متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

1- (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ)؛ بضمِّ المُهملَة وفتح الميم؛ نسبةً إلى جدِّه الأعلى حُمَيد، أو إلى الحُمَيدات: قبيلةٌ، أو لحُمَيدٍ: بطنٌ من أسد بن عبد العزَّى، وهو من أصحاب إمامنا الشَّافعيِّ رضي الله تعالى عنه أخذ عنه ورحل معه إلى مصر، فلمَّا مات الشَّافعيُّ؛ رجع إلى مكَّة، وهو أفقه قرشيٍّ مكِّيٍّ، أخذ عنه البخاريُّ _وقِيلَ: ولذا قدَّمه_ المُتوفَّى سنة تسع عشرة ومئتين، وليس هو أبا عبد الله محمَّد بن أبي نصرٍ فتوح الحميديَّ، صاحب «الجمع بين الصَّحيحين»، ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ)) كما في «الفرع» كـ: «أصله» (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ابن عُيَيْنة المكِّيُّ التَّابعيُّ [1] الجليل، أحد مشايخ الشَّافعيِّ، والمشارك لإمام دار الهجرة مالكٍ في أكثر شيوخه، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: ((عن سفيان)) (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هو ابن قيسٍ (الأَنْصَارِيُّ) المدنيُّ التَّابعيُّ المشهور قاضي المدينة، المتوفَّى سنة ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ، ولأبي ذَرٍّ: ((عن يحيى)) بدل قوله: «حدَّثنا يحيى» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) _بالإفراد_ وهو _عند غير المؤلِّف كقومٍ_ لمِا قرأه بنفسه على الشَّيخ وحده (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن الحارث (التَّيْمِيُّ)؛ نسبةً إلى تيم قريشٍ، المتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ، (أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ) أبا واقدٍ _بالقاف_ (ابْنَ وَقَّاصٍ) بتشديد القاف (اللَّيْثِيَّ) بالمثلَّثة نسبةً إلى ليث بن بكرٍ، وذكره ابن منده في الصَّحابة، وغيره في التَّابعين، المُتوفَّى بالمدينة أيَّام عبد الملك بن مروان، (يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ابن نُفَيلٍ _بضمِّ النُّون، وفتح الفاء_، المتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين (رضي الله عنه)؛ أي: [/ج1ص51/] سمعت كلامه حال كونه (عَلَى الْمِنْبَرِ) النَّبويِّ المدنيِّ، فـ: «أل» فيه للعهد؛ وهو بكسر الميم؛ من النَّبرة: وهي الارتفاع؛ أي: سمعته حال كونه (قَالَ)، ولأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((يقول)) (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: سمعت كلامه حال كونه (يَقُولُ)، فـ: «يقول»: في موضع نصبٍ حالًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ «سمعت» لا يتعدَّى إلى مفعولين، فهي حالٌ مبيِّنةٌ للمحذوف المقدَّر بكلامٍ؛ لأنَّ الذَّات لا تُسمَع، وقال الأخفش: إذا عُلِّقت «سمعت» بغير مسموعٍ كـ: «سمعت زيدًا يقول»؛ فهي متعدِّيةٌ لمفعولين، الثَّاني منهما جملة «يقول»، واختاره الفارسيُّ، وعُورِض: بأنَ (سمعت) لو كان يتعدَّى إلى مفعولين؛ لكان إمَّا من باب «أعطيت»، أو «ظننت»، ولا جائزٌ أن يكون من باب (أعطيت)؛ لأنَّ ثانيَ مفعوليه لا يكون جملةً، ولا مُخبرًا به عن الأوَّل، و(سمعت) بخلاف ذلك، ولا جائزٌ أن يكون من باب (ظننت)؛ لصحَّة قولك: سمعت كلام زيدٍ، فتعدِّيه إلى واحدٍ، ولا ثالث للبابين، وقد بطلا، فتعيَّن القول الأوَّل، وأُجيب: بأنَّ أفعال التَّصيير ليست من البابين، وقد أُلحِقت بهما، وأيضًا من أثبت ما ليس من البابين مثبِتٌ لما لا مانع منه، فقد ألحق بعضهم بما ينصب مفعولين «ضرب» مع المَثَل؛ نحو: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا} [النحل: 75] ، وألحق بعضهم رأى الحلُميَّة؛ نحو قوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36] ، وأتى بـ: «يقول» المضارع في رواية من ذكرها بعد «سمع» الماضي، إمَّا حكايةً لحال وقت السَّماع، أو لإحضار ذلك في ذهن السَّامعين تحقيقًا وتأكيدًا له، وإلَّا؛ فالأصل أن يُقال: «قال»، كما في الرِّواية الأخرى؛ ليطابق «سمعت».

(إِنَّمَا الأَعْمَالُ) البدنيَّة؛ أقوالها وأفعالها، فرضها ونفلها، قليلها وكثيرها، الصَّادرة [2] من المكلَّفين المؤمنين، صحيحةٌ أو مُجزِئةٌ (بِالنِّيَّاتِ)، قِيلَ: وقدَّره الحنفيَّة: إنَّما الأعمال كاملةٌ، والأَوَّل أَوْلى؛ لأنَّ الصِّحَّة أكثرُ لزومًا للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أَوْلَى؛ لأنَّ ما كان ألزم للشَّيء؛ كان أقرب خطورًا بالبال عند إطلاق اللَّفظ، وهذا يوهم أنَّهم لا يشترطون النِّيَّة في العبادات، وليس كذلك، فإنَّ الخلاف ليس إلَّا في الوسائل، أمَّا المقاصد؛ فلا اختلاف في اشتراط النِّيَّة فيها، ومن ثمَّ لم يشترطوها في الوضوء؛ لأنَّه مقصودٌ لغيره لا لذاته، فكيفما حصل؛ حصل المقصود، وصار كستر العورة وباقي شروط الصَّلاة التي لا تفتقر إلى نيَّةٍ، وإنمَّا احتيج في الحديث إلى التَّقدير؛ لأنَّه لابدَّ للجارِّ من متعلِّق محذوفٍ هنا، هو الخبر في الحقيقة على الأصحِّ، فينبغي أن يجعل المقدَّر أوَّلًا في ضمن الخبر، فيُستغنَى عن إضمار شيءٍ في الأوَّل؛ لئلَّا يصير في الكلام حذفان: حذف المبتدأ أوَّلًا، وحذف الخبر ثانيًا، وتقديره: إنَّما صحَّة الأعمال كائنةٌ بالنِّيَّات، لكن قال البرماويُّ: يعارضه أنَّ الخبر يصير كونًا خاصًّا، وإذا قدَّرنا إنَّما صحة الأعمال كائنةٌ بالنيَّات؛ كان كونًا مطلقًا، وحذف الكون المُطلَق أكثر من الكون الخاصِّ، بل يمتنع إذا لم يدلَّ عليه دليلٌ، وحذف المضاف كثيرٌ أيضًا، فارتكاب حذفين بكثرةٍ وقياسٍ أَوْلَى من حذف واحدٍ بقلَّةٍ وشذوذٍ، وهو الوجه المرضيُّ، ويشهد لذلك: ما قرَّروه في حذف خبر المبتدأ بعد «لولا» في الكون العامِّ والخاصِّ، ومنهم من جعل المقدَّر «القَبول»؛ أي: إنَّما قَبول الأعمال، لكن تردَّد في أنَّ القَبول ينفكُّ عن الصِّحَّة أم لا؟ فعلى الأوَّل: هو كتقدير الكمال، وعلى الثَّاني: كتقدير الصِّحَّة، ومنهم من قال: لا حاجة إلى إضمار محذوفٍ من الصِّحَّة أو الكمال أو نحوهما؛ إذ الإضمار خلاف الأصل، وإنَّما المراد حقيقة العمل الشَّرعيِّ، فلا يحتاج حينئذٍ إلى إضمارٍ.

و«النِّيَّات» بتشديد الياء: جمع نيَّةٍ؛ من نَوَى ينوِي، من باب ضرَب يضرِب؛ وهي لغةً: القصد، وقِيلَ: هي من النَّوى؛ بمعنى: البُعْد، فكأنّ النَّاوي للشَّيء يطلب بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظَّاهرة؛ لبُعْده عنه، فجُعِلَت النِّيَّة وسيلةً إلى بلوغه، وشرعًا: قصد الشَّيء مقترنًا بفعله، فإن تراخى عنه؛ كان عزمًا، أو يُقال: قصد الفعل ابتغاء وجه الله تعالى وامتثالًا لأمره، وهي هنا محمولةٌ على معناها اللُّغويِّ؛ ليطابق ما بعده من التَّقسيم، والتَّقييد بالمكلَّفين المؤمنين يخرِج أعمال الكفَّار؛ لأنَّ المراد بالأعمال أعمال العبادة، وهي لا تصحُّ من الكافر، وإن كان مُخاطَبًا بها مُعاقَبًا على تركها، وجُمِعَت النِّيَّة في هذه الرِّواية باعتبار تنوُّعها؛ لأنَّ [/ج1ص52/] المصدر لا يجمع إلَّا باعتبار تنوُّعه، أو باعتبار مقاصد النَّاوي؛ كقصده تعالى، أو تحصيل موعوده، أو اتِّقاء وعيده. وليس المراد نفي ذات العمل؛ لأنَّه حاصلٌ بغير نيَّةٍ، وإنَّما المراد: نفي صحَّته أو كماله على اختلاف التَّقديرين، وفي معظم الرِّوايات: «النية» [خ¦54] بالإفراد على الأصل؛ لاتِّحاد محلِّها وهو القلب، كما أنَّ مرجعُها واحدٌ، وهو الإخلاص للواحد الذي لا شريك له، فناسب إفرادها، بخلاف الأعمال؛ فإنَّها متعلِّقةٌ بالظَّواهر، وهي متعدِّدَةٌ، فناسب جمعها، وفي «صحيح ابن حبَّان»: «الأعمال بالنِّيَّات»؛ بحذف «إنَّما»، وجمع «الأعمال والنِّيَّات»، وفي كتاب «الإيمان» من «صحيح البخاري» من رواية مالكٍ عن يحيى: «الأعمال بالنِّيَّة» [خ¦54] ، وفيه أيضًا في «النِّكاح»: «العمل بالنِّيَّة» [خ¦5070] بالإفراد فيهما، والتَّركيب في كلِّها يفيد الحصر باتِّفاق المحقِّقين؛ لأنَّ «الأعمال» جمعٌ محلًّى بالألف واللَّام مفيدٌ للاستغراق، وهو مستلزمٌ للحصر؛ لأنَّه من حصر المبتدأ في الخبر، ويعبِّر عنه البيانيُّون بقصر الموصوف على الصِّفة، وربَّما قِيلَ: قصر المُسنَد إليه على المُسنَد، والمعنى: كلُّ عملٍ بنيَّةٍ، فلا عمل إلَّا بنيَّةٍ.

واختُلِف في: «إنَّما»، هل تفيد الحصر أم لا؟ فقال الشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازيُّ والغزاليُّ والكيا الهراسيُّ والإمام فخر الدِّين: تفيد الحصر المشتمل على نفي الحكم عن غير المذكور؛ نحو: إنَّما قائمٌ زيدٌ؛ أي: لا عمرٌو، أو نفي غير الحكم عن المذكور؛ نحو: إنَّما زيدٌ قائمٌ؛ أي: لا قاعدٌ. وهل تفيده بالمنطوق أو بالمفهوم؟ قال البرماويُّ في «شرح ألفيَّته»: الصَّحيح أنَّه بالمنطوق؛ لأنَّه لو قال: ما له عليَّ إلَّا دينارٌ؛ كان إقرارًا بالدِّينار، ولو كان مفهومًا؛ لم يكن مقرًّا؛ لعدم اعتبار المفهوم بالأقارير انتهى. وممَّن صرَّح بأنَّه منطوقٌ أبو الحسين بن القطَّان، والشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازيُّ، والغزاليُّ، بل نقله البلقينيُّ عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلَّا اليسير، كالآمديِّ، قال في «اللَّامع» [3] : وقِيلَ: الحصر من عموم المبتدأ باللَّام وخصوص خبره، على حدِّ: صديقي زيدٌ؛ لعموم المضاف إلى المُفرَد وخصوص خبره، ففي الرِّواية الأخرى كما سبق بدون «إنَّما»، فالتَّقدير: كلُّ الأعمال بالنِّيَّات؛ إذ لو كان عملٌ بلا نيَّةٍ؛ لم تصدق هذه الكليَّة، وأصل إنَّما: إنَّ التَّوكيديَّة، دخلت عليها «ما» الكافَّة، وهي حرفٌ زائدٌ، خلافًا لمن زعم أنَّها «ما» النَّافية، ولا يرد على دعوى الحصر نحو: صوم رمضان بنيَّة قضاءٍ أو نذرٍ؛ حيث لم يقع له ما نوى؛ لعدم قابليَّة المحلِّ، والصَّرورة في الحجِّ ينويه للمستأجر، فلا يقع إلَّا للنَّاوي؛ لأنَّ نفس الحجِّ وقع، ولو كان لغير المنويِّ له. والفرق بينه وبين نيَّة القضاء أو النَّذر في رمضان حيث لا يصحُّ أصلًا؛ لأنَّ التَّعيين ليس بشرطٍ في الحجِّ، فيُحْرِم مُطلَقًا ثمَّ يصرفه إلى ما شاء؛ ولذا [4] : لو أحرم بنفله وعليه فرضٌ؛ انصرف للفرض لشدَّة اللُّزوم، فإذا لم يقبل ما أحرم به؛ انصرف إلى القابل. نعم؛ لو أحرم بالحجِّ قبل وقته انعقد عمرةً على الرَّاجح؛ لانصرافه إلى ما يقبل، وهذا بخلاف ما لو أحرم بالصَّلاة قبل وقتها عالمًا [5] ؛ لا تنعقد، وأمَّا إزالة النَّجاسة حيث لا تفتقر إلى نيَّةٍ؛ فلأنَّها من قبيل التَّروك [6] . نعم؛ تفتقر لحصول الثَّواب، كتارك الزِّنا إنَّما يُثاب بقصد أنَّه تركه امتثالًا للشَّرع، وكذلك نحو القراءة والأذان والذِّكر، لا يحتاج إلى نيَّةٍ لصراحتها، إلَّا لغرض الإثابة، وخروج هذا ونحوه عن اعتبار النِّيَّة فيها إمَّا بدليلٍ آخر، فهو من باب تخصيص العموم، أو لاستحالة دخولها؛ كالنِّيَّة ومعرفة الله تعالى، فإنَّ النِّيَّة فيهما مُحالٌ، أمَّا النِّيَّة؛ فلأنَّها لو توقَّفت على نيَّةٍ أخرى؛ لتوقَّفت الأخرى على أخرى، ولزم التَّسلسل أو الدَّور، وهما مُحالان، وأمَّا معرفة الله تعالى؛ فلأنَّها لو توقَّفت على النِّيَّة مع أنَّ النِّيَّة قصد المنويِّ بالقلب؛ لزم أن يكون عارفًا بالله تعالى قبل معرفته، وهو مُحالٌ.

و«الأعمال»: جمع عملٍ، وهو حركة البدن بكلِّه أو بعضه، وربَّما أُطلِقَ على حركة النَّفس، فعلى هذا يُقال: العمل: إحداث أمرٍ، قولًا كان أو فعلًا، بالجارحة أو بالقلب، لكن الأسبق إلى الفهم الاختصاص بفعل الجارحة، لا نحو النِّيَّة، قاله ابن دقيقٍ العيد، قال: ورأيت بعض المتأخِّرين من أهل الخلاف خصَّه بما لا يكون قولًا، قال: وفيه نظرٌ، ولو خُصِّص بذلك لفظ الفعل؛ لكان أقرب، من حيث استعمالهما متقابلين، فيُقال: الأقوال والأفعال، ولا تردُّد عندي في أنَّ الحديث يتناول الأقوال أيضًا ا ه، وتعقَّبه صاحب «جمع العدَّة»: بأنَّه إن أراد بقوله: ولا [/ج1ص53/] تردَّد عندي في أنَّ الحديث يتناول الأقوال أيضًا، باعتبار افتقارها إلى النِّيَّة، بناءً على أنَّ المراد إنَّما صحَّة الأعمال؛ فممنوعٌ، بل الأذان والقراءة ونحوهما تتأدَّى بلا نِيَّةٍ. وإن أراد باعتبار أنَّه يُثاب على ما ينوي منها ويكون كاملًا؛ فمُسلَّمٌ، لكنَّه مُخالِفٌ لما رجحه من تقدير الصِّحَّة.

فإن قلت: لِمَ عدل عن لفظ الأفعال إلى الأعمال؟ أجاب الخُوَيِّيُّ [7] : بأنَّ الفعل هو الذي يكون زمانه يسيرًا ولم يتكرَّر؛ قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] ، {وَتَبَيَّنَ لَكُم كَيفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} [إبراهيم: 45] حيث كان إهلاكهم في زمانٍ يسيرٍ، ولم يتكرَّر، بخلاف العمل؛ فإنَّه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديدٍ، بالاستمرار والتَّكرار، قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25] طلب منهم العمل الذي يدوم ويستمرُّ، ويتجدَّد كلَّ مرَّةٍ ويتكرَّر، لا نفس الفعل؛ قال تعالى: {فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61] ، ولم يقل: فليفعل الفاعلون، فالعمل أخصُّ، ومن ثمَّ قال: «الأعمال»، ولم يقل: الأفعال؛ لأنَّ ما يندر من الإنسان لا يكون بنيَّةٍ، لأنَّ كلَّ عملٍ تصحبه نيَّةٌ، وأمَّا العمل؛ فهو ما يدوم عليه الإنسان ويتكرَّر منه، فتعتبر النِّيَّة ا ه. فليُتأمَّل، و«الباء» في«بالنِّيَّات» تحتمل المصاحبة والسَّببيَّة؛ أي: الأعمال ثابتٌ ثوابها بسبب النِّيَّات، ويظهر أثر ذلك في أنَّ النِّيَّة شرطٌ أو ركنٌ، والأشبه عند الغزاليِّ أنَّها شرطٌ؛ لأنَّ النِّيَّة في الصَّلاة مَثَلًا تتعلَّق بها، فتكون خارجةً عنها، وإلَّا؛ لكانت متعلِّقةً بنفسها، ولافتقرت إلى نيَّةٍ أخرى، والأظهر عند الأكثرين: أنَّها من الأركان، والسَّببيَّة صادقةٌ مع الشَّرطيَّة، وهو واضحٌ؛ لتوقُّف المشروط على الشَّرط، ومع الرُّكنيَّة؛ لأنَّ بترك جزءٍ من الماهيَّة تنتفي الماهيَّة، والحقُّ: أنَّ إيجادها ذكرًا في أوَّله ركنٌ، واستصحابها حكمًا بأن تعرى عن المنافي شرطٌ؛ كإسلام النَّاوي وتمييزه وعلمه بالمنويِّ، وحكمها: الوجوب، ومحلُّها: القلب، فلا يكفي النُّطق مع الغفلة. نعم؛ يُستَحبُّ النُّطق بها؛ ليساعد اللِّسانُ القلبَ، ولئن سلَّمنا أنَّه لم يُرْوَ عنه صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحدٍ من أصحابه [8] النُّطق بها؛ لكنَّا نجزم بأنَّه عليه الصلاة والسلام نطق بها؛ لأنَّه لا شكَّ أنَّ الوضوء المنويَّ مع النُّطق به أفضلُ، والعلم الضَّروري حاصلٌ بأنَّ أفضل الخلق لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أنَّه أتى بالوضوء المنويِّ مع النُّطق، ولم يثبت عندنا أنَّه أتى بالوضوء العاري عنه، والشَّكُّ لا يعارض اليقين، فثبت أنَّه أتى بالوضوء المنويِّ مع النُّطق، والمقصود بها: تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز رتبها، ووقتها: أوَّل الفرض؛ كأوَّل غسل جزءٍ من الوجه في الوضوء، فلو نوى في أثناء غسل الوجه؛ كَفَتْ، ووجب إعادة المغسول منه قبلها، وإنَّما لم يوجبوا المقارنة في الصَّوم؛ لعسر مراقبة الفجر. وشرط النِّيَّة: الجزم؛ فلو توضَّأ الشَّاكُّ بعد وضوئه في الحدث احتياطًا فبان محدثًا؛ لم يجزه؛ للتَّردُّد في النِّيَّة بلا ضرورةٍ، بخلاف ما إذا لم يَبِنْ محدثًا؛ فإنَّه يجزيه للضَّرورة، وإنَّما صحَّ وضوء الشَّاكِّ في طهره بعد تيقُّن حدثه مع التَّردُّد؛ لأنَّ الأصل بقاء الحدث، بل لو نوى في هذه إن كان محدثًا؛ فعن حدثه، وإلَّا؛ فتجديدٌ؛ صحَّ أيضًا، وإن تذكَّر. نقله النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» عن البغوي، وأقرَّه.

