن عباس رضيَ اللهُ عنهما، فلما وُضِعَ لِيُصَلَّى عليه جاءَ طائرٌ أبيضُ حتى وقع على أكفانه، ثم دخل فيها، فالتُمِسَ فلم يُوجد، فلما سُوِّيَ عليه التراب سمعنا صوتًا: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِيْ فِيْ عِبَادِيْ وَادْخُلِيْ جَنَّتِيْ } [الفجر:27- 29].

ومناقبه في «الصحيح» وغيره مشهورة، وهو أجلُّ من

#%ص65%

أن يحتاج إلى شهرة.

وُلِدَ عامَ الشِّعْبِ قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي [17]بالطائف سنة ثمان وستين، وقيل: تسع، وقيل: سنة سبعين، صلى [18] عليه محمد ابن الحنفية [19]وقال: اليومَ ماتَ ربَّانيُّ هذه الأمة.

روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ألف حديث وستمائة حديث وستون حديثًا.

قال عطاء: ما رأيت القمرَ ليلةَ أربعَ عشرةَ [20]إلا ذكرتُ وجهَ ابن عباس رضي الله عنهما.

فصل: وأما (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ): فهو الإمام المجمع على جلالته وعلو مرتبته، وتفننه في علوم، وعِظَم مَحَلِّه من [21] العلم والعبادة والورع والزهادة، أبو محمد سعيدُ بنُ جُبَيْرِ بن هشام الكوفي الأسدي الوالِبِي- بكسر اللام وبالموحدة- منسوب إلى ولاء [22]بني والب [23].

ووالب [24] هو ابن الحارث بن ثعلبة بن دُودَان - بضم الدال الأولى - ابن أسد بن خزيمة.

سمع سعيد [25]رحمه الله تعالى ورضي عنه جماعاتٍ من أئمة الصحابة رضي الله عنهم منهم: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وابن مَعْقِل، وأبو مسعود البدري، وأنس رضي الله عنهم.

روى [26] عنه [27]جماعاتٌ من التابعين وغيرهم، فمن التابعين: محمدُ بنُ واسع، ومالكُ بنُ دينار، وعمرو بن دينار، والزهري، والسَّبِيعي [28]، والحكم, وأيوب, والأعمش، وآخرون، وممن روى عنه ابناه عبدُ الله وعبدُ الملك ابنا سعيد.

روي [29] من طرق عن خَلَفِ بن خَلِيفةَ قال: حدثنا بوَّابُ الحجاج قال: رأيتُ رأسَ سعيد بن جبير بعد ما سقط إلى الأرض يقول: لا إله إلا الله، قال [30] خلف عن رجل: إنه لما ندر [31] رأس سعيد بن جبير هَلَّلَ ثلاثَ مرات يُفْصِحُ بها.

وأحواله الجميلة كثيرة مشهورة، قتله الحجاجُ بن يوسف ظلمًا صَبْرًا في شعبان سنة خمس وتسعين [32] من الهجرة، وهو ابن تسع وأربعين سنة [33]، ولم يَعِشِ الحجاجُ بعده إلا أيامًا، وجرى لسعيد رضي الله عنه في قصة قتله من الصبر وانشراح القلب لقضاء الله تعالى، وإغلاظ [34] القول للحجاج ما هو مشهور معروف، لائق بمرتبته رحمه الله تعالى ورضيَ عنه.

فصل [35]: وأما الراوي عن سعيد فهو أبو الحسن (مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ)

#%ص66%

الكوفي الهمداني- بالمهملة- مولى آل [36] جعدة بن هُبَيْرة، روى عن كثيرين [37] من التابعين، وروى [38] عنه جماعات من الأعلام منهم: الثوريُّ، والحسن بن صالح، وزائدة، وأبو الأَحْوَص، وجَرِيرُ بنُ عبد الحميد، كان الثوري يحسن الثناء عليه.

فصل: والراوي عن موسى هو [39] (أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين، واسمه الوَضَّاحُ بنُ عبدِ الله اليَشْكُري، ويقال: الكِنْدي، الواسِطي، [40]مولى يزيد [41] بن عطاء [42] الوَاسِطي، ويُقال: مولى عطاء بن عبد الله الواسطي، كان من سَبْيِّ [43] جُرْجَان.