(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ) _بكسر الرَّاء_ لكلِّ رجلٍ (مَا نَوَى)؛ أي: الذي نواه أو نيَّته، وكذا لكلِّ امرأةٍ ما نوت؛ لأنَّ النَّساء شقائق الرِّجال، وفي «القاموس»: والمرء: مثلَّثةُ [9] الميم: الإنسان أو الرَّجل، وعلى القول: بأنَّ «إنَّما» للحصر، فهو هنا من حصر الخبر في المبتدأ، ويُقال: قصر الصِّفة على الموصوف؛ لأنَّ المقصور عليه في «إنَّما» دائمًا المؤخَّرُ، ورتَّبوا هذه على السَّابقة بتقديم الخبر، وهو يفيد الحصر كما تقرَّر [10] ، واستُشكِل: الإتيان بهذه الجملة بعد السَّابقة لاتِّحاد الجملتين، فقِيلَ: تقديره: وإنَّما لكلِّ امرئٍ ثوابُ ما نوى، فتكون الأولى قد نبَّهت على أنَّ الأعمال لا تصير مُعتَبرةً إلَّا بنيَّةٍ، والثَّانية: على أنَّ العامل يكون له ثواب العمل على مقدار نيَّته، ولهذا أخِّرَت عن الأولى لترتُّبها عليها، وتُعقِّب: بأنَّ الأعمال حاصلةٌ بثوابها للعامل لا لغيره، فهي عين معنى الجملة الأولى [11] ، وقال ابن عبد السَّلام: معنى الثَّانية: حصر ثواب الإجزاء [12] المرتَّب على العمل لعامله، ومعنى الأولى: صحَّة الحكم وإجزاؤه، ولا يلزم منه ثوابٌ، فقد يصحُّ العمل، ولا ثواب عليه؛ كالصَّلاة في المغصوب ونحوه على أرجح المذاهب، وعُورِض: بأنَّه [/ج1ص54/] يقتضي أنَّ العمل له نيَّتان: نيَّةٌ بها يصحُّ في الدُّنيا ويحصل الاكتفاء به، ونيَّةٌ بها يحصل الثَّواب في الآخرة، إلَّا أن يقدِّر في ذلك وصف النِّيَّة: إن لم يحصل؛ صحَّ ولا ثواب، وإن حصل؛ صحَّ وحصل الثَّواب، فيزول الإشكال، وقِيلَ: إنَّ الثَّانية تفيد اشتراط تعيين المنويِّ، فلا يكفي في الصَّلاة نيَّتُها من غير تعيينٍ، بل لابدَّ من تمييزها [13] بالظُّهر أو العصر مثلًا، وقِيلَ: إنَّها تفيد منع الاستنابة في النِّيَّة؛ لأنَّ الجملة الأولى لا تقتضي منعها، بخلاف الثَّانية، وتُعقِّب: بنحو نيَّة وليِّ الصبيِّ في الحجِّ، فإنَّها صحيحةٌ، وكحجِّ الإنسان عن غيره، وكالتَّوكيل في تفرقة الزَّكاة، وأُجِيب: بأنَّ ذلك واقعٌ على خلاف الأصل في الوضع [14] ، وذهب القرطبيُّ إلى أنَّ الجملة اللَّاحقة مؤكِّدةٌ للسَّابقة، فيكون ذكر الحكم بالأولى، وأكَّده بالثَّانية؛ تنبيهًا على سرِّ الإخلاص، وتحذيرًا من الرِّياء المانع من الإخلاص، وقد عُلِمَ أنَّ الطَّاعات في أصل صحَّتها وتضاعفها مرتبطةٌ بالنِّيَّات، وبها تُرفَع إلى خالق البريَّات.

(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا) جملةٌ في موضع [15] جرٍّ صفةٌ لـ: «دنيا»؛ أي: يحصِّلها نيَّةً وقصدًا (أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ) ولأبي ذرٍّ ((أو امرأةٍ)) (يَنْكِحُهَا)؛ أي: يتزوَّجها، كما في الرِّواية الأخرى؛ (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) من الدُّنيا والمرأة، والجملة جواب الشَّرط في قوله: «فمَنْ»، قال ابن دقيقٍ العيد: في قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله»؛ أي: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيَّةً وقصدًا؛ فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا، ونحو هذا في التَّقدير قوله: «فمن كانت هجرته إلى دنيا....» إلى آخره؛ لئلَّا يتَّحد الشَّرط والجزاء، ولابدَّ من تغايرهما، فلا يُقال: من أطاع الله؛ أطاع الله، وإنَّما يقال: من أطاع الله؛ نجا، وهنا وقع الاتِّحاد، فاحتيج إلى التَّقدير المذكور، وعُورِض: بأنَّه ضعيفٌ من جهة العربية؛ لأنَّ الحال المبيِّنة لا تُحذَف بلا دليلٍ، ومن ثمَّ منع بعضهم تعلُّق الباء في «بسم الله» بحالٍ محذوفةٍ؛ أي: أبتدئ متبرِّكًا، قال: لأنَّ حذف الحال لا يجوز، وأجاب البدر الدَّمامينيُّ منتصرًا لابن دقيقٍ العيد: بأنَّ ظاهرَ نصوصهم جوازُ الحذف، قال: ويؤيِّده أنَّ الحال خبرٌ في المعنى أو صفةٌ، وكلاهما يسوغ حذفه لا لدليلٍ [16] ، فلا مانع في الحال أن تكون كذلك. ا ه، وقِيلَ: لأنَّ التَّغاير يقع تارةً باللَّفظ، وهو الأكثر، وتارةً بالمعنى، ويُفهَم ذلك من السِّياق؛ كقوله تعالى: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا} [الفرقان: 71] ؛ أي: مرضيًّا عند الله، ماحيًا للعقاب، محصِّلًا للثَّواب، فهو مؤوَّلٌ على إرادة المعهود المستقرِّ في النَّفس؛ كقولهم: أنت أنت؛ أي: الصَّديق، وقوله: [من الرَّجز]

أنا أبو النَّجم وشعري شعري

وقال بعضهم: إذا اتَّحد لفظ المبتدأ والخبر أو الشَّرط والجزاء؛ عُلِمَ منهما المبالغة، إمَّا في التَّعظيم؛ كقوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله»، وإمَّا في التَّحقير؛ كقوله: «فمن كانت هجرته إلى دنيا...» إلى آخره، وقِيلَ: الخبر في الثَّاني محذوفٌ، والتَّقدير: فهجرتُه _إلى ما هاجر إليه من الدُّنيا والمرأة_ قبيحةٌ غير صحيحةٍ، أو غير مقبولةٍ، ولا نصيب له في الآخرة، وتُعقِّب: بأنَّه يقتضي أن تكون الهجرة مذمومةً مُطلَقًا، وليس كذلك؛ فإنَّ من ينوي بهجرته مفارقة دار الكفر وتزويج المرأة معًا؛ لا تكون قبيحةً ولا غير صحيحةٍ، بل ناقصةً بالنِّسبة إلى من كانت هجرته خالصة، وإنَّما أشعرَ السِّياق بذمِّ من فعل ذلك بالنِّسبة إلى من طلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة، فأمَّا من طلبها مضمومةً إلى الهجرة؛ فإنَّه يُثَاب على قصده الهجرةَ، لكن دون ثواب مَنْ أخلص، وقد اشتُهِر أنَّ سبب هذا الحديث قصَّة مهاجر أمِّ قيسٍ المرويَّة [17] في «المعجم الكبير» للطَّبراني بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ من رواية الأعمش، ولفظه عن أبي وائلٍ عن ابن مسعودٍ قال: كان فينا رجلٌ خطب امرأةً يُقال لها: أمُّ قيسٍ، فأبت أن تتزوَّجه حتَّى يهاجرَ، فهاجر فتزوَّجها، قال: فكنَّا نسمِّيه مهاجر أمِّ قيسٍ، ولم يقف ابن رجب على من خرَّجه، فقال في شرحه «الأربعين» للنَّووي: وقد ذكر ذلك كثيرٌ من المتأخِّرين في كتبهم، ولم نَرَ له أصلًا بإسنادٍ يصحُّ. وذكر أبو الخطَّاب ابن دحية: أنَّ اسم المرأة قَيْلَة، وأمَّا الرَّجل فلم يسمِّه أحدٌ ممَّن صنَّف في الصَّحابة فيما رأيته، وهذا السَّبب، وإن كان خاصَّ المورد، لكن العبرة بعموم اللَّفظ، والتَّنصيص على المرأة من باب التَّنصيص على الخاصِّ [/ج1ص55/] بعد العامِّ للاهتمام؛ نحو: الملائكة وجبريل، وعُورِض: بأنَّ لفظ دنيا نكرةٌ، وهي لا تعمُّ في الإثبات، فلا يلزم دخول المرأة فيها، وأُجِيب: بأنَّها إذا كانت في سياق الشَّرط تعمُّ، ونكتة الاهتمام: الزِّيادة في التَّحذير؛ لأنَّ الافتتان بها أشدُّ، وإنَّما وقع الذَّمُّ هنا على مباحٍ، ولا ذمَّ فيه ولا مدحٌ؛ لكون فاعله أَبْطَنَ خلاف ما أظهر؛ إذ خروجه في الظَّاهر ليس لطلب الدُّنيا؛ لأنَّه إنَّما خرج في صورة طلب فضيلة الهجرة، و«الهجرة» بكسر الهاء: التَّرك، والمراد هنا: مَنْ هاجر من مكَّة إلى المدينة قَبْل فتح مكَّة، فلا هجرة بعد الفتح، «لكن جهادٌ ونيَّةٌ»، كما قال عليه الصلاة والسلام، نعم؛ حكمها من دار الكفر إلى دار الإسلام مستمرٌّ، وفي الحقيقة هي: مفارقة ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبُّه، وفي الحديث: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، و«دُنيا»؛ بضمِّ الدَّال مقصورةٌ غير منوَّنةٍ للتَّأنيث والعلميَّة، وقد تُكسَر وتُنوَّن، وحُكِيَ عن الكُشْمِيهَنِيِّ فأُنكِر عليه، وأنَّه لا يعرف في اللُّغة التَّنوين، ولم يكن الكُشْمِيهَنِيُّ ممَّن يُرجَع إليه في ذلك [18] ا ه. والصَّحيح جوازه، قال في «القاموس»: والدُّنيا نقيض الآخرة، وقد تُنوَّن، وجمعها دُنَى ا ه، واستدلُّوا له بقوله: [من البسيط]

~ إنِّي مقسِّمٌ ما ملكت فجاعلٌ أجرًا [19] لآخرتي ودنيا تنفع

فإنَّ ابن الأعرابيِّ أنشده منوَّنًا، وليس بضرورةٍ كما لا يخفى، و«الدُّنيا»: «فُعْلَى» من الدُّنوِّ؛ وهو القرب، سمِّيت بذلك؛ لسبقها للأخرى، وهي ما على الأرض من الجوِّ والهواء، أو هي كلُّ المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدَّار الآخرة، أو لدنوِّها من الزَّوال، ووقع في رواية الحُمَيْدِيِّ هذه حذف أحد وجهي التَّقسيم؛ وهو قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله» إلى آخره. وقد ذكره البخاريُّ من غير طريق الحُمَيْدِيِّ، فقال ابن العربيِّ: لا عذر للبخاريِّ في إسقاطه؛ لأنَّ الحُمَيْدِيَّ رواه في «مُسنَده» على التَّمام، قال: وقد ذكر قومٌ أنَّه لعلَّه استملاه من حفظ الحُمَيْدِيِّ، فحدَّثه هكذا، فحدَّث عنه كما سمع، أو حدَّثه به تامًّا، فسقط من حفظ البخاريِّ، قال: وهو أمرٌ مُستبعَد جدًّا عند من اطَّلع على أحوال القوم، وجاء من طريق بشر بن موسى، وصحيح أبي عوانة، ومُستخرَجي أبي نعيمٍ على الصَّحيحين من طريق الحُمَيْدِيِّ تامًّا، ولعلَّ المؤلِّف إنَّما اختار الابتداء بهذا السِّياق النَّاقص ميلًا إلى جواز الاختصار من الحديث، ولو من أثنائه، كما هو الرَّاجح، وقِيلَ غير ذلك.

وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال أبو داود: يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث: «الأعمال بالنِّيَّة [20] »، و«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» و«لا يكون المؤمن مؤمنًا حتَّى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه»، و«الحلال بيِّن والحرام بيِّن»، وذكر غيرُه غيرَها. وقال الشَّافعيُّ وأحمد: إنَّه [21] يدخل فيه ثلث العلم، قال البيهقيُّ: إذ كَسْبُ العبد إمَّا بقلبه أو بلسانه أو ببقيَّة جوارحه، وعن الشَّافعيِّ أيضًا: أنَّه يدخل فيه نصف العلم، ووُجِّه: بأنَّ للدِّين ظاهرًا وباطنًا، والنِّيَّة متعلِّقةٌ بالباطن، والعمل هو الظَّاهر، وأيضًا فالنِّيَّة عبوديَّةُ القلب، والعمل عبوديَّة الجوارح، وقد زعم بعضهم: أنَّه متواترٌ، وليس كذلك؛ لأنَّ الصَّحيح أنَّه لم يروِه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا عمر رضي الله عنه، ولم يروِه عن عمر إلَّا علقمة، ولم يروِه عن علقمة إلَّا محمَّد بن إبراهيم، ولم يروِه عن محمَّد بن إبراهيم إلَّا يحيى بن سعيد الأنصاريُّ، وعنه انتشر، فقِيلَ: رواه عنه أكثر من مئتي راوٍ، وقِيلَ: سبع مئةٍ، من أعيانهم: مالكٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وابن المبارك واللَّيث بن سعدٍ وحمَّاد بن زيدٍ وسعيدٌ وابن عيينة، وقد ثبت عن أبي إسماعيل [22] الهرويِّ، الملقَّب بشيخ الإسلام أنَّه كتبه عن سبعمئة رجلٍ أيضًا من [23] أصحاب يحيى بن سعيدٍ، فهو مشهورٌ بالنِّسبة إلى آخره، غريبٌ بالنِّسبة إلى أوَّله. نعم؛ المشهور مُلحَقٌ بالمتواتر عند أهل الحديث، غير أنَّه يفيد العلم النَّظريَّ، إذا كانت طرقه متباينةً سالمةً من ضعف الرُّواة ومن التَّعليل. والمتواتر يفيد العلم الضَّروريَّ، ولا يُشترَط فيه عدالة ناقله، وبذلك افترقا. وقد تُوبِع علقمة والتَّيميُّ ويحيى بن سعيدٍ على روايتهم.

قال ابن منده: هذا الحديث رواه عن عمر غير علقمة: ابنه عبد الله وجابر وأبو جحيفة وعبد الله بن عامر بن ربيعة وذو الكلاع وعطاء بن يسار وناشرة بن سُمَيٍّ وواصل بن عمرو الجذاميُّ ومحمَّد بن المنكدر، [/ج1ص56/] ورواه عن علقمة غير التَّيميِّ سعيد بن المسيِّب ونافعٌ مولى ابن عمر، وتابع يحيى بن سعيدٍ على روايته عن التَّيميِّ محمَّدِ بن [إبراهيم] محمَّدُ بن علقمة أبو الحسن اللَّيثيُّ وداود بن أبي الفرات ومحمَّد بن إسحاق بن يسار وحجَّاج بن أرطأة وعبد ربِّه بن قيس الأنصاريُّ. ورواة إسناده هنا ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ يحيى ومحمَّدٍ التَّيميِّ، أو ثلاثةٌ إن قلنا: إنَّ علقمة تابعيٌّ، وهو قول الجمهور. وصحابيٌّ عن صحابيٍّ إن قلنا: إنَّ علقمة صحابيٌّ. وفيه الرِّواية بالتَّحديث والإخبار والسَّماع والعنعنة. وأخرجه المؤلِّف في «الإيمان» [خ¦54] ، و«العتق» [خ¦2529] ، و«الهجرة» [خ¦3898] ، و«النِّكاح» [خ¦5070] ، و«الأيمان والنُّذور» [خ¦6689] ، و«ترك الحيل» [خ¦6953] ، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه وأحمد والدَّارقطنيُّ وابن حبَّان والبيهقيُّ، ولم يخرجه مالكٌ في «موطَّئه»، وبقيَّة مباحثه تأتي _إن شاء الله تعالى_ في محالِّها.

وقد رواه من الصَّحابة غير عمر، قِيلَ: نحو عشرين صحابيًّا، فذكره الحافظ أبو يَعلى القزوينيُّ في كتابه «الإرشاد» من رواية مالكٍ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الأعمال بالنِّيَّة [24] »، ثمَّ قال: هذا حديثٌ غير محفوظٍ عن زيد بن أسلم بوجهٍ، فهذا ما أخطأ فيه الثِّقة. ورواه الدَّارقطنيُّ في أحاديث مالكٍ التي ليست في «الموطَّأ»، وقال: تفرَّد به عبد المجيد عن مالكٍ، ولا نعلم من حدَّث به عن عبد المجيد غير نوح بن حبيبٍ وإبراهيم بن محمَّدٍ العتقيِّ [25] ، وقال ابن منده في جمعه لطرق هذا الحديث: رواه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم غير عمر: سعد بن أبي وقَّاصٍ، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وعبد الله بن مسعودٍ، وأنسٌ، وابن عبَّاسٍ، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصَّامت، وعتبة بن عبد السّلميُّ، وهلال بن سويدٍ، وعقبة بن عامرٍ، وجابر بن عبد الله، وأبو ذَرٍّ، وعتبة بن النُّدَّر [26] ، وعقبة بن مسلمٍ، وعبد الله بن عمر ا ه، وقد اتُّفق على أنَّه لا يصحُّ مُسنَدًا إلَّا من رواية عمر، إشارةً إلى أنَّ من أراد الغنيمة؛ صحَّح العزيمة، ومن أراد المواهب السَّنيَّة؛ أخلص النِّيَّة، ومن أخلص الهجرة؛ ضاعف [27] الإخلاصُ أجرَه، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، إنَّما تُنال المطالب على قدر همَّة الطَّالب، إنَّما تُدرَك المقاصد على قدر عناء [28] القاصد، على قدر هِمَّة أهل العزم تأتي العزائم.

[1] كذا في النُّسخ.
[2] في (ص): «الكائنة».
[3] في (م): «اللوامع».
[4] في (د): «وكذا».
[5] في (ص): «عامدًا».
[6] في (ص): «المتروك».
[7] كذا في (ب) و(س)، وفي (د) و(م): «الجوينيُّ»، وفي (ص): «الخوبي»، ولعلَّ المثبت هو الرَّاجح، وهو نسبة إلى خوي بلدة في آذربيجان،
[8] في (م): «الصَّحابة».
[9] في (د) و(س): «مثلَّث» والمثبت موافق لما في «القاموس» مادة (مَرُؤَ).
[10] في (د): «تقدَّم».
[11] في (ص) و(م): «الثَّانية».
[12] في (ب) و(م): «الأجر».
[13] في (م): «تعيينها» والمعنى واحد.
[14] في (س): «المواضع».
[15] في (م): «محل».
[16] في (س): «بلا دليل».
[17] في غير (د) و(ص): «المرويَّة».
[18] في (م): «في اللُّغة».
[19] في (ب) و(س): «جزءًا».
[20] في (د): «بالنِّيَّات».
[21] «إنَّه»: ليس في (د).
[22] في (ص): «إسحاق»، وليس بصحيحٍ.
[23] في (م): «عن».
[24] في (د): «بالنِّيَّات».
[25] في (م): «الثقفي»، وليس بصحيحٍ.
[26] في النسخ جميعها: «المنذر»، وهو تابعيٌّ، فلعلَّه محرَّفٌ عن المثبت.
[27] في (ص): «صاحب».
[28] في (م): «عزمة».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

1-. حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ [1] قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ [2] ، قالَ: حدَّثنا يَحْيَىَ بنُ سَعِيدٍ الأنصاريُّ، قالَ: أخبَرَني مُحَمَّدُ بنُ إبراهيمَ التَّيْمِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بنَ وقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يقولُ:

سمعتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى المِنْبَرِ، قالَ [3] : سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: «إِنَّما الأعمالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَىَ، فَمَنْ كانتْ هِجْرَتُهُ إِلىَ دُنْيا يُصِيبُها، أو إلى [4] امْرأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُهُ إِلىَ ما هاجَرَ إليهِ».

[1] قوله: «عبد الله بن الزبير» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[2] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويِي: «عن سفيانَ».
[3] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «يقول».
[4] لفظة: «إلىَ» ليست في رواية أبي ذر.





1- ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ) هذا مما يتكرَّر كثيرًا، وقد اختلف هل يتعدى ( سَمِعْتُ ) إلى مفعولين؟ فجوَّزه الفارسي، لكن لا بد أن يكون الثاني مما يسمع، نحو: سمعت زيدًا يقول كذا، فلو قلت: سمعتُ زيدًا أخاك؛ لم يجز. [/ج1ص3/]

والصحيح: تعديتها إلى واحد، وما وقع بعده منصوبًا فعلى الحال، والأول على تقدير مضاف، أي: سمعت كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن السمع لا يقع على الذوات، ثم بيَّن هذا المحذوف بالحال المذكورة وهي ( يَقُولُ ): وهي حال مُبَيَّنة ولا يجوز حذفها.

( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) فيه إضمار، ويَحتمل وجوهًا: تعتبر بالنيات، تصح، تُجتَلب، والثاني: وهو المشهور، والثالث: أقلُّ تخصيصًا، والأول أعم فائدة؛ لأن العمل إذا لم يكن معتبرًا إلا بالنية لا يكون صحيحًا، ولا يتعلق به حكم.

واللام في ( الأَعْمَالُ ) للجنس على المشهور؛ أي: كل عمل.

ومقابلة الأعمال بالنيات مقابلة الآحاد بالآحاد؛ أي: لكل عمل نية، أو إشارة إلى تنوع النيات. يعني: إن كان القصد رضا الله فله مزية، وإن كان القصد دخول الجنة فله مزية، وإن كان القصد الدنيا فهو بقدْرَها يتشرَّف الفعل، ذكره الخويي [1] .

و ( النِّيَّاتِ ) جمع نيَّة بالتشديد والتخفيف، والتشديد من: نوى ينوي: قصد، وأصله: نوية، قُلِبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء بعدها لتقاربهما، ومن خفَّف فمن وَنَى يَنِي: أبطأ وتأخر؛ لأن النية تحتاج في تصحيحها إلى إبطاء.

والباء في ( بالنيات ) تحتمل السببية والمصاحبة. [2]

( وَإِنَّمَا لِكُلِّ [امْرِئٍ] مَا نَوَى ) هذه الجملة غير الأولى، فإن الأولى نبهت على أن الأعمال لا [/ج1ص4/] تصير حاملة لثوابٍ وعقابٍ إلا بالنية، والثانية: أن العامل يكون له من العمل على قدر نيته؛ ولهذا أُخِّرت عن الأولى لترتبها عليها.

وقال الخطابي: أفادت الثانية تعيين العمل بالنية؛ لأنَّه لو نوى صلاة إن كانت فائتة وإلا فهي تطوع لم تجزئه عن فرضه؛ لأنَّه لم يمحِّض النية ولم يعيَّن بها.

( فَمَنْ كَاْنَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِه ) هذا سقط هنا في رواية البخاري من جهة سفيان، فيشبه أن يكون هذا من صنيع البخاري واختصاره، وإلا فقد أثبتها من جهة سفيان الإسماعيلي في «مستخرجه».

ولا بدَّ فيه من تقدير؛ لأنَّ الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بد من تغايرهما وهنا قد اتحدا، فالتقدير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا. قاله ابن دقيق العيد في «شرح العمدة»، وفيه نظر؛ فإن المقدَّر حينئذٍ حال مبينة فكيف تحذف!

ولهذا منع الرُّنْدي في «شرح الجمل» جعل «بسم الله» متعلقًا بحال محذوفة، أي أبتدئ متبرِّكًا، قال: لأن حذف الحال لا يجوز، فالأولى أن تكون «نية» و«قصدًا» نصبًا على التمييز، ويجوز حذفه إذا دل عليه دليل كقوله تعالى: { إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ } [ الأنفال: 65 ] أي: رجلًا. [/ج1ص5/]

ويمكن تأويله على إرادة المعهود المستقر في النفوس من غير ملاحظة حذف، كقولك: أنت أنت، أي: الصديق الذي لم يتغير، وقول الشاعر:

~ أنا أبو النجم وشعري شِعري

أو أنَّه مؤول على إقامة السبب مقام المسبَّب لاشتهار السبب، أي: فقد استحق الثواب العظيم المستقر للمهاجرين.

وفيه: وضع الظاهر موضع المضمر، فإن الأصل فهجرته إليهما، وفيه وجهان: أحدهما: قصد الاستلذاذ بذكره؛ ولهذا لم يُعَد في الجملة الثانية، وهي قوله: ( وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا ) إعراضًا عن تكرير لفظ الدنيا، وثانيهما: عدل عن ذلك؛ لئلا يجمع بينهما في ضمير واحد، وفيه بحث.

( دُنْيَا ) بضم الدال، وحكى ابن قتيبة كسرَها، وهو مقصور غير منون على المشهور، وحُكِيَ تنوينها، قال ابن جني: وهي نادرة.

وأورد ابن مالك أنَّها في الأصل مؤنث أدنى، وأدنى أفعل تفضيل، وأفعل التفضيل إذا نُكِّرَ لزم الإفراد والتذكير فامتنع تأنيثه، ففي استعمال دنيا بتأنيث مع كونه منكَّرًا إشكال، وكان حقه أن لا يستعمل كما لا يستعمل قصوى ولا كبرى، وأجاب بأنه خُلعت عنها الوصفية غالبًا، وأجريت مُجرى ما لم يكن قط وصفًا كـ «رُجعى».

[1] قال محب الدين البغدادي: لم قال الأعمال دون الأفعال؟ وهل بين العمل والفعل فرق أو هما مترادفان؟ قلت: الأظهر أنهما متباينان، وأن الفعل أعم، فالعمل هو الحدث الصادر عن الجوارح، والفعل هو الصادر عنها بقصد أو بغير قصد، فكل عمل فعل ولا عكس.
[2] جاءت في غير ( ق ) ونسخة دار الكتب المصرية ( 639 حديث ) خطأً: الجويني، وهو محمد بن أحمد المهلبي الخويي، صاحب «أقاليم التعاليم».





1# (الحُمَيْدِيُّ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم فياء التَّصغير فياء النسب، وهل نُسب إلى حُميد جدِّه، أو إلى حميدٍ بطنٍ من أسدِ بنِ [1] عبدِ العزى، أو إلى الحميداتِ قبيلة؟ أقوال.

(سُفْيَانُ) بتثليث حركة السين المهملة، والمشهورُ ضمُّها، وهو: ابن عُيينة، تصغير ((عين))، فعينه مضمومة، وحُكي: كسرُها.

(التَّيْمِيُّ) بمثناة من فوق مفتوحة فمثناة من تحت ساكنة منسوبٌ [2]

@%ج1ص4%

إلى تَيم بنِ مُرَّة.

(اللَّيْثِيَّ) بلام مفتوحة فمثناة من تحت ساكنة فثاء مثلثة.

وافتتح هذا الباب من الأحاديث بقوله صلى الله عليه وسلم:

(إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) الحديث [3] ، إمَّا لأنه متعلِّق بالآية التي في الترجمة، والجامعُ بينهما: أنَّ الله تعالى أوحى إلى محمد صلى اللله عليه وسلم، وإلى الأنبياء من قبله: أنَّ الأعمال بالنِّيات، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} الآية [البينة: 5] ، قاله بعضهم.

وإما لمناسبة ترجمة الباب، وذلك لأن [4] الحديثَ اشتمل على أن من [5] هاجر إلى الله تعالى [6] وَجَدَهُ.

ومقدمةُ النبوة كانت في حقِّه عليه الصلاة والسلام هجرته إلى الله تعالى، وخلوته بغار حراء للتقرُّب إليه، وليس على معنى أنَّ النبوة مكتسبة، بل على معنى أنها ومقدِّماتها ومتمماتها كُلٌّ فضلٌ من عند الله، فهو الذي ألهم السؤال، وأعطى المسؤول، فله الفضلُ أولًا وآخرًا، قاله [7] ابن المنيِّر.

وإما لقصده أن يكون هذا الحديث في أول الكتاب عوضًا من الخُطبة التي يبدأُ بها المؤلِّفون، ولقد أحسن العوض مَن عوَّض من كلامه كلامَ من لا ينطق عن الهوى، قاله ابن بطَّال.

قلتُ: ولعلَّ هذا هو السر في إيراده الحديثَ في هذا المحلِّ مختصرًا، وذلك لأنَّه لما أورده موردَ الخُطبة، اقتضتِ المناسبةُ ذكرَه بالطريق التي وقع فيها مختصرًا؛ إذِ [8] التخفيفُ في الخُطبة مطلوبٌ.

قال ابنُ الملقن: سألني بعضُ الفضلاء عن السرِّ في ابتداء البخاري بهذا الحديث مختصرًا، ولِمَ لَم يذكرْه [9] مطوَّلًا كما فعل في غيره من الأبواب؟

فأجبته في الحال: بأن عمر رضي الله عنه قاله على المنبر،

@%ج1ص5%

وخطب به، فأراد التأسي به، لكن البخاريَّ ذكره مطولًا في: تَركِ الحيل، وفيه: أنه خطب به أيضًا. انتهى.

قلت: فقد طاح جوابُ الشيخ، وبالله التوفيق.

والكلامُ على مفرداتِ هذا الحديث وفقهه سيأتي بعد هذا في أواخر كتابِ الإيمان.

[1] ((ابن)): ليست في (ج) و(د).
[2] ((منسوب)) زيادة من (ق) و(ج).
[3] في هامش (ق): ((اللام في ((الأعمال)) للجنس على المشهور؛ أي: كل عمل ومقابلة الأعمال بالنيات مقابلة .... أي: لكل عمل نية أو إشارة إلى تنويع النيات. الزركشي)).
[4] في (ق) و(ج): ((أن)).
[5] ((من)): ليست في (م).
[6] ((تعالى)): ليست في (ق).
[7] في (ج): ((قال)).
[8] في (ق): ((إذا)).
[9] في (ق): ((يذكر)).





1- قوله: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ): هو عبد الله بن الزُّبير [1] ، وقد ورد مُسمًّى في بعض الطرق في هذا المكان، ترجمتُه معروفةٌ؛ فلا نُطَوِّل بها، وهو الفقيه، أحدُ الأعلام، صاحبُ ابن عُيينةَ، وسمع مِنَ الزِّنجيِّ، وإبراهيمَ بنِ سَعْدٍ [2] ، وغيرِهما، وعنه: البخاريُّ، وأبو زُرعةَ، وأبو حاتمٍ، وخلقٌ، قال الفَسويُّ: (ما لقيتُ أنصحَ للإسلامِ منه) [3] ، ماتَ سنةَ (219 هـ ) [4] ، أخرج له البخاريُّ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

وهو نسبةٌ إلى حُميد -بضمِّ الحاء المهملة- بطنٌ مِن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيٍّ.

وقال النوويُّ في «إملائه»: (هو نسبةٌ إلى جدِّه حُميد) .

وقال السَّمعانيُّ: (سمعتُ شيخَنا أبا القاسم إسماعيلَ بنَ محمَّدٍ الحافظ يقول: هو منسوبٌ إلى الحُميدات، وهي قبيلةٌ) انتهى [5] .

وسيجيءُ في تفسيرِ (براءةَ) أنَّ الحُميدات: بطنٌ مِنْ قُريشٍ.

قولُه: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هو ابنُ عُيينةَ [6] ؛ وهو بضمِّ السين، وحُكِي كسرُها، وفتحُها أيضًا.

و (عُيَينة) [7] : بضمِّ العين وكسرها أيضًا، ترجمته معروفةٌ؛ فلا نُطوِّلُ بها، وقد صرَّح بالتحديث هنا، وهو مُدَلِّسٌ، ولكن لا يُدَلِّسُ إلَّا عن ثقةٍ، وقد ذكرتُ المُدلِّسينَ في جزء مفردٍ مرتَّبٍ على حروف [المعجم] ، وذكرتُ طبقاتِهِم في التدليس، فمَن أراده؛ فلينظرْه.

هذا الخلاف في عنعنة المدلِّس إنَّما يكون في غير ابن عيينة، وذلك أنَّ ابن عبد البرِّ قد [8] حكى عن أئمَّة الحديث أنَّهم قالوا: يُقبَلُ تدليسُ ابنِ عُيينةَ؛ لأنَّه إذا وقف؛ أحال على ابنِ جُريجٍ ومَعْمَرٍ ونظرائِهما [9] ، وهذا ما رجَّحَه ابنُ حِبَّان، وقال: هذا شيءٌ ليس في الدنيا إلَّا لسُفيان بن عُيينةَ؛ فإنَّه كان لا يُدلِّسُ إلَّا عن ثقةٍ متقنٍ،ولا يكاد يوجد لابن عُيينةَ خبرٌ دلَّس فيه إلَّا وقد بيَّن سماعه عن ثقةٍ [10] مثل ثقته، ثمَّ مثَّل ذلك بمراسيلِ كبار الصحابة؛ فإنَّهم لا يُرسلونَ إلَّا عن صحابيٍّ، وقد سبقَ ابنَ عبد البرِّ إلى ذلك الحافظُ أبو بكرٍ البزَّار -بالراء في آخره- وأبو الفتح الأزديُّ؛ قال البزَّارُ: مَن كان يُدلِّسُ عنِ الثقات؛ كان تدليسُه عند أهل العلم مقبولًا، وعن أبي بكرٍ الصيرفيِّ من الشافعيَّة في كتاب «الدلائل» مثلَه، ولفظُه: (كلُّ مَن ظهر تدليسُه عن غير الثقات؛ لم يقبلْ خبرُه حتى يقول: حدَّثني أو سمعتُ) انتهى.

وقد نَظَمَ ذلك في بيتين بعضُ أصحابنا، فقال:

~أمَّا الإمامُ ابنُ عُيينة فقدْ اغتفروا تدليسَه مِن غيرِ رَدّْ [/ج1ص6/]

قوله: (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيُّ [11] ): سيأتي بعضُ ترجمته في آخر (كتاب الصوم) قُبيل (الاعتكاف) إن شاء الله تعالى وقدَّره [خ¦2018] .

قوله: (بِالنِّيَّاتِ): هي جمعُ (نِيَّة) ، و (النِّيَّة) بالتشديد والتخفيف.

قوله: (إِلَى دُنْيَا): هي بضمِّ الدال على المشهور، وحُكي كسرُها، وجمعُها: دُنًا، وسُمِّيت بذلك؛ لدنوِّها، والنسبةُ إليها: دُنيويٌّ، ودُنييٌّ، ودُنياويٌّ، وهي مقصورةٌ غيرُ منوَّنةٍ على المشهور، وهو الذي جاءت به الرواية، ويجوزُ في لغةٍ غريبةٍ تنوينُها.

قال شيخنا الشَّارح: (وفي حقيقتِها قولان للمتكلِّمين؛ أحدُهما: ما على الأرض مِنَ الجوِّ والهواء، وأظهرُهما: كلُّ المخلوقات مِنَ الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة) [12] .

قوله: (أَوْ إِلَى امْرَأَة يَنْكِحُهَا): قال شيخنا الشَّارح: (هذا الحديث ورد على سببٍ؛ وهو أنَّه لمَّا أُمر بالهجرة إلى المدينة؛ تخلَّف جماعةٌ عنها، فذمَّهُمُ الله تعالى بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ}؛ الآية [النساء: 97] ، ولم يُهاجر جماعةٌ؛ لفقدان استطاعتِهِم، فعَذَرَهُمُ اللهُ واستثناهم بقوله: {إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ}؛ الآية [النساء: 98] ، وهاجر المخلصون إليه، فمدحَهُم في غير موضعٍ مِنْ كتابه، وكان في المهاجرين جماعةٌ خالفتْ نِيَّتُهم نِيَّةَ المخلصين، منهم مَن كانت نِيَّتُه تزوُّجَ امرأةٍ كانت بالمدينة يُقال لها: أمُّ قيسٍ -وعن ابن دحيةَ: أنَّ اسمها قَيلة- فسُمِّي: مهاجرَ أمِّ قيسٍ، ولا يُعرف اسمُه) انتهى [13] .

و (أُمُّ قيسٍ) هذِه: معدودةٌ في الصحابيَّات، قال الذهبيُّ في «تجريده» ما لفظُه: (قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: كان فينا رجلٌ خطب امرأة يُقال لها: أُمُّ قيسٍ، فأبتْ [14] أن تَزوَّجه حتى يُهاجِر [15] ، فهاجَرَ فتزوَّجَها، فكُنَّا نُسمِّيه: مهاجرَ أُمِّ قيسٍ) [16] .

قال شيخُنا الحافظ العراقيُّ: (رواه الطبرانيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ من حديث ابن مسعود) انتهى.

وهذا يدُلُّ على أنَّهما صحابيَّان، والله أعلم.

[1] «تهذيب الكمال» (14/512) (3270) .
[2] في (ب): (سعد) .
[3] «المعرفة والتاريخ» للفسوي (3/239) .
[4] في (ب): (214 هـ ) ، وهو خطأ.
[5] «الأنساب» للسمعاني (2/268) .
[6] «تهذيب الكمال» (11/177) (2413) .
[7] زيد في (ب): (هو) .
[8] (قد): ليست في (ب) .
[9] «التمهيد» (1/31) .
[10] في (ب): (ثقته) .
[11] (التيمي): سقطت من (ب) .
[12] «التوضيح» (2/191) .
[13] «التوضيح» (2/192-193) .
[14] في (ب): (وأبت) .
[15] زيد في (ب): (بها) .
[16] «تجريد أسماء الصحابة» (2/332) (4034) .





1- (عَلَى الْمِنْبَرِ): اللَّامُ للعهدِ.

(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ): اختُلف هل تتعدَّى (سمعتُ) إلى مفعولين؟ فجوَّزَه الفارسيُّ، لكن لا بُدَّ أنْ يكونَ الثاني ممَّا يُسمَع؛ نحو: سمعتُ زيدًا يقولُ كذا، فلو قلتَ: سمعتُ زيدًا أخاك؛ لم يَجُز، والصحيحُ تعديتُها إلى واحدٍ، وما وقعَ بعدَه منصوبًا على الحال، والأوَّلُ على تقدير حذفِ مضافٍ؛ أي: سمعتُ كلامَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ السَّمْعَ لا يقعُ على الذوات، ثم بيَّن هذا الحذفَ بالحال المذكورة، وهي (يقولُ)، وهي حالٌ مبيِّنةٌ لا يجوزُ حذفُها.

(إِنَّمَا): الكلامُ فيها كثيرٌ، وقال النووي: («إنَّما» موضوعةٌ للحصر، تُثبِتُ المذكورَ، وتنفي ما عداه)، وهذا كلامٌ مستقيمٌ؛ إذ لم يتعرَّض في قوله أنَّ (إنَّ) للإثبات و (ما) للنفي كما صرَّح به الأكثرون، وهو غير مستقيمٍ؛ لأنَّ (ما) ليست نافيةً، بل هي كافَّةٌ مؤكِّدةٌ.

روى صاحب «المفتاح» عن عليِّ بن عيسى الربعي: أنَّ إفادة الحصر مِن (إنَّما) إنَّما كانت من (إنَّ) إنْ كانتْ لتأكيد إثباتِ المسندِ للمسندِ إليه، ثمَّ لمَّا اتصلتْ بها (ما) المؤكِّدةُ ـ لا النافيةُ على ما يظنُّه مَن لا وقوفَ له بعلمِ النَّحْو ـ ضاعفَتْ [1] تأكيدَها، فناسبَ أن تُضمَّن معنى الحصرِ.