رأى الحسن وابن سيرين، وسمع من محمد بن المنكدر حديثًا واحدًا، وسمع عنه [44]خلائق بعدهم من التابعين وتابعيهم.

روى عنه [45] الأعلام منهم: شُعْبَةُ، وابنُ عُلَيَّةَ، ووكيعٌ، وابنُ مَهْدِي، ويزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، وعَفَّانُ، وأبو الوليد وأبو داود الطيالسيان، وخلائق.

قال عفَّانُ: كان أبو عوانة صحيحَ الكتاب بيننا [46]، وهو في جميع حاله [47] أصحُّ حديثًا عندنا من شعبة.

توفي أبو عوانة سنة ست وسبعين ومائة، قاله يعقوب بن سفيان، وقال غيره: سنة خمس وسبعين.

فصل: والراوي [48] عن أبي عوانة أبو سَلَمَةَ (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الْمِنْقَريُّ - بكس الميم وإسكان النون وفتح القاف- البصريُّ التَّبُوذَكِيُّ- بمثناة فوق مفتوحة ثم موحدة مضمومة وفتح الذال المعجمة-.

سمعَ الْمُبَاركَ بنَ فَضَالَةَ وحَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ، وسمع من شُعْبَةَ حديثًا واحدًا وطبقتهم.

روى عنه يحيى بنُ مَعِين والبخاريُّ وأبو حاتم وأبو زُرْعَة وأبو داود، وخلائق من الأعلام.

وروى له مسلم حديثًا واحدًا [49]أمّ زرع.

روينا [50] عن أبي جعفر محمد بن سليمان لُوَين قال: قَدِمَ علينا يحيى بن معين البصرة [51]، فكتب عن التبوذكي فقال: يا أبا سلمة، أريد أن أذكر لك شيئًا، فلا تغضب، قال: هاتِ، قال: حديث همام عن ثابت عن أنس عن أبي بكر رضي الله عنه في الغار، لم يروه أحدٌ من أصحابك، إنما رواه عفان وحبان [52]- يعني ابن هلال - ولم أجده في صدر كتابك، إنما وجدته على ظهره، قال: فما تريد؟ قال: تحلف لي أنك سمعته من همام، فقال: ذكرتَ أنك كتبتَ عني عشرين ألفًا، فإن كنتُ عندك فيها [53]صادقًا ينبغي أن لا تكذبني [54]

#%ص67%

في حديث، وإن كنتُ عندك كاذبًا في حديث فما ينبغي أن تصدقني فيها وترمي بها، بنتُ أبي عاصم طالقٌ ثلاثًا إن لم أكن سمعته من همام، والله لا أكلمك أبدًا، توفي بالبصرة في رجب سنة ثلاث وعشرين ومائتين.

قال [55] محمد بن سعد: واختلف في سبب [56]نسبته [57]التبوذكي، فقال ابن أبي خيثمة [58]: سمعتُ أبا سلمة يقول: لا جُزِيَ خيرًا [59]من سماني تبوذكيًّا، أنا مولى بني مِنْقر، إنما نزل داري قوم من أهل تبوذك فسموني [60]تبوذكيًا [61].

وقال أبو حاتم الرازي: لا أعلم أحدًا ممن أدركناه بالبصرة أحسن حديثًا من التبوذكي، وإنما قيل له التبوذكي [62]: لأنه اشترى دارًا بِتَبُوْذَكَ فَنُسِبَ إليها.

وقالَ الإمامُ أبو سعد السَّمْعَانيُّ: قيل له التبوذكي: نسبة إلى بيع السماد [63]، قال: وسمعت [64] ابن ناصر يقول: هو عندنا الذي يبيع ما في [65] بطون الدجاج من الكبد والقلب والقانصة.

قلت: الصحيح المعتمد [66]ما قدمناه، والله أعلم.

فصل: في معنى الحديث.

قولُ ابن عباس رضي الله عنهما: (كَانَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ [67] شِدَّةً) المعالجة: المحاولة، وإنما حصلت المعالجة الشديدة لِعِظَمِ ما يلاقيه من الملك الكريم والوحي [68].