(الْأَعْمَالُ): حرفُ التعريفِ ليس لتعريف الماهيَّة؛ لأنَّ المفتقرَ إلى النيَّةِ أفرادُ الأعمال، لا مُطلَقُ[/ص5/] الأعمالِ من حيثُ الإطلاقُ، فهو إذًا إمَّا للعمومِ خُصَّ منه البعضُ بالإجماع، أو للعهدِ فالمعهودُ هو الأعمالُ التي عُهِدَتْ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ، ويؤيِّدُه ما قيلَ: إنَّ المرادَ من (الأعمالِ): العباداتُ؛ لأنَّ غيرَها لا يفتقرُ إلى النيَّة.

(بِالنِّيَّاتِ): يَحتمل أن تكون باءَ السببيَّةِ، ويَحتمل أن تكون باءَ المصاحبةِ، و (إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات) هو متعلِّقٌ بالخبر المحذوف، ولا جائزٌ أن يُقَدَّرَ وجودُها لوجود العمل ولا نِيَّةَ، فتعيَّن أن يُقَدَّرَ نفيُ الصِّحَّة أو الكمال، والأوَّلُ أظهرُ؛ لأنَّه أقربُ إلى حضورِه بالذِّهْن عند الإطلاق، فالحَمْلُ عليه أَولى، وقد يقدِّرونه بالاعتبار؛ أي: اعتبار الأعمال بالنِّيَّات، وقدَّر بعضُ المحدِّثين: القبول، وهو راجعٌ إلى ثواب الآخرة، وهو مرتَّبٌ على الصحَّة والكمال، وقد تنفكُّ الصحَّة عنِ القبول بالنسبة إلى أحكام الدنيا فقط.

وقال شيخنا في «الفتح»: (الباء للمصاحبة، ويَحتمل أن تكون للسببية؛ بمعنى أنَّها مقوِّمةٌ للعمل، فكأنَّها سببٌ في إيجاده، وعلى الأول: فهي من نفس العمل، فيشترط ألَّا تتخلَّف عن أوَّلِه).

(مَا نَوَى): (ما) بمعنى: (الَّذي)، وصلتُه (نَوَى)، والعائدُ محذوفٌ؛ أي: نواه، فإنْ قدَّرت (ما) مصدريَّة؛ لم يُحتج إلى حذفٍ، إذ (ما) المصدريَّة عند سيبويه حرفٌ، والحروف لا تعود عليها الضمائر؛ والتقدير: لكلِّ امرئٍ نيَّتُه.

(إِلَى دُنْيَا): هو إمَّا متعلِّقٌ بـ (الهجرة) إنْ قُدِّرَتْ (كانَ) تامَّةً، أو خبرُ لـ (كانتْ) إنْ كانتْ ناقصةً، قاله الكرمانيُّ، وقال البِرْماويُّ: (وبمحذوفٍ إنْ قُدِّرَتْ ناقصةً، ويكونُ هو خبرَها) انتهى.

و (دنيا) مقصورةٌ غيرُ منوَّنةٍ؛ لأنَّها (فُعْلى) من (الدُّنُوِّ)، وموصوفُها محذوفٌ؛ أي: الحياة الدنيا.

قال ابن مالك: (في استعمالها منكَّرًا إشكالٌ؛ لأنَّها تأنيث «أدنى»، وهو أفعل تفضيل، وكان حقَّها أنْ تستعملَ باللَّام؛ كـ«الكُبرى» و«الحُسنى»، إلَّا أنَّها خُلِعت عنها الوصفيَّةُ رأسًا، وأُجريتْ مُجرى ما لم يكن وصفًا؛ كـ«رُجْعى» و«بُهْمى»، ونحوُه قولُ الشاعر: [من البسيط]

~ وإنْ دعوتِ إلى جُلَّى ومَكْرُمةٍ يومًا سَراةَ كِرامِ الناسِ فادْعِينا

فإنَّ «الجُلَّى» مؤنَّث «الأجلِّ»، فخُلِعتْ عنها الوصفيَّةُ، وجُعِلت اسمًا للحادثة العظيمة).

قال الكرمانيُّ: (والدليلُ على جعلها اسمًا ـ أي: عَلَمًا ـ قلب الواو ياءً؛ لأنَّه لا يجوزُ القلبُ إلَّا في الفُعْلى الاسميَّة).

وقال الأصفهانيُّ: («الدنيا» تأنيث «الأدنى» مثل: «حُبْلى» لا ينصرف؛ لاجتماع أمرين؛ أحدهما: الوصفيَّة، والثاني: لزوم حرف التأنيث).

وقال الكرمانيُّ: (ليس ذلك لاجتماع أمرين فيها؛ إذ لا وصفيَّة ههنا، بلِ امتناع صرفه للزوم التأنيث للألف المقصورة، وهو قائمٌ مَقام العِلَّتين، فهو سَهْوٌ منه).

(إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ): إمَّا أن يكون متعلِّقًا بـ (الهجرة)، والخبرُ محذوفٌ؛ أي: هجرته إلى ما هاجر إليه غيرُ صحيحةٍ أو غيرُ مقبولةٍ، وإمَّا أن يكون خبرَ (فهجرتُه)، والجملةُ خبرَ المبتدأ؛ وهو (من كانت)، وأدخل (الفاء) في الخبر؛ لتضمُّنِ المبتدأ معنى الشرط، قاله الكرماني، وتتمَّة كلامه سيأتي في أوَّل [2] (كتاب النكاح) [خ¦5070] .

[1] في (ب): (ضاعفَ)، وهي غير واضحة في (أ).
[2] أول: مثبت من (ب)، ولعلها في هامش (أ).





1- (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ)؛ بضمِّ المُهملَة وفتح الميم؛ نسبةً إلى جدِّه الأعلى حُمَيد، أو إلى الحُمَيدات: قبيلةٌ، أو لحُمَيدٍ: بطنٌ من أسد بن عبد العزَّى، وهو من أصحاب إمامنا الشَّافعيِّ رضي الله تعالى عنه أخذ عنه ورحل معه إلى مصر، فلمَّا مات الشَّافعيُّ؛ رجع إلى مكَّة، وهو أفقه قرشيٍّ مكِّيٍّ، أخذ عنه البخاريُّ _وقِيلَ: ولذا قدَّمه_ المُتوفَّى سنة تسع عشرة ومئتين، وليس هو أبا عبد الله محمَّد بن أبي نصرٍ فتوح الحميديَّ، صاحب «الجمع بين الصَّحيحين»، ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ)) كما في «الفرع» كـ: «أصله» (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ابن عُيَيْنة المكِّيُّ التَّابعيُّ [1] الجليل، أحد مشايخ الشَّافعيِّ، والمشارك لإمام دار الهجرة مالكٍ في أكثر شيوخه، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: ((عن سفيان)) (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هو ابن قيسٍ (الأَنْصَارِيُّ) المدنيُّ التَّابعيُّ المشهور قاضي المدينة، المتوفَّى سنة ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ، ولأبي ذَرٍّ: ((عن يحيى)) بدل قوله: «حدَّثنا يحيى» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) _بالإفراد_ وهو _عند غير المؤلِّف كقومٍ_ لمِا قرأه بنفسه على الشَّيخ وحده (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن الحارث (التَّيْمِيُّ)؛ نسبةً إلى تيم قريشٍ، المتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ، (أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ) أبا واقدٍ _بالقاف_ (ابْنَ وَقَّاصٍ) بتشديد القاف (اللَّيْثِيَّ) بالمثلَّثة نسبةً إلى ليث بن بكرٍ، وذكره ابن منده في الصَّحابة، وغيره في التَّابعين، المُتوفَّى بالمدينة أيَّام عبد الملك بن مروان، (يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ابن نُفَيلٍ _بضمِّ النُّون، وفتح الفاء_، المتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين (رضي الله عنه)؛ أي: [/ج1ص51/] سمعت كلامه حال كونه (عَلَى الْمِنْبَرِ) النَّبويِّ المدنيِّ، فـ: «أل» فيه للعهد؛ وهو بكسر الميم؛ من النَّبرة: وهي الارتفاع؛ أي: سمعته حال كونه (قَالَ)، ولأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((يقول)) (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: سمعت كلامه حال كونه (يَقُولُ)، فـ: «يقول»: في موضع نصبٍ حالًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ «سمعت» لا يتعدَّى إلى مفعولين، فهي حالٌ مبيِّنةٌ للمحذوف المقدَّر بكلامٍ؛ لأنَّ الذَّات لا تُسمَع، وقال الأخفش: إذا عُلِّقت «سمعت» بغير مسموعٍ كـ: «سمعت زيدًا يقول»؛ فهي متعدِّيةٌ لمفعولين، الثَّاني منهما جملة «يقول»، واختاره الفارسيُّ، وعُورِض: بأنَ (سمعت) لو كان يتعدَّى إلى مفعولين؛ لكان إمَّا من باب «أعطيت»، أو «ظننت»، ولا جائزٌ أن يكون من باب (أعطيت)؛ لأنَّ ثانيَ مفعوليه لا يكون جملةً، ولا مُخبرًا به عن الأوَّل، و(سمعت) بخلاف ذلك، ولا جائزٌ أن يكون من باب (ظننت)؛ لصحَّة قولك: سمعت كلام زيدٍ، فتعدِّيه إلى واحدٍ، ولا ثالث للبابين، وقد بطلا، فتعيَّن القول الأوَّل، وأُجيب: بأنَّ أفعال التَّصيير ليست من البابين، وقد أُلحِقت بهما، وأيضًا من أثبت ما ليس من البابين مثبِتٌ لما لا مانع منه، فقد ألحق بعضهم بما ينصب مفعولين «ضرب» مع المَثَل؛ نحو: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا} [النحل: 75] ، وألحق بعضهم رأى الحلُميَّة؛ نحو قوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36] ، وأتى بـ: «يقول» المضارع في رواية من ذكرها بعد «سمع» الماضي، إمَّا حكايةً لحال وقت السَّماع، أو لإحضار ذلك في ذهن السَّامعين تحقيقًا وتأكيدًا له، وإلَّا؛ فالأصل أن يُقال: «قال»، كما في الرِّواية الأخرى؛ ليطابق «سمعت».

(إِنَّمَا الأَعْمَالُ) البدنيَّة؛ أقوالها وأفعالها، فرضها ونفلها، قليلها وكثيرها، الصَّادرة [2] من المكلَّفين المؤمنين، صحيحةٌ أو مُجزِئةٌ (بِالنِّيَّاتِ)، قِيلَ: وقدَّره الحنفيَّة: إنَّما الأعمال كاملةٌ، والأَوَّل أَوْلى؛ لأنَّ الصِّحَّة أكثرُ لزومًا للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أَوْلَى؛ لأنَّ ما كان ألزم للشَّيء؛ كان أقرب خطورًا بالبال عند إطلاق اللَّفظ، وهذا يوهم أنَّهم لا يشترطون النِّيَّة في العبادات، وليس كذلك، فإنَّ الخلاف ليس إلَّا في الوسائل، أمَّا المقاصد؛ فلا اختلاف في اشتراط النِّيَّة فيها، ومن ثمَّ لم يشترطوها في الوضوء؛ لأنَّه مقصودٌ لغيره لا لذاته، فكيفما حصل؛ حصل المقصود، وصار كستر العورة وباقي شروط الصَّلاة التي لا تفتقر إلى نيَّةٍ، وإنمَّا احتيج في الحديث إلى التَّقدير؛ لأنَّه لابدَّ للجارِّ من متعلِّق محذوفٍ هنا، هو الخبر في الحقيقة على الأصحِّ، فينبغي أن يجعل المقدَّر أوَّلًا في ضمن الخبر، فيُستغنَى عن إضمار شيءٍ في الأوَّل؛ لئلَّا يصير في الكلام حذفان: حذف المبتدأ أوَّلًا، وحذف الخبر ثانيًا، وتقديره: إنَّما صحَّة الأعمال كائنةٌ بالنِّيَّات، لكن قال البرماويُّ: يعارضه أنَّ الخبر يصير كونًا خاصًّا، وإذا قدَّرنا إنَّما صحة الأعمال كائنةٌ بالنيَّات؛ كان كونًا مطلقًا، وحذف الكون المُطلَق أكثر من الكون الخاصِّ، بل يمتنع إذا لم يدلَّ عليه دليلٌ، وحذف المضاف كثيرٌ أيضًا، فارتكاب حذفين بكثرةٍ وقياسٍ أَوْلَى من حذف واحدٍ بقلَّةٍ وشذوذٍ، وهو الوجه المرضيُّ، ويشهد لذلك: ما قرَّروه في حذف خبر المبتدأ بعد «لولا» في الكون العامِّ والخاصِّ، ومنهم من جعل المقدَّر «القَبول»؛ أي: إنَّما قَبول الأعمال، لكن تردَّد في أنَّ القَبول ينفكُّ عن الصِّحَّة أم لا؟ فعلى الأوَّل: هو كتقدير الكمال، وعلى الثَّاني: كتقدير الصِّحَّة، ومنهم من قال: لا حاجة إلى إضمار محذوفٍ من الصِّحَّة أو الكمال أو نحوهما؛ إذ الإضمار خلاف الأصل، وإنَّما المراد حقيقة العمل الشَّرعيِّ، فلا يحتاج حينئذٍ إلى إضمارٍ.

و«النِّيَّات» بتشديد الياء: جمع نيَّةٍ؛ من نَوَى ينوِي، من باب ضرَب يضرِب؛ وهي لغةً: القصد، وقِيلَ: هي من النَّوى؛ بمعنى: البُعْد، فكأنّ النَّاوي للشَّيء يطلب بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظَّاهرة؛ لبُعْده عنه، فجُعِلَت النِّيَّة وسيلةً إلى بلوغه، وشرعًا: قصد الشَّيء مقترنًا بفعله، فإن تراخى عنه؛ كان عزمًا، أو يُقال: قصد الفعل ابتغاء وجه الله تعالى وامتثالًا لأمره، وهي هنا محمولةٌ على معناها اللُّغويِّ؛ ليطابق ما بعده من التَّقسيم، والتَّقييد بالمكلَّفين المؤمنين يخرِج أعمال الكفَّار؛ لأنَّ المراد بالأعمال أعمال العبادة، وهي لا تصحُّ من الكافر، وإن كان مُخاطَبًا بها مُعاقَبًا على تركها، وجُمِعَت النِّيَّة في هذه الرِّواية باعتبار تنوُّعها؛ لأنَّ [/ج1ص52/] المصدر لا يجمع إلَّا باعتبار تنوُّعه، أو باعتبار مقاصد النَّاوي؛ كقصده تعالى، أو تحصيل موعوده، أو اتِّقاء وعيده. وليس المراد نفي ذات العمل؛ لأنَّه حاصلٌ بغير نيَّةٍ، وإنَّما المراد: نفي صحَّته أو كماله على اختلاف التَّقديرين، وفي معظم الرِّوايات: «النية» [خ¦54] بالإفراد على الأصل؛ لاتِّحاد محلِّها وهو القلب، كما أنَّ مرجعُها واحدٌ، وهو الإخلاص للواحد الذي لا شريك له، فناسب إفرادها، بخلاف الأعمال؛ فإنَّها متعلِّقةٌ بالظَّواهر، وهي متعدِّدَةٌ، فناسب جمعها، وفي «صحيح ابن حبَّان»: «الأعمال بالنِّيَّات»؛ بحذف «إنَّما»، وجمع «الأعمال والنِّيَّات»، وفي كتاب «الإيمان» من «صحيح البخاري» من رواية مالكٍ عن يحيى: «الأعمال بالنِّيَّة» [خ¦54] ، وفيه أيضًا في «النِّكاح»: «العمل بالنِّيَّة» [خ¦5070] بالإفراد فيهما، والتَّركيب في كلِّها يفيد الحصر باتِّفاق المحقِّقين؛ لأنَّ «الأعمال» جمعٌ محلًّى بالألف واللَّام مفيدٌ للاستغراق، وهو مستلزمٌ للحصر؛ لأنَّه من حصر المبتدأ في الخبر، ويعبِّر عنه البيانيُّون بقصر الموصوف على الصِّفة، وربَّما قِيلَ: قصر المُسنَد إليه على المُسنَد، والمعنى: كلُّ عملٍ بنيَّةٍ، فلا عمل إلَّا بنيَّةٍ.

واختُلِف في: «إنَّما»، هل تفيد الحصر أم لا؟ فقال الشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازيُّ والغزاليُّ والكيا الهراسيُّ والإمام فخر الدِّين: تفيد الحصر المشتمل على نفي الحكم عن غير المذكور؛ نحو: إنَّما قائمٌ زيدٌ؛ أي: لا عمرٌو، أو نفي غير الحكم عن المذكور؛ نحو: إنَّما زيدٌ قائمٌ؛ أي: لا قاعدٌ. وهل تفيده بالمنطوق أو بالمفهوم؟ قال البرماويُّ في «شرح ألفيَّته»: الصَّحيح أنَّه بالمنطوق؛ لأنَّه لو قال: ما له عليَّ إلَّا دينارٌ؛ كان إقرارًا بالدِّينار، ولو كان مفهومًا؛ لم يكن مقرًّا؛ لعدم اعتبار المفهوم بالأقارير انتهى. وممَّن صرَّح بأنَّه منطوقٌ أبو الحسين بن القطَّان، والشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازيُّ، والغزاليُّ، بل نقله البلقينيُّ عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلَّا اليسير، كالآمديِّ، قال في «اللَّامع» [3] : وقِيلَ: الحصر من عموم المبتدأ باللَّام وخصوص خبره، على حدِّ: صديقي زيدٌ؛ لعموم المضاف إلى المُفرَد وخصوص خبره، ففي الرِّواية الأخرى كما سبق بدون «إنَّما»، فالتَّقدير: كلُّ الأعمال بالنِّيَّات؛ إذ لو كان عملٌ بلا نيَّةٍ؛ لم تصدق هذه الكليَّة، وأصل إنَّما: إنَّ التَّوكيديَّة، دخلت عليها «ما» الكافَّة، وهي حرفٌ زائدٌ، خلافًا لمن زعم أنَّها «ما» النَّافية، ولا يرد على دعوى الحصر نحو: صوم رمضان بنيَّة قضاءٍ أو نذرٍ؛ حيث لم يقع له ما نوى؛ لعدم قابليَّة المحلِّ، والصَّرورة في الحجِّ ينويه للمستأجر، فلا يقع إلَّا للنَّاوي؛ لأنَّ نفس الحجِّ وقع، ولو كان لغير المنويِّ له. والفرق بينه وبين نيَّة القضاء أو النَّذر في رمضان حيث لا يصحُّ أصلًا؛ لأنَّ التَّعيين ليس بشرطٍ في الحجِّ، فيُحْرِم مُطلَقًا ثمَّ يصرفه إلى ما شاء؛ ولذا [4] : لو أحرم بنفله وعليه فرضٌ؛ انصرف للفرض لشدَّة اللُّزوم، فإذا لم يقبل ما أحرم به؛ انصرف إلى القابل. نعم؛ لو أحرم بالحجِّ قبل وقته انعقد عمرةً على الرَّاجح؛ لانصرافه إلى ما يقبل، وهذا بخلاف ما لو أحرم بالصَّلاة قبل وقتها عالمًا [5] ؛ لا تنعقد، وأمَّا إزالة النَّجاسة حيث لا تفتقر إلى نيَّةٍ؛ فلأنَّها من قبيل التَّروك [6] . نعم؛ تفتقر لحصول الثَّواب، كتارك الزِّنا إنَّما يُثاب بقصد أنَّه تركه امتثالًا للشَّرع، وكذلك نحو القراءة والأذان والذِّكر، لا يحتاج إلى نيَّةٍ لصراحتها، إلَّا لغرض الإثابة، وخروج هذا ونحوه عن اعتبار النِّيَّة فيها إمَّا بدليلٍ آخر، فهو من باب تخصيص العموم، أو لاستحالة دخولها؛ كالنِّيَّة ومعرفة الله تعالى، فإنَّ النِّيَّة فيهما مُحالٌ، أمَّا النِّيَّة؛ فلأنَّها لو توقَّفت على نيَّةٍ أخرى؛ لتوقَّفت الأخرى على أخرى، ولزم التَّسلسل أو الدَّور، وهما مُحالان، وأمَّا معرفة الله تعالى؛ فلأنَّها لو توقَّفت على النِّيَّة مع أنَّ النِّيَّة قصد المنويِّ بالقلب؛ لزم أن يكون عارفًا بالله تعالى قبل معرفته، وهو مُحالٌ.

و«الأعمال»: جمع عملٍ، وهو حركة البدن بكلِّه أو بعضه، وربَّما أُطلِقَ على حركة النَّفس، فعلى هذا يُقال: العمل: إحداث أمرٍ، قولًا كان أو فعلًا، بالجارحة أو بالقلب، لكن الأسبق إلى الفهم الاختصاص بفعل الجارحة، لا نحو النِّيَّة، قاله ابن دقيقٍ العيد، قال: ورأيت بعض المتأخِّرين من أهل الخلاف خصَّه بما لا يكون قولًا، قال: وفيه نظرٌ، ولو خُصِّص بذلك لفظ الفعل؛ لكان أقرب، من حيث استعمالهما متقابلين، فيُقال: الأقوال والأفعال، ولا تردُّد عندي في أنَّ الحديث يتناول الأقوال أيضًا ا ه، وتعقَّبه صاحب «جمع العدَّة»: بأنَّه إن أراد بقوله: ولا [/ج1ص53/] تردَّد عندي في أنَّ الحديث يتناول الأقوال أيضًا، باعتبار افتقارها إلى النِّيَّة، بناءً على أنَّ المراد إنَّما صحَّة الأعمال؛ فممنوعٌ، بل الأذان والقراءة ونحوهما تتأدَّى بلا نِيَّةٍ. وإن أراد باعتبار أنَّه يُثاب على ما ينوي منها ويكون كاملًا؛ فمُسلَّمٌ، لكنَّه مُخالِفٌ لما رجحه من تقدير الصِّحَّة.

فإن قلت: لِمَ عدل عن لفظ الأفعال إلى الأعمال؟ أجاب الخُوَيِّيُّ [7] : بأنَّ الفعل هو الذي يكون زمانه يسيرًا ولم يتكرَّر؛ قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] ، {وَتَبَيَّنَ لَكُم كَيفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} [إبراهيم: 45] حيث كان إهلاكهم في زمانٍ يسيرٍ، ولم يتكرَّر، بخلاف العمل؛ فإنَّه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديدٍ، بالاستمرار والتَّكرار، قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25] طلب منهم العمل الذي يدوم ويستمرُّ، ويتجدَّد كلَّ مرَّةٍ ويتكرَّر، لا نفس الفعل؛ قال تعالى: {فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61] ، ولم يقل: فليفعل الفاعلون، فالعمل أخصُّ، ومن ثمَّ قال: «الأعمال»، ولم يقل: الأفعال؛ لأنَّ ما يندر من الإنسان لا يكون بنيَّةٍ، لأنَّ كلَّ عملٍ تصحبه نيَّةٌ، وأمَّا العمل؛ فهو ما يدوم عليه الإنسان ويتكرَّر منه، فتعتبر النِّيَّة ا ه. فليُتأمَّل، و«الباء» في«بالنِّيَّات» تحتمل المصاحبة والسَّببيَّة؛ أي: الأعمال ثابتٌ ثوابها بسبب النِّيَّات، ويظهر أثر ذلك في أنَّ النِّيَّة شرطٌ أو ركنٌ، والأشبه عند الغزاليِّ أنَّها شرطٌ؛ لأنَّ النِّيَّة في الصَّلاة مَثَلًا تتعلَّق بها، فتكون خارجةً عنها، وإلَّا؛ لكانت متعلِّقةً بنفسها، ولافتقرت إلى نيَّةٍ أخرى، والأظهر عند الأكثرين: أنَّها من الأركان، والسَّببيَّة صادقةٌ مع الشَّرطيَّة، وهو واضحٌ؛ لتوقُّف المشروط على الشَّرط، ومع الرُّكنيَّة؛ لأنَّ بترك جزءٍ من الماهيَّة تنتفي الماهيَّة، والحقُّ: أنَّ إيجادها ذكرًا في أوَّله ركنٌ، واستصحابها حكمًا بأن تعرى عن المنافي شرطٌ؛ كإسلام النَّاوي وتمييزه وعلمه بالمنويِّ، وحكمها: الوجوب، ومحلُّها: القلب، فلا يكفي النُّطق مع الغفلة. نعم؛ يُستَحبُّ النُّطق بها؛ ليساعد اللِّسانُ القلبَ، ولئن سلَّمنا أنَّه لم يُرْوَ عنه صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحدٍ من أصحابه [8] النُّطق بها؛ لكنَّا نجزم بأنَّه عليه الصلاة والسلام نطق بها؛ لأنَّه لا شكَّ أنَّ الوضوء المنويَّ مع النُّطق به أفضلُ، والعلم الضَّروري حاصلٌ بأنَّ أفضل الخلق لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أنَّه أتى بالوضوء المنويِّ مع النُّطق، ولم يثبت عندنا أنَّه أتى بالوضوء العاري عنه، والشَّكُّ لا يعارض اليقين، فثبت أنَّه أتى بالوضوء المنويِّ مع النُّطق، والمقصود بها: تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز رتبها، ووقتها: أوَّل الفرض؛ كأوَّل غسل جزءٍ من الوجه في الوضوء، فلو نوى في أثناء غسل الوجه؛ كَفَتْ، ووجب إعادة المغسول منه قبلها، وإنَّما لم يوجبوا المقارنة في الصَّوم؛ لعسر مراقبة الفجر. وشرط النِّيَّة: الجزم؛ فلو توضَّأ الشَّاكُّ بعد وضوئه في الحدث احتياطًا فبان محدثًا؛ لم يجزه؛ للتَّردُّد في النِّيَّة بلا ضرورةٍ، بخلاف ما إذا لم يَبِنْ محدثًا؛ فإنَّه يجزيه للضَّرورة، وإنَّما صحَّ وضوء الشَّاكِّ في طهره بعد تيقُّن حدثه مع التَّردُّد؛ لأنَّ الأصل بقاء الحدث، بل لو نوى في هذه إن كان محدثًا؛ فعن حدثه، وإلَّا؛ فتجديدٌ؛ صحَّ أيضًا، وإن تذكَّر. نقله النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» عن البغوي، وأقرَّه.

(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ) _بكسر الرَّاء_ لكلِّ رجلٍ (مَا نَوَى)؛ أي: الذي نواه أو نيَّته، وكذا لكلِّ امرأةٍ ما نوت؛ لأنَّ النَّساء شقائق الرِّجال، وفي «القاموس»: والمرء: مثلَّثةُ [9] الميم: الإنسان أو الرَّجل، وعلى القول: بأنَّ «إنَّما» للحصر، فهو هنا من حصر الخبر في المبتدأ، ويُقال: قصر الصِّفة على الموصوف؛ لأنَّ المقصور عليه في «إنَّما» دائمًا المؤخَّرُ، ورتَّبوا هذه على السَّابقة بتقديم الخبر، وهو يفيد الحصر كما تقرَّر [10] ، واستُشكِل: الإتيان بهذه الجملة بعد السَّابقة لاتِّحاد الجملتين، فقِيلَ: تقديره: وإنَّما لكلِّ امرئٍ ثوابُ ما نوى، فتكون الأولى قد نبَّهت على أنَّ الأعمال لا تصير مُعتَبرةً إلَّا بنيَّةٍ، والثَّانية: على أنَّ العامل يكون له ثواب العمل على مقدار نيَّته، ولهذا أخِّرَت عن الأولى لترتُّبها عليها، وتُعقِّب: بأنَّ الأعمال حاصلةٌ بثوابها للعامل لا لغيره، فهي عين معنى الجملة الأولى [11] ، وقال ابن عبد السَّلام: معنى الثَّانية: حصر ثواب الإجزاء [12] المرتَّب على العمل لعامله، ومعنى الأولى: صحَّة الحكم وإجزاؤه، ولا يلزم منه ثوابٌ، فقد يصحُّ العمل، ولا ثواب عليه؛ كالصَّلاة في المغصوب ونحوه على أرجح المذاهب، وعُورِض: بأنَّه [/ج1ص54/] يقتضي أنَّ العمل له نيَّتان: نيَّةٌ بها يصحُّ في الدُّنيا ويحصل الاكتفاء به، ونيَّةٌ بها يحصل الثَّواب في الآخرة، إلَّا أن يقدِّر في ذلك وصف النِّيَّة: إن لم يحصل؛ صحَّ ولا ثواب، وإن حصل؛ صحَّ وحصل الثَّواب، فيزول الإشكال، وقِيلَ: إنَّ الثَّانية تفيد اشتراط تعيين المنويِّ، فلا يكفي في الصَّلاة نيَّتُها من غير تعيينٍ، بل لابدَّ من تمييزها [13] بالظُّهر أو العصر مثلًا، وقِيلَ: إنَّها تفيد منع الاستنابة في النِّيَّة؛ لأنَّ الجملة الأولى لا تقتضي منعها، بخلاف الثَّانية، وتُعقِّب: بنحو نيَّة وليِّ الصبيِّ في الحجِّ، فإنَّها صحيحةٌ، وكحجِّ الإنسان عن غيره، وكالتَّوكيل في تفرقة الزَّكاة، وأُجِيب: بأنَّ ذلك واقعٌ على خلاف الأصل في الوضع [14] ، وذهب القرطبيُّ إلى أنَّ الجملة اللَّاحقة مؤكِّدةٌ للسَّابقة، فيكون ذكر الحكم بالأولى، وأكَّده بالثَّانية؛ تنبيهًا على سرِّ الإخلاص، وتحذيرًا من الرِّياء المانع من الإخلاص، وقد عُلِمَ أنَّ الطَّاعات في أصل صحَّتها وتضاعفها مرتبطةٌ بالنِّيَّات، وبها تُرفَع إلى خالق البريَّات.

(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا) جملةٌ في موضع [15] جرٍّ صفةٌ لـ: «دنيا»؛ أي: يحصِّلها نيَّةً وقصدًا (أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ) ولأبي ذرٍّ ((أو امرأةٍ)) (يَنْكِحُهَا)؛ أي: يتزوَّجها، كما في الرِّواية الأخرى؛ (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) من الدُّنيا والمرأة، والجملة جواب الشَّرط في قوله: «فمَنْ»، قال ابن دقيقٍ العيد: في قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله»؛ أي: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيَّةً وقصدًا؛ فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا، ونحو هذا في التَّقدير قوله: «فمن كانت هجرته إلى دنيا....» إلى آخره؛ لئلَّا يتَّحد الشَّرط والجزاء، ولابدَّ من تغايرهما، فلا يُقال: من أطاع الله؛ أطاع الله، وإنَّما يقال: من أطاع الله؛ نجا، وهنا وقع الاتِّحاد، فاحتيج إلى التَّقدير المذكور، وعُورِض: بأنَّه ضعيفٌ من جهة العربية؛ لأنَّ الحال المبيِّنة لا تُحذَف بلا دليلٍ، ومن ثمَّ منع بعضهم تعلُّق الباء في «بسم الله» بحالٍ محذوفةٍ؛ أي: أبتدئ متبرِّكًا، قال: لأنَّ حذف الحال لا يجوز، وأجاب البدر الدَّمامينيُّ منتصرًا لابن دقيقٍ العيد: بأنَّ ظاهرَ نصوصهم جوازُ الحذف، قال: ويؤيِّده أنَّ الحال خبرٌ في المعنى أو صفةٌ، وكلاهما يسوغ حذفه لا لدليلٍ [16] ، فلا مانع في الحال أن تكون كذلك. ا ه، وقِيلَ: لأنَّ التَّغاير يقع تارةً باللَّفظ، وهو الأكثر، وتارةً بالمعنى، ويُفهَم ذلك من السِّياق؛ كقوله تعالى: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا} [الفرقان: 71] ؛ أي: مرضيًّا عند الله، ماحيًا للعقاب، محصِّلًا للثَّواب، فهو مؤوَّلٌ على إرادة المعهود المستقرِّ في النَّفس؛ كقولهم: أنت أنت؛ أي: الصَّديق، وقوله: [من الرَّجز]

أنا أبو النَّجم وشعري شعري

وقال بعضهم: إذا اتَّحد لفظ المبتدأ والخبر أو الشَّرط والجزاء؛ عُلِمَ منهما المبالغة، إمَّا في التَّعظيم؛ كقوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله»، وإمَّا في التَّحقير؛ كقوله: «فمن كانت هجرته إلى دنيا...» إلى آخره، وقِيلَ: الخبر في الثَّاني محذوفٌ، والتَّقدير: فهجرتُه _إلى ما هاجر إليه من الدُّنيا والمرأة_ قبيحةٌ غير صحيحةٍ، أو غير مقبولةٍ، ولا نصيب له في الآخرة، وتُعقِّب: بأنَّه يقتضي أن تكون الهجرة مذمومةً مُطلَقًا، وليس كذلك؛ فإنَّ من ينوي بهجرته مفارقة دار الكفر وتزويج المرأة معًا؛ لا تكون قبيحةً ولا غير صحيحةٍ، بل ناقصةً بالنِّسبة إلى من كانت هجرته خالصة، وإنَّما أشعرَ السِّياق بذمِّ من فعل ذلك بالنِّسبة إلى من طلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة، فأمَّا من طلبها مضمومةً إلى الهجرة؛ فإنَّه يُثَاب على قصده الهجرةَ، لكن دون ثواب مَنْ أخلص، وقد اشتُهِر أنَّ سبب هذا الحديث قصَّة مهاجر أمِّ قيسٍ المرويَّة [17] في «المعجم الكبير» للطَّبراني بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ من رواية الأعمش، ولفظه عن أبي وائلٍ عن ابن مسعودٍ قال: كان فينا رجلٌ خطب امرأةً يُقال لها: أمُّ قيسٍ، فأبت أن تتزوَّجه حتَّى يهاجرَ، فهاجر فتزوَّجها، قال: فكنَّا نسمِّيه مهاجر أمِّ قيسٍ، ولم يقف ابن رجب على من خرَّجه، فقال في شرحه «الأربعين» للنَّووي: وقد ذكر ذلك كثيرٌ من المتأخِّرين في كتبهم، ولم نَرَ له أصلًا بإسنادٍ يصحُّ. وذكر أبو الخطَّاب ابن دحية: أنَّ اسم المرأة قَيْلَة، وأمَّا الرَّجل فلم يسمِّه أحدٌ ممَّن صنَّف في الصَّحابة فيما رأيته، وهذا السَّبب، وإن كان خاصَّ المورد، لكن العبرة بعموم اللَّفظ، والتَّنصيص على المرأة من باب التَّنصيص على الخاصِّ [/ج1ص55/] بعد العامِّ للاهتمام؛ نحو: الملائكة وجبريل، وعُورِض: بأنَّ لفظ دنيا نكرةٌ، وهي لا تعمُّ في الإثبات، فلا يلزم دخول المرأة فيها، وأُجِيب: بأنَّها إذا كانت في سياق الشَّرط تعمُّ، ونكتة الاهتمام: الزِّيادة في التَّحذير؛ لأنَّ الافتتان بها أشدُّ، وإنَّما وقع الذَّمُّ هنا على مباحٍ، ولا ذمَّ فيه ولا مدحٌ؛ لكون فاعله أَبْطَنَ خلاف ما أظهر؛ إذ خروجه في الظَّاهر ليس لطلب الدُّنيا؛ لأنَّه إنَّما خرج في صورة طلب فضيلة الهجرة، و«الهجرة» بكسر الهاء: التَّرك، والمراد هنا: مَنْ هاجر من مكَّة إلى المدينة قَبْل فتح مكَّة، فلا هجرة بعد الفتح، «لكن جهادٌ ونيَّةٌ»، كما قال عليه الصلاة والسلام، نعم؛ حكمها من دار الكفر إلى دار الإسلام مستمرٌّ، وفي الحقيقة هي: مفارقة ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبُّه، وفي الحديث: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، و«دُنيا»؛ بضمِّ الدَّال مقصورةٌ غير منوَّنةٍ للتَّأنيث والعلميَّة، وقد تُكسَر وتُنوَّن، وحُكِيَ عن الكُشْمِيهَنِيِّ فأُنكِر عليه، وأنَّه لا يعرف في اللُّغة التَّنوين، ولم يكن الكُشْمِيهَنِيُّ ممَّن يُرجَع إليه في ذلك [18] ا ه. والصَّحيح جوازه، قال في «القاموس»: والدُّنيا نقيض الآخرة، وقد تُنوَّن، وجمعها دُنَى ا ه، واستدلُّوا له بقوله: [من البسيط]

~ إنِّي مقسِّمٌ ما ملكت فجاعلٌ أجرًا [19] لآخرتي ودنيا تنفع

فإنَّ ابن الأعرابيِّ أنشده منوَّنًا، وليس بضرورةٍ كما لا يخفى، و«الدُّنيا»: «فُعْلَى» من الدُّنوِّ؛ وهو القرب، سمِّيت بذلك؛ لسبقها للأخرى، وهي ما على الأرض من الجوِّ والهواء، أو هي كلُّ المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدَّار الآخرة، أو لدنوِّها من الزَّوال، ووقع في رواية الحُمَيْدِيِّ هذه حذف أحد وجهي التَّقسيم؛ وهو قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله» إلى آخره. وقد ذكره البخاريُّ من غير طريق الحُمَيْدِيِّ، فقال ابن العربيِّ: لا عذر للبخاريِّ في إسقاطه؛ لأنَّ الحُمَيْدِيَّ رواه في «مُسنَده» على التَّمام، قال: وقد ذكر قومٌ أنَّه لعلَّه استملاه من حفظ الحُمَيْدِيِّ، فحدَّثه هكذا، فحدَّث عنه كما سمع، أو حدَّثه به تامًّا، فسقط من حفظ البخاريِّ، قال: وهو أمرٌ مُستبعَد جدًّا عند من اطَّلع على أحوال القوم، وجاء من طريق بشر بن موسى، وصحيح أبي عوانة، ومُستخرَجي أبي نعيمٍ على الصَّحيحين من طريق الحُمَيْدِيِّ تامًّا، ولعلَّ المؤلِّف إنَّما اختار الابتداء بهذا السِّياق النَّاقص ميلًا إلى جواز الاختصار من الحديث، ولو من أثنائه، كما هو الرَّاجح، وقِيلَ غير ذلك.

وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال أبو داود: يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث: «الأعمال بالنِّيَّة [20] »، و«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» و«لا يكون المؤمن مؤمنًا حتَّى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه»، و«الحلال بيِّن والحرام بيِّن»، وذكر غيرُه غيرَها. وقال الشَّافعيُّ وأحمد: إنَّه [21] يدخل فيه ثلث العلم، قال البيهقيُّ: إذ كَسْبُ العبد إمَّا بقلبه أو بلسانه أو ببقيَّة جوارحه، وعن الشَّافعيِّ أيضًا: أنَّه يدخل فيه نصف العلم، ووُجِّه: بأنَّ للدِّين ظاهرًا وباطنًا، والنِّيَّة متعلِّقةٌ بالباطن، والعمل هو الظَّاهر، وأيضًا فالنِّيَّة عبوديَّةُ القلب، والعمل عبوديَّة الجوارح، وقد زعم بعضهم: أنَّه متواترٌ، وليس كذلك؛ لأنَّ الصَّحيح أنَّه لم يروِه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا عمر رضي الله عنه، ولم يروِه عن عمر إلَّا علقمة، ولم يروِه عن علقمة إلَّا محمَّد بن إبراهيم، ولم يروِه عن محمَّد بن إبراهيم إلَّا يحيى بن سعيد الأنصاريُّ، وعنه انتشر، فقِيلَ: رواه عنه أكثر من مئتي راوٍ، وقِيلَ: سبع مئةٍ، من أعيانهم: مالكٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وابن المبارك واللَّيث بن سعدٍ وحمَّاد بن زيدٍ وسعيدٌ وابن عيينة، وقد ثبت عن أبي إسماعيل [22] الهرويِّ، الملقَّب بشيخ الإسلام أنَّه كتبه عن سبعمئة رجلٍ أيضًا من [23] أصحاب يحيى بن سعيدٍ، فهو مشهورٌ بالنِّسبة إلى آخره، غريبٌ بالنِّسبة إلى أوَّله. نعم؛ المشهور مُلحَقٌ بالمتواتر عند أهل الحديث، غير أنَّه يفيد العلم النَّظريَّ، إذا كانت طرقه متباينةً سالمةً من ضعف الرُّواة ومن التَّعليل. والمتواتر يفيد العلم الضَّروريَّ، ولا يُشترَط فيه عدالة ناقله، وبذلك افترقا. وقد تُوبِع علقمة والتَّيميُّ ويحيى بن سعيدٍ على روايتهم.