قوله: (وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) قال القاضي عياض: معناه كثيرًا ما كان يفعل ذلك، قال: وقيل معناه: هذا من شأنه ودأبه.

قوله: (فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا [69]لَكَ [70]كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُهُمَا) فيه أنه [71]يُسْتَحَبُّ للمُعَلِم أنْ يُمَثِّلَ للمتعلم بالفعل، ويُرِيَه الصورة بفعله إذا كان فيه زيادة بيان على الوصف بالقول.

قوله: (فَاسْتَمِعْ لَهُ [72] وَأَنْصِتْ) همزة أنصت همزة قطع، هذا هو الفصيح [73]الذي جاء به القرآن العزيز، قال الله تعالى: { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } [الأعراف: 204]. وقال تعالى: { فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا } [الأحقاف: 29]. وفيه [74] لغات: أَنصَتَ ونَصَتَ وانْتَصَتَ، ذكرهن الإمام أبو منصور محمدُ بنُ أحمد بن الأزهر [75] الأزهري، والله أعلم.

[1] في (ك) و(ص) و(ع): ((قال)).
[2]زاد في (ص): ((الشرح)).
[3] في (ك): ((النبي)).
[4] قوله: ((نعم)) ليس في (ص) و(ع).
[5] قوله: ((وهم أربعة)) ليس في (ع).
[6] في (ك) و(ي) و(ع): ((العاصي)).
[7] في (ص): ((أحمد)).
[8] في (ص): ((وقيل)).
[9] في (ك) و(ص) و(ع): ((فابن)).
[10] في (ك): ((منهم ابن مسعود)).
[11] في (ص) و(ع): ((العاصي)).
[12] في (ص): ((مغاير بما)).
[13] جاء في حاشية (ع): ((الذي قاله الجوهري في صحاحه أن العبادلة ثلاثة فقط فأسقط ابن الزبير منهم ولد يذكر ابن مسعود أصلًا)).
[14] زاد في (ص): ((هو)).
[15] قوله: ((وابن عمر)) ليس في (ع).
[16] في (ع): ((الناس)).
[17] في (ك) و(ع): ((توفي)).
[18] في (ص): ((وصلى)).
[19]في (ع): ((حنفية)).
[20] في (ك): ((ليلة البدر)).
[21] في (ص): ((في)).
[22] قوله: ((ولاء)) ليس في (ك).
[23] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((والبة)).
[24] في (ت): ((ووالب))، وفي (ك) و(ص) و(ع): ((ووالبة)).
[25] في (ص): ((سعيدًا)).
[26] وفي (ص): ((روي له)).
[27] في (ص): ((عن)).
[28] في (ك): ((والشعبي)).
[29] في (ك): ((روينا)).
[30] في (ك): ((وقال)).
[31] في (ك): ((بدر)).
[32] في (ص): ((وسبعين)).
[33] قوله: ((سنة)) ليس في (ص).
[34] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((وإغلاظه)).
[35] قوله: ((فصل)) ليس في (ص).
[36] قوله: ((آل)) ليس في (ص) و(ع).
[37] في (ص): ((عنه كثيرون)).
[38] في (ص) و(ع): ((روى)).
[39] قوله: ((هو)) ليس في (ع).
[40] زاد في (ك): ((ويقال)).
[41] في (ك): ((يوسف)).
[42] زاد في (ك): ((بن عبد الله)).
[43] في (ص): ((بني)).
[44] قوله: ((عنه)) ليس في (ك) و(ص) و(ع).
[45] قوله: ((عنه)) ليس في (ت) و(ص)، وزاد في (ع): ((عنه الأئمة)).
[46] في (ك) و(ص) و(ع): ((ثبتًا)).
[47] في (ع): ((أحواله)).
[48] في (ت): ((وأما الراوي)).
[49] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى زيادة: ((حديث)).
[50] في (ص): ((وروينا)).
[51] في (ص): ((بالبصرة)).
[52] في (ك): ((وحيان)).
[53] قوله: ((فيها)) ليس في (ع).
[54] في (ت) و(ك) و(ع): ((ما ينبغي أن تكذبني))، وفي (ص): ((ما ينبغي أنك تكذبني)).
[55] في (ك)و (ص): ((قاله)).
[56] قوله: ((سبب)) ليس في (ص).
[57] في (ك): ((في نسب)).
[58] جاء في حاشية (ك): ((أي وهو أبو بكر بن أبي خيثمة صاحب المسند)).
[59] في (ك): ((خير)).
[60] في (ت) و(ص) و(ع): ((سموني)).
[61] قوله: ((أنا مولى بني مِنْقر، إنما نزل داري قوم من أهل تبوذك فسموني تبوذكيًا)) ليس في (ك).
[62] في (ع): ((تبوذكي)).
[63] في (ص): ((السمان)).
[64] في (ص): ((وقال: سمعت)).
[65] قوله: ((في)) ليس في (ت).
[66] في (ع): ((المعتبر)).
[67] زاد في (ص): ((من)).
[68] في (ت): ((من هيبة الملك الكريم والوحي))، وفي (ك) و(ص) و(ع): ((من هيبة الوحي الكريم والملك)).
[69]في (ص): ((أحركهم)).
[70] قوله: ((لك)) ليس في (ك).
[71] قوله: ((أنه)) ليس في (ص).
[72] قوله: ((له)) ليس في (ص).
[73] في (ص): ((الصحيح)).
[74] زاد في (ت) و(ص) و(ع): ((ثلاث)).
[75] قوله: ((ابن الأزهر)) ليس في (ك).
#%ص68%