قال ابن منده: هذا الحديث رواه عن عمر غير علقمة: ابنه عبد الله وجابر وأبو جحيفة وعبد الله بن عامر بن ربيعة وذو الكلاع وعطاء بن يسار وناشرة بن سُمَيٍّ وواصل بن عمرو الجذاميُّ ومحمَّد بن المنكدر، [/ج1ص56/] ورواه عن علقمة غير التَّيميِّ سعيد بن المسيِّب ونافعٌ مولى ابن عمر، وتابع يحيى بن سعيدٍ على روايته عن التَّيميِّ محمَّدِ بن [إبراهيم] محمَّدُ بن علقمة أبو الحسن اللَّيثيُّ وداود بن أبي الفرات ومحمَّد بن إسحاق بن يسار وحجَّاج بن أرطأة وعبد ربِّه بن قيس الأنصاريُّ. ورواة إسناده هنا ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ يحيى ومحمَّدٍ التَّيميِّ، أو ثلاثةٌ إن قلنا: إنَّ علقمة تابعيٌّ، وهو قول الجمهور. وصحابيٌّ عن صحابيٍّ إن قلنا: إنَّ علقمة صحابيٌّ. وفيه الرِّواية بالتَّحديث والإخبار والسَّماع والعنعنة. وأخرجه المؤلِّف في «الإيمان» [خ¦54] ، و«العتق» [خ¦2529] ، و«الهجرة» [خ¦3898] ، و«النِّكاح» [خ¦5070] ، و«الأيمان والنُّذور» [خ¦6689] ، و«ترك الحيل» [خ¦6953] ، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه وأحمد والدَّارقطنيُّ وابن حبَّان والبيهقيُّ، ولم يخرجه مالكٌ في «موطَّئه»، وبقيَّة مباحثه تأتي _إن شاء الله تعالى_ في محالِّها.

وقد رواه من الصَّحابة غير عمر، قِيلَ: نحو عشرين صحابيًّا، فذكره الحافظ أبو يَعلى القزوينيُّ في كتابه «الإرشاد» من رواية مالكٍ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الأعمال بالنِّيَّة [24] »، ثمَّ قال: هذا حديثٌ غير محفوظٍ عن زيد بن أسلم بوجهٍ، فهذا ما أخطأ فيه الثِّقة. ورواه الدَّارقطنيُّ في أحاديث مالكٍ التي ليست في «الموطَّأ»، وقال: تفرَّد به عبد المجيد عن مالكٍ، ولا نعلم من حدَّث به عن عبد المجيد غير نوح بن حبيبٍ وإبراهيم بن محمَّدٍ العتقيِّ [25] ، وقال ابن منده في جمعه لطرق هذا الحديث: رواه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم غير عمر: سعد بن أبي وقَّاصٍ، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وعبد الله بن مسعودٍ، وأنسٌ، وابن عبَّاسٍ، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصَّامت، وعتبة بن عبد السّلميُّ، وهلال بن سويدٍ، وعقبة بن عامرٍ، وجابر بن عبد الله، وأبو ذَرٍّ، وعتبة بن النُّدَّر [26] ، وعقبة بن مسلمٍ، وعبد الله بن عمر ا ه، وقد اتُّفق على أنَّه لا يصحُّ مُسنَدًا إلَّا من رواية عمر، إشارةً إلى أنَّ من أراد الغنيمة؛ صحَّح العزيمة، ومن أراد المواهب السَّنيَّة؛ أخلص النِّيَّة، ومن أخلص الهجرة؛ ضاعف [27] الإخلاصُ أجرَه، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، إنَّما تُنال المطالب على قدر همَّة الطَّالب، إنَّما تُدرَك المقاصد على قدر عناء [28] القاصد، على قدر هِمَّة أهل العزم تأتي العزائم.

[1] كذا في النُّسخ.
[2] في (ص): «الكائنة».
[3] في (م): «اللوامع».
[4] في (د): «وكذا».
[5] في (ص): «عامدًا».
[6] في (ص): «المتروك».
[7] كذا في (ب) و(س)، وفي (د) و(م): «الجوينيُّ»، وفي (ص): «الخوبي»، ولعلَّ المثبت هو الرَّاجح، وهو نسبة إلى خوي بلدة في آذربيجان،
[8] في (م): «الصَّحابة».
[9] في (د) و(س): «مثلَّث» والمثبت موافق لما في «القاموس» مادة (مَرُؤَ).
[10] في (د): «تقدَّم».
[11] في (ص) و(م): «الثَّانية».
[12] في (ب) و(م): «الأجر».
[13] في (م): «تعيينها» والمعنى واحد.
[14] في (س): «المواضع».
[15] في (م): «محل».
[16] في (س): «بلا دليل».
[17] في غير (د) و(ص): «المرويَّة».
[18] في (م): «في اللُّغة».
[19] في (ب) و(س): «جزءًا».
[20] في (د): «بالنِّيَّات».
[21] «إنَّه»: ليس في (د).
[22] في (ص): «إسحاق»، وليس بصحيحٍ.
[23] في (م): «عن».
[24] في (د): «بالنِّيَّات».
[25] في (م): «الثقفي»، وليس بصحيحٍ.
[26] في النسخ جميعها: «المنذر»، وهو تابعيٌّ، فلعلَّه محرَّفٌ عن المثبت.
[27] في (ص): «صاحب».
[28] في (م): «عزمة».





1- ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيْدٍ ) هو من صغار التَّابعين.

( أَخْبَرَنِي محمَّد بْنُ إِبْرَاهِيْمَ ) هو من أوساطهم، ( أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ ) هو من كبارهم.

ففي الإسناد ثلاثة من التَّابعين في نسق.

قال ابن حجر: وفي «المعرفة» لابن منده ما ظاهره أنَّ علقمة صحابيٌّ، فإنَّ ثبت كان فيه تابعيَّان وصحابيَّان.

( سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخطَّاب عَلَى / الْمِنْبَرِ ): بكسر الميم، واللَّام للعهد، أي: منبر المسجد النَّبويِّ. [/ج1ص116/]

قيل: ولهذا أقام المصنَّف هذا الحديث مقام الخطبة للكتاب، لأنَّه إذا صلح أن يكون في خطبة المنبر صلح أن يكون في خطبة الكتاب.

( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم يَقُوْلُ ) ذهب الفارسيُّ إلى تعدِّي ( سمعت ) إلى مفعولين ثانيهما ممَّا يُسمع، نحو: سمعت زيدًا يقول كذا، فلا يجوز: سمعت زيدًا أخاك، والجمهور على منع ذلك، وأنَّ الثَّاني حال.

( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) هو من مقابلة الجمع بالجمع، أي: كلُّ عمل بنيَّته.

قال الخُوئيُّ: وكأنَّه أشار بذلك إلى أنَّ النِّيَّة تتنوَّع كما تتنوَّع الأعمال؛ كمن قصد بعمله وجه الله أو تحصيل موعده أو الاتِّقاء لوعيده. وفي معظم الرِّوايات بالنِّيَّة مفردًا؛ قيل: ووجهه أنَّ محلَّها القلب وهو [متَّجه] [1] فناسب إفرادها بخلاف الأعمال، فإنَّها متعلِّقة بالظَّواهر فناسب جمعها.

وفي «صحيح ابن حبَّان»: «الأعمال بالنِّيَّات» بحذف «إنَّما»، وعند البخاريِّ في النِّكاح: «العمل بالنِّيَّة»، [خ:5070] [/ج1ص117/]

[وعندي] [2] أنَّ ذلك من تغييرات الرُّواة.

والباء للمصاحبة وتحتمل السَّببيَّة ومتعلَّقها مقدَّر، قيل: تصحُّ، وقيل: تعتبر، وقيل: تكمل، وقيل: تستقرُّ، وقيل: الكون المطلق.

قال البُلْقينيُّ: وهو الأحسن.

واللَّام في ( الأعمال ) للجنس، وفي ( النِّيَّات ) بدل عن الضَّمير، أي: بنياتها.

والنِّيَّة بالتَّشديد من نوى بمعنى: قصد، والأصل: نويَّة، قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وتخفيفها لغة من وَنَى يني؛ أي: أبطأ؛ لأنَّ النِّيَّة تحتاج في تصحيحها إلى إبطاء.

( وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) قال الخطَّابُّي وغيره: أفادت هذه الجملة تعيين العمل بالنِّيَّة.

( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا ) كذا في جميع الأصول هنا بحذف أحد وجهي التَّقسيم، وهو قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» وهو من البخاريِّ؛ لأنَّ شيخه الحميديَّ رواه في «مسنده» تامًّا، ورواه عنه غير البخاريِّ كذلك.

والبخاريُّ اختصر الحديث كعادته: إمَّا من أثنائه وإمَّا من آخره؛ فإنَّ في رواية حمَّاد بن زيد في باب الهجرة تأخَّر قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله» عن قوله: «فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها»؛ فيحتمل أن تكون رواية الحميديِّ وقعت عند البخاريِّ كذلك، فحذف الجملة الأخيرة. [/ج1ص118/]

( دُنْيَا ) بضمِّ الدَّال - وحكى ابن قتيبة كسرها - فُعْلَى من الدُّنوِّ؛ أي: القرب لسبقها للآخرة، وقيل: لدنُّوِّها من الزَّوال، وهي ما على الأرض من الهواء والجوِّ، وقيل: كلُّ المخلوقات من الجواهر والأعراض، وتطلق على كلِّ جزء من ذلك مجازًا، ولفظها مقصور غير منوَّن، وحُكِيَ تنوينها، وعزاه ابن دحية إلى رواية الكُشْمِيهنيِّ وضعفها.

قال ابن مالك: واستعمال ( دنيا ) منكرًا فيه إشكال، لأنَّها مؤنَّث أدنى أفعل التَّفضيل، فحقُّه أن يستعمل باللَّام كالكبرى والحسنى، قال: إلَّا أنَّها خُلِعَتْ عنها الوصفيَّة وأجريت مُجرَى ما لم يكن وصفًا قط؛ كـ رجعى.

( يُصِيبُهَا ) أي: يحصِّلها؛ لأنَّ تحصيلها كإصابة الغرض بالسَّهم بجامع حصول المقصود.

( أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا ) قيل: التَّنصيص عليها من الخاصِّ بعد العامِّ للاهتمام به، وتعقبَّه النَّوويُّ بأنَّ دنيا نكرة، وهي لا تعمُّ في الإثبات، فلا يلزم دخول المرأة فيها.

وأجيب بأنَّها في سياق الشَّرط فتعمُّ، ونكتة الاهتمام بها الزِّيادة في التَّحذير؛ لأنَّ الافتتان بها أشدَّ.

وقيل: إنَّ الحديث ورد على سبب، وهو أنَّ رجلًا هاجر من مكَّة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة بل ليتزوَّج امرأة تُسمَّى أمَّ قيس، فلهذا خصَّ ذكر المرأة في الحديث، ذكره ابن دقيق العيد.

وقصَّة مهاجر أمِّ قيس رواه سعيد بن منصور في «سننه» بسند على شرط الشَّيخين عن ابن مسعود قال: «من هاجر يبتغي شيئًا فإنَّما له ذلك، هاجر رجل ليتزوَّج امرأة يقال لها أمُّ قيس فكان يقال مهاجر أمِّ قيس». [/ج1ص119/]

( فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ) أتى بالضَّمِّير ليتناول ما ذكر من المرأة وغيرها، وإنَّما جيء بالظَّاهر في الجملة المحذوفة في قوله: «فهجرته إلى الله ورسوله» لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله، وعِظَمِ شأنهما، بخلاف الدُّنيا والمرأة؛ فإنَّ السِّياق يشعر بالحث على الإعراض عنهما. [/ج1ص120/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (متحد) والمثبت من غيرها
[2] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (وغايته)





1/1# حدَّثنا خلف بن محمَّد، قال: حدَّثنا إبراهيم بن معقل، قال: حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قَالَ: أخبرنا يَحْيَىَ بنُ سَعِيدٍ الأنصاريُّ، قَالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ إبراهيمَ التَّيْمِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بنَ وقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ قال: سمعتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ عَلَى المِنْبَرِ، يقول: سمعتُ

@%ص6%

رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إِنَّما الأعمالُ بِالــنِّـــيَّـــاتِ، وإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَىَ، فَمَنْ كانتْ هِجْرَتُهُ إِلىَ دُنْيا يُصِيبُها أو إلى [1] امْرأَةٍ يَنْكِحُها [2] ، فَهِجْرَتُهُ إِلىَ ما هاجَرَ إليهِ».

قال أبو سليمان [3] _ رحمه الله _ هكذا وقع في رواية إبراهيم بن معقل عنه مخروماً [4] ، قد ذهب شَطْره، ورجعتُ إلى نسخ أصحابنا فوجدتها كلَّها ناقصة، لم يُذكر فيها قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله».

وكذلك وجدتُه في رواية الفِربريِّ أيضاً، فلست أدري كيف وقع هذا [5] الإغفال، ومن جهة مَنْ عرضَ من رُواته؟

وقد ذكره محمَّد بن إسماعيل في هذا الكتاب في غير موضع من غير طريق الحميديِّ، فجاء به مُستوفىً [6] ، رواه [7] عن أبي النعمان محمَّد بن الفضل، عن حمَّاد بن زيد، عن يحيى بن سعيد [خ¦ 6953] ، ورواه أيضاً عن قتيبة، عن عبد الوهَّاب عن يحيى بن سعيد [8] [خ¦ 6689] ، فما خَرَم منه شيئاً [9] .

ولست أشكُّ في أنَّ ذلك لم يقع من جهة الحميديِّ، فقد رواه لنا الأثباتُ من طريق الحميديِّ، تامّاً غير ناقص.

أخبرنا ابن الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن [10] أبي مَسَرَّة قال: حدَّثنا الحميديُّ. (ح) [11] وحدَّثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك الرازيُّ، قال: حدَّثنا بشر بن موسى، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال: حدَّثنا سفيان، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد [12] ، قال: حدَّثنا محمَّد بن إبراهيم التيميُّ: أنَّه سمع علقمة بن وقَّاص الليثيَّ، قال: سمعت عمر بن الخطَّاب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله [13] فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت [14] هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوَّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» اللفظ للرازيِّ.

فهذا رواية الحميديِّ عن سفيان تامَّة غير ناقصة كما ترى، والله أعلم من أين عرض التقصير فيه.

ولا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في أنَّ هذا الخبر لم يصحَّ [15] مسنداً عن النبي صلى الله عليه وسلم إلَّا من رواية عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وقد غَلِط بعض الرواة، فرواه من طريق أبي سعيد

@%ص7%

الخدريِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم [16] .

حدَّثناه إبراهيم بن فراس، قال: حدَّثنا موسى بن هارون، قال: حدَّثنا نوح بن حبيب، قال: حدَّثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد، قال: حدَّثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريِّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّما الأعمال بالنيَّة، ولكلِّ امرئ ما نوى.» فذكر نحواً من حديث عمر رضي الله عنه ، وهذا عند أهل المعرفة بالحديث مقلوبٌ، وإنَّما هو إسناد حديث آخر أُلْصِقَ به هذا المتن.

ويقال: إنَّ الغلط إنَّما جاء فيه من قبل نوح بن حبيب البَذَشي.

وهذا الحديث أصلٌ كبيرٌ من أصول الدين، ويدخل في أحكامٍ كثيرةٍ.

ومعنى النيَّة: قصدك الشيءَ بقلبك [17] ، وتحرِّي الطلب منك له، وقيل: هي عزيمة القلب. وقال بعض أهل اللغة: أصل النيَّة: الطلب، ويقال: لي عند فلان نيَّةٌ ونَواةٌ؛ أي: طَلِبَةٌ وحاجةٌ، وأنشد لكُثيِّر:

~وإنَّ الذي يَنوي من المال أهلُها أواركُ [18] لمَّا تَأْتلف وعَوادِي [19]

يريد: ما يطلبونه من المهر.

وقوله: (إنَّما الأعمال بالنيَّات) لم يُرد به أعيانَ الأعمال؛ لأنَّها حاصلةٌ حِسّاً وعياناً بغير نيَّة، وإنَّما معناه: أنَّ صِحَّةَ أحكام الأعمال في حقِّ الدِّين إنَّما تقع بالنيَّة، وأنَّ النيَّات هي الفاصلة بين ما يصحُّ منها وبين ما لا يصحُّ.

وكلمة «إنما» [20] عاملة بركنيها إيجاباً ونفياً، فهي تُثبت الشيء وتنفي ما عداه، فدلالتها: أنَّ العبادة إذا صحبتها النيَّة صحَّت، وإذا [21] لم تصحبها لم تصحَّ.

ومقتضى حقِّ العموم منها يوجب أن لا يصحَّ عملٌ من الأعمال الدينيَّة، أقوالِها وأفعالِها إلَّا بنيَّة، دخل فيها التوحيد الذي هو رأس أعمال الدِّين، فلا يصحُّ القولُ بالتوحيد إلَّا بمعرفةٍ وقَصْدِ إخلاصٍ فيه، وكذلك سائر أعمال الدين من الصلاة والزكاة والصيام والوضوء بالماء والتيمُّم بالتراب.

فلو أنَّ رجلاً غسل أعضاء الوضوء من بدنه تَبرُّداً أو تَنَظُّفاً لم يُجْزِه أن يصلِّيَ بذلك حتَّى ينوي بالوضوء رَفْعَ الحدث، وكذلك لو فعله يُريد به تعليمَ غيره [22] الوضوءَ، ومثل ذلك لو انغمس

@%ص8%

في نهر ليتعلَّم سباحةً أو يصطادَ [23] سمكاً، أو يستخرجَ من قعره شيئاً، أو ليأخذَ [24] ما يطفو على متنه من غُثاءٍ [25] وحطبٍ في نحو ذلك، لم يجز [26] أن يصلِّيَ بشيء منها حتَّى يكونَ قَصدُه بمسِّ الماء نوعاً من العبادة التي لا تجزي إلَّا بطهارة، ويدخل في عمومه [27] : فرضُ الأعمال ونفلُها، وقليلُها وكثيرُها.

وقوله: (وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى) تفصيلٌ لبيان ما تقدَّم ذكرهُ وتأكيد له، وفيه معنىً خاصٌّ لا يُستفاد من الفصل الأوَّل، وهو إيجابُ تعيين النيَّة للعمل الذي يُباشره، فلو نوى رجلٌ أن يُصلِّيَ أربع ركعات عن فرضه أجزأته [28] إن «كان» قد فاته [29] ، وإلَّا فهي تطوُّعٌ لم تُجْزه عن فرضه؛ لأنّه لم يُمحِّض [30] النيَّة له، ولم يعيِّنه بأن لا يُشرك معه غيره، وإنَّما دَاوَلَ في النيَّة بين الفرض وبدله، فلم تجد النيَّةُ قراراً. [31]

وكذلك هذا فيمن نوى في آخر ليالي شعبان أن يصومَ غداً عن فرض رمضان إنْ أَهَلَّ الهلال، وإلَّا فهو تطوُّعٌ، فصادف صومه الشهرَ لم يجزه عن فرضه.

وكذلك هذا فيمن فاتته صلاةٌ من الصلوات [32] الخمس، لا يعرفها بعينها، فإنَّ عليه أن يُصلِّيها كلَّها، ينوي كلَّ واحدة منها عن فرضه.

وقد زعم بعض من ينتسب [33] إلى مذهب الشافعيِّ _ رحمه الله _ أنَّه قد يمكنه استدراك الفائت من فرضه بأن يصلِّي أربع ركعات، يجهر في الأُولَيين [34] منها، ويقعد في الثانية ويَتَشَهَّد ويصلِّي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ يصلِّي الثالثة، ويقعد فيها ويتشهَّد، ويصلِّي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ يقوم إلى الرابعة، فيصلِّيها ويقعد للتشهُّد [35] والصلاة، ثمَّ يسلِّم، فتكون الثالثة [36] كزيادة ركعة بالشكِّ على الفريضة إن كان الفائت صُبْحاً، والرابعة كذلك زيادة ركعة بالشكِّ على فرضه إن كان مغرباً، ويكون تمام الأربع عن سائر الفرائض أيَّتها فاتته.

وهذا لا يصحُّ عند أكثر أصحاب الشافعيِّ على مذهبه، ولكنَّه قد يتوجَّه على مذاهب [37] بعض فقهاء [38] العراق، فإنَّه قال [39] : إذا فاتته صلاةُ يوم وليلة صلَّى ركعتين للفجر [40] ، وثلاثاً للمغرب، وأربعاً تُجزئه عن أيَّتها كانت من الصلوات

@%ص9%

الثلاث، وذلك لأنَّه لم يُراع التعيين في الفائتة، وإنَّما راعَى الصفة فيها.

فأمَّا موضع النيَّات فإنَّها تختلف، منها ما تجب المحاذاة بها للعمل الذي يُنوى له كالصلاة والطهارة، ومنها ما يجوز تقديمها على العمل كالصيام، ومنها ما يتضمَّن النيَّة جملة أفعالٍ متفرِّقة [41] ، ينتظمها اسمٌ واحدٌ، فتنوب النيَّة الواحدة عنها كلِّها، وقد تتأخَّر نيَّةُ التعيين عن وقت إنشاء الإحرام [42] ، ثمَّ يصرفه إلى ما أحَبَّ من الحجِّ والعمرة، مُفرداً لكلِّ واحدة منهما [43] ، أو جامعاً بها بينهما.

وقد يقع في بعض الأعمال على إبهام، ثمَّ يقع التعيين لموضعها فيما بعد، كمن [44] عليه كفَّارتان من قَتْل نفسٍ وظهارٍ، وهو واجد للرقبة، فإذا أعتق رقبةً ولمَ تحضرهُ النيَّةُ عند العتق نواه فيما بعد لأيَّتهما شاء.

وعلى كلِّ [45] حال فلا ينفكُّ عملٌ من أعمال العبادات عن نيَّةٍ ما، ولا يقع شيء منها [46] _ مُحتَسَباً بها [47] في ذات الله _إلَّا بها، وإنَّما جاز التقديم والتأخير فيها لعللٍ [48] وأسباب ليس هذا موضع ذكرها.

وقد ذهب أحمد ابن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور [49] إلى أنَّ الحاجَّ إذا طافَ طوافَ الإفاضة، ولم ينوه عن الفرض لم يجزه، وجَوَّزه الشافعيُّ؛ لأنَّ النيَّة الأولى قد تضمَّنت جميعَ أفعال الحجِّ، وكذلك قال سفيان الثوريُّ وأصحاب الرأي.

وقال مالك بن أنس في الصَّرُورة [50] : إذا نوى الحجَّ عن غيره وقع عن المحجوج عنه.

واحتجَّ له بعضُ أصحابه بقوله صلى الله عليه وسلم : «إنَّما الأعمال بالنيَّات»، وهذا قد نواه عن زيد [51] ، فلا يقع عن عمرو [52] ، وقال: ولو كان الحجُّ واقعاً عن نفسه لحصل بلا نيَّة.

وقد خصت [53] النيَّةُ بأن لا صِحَّةَ لعمل من أعمال الدين [54] إلَّا بنيَّة، وممَّا يجب عليك [55] أن تُحكمه في هذا الباب تقدمة المعرفة بأمور منها:

أ- أن تعرف الشيء [56] الذي تَعَبَّدتَ به.

ب- وأن تعلم أنَّك مأمورٌ به.

ج- وأن تطلب مُوافقة الآمر فيما تعبَّدت به.

فإنك إذا لم تعلم صفةَ ما أُمِرتَ به لم [57] يتأتَّ لك فعلُه على الوجه الذي تُعبِّدتَ به، ومَنْ فعل المأمورَ به من غير أن يعرف أنَّه مأمورٌ به أو في جملة المأمورين به لم يكن في

@%ص10%

فعله مُطيعاً للآمر، ومن عرف الآمِرَ ثمَّ لم يقصد بفعله المأمور به موافقة الآمر لم يكن مُمتثلاً لأمره، وهذا جملةٌ من أمر عِلْم النيَّة، وما يدخل في معناها.

وقد يُستدلُّ من هذا الحديث في مواضعَ من أحكام المعاملات، وما يتَّصل بها ممَّا ليس من باب العبادات المَحْضة، منها: أن يستدلَّ به على أنَّه [58] مَنْ أُكْرِه على الكفر فتكلَّم به على التَّقِيَّة [59] ، وهو ينوي معنىً يخالف ظاهر القول الذي جرى على لسانه أنَّه لا يكفر به.

فكذلك من أُكرِه على يمين بظلم [60] ، أو أُكرهَ على طلاقٍ إذا أَلْحَدَ [61] في النيَّة إلى غير معنى فساد النكاح ونيَّته [62] ، كما ينوي أن تكونَ [63] طالقاً مِنْ وِثاقٍ أو نحوه، وقد يطلِّقها بلفظ من ألفاظ الكنايات يحتمل معنى وُقوع البينونة، فيكون ما نوى من العدد.

وقد رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لركانة حين طلَّق امرأته البتًّة: «كم أردتَ؟» [64]

ويدخل في هذا المعنى ما ينويه الإنسان في يمينه ممَّا يُخالفُ باطنُ معناه ظاهرَ الاسم، فيسقط عنه الحِنْثُ، كمن قال: والله ما رأيتُ زيداً. وهو ينوي أنَّه لم يصب رِئَته، وما كَلَّمتُ عمراً، يريد: ما جرحتُه، ونحو ذلك من الكلام المحتمل للمعاني المختلفة [65] .

وقد يُستدلُّ به على أنَّ كلَّ ما يُحتالُ به في العقود والبِياعات من غِشٍّ وخِلابة [66] و [67] اسِتفضَال صرف أو رِباً، أنَّ جميع ذلك باطلٌ في حق الدِّين؛ لأنَّه إنَّما قصد به التوصُّلَ إلى المحظور، والأمرُ المحرَّمُ لا يجوز أن يُستباحَ به [68] الشيءُ المحظور في حقِّ الدِّين.

وقد استدلَّ به بعضهم على أنَّ طلاقَ السكران غيرُ واقع إذا كان لا يدري ما يقول، وهذا الاستدلالُ فيه بعدٌ وضعفٌ، لأنَّ [69] موضعَ النيَّة من الطلاق خال وجوباً وسُقوطاً، إلَّا أن يكونَ إيقاعُه الطلاق بلفظ من ألفاظ المكاني [70] فيعلَّق بالنيَّة.

وقد زعم قومٌ أنَّ الاستدلالَ بهذا الحديث في غير نوع العبادات غير صحيح [71] ؛ لأنَّ الحديث إنَّما جاء في اختلاف مصارف وجوه العبادات لاختلاف النيَّات لها، فإذا أُخرج إلى غير نوع ما جاء فيه لم تَسْرِ دلالته

@%ص11%

إليه [72] .

فأمَّا عوامُّ الفقهاء فإنَّهم إنَّما ينظرون إلى اتِّساع لفظ الكلام، واحتمال الاسم لما يصلح صرفُه إليه من المعاني، ولا يُراعون الأسبابَ التي يُخَرَّجُ عليها الكلامُ، ولا يقصرونه على نوعه [73] حتى لا يتعدَّاه إلى غيره.

وقوله: «فمَنْ كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله» فمعناه: أنَّ مَنْ قصد بالهجرة قَصْدَ القُرْبة إلى الله عز وجل لا يخلطها بشيء من الدنيا، وطَلَبِ أَرَبٍ من آرابها، فهجرته إلى الله ورسوله، أي: فهجرته مقبولة عند الله وعند رسوله، وأجرُهُ وَاقعٌ على الله عز وجل .

«ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» يريد: أنَّ حظَّهَ من هُجرته هو ما قصده من دُنياه، ولا حظَّ له في الآخرة.

ويُروى [74] أنَّ هذا إنَّما جاء في رجل كان يخطب امرأة بمكَّة، فهاجرت إلى المدينة، فتبعها الرجلُ رغبةً في نكاحها، فقيل له: مُهاجرُ أُمِّ قيسٍ [75]

[1] في (ط): (إلى) بدون أو.
[2] في (ط): (يتزوجها)
[3] في (ر) و (م): (قال الخطابي).
[4] هكذا في الأصل، وفي النسخ الفروع: (كذا وقع الخبر في أول كتابه مخروماً).
[5] (هذا): سقطت من (ط).
[6] في النسخ الفروع: (مجوداً)
[7] (رواه) سقط من (ط).
[8] (ورواه أيضاً... عن يحيى بن سيعد): سقط من (ط).
[9] (شيئاً) سقطت من (ط).
[10] (بن) سقطت من (ط)
[11] علامة التحويل من الأصل.
[12] في (ط): (يحيى بن سعد) مصحفاً.
[13] في (ط): (إلى الله ورسوله).
[14] قوله (وإلى رسوله ومن كانت) سقط من (ط).
[15] في الفروع: (أن هذا الحديث لا يصح).
[16] قال ابن حجر: أَطْلَقَ الْخَطَّابِيُّ نَفْيَ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَهُوَ كَمَا قَالَ لَكِنْ بِقَيْدَيْنِ أَحَدُهُمَا الصِّحَّةُ لِأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ مَعْلُولَةٍ ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ وَغَيْرُهُمَا ثَانِيهُمَا السِّيَاقُ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحَّتْ فِي مُطْلَقِ النِّيَّةِ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ يبعثون على نياتهم... فتح الباري 1/11.
[17] في الفروع: (قصد الشيء بالقلب)
[18] في (أ): (أوايك) مصحفاً.
[19] البيت لكُثَير عزَّة في «ديوانه» 444، وله في الشعر والشعراء 198، والأغاني 8/25، وخزانة الأدب 2/38 والمحكم، واللسان، والتاج (أرك)، وبلا نسبة في مجمل اللغة 2/653، وفيه (عوارك) مكان (أوارك).
[20] في (ط): (وإنَّما)
[21] في (ط): (إنْ) في الموضعين.
[22] في (ط): (تعليم الغير).
[23] في (ط): (أمر يصطاد).
[24] في (ط): (ليأخذه)
[25] في (ط): (عياء).
[26] في (ط): (يجزه).
[27] في (ط): (عموم).
[28] قوله: (أجزأته) سقط من الأصل و (ط)، وأثبتت لضرورة السياق.
[29] في (ط): (فات).
[30] في (ط): (تمحص) بالصاد المهملة.
[31] في (ط): (قوله) مكان (قراراً).
[32] في (ط): (من صلوات)
[33] في (ط) و (ف) و (م): (ينسب).
[34] في (ط): (الأولتين).
[35] في (ط): (ويقعد التشهد).
[36] في (ط): (الثالث) مصحفاً.
[37] في (م): (مذهب) على الإفراد
[38] (فقهاء): سقطت من (ط).
[39] (قال) سقطت من (ط).
[40] في الأصل: (ركعتين الفجر) و (ثلاثاً المعرب).
[41] في (م) هنا زيادة: (فعمل القلب اعتقاد و....) وليس مكانها مناسباً هنا وقد ذكرت في (أ) في مكان أكثر مناسبة، أشير إليه في موضعه إن شاء الله.
[42] أي: (فيحرم).
[43] في الأصل: (منها) والمثبت من (ط).
[44] في (ط): (لمن) مصحفاً.
[45] (كل): سقطت من (ط).
[46] في (ط): (متَّهما) وهو تصحيف.
[47] قوله: (بها) سقطت من الأصل.
[48] في (ط): (لحقد) مصحفاً.
[49] في (ر): (وأبو ثعز) مصحفاً.
[50] في (ط): (الضرورة) والصَّرورة: الذي لم يحج قط، التاج (صرر)، وانظر الموطأ....
[51] في (ط): (لزيد)
[52] (عن عمرو): سقط من (ط)
[53] في الأصل: (قضت).
[54] قوله: (أعمال الدين) زيادة من (ط).
[55] (عليك): سقط من (ط).
[56] في (ط): (النبي) مصحفاً.
[57] (لم): سقطت من (ط)
[58] (به على): سقط من (ط) وفيها (أن) بدل (أنه)
[59] (على التقية): سقط من (ط).
[60] (بظلم): سقطت من (ط).
[61] الإلحاد في النية: الميل عن القصد (انظر:التاج لحد).
[62] في (ط): (وديعة) وهو تصحيف.
[63] (تكون) سقطت من (ط).
[64] انظر سنن أبي داود (2208).
[65] في (أ) و (م) هنا زيادة: (ويقول: والله ما سألت فلاناً حاجة، والحاجة ضرب من الشجر وهو شوك وجمعه حاج، ويقول: والله ما أعلمته أي: ما جعلته أعلم، وهو المشقوق الشفة السفلى ويقول: والله لا أملك كلباً ولا فهداً، والكلب مسمار في قائم والفهد مسمار في وسط الرحل).
[66] في (ط): (وصلاته) مصحفاً و (الخلابة) بكسر الخاء: كثرة الخداع، ويقال للفاعل: خَلُوب، مثال رَسُول. انظر: التاج (خلب).
[67] في (ط): (أو).
[68] في (ط): (من)
[69] في الفروع زيادة: (لأن صريح الطلاق لا يحتاج إلى النية).
[70] مراده: الكُنَى، ولم أجد جمع كنية بمكاني.
[71] في الفروع: (لا يحوز).
[72] جاء في (أ) و (م) هنا: (قال: والدليل على أن المراد به العبادات قوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى» والذي يكون له هي العبادات. فإن قيل: فقد ذكر الأعمال، والأعمال هي الصلاة والزكاة وغيرها، فأما الطلاق فهو قول لا عمل. قلنا: القول أيضاً عمل، وكل عمل يحصل بجارحة يقال له عمل وإن اختصت كل جارحة باسم، فعمل القلب اعتقاد وعمل اليد لمس وعمل العين نظر، وعلم اللسان نطق، وكذا الضرب اسم يعم جميع ما يحصل بالجوارح فهو محتص بكل جارحة باسم، فالضرب باليد لكم، وبالرجل رفس). ومن قوله (فعمل القلب اعتقاد..) تقدم مكانه في (م) كما سبقت الإشارة إليه.
[73] في (ط): (نوع) بإسقاط الهاء.
[74] في (ط): (وروي)
[75] انظر: المعجم الكبير للطبراني (8540).





قالَ البخاري رحمه الله تعالى:

حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَلَى الْمِنْبَرِ يَقولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ [1] إِلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى [2] امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))..[3]

الشرح [4]:

قد رأيت أن أُشرف الكتاب بنسب رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم, فهو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ

#%ص35%

بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ- بالهمزة وتركه, والهمزة قول الأكثرين - ابْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ- بكسر الهمزة وفتحها - ابنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بن مَعْد بنِ عَدْنَان، إلى هنا إجماع الأئمة [5], وما وراءه مختلف فيه.

والنَّضْرُ: هو أبو قريش في قول جمهور العلماء, وقيل: فهر, وقيل: غيره.

كنية رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المشهورة أبو القاسم, وكناه جبريل صلَّى الله عليه وسلَّم أبا إبراهيم.

وأمه آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ.

واعلم أن لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أسماء كثيرة جدًا, مشهورة وغير مشهورة, وقد جمعتها من «تاريخ دمشق» وغيره، ولخصتها في [6] كتاب «تهذيب الأسماء واللغات [7]» وذكرت معها ما يتعلق بها.

وذكر الإمام أبو بكر بن العربي المغربي المالكي [8] في كتابه «شرح الترمذي» قال: قال بعض الصوفية: لله عز وجل ألف اسم, وللنبي صلَّى الله عليه وسلَّم ألف اسم.

قال ابن العربي: فأما أسماء الله تعالى فهذا العدد حقير فيها, وأما أسماء النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فلم أحصها إلا من جهة الورود الظاهر [9] بصيغة الأسماء البينة, فَوَعَيْتُ منها أربعة وستين [10] اسمًا، ثم ذكرها مفصلة اسمًا اسمًا, ثم ذكر معانيها وبيان اشتقاقها, واستوعب [11] ذلك فأحسن وأجاد, ثم قال: وله وراء هذا أسماء.

وأما مولد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فالصحيح أنَّه ولد عام الفيل, وقيل: بعده بثلاثين سنة [12], وقال الحاكم أبو أحمد شيخ الحاكم أبي عبد الله: وقيل: بعده بأربعين سنة.

واتفقوا [13] أنَّه ولد صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الاثنين في شهر ربيع الأول، وقيل [14]: لليلتين خلتا منه, وقيل: لثمان, وقيل: لعشر, وقيل: لثنتي عشرة [15], وهو أشهر.

وبُعِثَ [16]صلَّى اللهُ عليه وسلم رسولًا [17] إلى الناس كافة وهو صلى اللهُ عليه وسلم بمكة ابن أربعين سنة وقيل: أربعين

#%ص36%

ويومًا [18]، ثم أقام صلَّى الله عليه وسلم بعد النبوة بها [19] ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشرًا، وقيل: خمس عشرة.

ثم هاجر صلَّى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأقام بها عشرًا بالاتفاق، فالصحيح في عمره صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاث وستون سنة، وقدم المدينة يوم الاثنين ضحى لثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول, [20] سنة إحدى [21]من الهجرة [22], وابتداء التاريخ من الهجرة.

قال الحاكم [23] أبو أحمد: بعث نبي الله [24] صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الاثنين, وخرج صلَّى الله عليه وسلم من مكة مهاجرًا يوم الاثنين, وقدم المدينة يوم الاثنين, وفيه وُلِدَ وتُوفي [25] صلَّى الله عليه وسلَّم، والله أعلم [26] .

فصل: ينبغي لك أنْ تحفظَ نَسَبَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي ذكرته لك حفظًا متقنًا، فإنه يترتب عليه فوائد كثيرة جدًا معروفة وغير معروفة، منها [27] أني إذا ذكرت بعده [28] اسم صحابي أو غيره وصلت نسبه حتى ألتقي بنسب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولا [29] أزيد عليه؛ لأنَّه يُعلم [30] تمام نسب ذلك الشخص إلى مَعْدِ بن عَدْنَان من نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذه عادة العلماء في هذا إيثارًا للاختصار [31], والغرض حصول العلم به [32]، وقد حصل به، وربما ذكرت رجلًا أو رجلين [33] ونحو ذلك [34]بعد التقاء النسب, استظهارًا للإيضاح [35]، وبالله التوفيق.

فصل:

وأما رواة الحديث: فأولهم (عُمَرَ رضي الله عنه) وهو [36] أمير المؤمنين أبو حفص [37] عمرُ بنُ الخطابِ بنِ نُفَيْل بن العُزَّى [38] بن رياح - بالمثناة - ابن عبد الله بن قُرْط - بضم القاف وبالطاء المهملة - ابن رَزَاح - براء مفتوحة [39]، ثم زاي، ثم ألف، ثم حاء مهملة - ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي.

وأمه حَنْتَمة - بمهملة مفتوحة, ثم نون ساكنة, ثم مثناة فوق مفتوحة, ثم ميم, ثم هاء - بنت هاشم, ويقال: هشام, والصحيح الأول.

أسلمَ عمرُ رضي الله عنه بمكة قديمًا, وشَهِدَ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بدرًا والمشاهد كلها.

رُوِيَ له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خمس مائة حديث [40] وتسعة وثلاثون حديثًا, اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وعشرين حديثًا [41], وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين, ومسلم بأحد وعشرين.

وهو أول من سُمِّيَ بأمير [42] المؤمنين, وفي سببه خلاف مشهور.

وَلِي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر, وقيل: وستة أشهر.

تُوفي [43]

#%ص37%

يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة, وقيل: لثلاث, سنة ثلاث وعشرين, وهو ابن ثلاث وستين سنة, مثل سِنِّ النَّبي [44] صلَّى الله عليه وسلَّم وأبي بكر رضي الله عنه, هذا هو الصحيح في سن الثلاثة, وقيل: غير ذلك.

روينا في مسند أبي عوانة عن معاوية رضي الله عنه قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي اللهُ عنهما ولكل واحد منهم ثلاث وستون [45] سنة، ودُفِنَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه في حجرة عائشة رضي الله عنها.

صَلَّى عليه صهيب رضي الله عنه, ومناقبه كثيرة جدًا, مشهورة في «الصحيح» وغيره, وقد ذكر البخاري طرفًا صالحًا منها في كتاب المناقب من صحيحه هذا, وبالله التوفيق.