لا تتوفر معاينة

5# ({فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} [القيامة:18] ): أي: قرأه جبريل عليك.

({فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}): أي: فاستمع له [1] وأنصت، واتَّبع حلاله واجتنب حرامه.

({ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:19] ): ما فيه من حلال أو حرام [2] ، وتدبُّره، والوقوف عند حدوده، وتحسين تلاوته.

[1] (له): ليس في (ب).
[2] في (أ): (وحرام).





5- وبه قال: ((حدثنا)) ولأبي الوقت: (أخبرنا) ((موسى)) أبو سلمة ((بن إسماعيل)) المِنْقَري؛ بكسر الميم، وإسكان النون، وفتح القاف، المتوفى في سنة ثلاث وعشرين ومئتين، ((قال: حدثنا أبو عَوانة)) ؛ بفتح العين المهملة والنون: الوضاح بن عبد الله اليشكُري؛ بضم الكاف، المتوفى سنة ست وتسعين ومئة، ((قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة)) ؛ أبو الحسن الكوفي الهمداني؛ بالميم الساكنة والدال المهملة، وأبو عائشة قيل: لا يُعرف اسمه؛ فتأمل.

((قال: حدثنا سعيد بن جُبير)) ؛ بضم الجيم، وفتح الموحدة، وسكون المثناة التحتية: ابن هشام الكوفي الأسدي، من التابعين الكاملين، قتله الحجاج بن يوسف صبرًا في شعبان سنة ست وتسعين، ولم يَقتل بعده أحدًا، بل لم يعش بعده إلَّا أيامًا قليلة؛ بسبب دعائه عليه، ورؤي في المنام الحجاج فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني الله بكل قتيل قتلة، إلَّا سعيد بن جبير؛ فإنِّي قتلت فيه مئة قتلة، رحمه الله تعالى.