وأَمَّا (عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ): فهو الليثي المدني [46].

وأما (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ): فهو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي, المدنيُّ التيميُّ [47], وأمه حفصة بنت أبي يحيى, وجده الحارث صحابي مهاجر رضي الله عنه, ومحمد هذا تابعي, سمع [48] ابن عمر وأنسًا رضي اللهُ عنهم، توفي بالمدينة سنة [49] عشرين ومائة, وقيل: سنة إحدى وعشرين.

وأما (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ): فهو أبو سعيد يحيى بنُ سعيدِ بنِ قيسِ بنِ عمرو بن سَهْلِ بنِ ثَعْلَبَةَ, الأنصاري المدني, قاضيها، تابعي صغير, سمع أنسًا والسائب بن يزيد وغيرهما، روى عنه جماعة من التابعين, منهم: هشام [50] بن عروة, وحميد الطويل وغيرهما، واتفق العلماء على جلالته وعدالته وحفظه وإتقانه وورعه.

قال أحمد بن حنبل: يحيى بن سعيد أثبت الناس.

توفي سنة أربع, وقيل: ثلاث, وقيل: سنة ست وأربعين ومائة.

فصل:

قولهم: (الأَنْصَاريُّ) نسبة إلى الأنصار, وهم قبيلتان: الأوس والخزرج, سُمُّوا أنصارًا؛ لأنهم نصروا رسول الله [51] صلَّى الله عليه وسلَّم, قال الله تعالى: { وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا } [الأنفال: 72، 74]. وقال الله [52]تعالى: { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ } [التوبة: 117]. وقال تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ }الآية [التوبة: 100]. وواحد الأنصار: نصير، كشريفٍ وأشرافٍ، وتفرعَتِ الأنصارُ بُطُونًا وأفخاذًا كثيرة، والله أعلم.

وأما (سُفْيَانُ): فهو- بضم السين على المشهور- وحكى ابن

#%ص38%

السُّكيت وغيره: كسرها، وحكى فتحها أيضًا.

وهو [53] أبو محمد: سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ بن أبي عمران ميمون الهلالي، مولى محمد بن مُزَاِحْم أخي الضَّحَّاك، وكان بنو عيينة عشرة جزارين، حدث منهم خمسة: محمد، وإبراهيم، وسفيان، وآدم، وعمران.

سكن مكة ومات بها، سمع جماعات من التابعين منهم: عمرو بن دينار، والشعبي، والزهري، وعبد الله بن دينار، وأيوب، وابن المنكدر، والأعمش، روى عنه الأعمش ومِسْعَر وخلائق، وروى الثوري عن يحيى القطان عن ابن عيينة، وهذا من الطرف.

ومناقب سفيان أكثر مِنْ أنْ تُحْصَر.

روينا عن سعد أنَّ ابن نصر قال: قال سفيان بن عيينة: قرأت القرآن وأنا [54] ابن أربع سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن سبع سنين [55].

وروينا عن الحسن بن عمران بن عيينة قال: قال لي سفيان بِمُزْدَلِفَةَ: قد وافيتُ هذا الموضعَ سبعينَ مرةً، أقول كل مرة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييت من الله عز وجل من كثرة ما أسأله.

فتوفي [56] في السنة الداخلة يوم السبت، غرة رجب، سنة ثمان وتسعين ومائة، ولد [57] سنة سبع ومائة، رحمه الله تعالى.

وأما (الْحُمَيْدِيُّ): فهو أبو بكر عبد الله بن الزُّبَيْر بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حُمَيْد القرشي الأسدي المكي، الإمام، رئيس أصحاب ابن عيينة، ومن فضلاء الآخذين عن الشافعي.

قال أبو حاتم: أثبت الناس في ابن عيينة الحميدي، وهو رئيسُ أصحاب ابن عيينة، وهو ثقة إمام.

قال ابن سعد: هو راوية ابن عيينة [58].

توفي بمكة سنة تسع عشرة ومائتين، وقيل: سنة عشرين.

وقال جعفر بن عبد الله: ما لقيت أنصح للإسلام وأهله من الحميدي رحمه الله عز وجل.

وأما الحُمَيْدِيُّ المتأخرُ صاحبُ «الجمع بين الصحيحين»: فهو [59] أبو عبد الله محمد بن فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يَصِل - بمثناة تحت مفتوحة ثم صاد [60] مكسورة ثم لام - الأندلسي الإمام في علوم، ذو التصانيف في فنون، سمعَ الخطيبَ البَغْدَاديَّ وطبقته، وروى [61] عنه الخطيب وابن ماكولا وخلائق، وكان ثقة صالحًا إمامًا حافظًا متفقًا على جلالته وإمامته.

سكنَ

#%ص39%

بغدادَ مُدَّةً، وتوفي بها سابع عشر ذي الحجة، سنة ثمان وثمانين وأربع مائة، والله أعلم.

فصل: فهذه نُبَذٌ [62] مما يتعلق ببيان رجال الإسناد، وينبغي أن تعرف [63] مَنْ هنا [64]، فقد قدمنا أن [65] لا نعيد ما ذكرناه إلا نادرًا [66]، وبالله التوفيق.

فصل:

في هذا الإسنادِ طُرْفَةٌ، وهو أنَّ فيه ثلاثة تابعيين مدنيين، يروي بعضهم عن بعض، وهم يحيى بن سعيد، ومحمد، وعلقمة، وهذا وإن كان [67] مُسْتَطْرَفًا فيقع في الحديث [68]في «الصحيحين» له أمثال كثيرة، سننبه على كثير منها إن شاء الله تعالى.

وقد روينا أطرفَ منه، وهو عن أربعة تابعيين بعضهم عن بعض، وعن أربعة صحابيين بعضهم عن بعض، وقد جمعت ذلك في جزء ولله الحمد [69].

فصل:

وقع حديث: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) هنا مختصرًا، وهو طويل مشهور، قد ذكره البخاري في سبعة مواضعَ من [70] «صحيحه»، فذكره هنا، ثم في الإيمان، وفي [71] النكاح، والعتق [72]، والهجرة، وترك الحيل، والنذور [73].

وروي في «الصحيح» بألفاظ [74]: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) و ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ)) و ((الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ)) و [75] ((العَمَلُ بِالنِّيَّةِ)) ذكرها البخاري في النكاح فهي [76] قليلة، وأما قوله في أول كتاب الشهادات [77]: ((الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ))، فقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: لا يصح إسناده [78].

فصل: اعلم أنَّ هذا الحديثَ مداره على يحيى بن سعيد الأنصاري، قال الحافظ [79]: لا تصح روايته عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم إلا من جهة عمر بن الخطاب رضي اللهُ عنهُ، ولا عن عمر إلا من جهة علقمة بن وقَّاص، ولا عن علقمة إلا من جهة محمد بن إبراهيم، ولا عن [80] محمد إلا من جهة يحيى بن سعيد [81]، وعن يحيى انتشر، فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان، أكثرهم أئمة، فهو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره، غريب بالنسبة إلى أوله، وليس متواترًا؛ لفقد شرط التواتر في أوله [82]، ولكنه مجمع على صحته وعظم موقعه وجلالته.

وهو أول الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.

قال الإمامان [83] أبو عبد الله مُحَمَّدُ بنُ إِدْرِيْسَ بنِ العَبَّاسِ بنِ عُثْمَانَ بنِ شَافِعِ بنِ السَّائِبِ بنِ عُبَيْدِ بنِ عَبْدِ يَزِيْدَ بنِ هِشَامِ [84] بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنَافِ بن قُصَيِّ بن كِلاَبِ بنِ مُرَّةَ القُرَشِيُّ،

#%ص40%

المُطَّلِبِيُّ الشَّافِعِيُّ، المَكِّيُّ.

وأَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلِ بنِ هِلاَلِ بنِ أَسَدِ بنِ إِدْرِيْسَ بنِ عَبْدِ اللهِ بن حَيَّانِ - بالمثناة - ابن عبدِ اللهِ بن أنسِ بنِ عَوْفِ بنِ قَاسطِ بنِ مَازِنِ بنِ شَيْبَانَ بنِ ذُهَلَ بن ثَعْلَبَةَ بنِ عُكَابَةَ - بضم العين وتخفيف الكاف وبالموحدة - ابن صَعِبِ بنِ عليِّ بن بكر بن وائل بن قَاسِط بن هِنْب - بكسر الهاء وإسكان النون وبالموحدة - ابن أَفْصَى - بالفاء والصاد المهملة - ابن دُعْمِيِّ - بضم الدال وإسكان العين المهملتين - ابن جَدِيلة بن أسد بن ربيعةَ بنِ نزارَ بنِ مَعْدِ بن عدنانَ، الشيباني المروزي، رحمهما الله عز وجل ورضي عنهما: يدخل في حديث (الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) ثلث العلم.

قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمدُ بنُ الحسين بن علي بن موسى البيهقي: لأنَّ كَسْبَ العبدِ بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد الأقسام الثلاثة وهي أرجحها؛ لأنها تكون عبادةً بانفرادها، بخلاف القسمين الآخرين، ولذلك كانت نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خيرًا مِنْ عَمَلِه؛ ولأنَّ القول والعمل يدخلهما [85] الفساد بالرياء، بخلاف النية، والله أعلم [86].

وقوله: (سَمِعْتُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ) هو بكسر الميم، قال أهل اللغة: وهو [87] مشتق من النَّبر، وهو الارتفاع، ولفظة (إِنَّمَا) للحصر.

والنية: القصد، وهو عزم القلب، ومعناه: من قصد بهجرته طاعة الله عز وجلَّ [88] ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم قُبِلَتْ هجرته ووقع أجره على الله، ومن قصد بها دنيا فهي حظُّهُ.

وبدأ البخاريُّ بهذا الحديث في هذ الباب وإن لم يترجم له؛ لأنَّ عادةَ [89] السلف ابتداء المصنفات به، تنبيهًا للطالب على تصحيح النية، وجعله خطبة كتابه، وقد روينا ذلك عن جماعة من السلف، والله أعلم [90].

[1] قوله: ((هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ)) ليس في (ك).
[2] قوله: ((إلى)) ليس في (ك) و(ص).
[3] جاء في حاشية الأصل (ز): ((النية: روح العمل وميزانه وقوامه، والعمل بدونها يجري مجرى العبث، فلا يصدر العمل الاختياري القصدي إلا بنية، وحظ العامل منه ما نوى، لا صورية وظاهره)) .
وقال أيضًا: ((لما كانت الهجرة وغيرها من الأعمال لها مبدأ وباعث من القلب ومصدر وغاية في الجوارح كان مصدره وغايتها في الجوارح تابعًا لمبدئها وباعثها في القلب، فمن كانت هجرته إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وَسلم قصدًا ونية وعزمًا، كانت هجرته بدمه وجوارحه إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليْه وسلم، وإن كانت هجرته لدنيا أو امرأة كانت في الخارج كذلك، وإن كانت صورتها صورة الهجرة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك سائر الأعمال)).
[4]قوله: ((الشرح)) ليس في (ت).
[5] في (ت) و(ك) و(ص): ((الأمة)).
[6] في (ت): ((من)).
[7] قوله: ((واللغات)) ضرب عليها في (ك).
[8] في (ك): ((المالكي المغربي)).
[9] في (ت): ((الظاهرة)).
[10] في (ص): ((وستون)).
[11] في (ت): ((واستوعبت)).
[12] قوله: ((سنة)) ليس في (ت).
[13] زاد في (ص): ((على)).
[14] في (ت) و(ك) و(ص): ((قيل)).
[15]في (ص): ((عشر)).
[16] زاد في (ك) و(ص): ((رسول الله)).
[17] قوله: ((رسولًا)) ليس في (ت) و(ص).
[18] في (ت) و(ك) و(ص): ((ويوم)).
[19] في (ص): ((بها بعد النبوة)).
[20] زاد في (ك): ((وتوفي يوم الاثنين لثنتي عشرة خات من ربيع الأول)).
[21] زاد في (ت) و(ك): ((عشرة)).
[22] قوله: ((سنة إحدى من الهجرة)) بياض في (ص).
[23] قوله: ((الحاكم)) ليس في (ت).
[24] في (ت) و(ص): ((يقال نبي))، وفي (ك): ((قال الحاكم أبو أحمد نبي)).
[25] في (ك) و(ص): ((وفيه توفي)).
[26] قوله: ((والله أعلم)) ليس في (ت) و(ص).
[27] في (ت) و(ص): ((ومنها)).
[28] في (ت) و(ك) و(ص): ((بعد هذا)).
[29] في (ك) و(ص): ((لا)).
[30] في (ت): ((تعلم)).
[31] في (ت): ((إيثار الاختصار)).
[32] قوله: ((العلم به)) ليس في الأصل(ز).
[33]في (ت): ((ورجلين)).
[34] قوله: ((ونحو ذلك)) ليس في (ص).
[35] في (ت): ((استظهار الايضاح)).
[36] في (ت) و(ك) و(ص): ((هو)).
[37] قوله: ((أبو حفص)) ليس في (ص).
[38] في (ت) و(ك) و(ص): ((عبد العزى)).
[39]في (ك): ((مكسورة)).
[40] قوله: ((حديث)) ليس في (ص).
[41] قوله: ((حديثًا)) ليس في (ص).
[42] في (ت) و(ص): ((أمير)).
[43] زاد في (ت): ((في)).
[44] في (ص): ((رسول الله)).
[45] في (ت): ((وستين)).
[46] جاء في حاشية (ص): ((قال البيهقي: هو عَلْقَمَةُ بنُ وَقاصٍ اللَّيْثِيّ المدني العتواري، ثقة نبيل، روى عن عمر وعائشة وابن عباس، وعنه ابناه عمر وعبيد الله والزهري ومحمد بن إبراهيم التيمي وابن أبي مليكة التيمي، وثقه ابن سعد )).
[47]في (ت) و(ك) و(ص): ((القرشي التيمي المدني)).
[48] زاد في (ت): ((من)) .
[49] زاد في (ص): ((ست و)).
[50] في (ت): ((همام)).
[51] في (ك): ((النبي)).
[52] قوله: ((الله)) ليس في (ص).
[53] في (ك): ((وهذا)).
[54] قوله: ((وأنا)) ليس في (ك).
[55]قوله: ((سنين)) ليس في (ك).
[56] في (ك): ((وتوفي)).
[57] في (ك) و(ص): ((وولد)).
[58] في (ت): ((هو رواية عن ابن عيينة))، وفي (ص): ((هو رواية ابن عيينة)).
[59] في (ك): ((وهو)).
[60] زاد في (ك): ((مهملة)).
[61] في (ك): ((روى)).
[62]في (ص): ((نبذة)).
[63]في (ت) و(ك): ((يُعْرف)).
[64] في (ت): ((ههنا)).
[65]في (ك) و(ص): ((أنَّا)).
[66] في (ص): ((نادر)).
[67] زاد في (ك): ((فيه)).
[68] في (ت): ((في الحديث فيقع)).
[69] زاد في (ك): ((والمنة))، قوله: ((ولله الحمد)) ليس في (ص).
[70] في (ك): ((في)).
[71] في (ك): ((ثم في)).
[72] في (ص): ((وفي العتق)).
[73] زاد في (ك): ((وأكمل رواياته في كتاب النكاح)).
[74] في (ص): ((بالألفاظ)).
[75] قوله: ((و)) ليس في (ك).
[76] في (ك): ((وهي)).
[77]في (ت) و(ك): ((الشهاب)).
[78] في (ت) و(ك) و(ص): ((إسنادها)).
[79] في (ك): ((الحفاظ)).
[80] في (ت): ((من)).
[81] زاد في (ك): ((الأنصاري)).
[82] قوله: ((وليس متواترًا لفقد شرط التواتر في أوله)) ليس في (ص).
[83] في (ك): ((الإمام)).
[84] في (ص): ((هاشم)).
[85] في (ك): ((يدخله)).
[86] جاء في حاشية الأصل (ز): ((لفظ النية يجري في كلام العرب على نوعين: فتارة يريدون بها تمييز عمل عن عمل، وعبادة عن عبادة وتارة يريدون بها تمييز معبود عن معبود، ومعمول له عن معمول له، فالأول: كتكلم العلماء في النية هل هي شرط في طهارة الأحداث؟ وهل يشترط نية التعيين والتبييت في الصيام؟ وإذا نوى بطهارته ما يستحب لها هل تجزئه عن الواجب؟ وأنه لا بد في الصلاة من التعيين ويجزئ ذلك، والثاني: كالتمييز بين أهل الإخلاص لله عز وجل وبين أهل الرياء والسمعة كما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل هل يقاتل شجاعة وحمية ورياء فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، وهذه النية تميز بين من يريد الله تعالى في الدار الآخرة ومن يريد مالًا وجاهًا ومدحًا ونحو ذلك، والحديث دلَّ على هذه النية بالقصد، وإن كان قد يقال إن عمومه تناول النوعين فإن النبي صلى الله عليه وسلم فرق فيه بين من يريد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبين من يريد دنيا أو امرأة، ففرق بين معمول له ومعمول له، لم يفرق بين عمل وعمل، والله تعالى وتقدس قد ذكر الإخلاص في غير موضع من كتابه المجيد)) .
[87] في (ك): ((هو)).
[88] قوله: ((عز وجل)) ليس في (ت).
[89] زاد في (ص): ((المصنفين من)).
[90] جاء في حاشية الأصل (ز): ((قال ابن كثير الإمام جزاه الله تعالى خيرًا: قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» أي: إنما اعتبار الأعمال عند الله تعالى بالنيات، فإن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فليس ظاهر العمل عنده بشيء وإنما هو نية عمله وهو بها عليم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» أو كما قال الله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } فالأصل في العمل: النية، وهي العلة الباعثة عليه فإن كانت صالحة فإن الله تعالى يتقبلها منه ويثيبه عليها وإن كانت سيئة فعلى ما عليها وبالها، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وإنما لكل امرئ ما نوى» ولما كان اعتبار الأعمال بالنيات فإنما لكل امرئ ما نوى، أي: لا يحصل له إلا نيته إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، فمعنى الحديث: إنما الأعمال عند الله سبحانه وتعالى بنياتها )).
#%ص41%





لا تتوفر معاينة

1# قوله: (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ أَبِي [1] وَقَّاصٍ): ليس في الكتب السِّتَّة علقمة بن أبي وقَّاص غيره.

قوله: (الأَعْمَالُ): هي حركات البدن، وعبَّر بها عن حركات النَّفس، عبَّر بها دون الأفعال؛ لئلَّا تتناول أفعال القلوب، ومنها: النيَّة ومعرفة الله تعالى فكان يلزم أن لا يصحَّان إلَّا بنيَّة، لكنَّ النِّيَّة فيهما محال، لكنَّ المعرفة، والخوف، والرجاء، وكذا التَّسبيح وسائر الأذكار والتِّلاوة؛ لا يحتاج شيء منها إلى نيَّة التقرب [2] به، بل مجرَّد القصد له، ثمَّ اعلم أنَّ الأعمال ثلاثة: بدنيٌّ، وقلبيٌّ، ومركَّبٌ منهما.

(وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى): مقتضاه أنَّ من نوى شيئًا؛ يحصل له، وما لم ينوه؛ لا يحصل له؛ ولهذا عظَّموا هذا الحديث وجعلوه ثلث العلم.

(وَمَنْ [3] كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا...) إلى آخره؛ أي: قصده الدُّنيويُّ لم يكن له فيه أجر، وإن كان القصد الدِّيني هو الأغلب؛ كان له الأجر بقدره، وإن تساويا؛ تساقطا، وقال المحاسبيُّ: إذا كان الباعث الدِّيني أقوى؛ بَطَل عمله، وإنَّ من نوى شيئًا؛ لم يحصل له غيره، ومن لم ينو شيئًا؛ لم يحصل، وهذه قاعدة مطَّردة في جميع مسائل النِّيَّة، وقيل: كيف ذُكِرَت المرأة مع الدنيا؟ لأنَّ هذا الحديث ذُكِر لسبب؛ وهو أنَّه لمَّا أُمِرَ بالهجرة من مكَّة إلى المدينة تخلَّف جماعة عنها، فذمَّهم الله عزَّ وجلَّ بقوله: {الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ}؛ الآية [النساء:97