((عن ابن عباس)) رضي الله عنهما؛عبدِ الله حبرِ هذه الأمة، وترجمانِ القرآن، أبي الخلفاء، وأحدِ العبادلة الأربعة، المتوفى بالطائف، سنة ثمان وستين، عن إحدى وسبعين سنة، في أيام ابن الزبير، ((في قوله تعالى)) وللأصيلي: (عز وجل) : (({لاَ تُحَرِّكْ بِهِ})) ؛ أي: القرآن (({لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ})) [القيامة: 16] ((قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل)) القرآني ((شدة)) ؛ مفعول (يعالج) ، والجملة خبر (كان) ، ((وكان)) عليه السلام ((مما)) ؛ أي: ربما ((يحرك)) ، زاد في رواية به: ((شفتيه)) بالتثنية، وكان يكثر من ذلك حتى لا ينسى، أو لحلاوة الوحي في لسانه، قال ابن جبير: ((فقال ابن عباس)) رضي الله عنهما: ((فأنا أحركهما)) ؛ أي: شفتي ((لك)) ، وفي رواية: (لكم) ، ((كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما)) ، وإنما لم يقل: (كما رأيت) الآتي؛ لأنَّ ابن عباس لم يدرك ذلك، ((وقال سعيد)) ؛ هو ابن جبير: ((أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه)) ، وإنما قال ابن جبير: (كما رأيت ابن عباس) ؛ لأنَّه رأى ذلك منه، بخلاف ابن عباس؛ فإنَّه لم يره؛ لأنَّ نزول آية القيامة سابق على مولده؛ لأنَّه قبل الهجرة بثلاث سنين، ونزول الآية في بدء الوحي، ويحتمل أنه أخبر ممن رآه، أو أنه عليه السلام أخبره بذلك.

وورد عند الطيالسي: أنَّ ابن عباس رأى النبيَّ يحركهما، وهذا الحديث يسمى: المسلسل بتحريك الشفة، لكنه لم يتصل تسلسله.

((فأنزل الله تعالى)) ، ولأبوي ذر والوقت: (عز وجل) : (({لاَ تُحَرِّكْ})) يا محمد (({بِهِ})) ؛ أي: بالقرآن (({لِسَانَكَ})) قبل أن يتم وحيه (({لِتَعْجَلَ بِهِ})) [القيامة: 16] ؛ أي: لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك، وفي رواية: (عجل به) من حبه إياه، (({إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ})) في صدرك (({وقُرْآنَهُ})) [القيامة: 17] ؛ أي: قراءته، فهو مصدر مضاف للمفعول، والفاعل محذوف، والأصل: وقراءتك إياه.

وما ذكره ابن حجر مأخوذ من «شرح الإمام الكرماني»؛ رده الإمام بدر الدين العيني، ويأتي في (التفسير) : أنه كان يحرك به لسانه وشفتيه، فجمع بينهما، وبه اندفع ذلك، ((قال)) ابن عباس: ((جمَعَه)) ؛ بفتح الميم والعين ((لك صدرُك)) بالرفع على الفاعلية، وللأربعة: (جمعه الله في صدرك) ، وهذا تفسير قوله: (جمْعه) ؛ بسكون الميم، ولأبوي ذر والوقت: (جمْعُه لك صدرُك) ؛ بسكون الميم وضم العين مصدرًا، ورفع راء (صدرُك) فاعل به، ((و)) قال ابن عباس في تفسير {قُرْآنَهُ}؛ أي: ((تقرأَه)) ؛ بفتح الهمزة، وقال القاضي: إثبات قراءته في لسانك؛ وهو تعليل للنهي.

(({فَإِذَا قَرَأْنَاهُ})) بلسان جبريل عليك (({فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ})) [القيامة: 18] وتفسيره، كما ((قال)) ابن عباس: ((فاستمع له)) ؛ أي: لا تكون قراءتك مع قراءته، بل تابعة لها، ((وأَنصت)) ؛ بهمزة القطع مفتوحة: من أنصت، وقد تكسر؛ من نصت إذا سكت؛ أي: تكون حال قراءتك ساكتًا.

(({ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ})) [القيامة: 19] فسره ابن عباس بقوله: ((ثم إن علينا أن تقرأه)) ، وفسره غيره: ببيان ما أشكل عليك من معانيه؛ وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ كما في «البيضاوي»، وإنما قال عن وقت الخطاب؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى العمل؛ لأنَّه تكليف بما لا يطاق؛ كما في «شيخ زاده».

((فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل)) ؛ ملك الوحي المفضل به على سائر الملائكة: ((استمع، فإذا انطلق جبريل)) عليه السلام، ((قرأه النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما قرأ)) ، ولأبي ذر: (كما كان قرأ) ، وفي رواية: (كما قرأه) بضمير المفعول؛ أي: القرآن، ولما كان النزول في رمضان جملة واحدة؛ شرع بذكر حديث تعاهد جبريل له في رمضان، في كل سنة فقال: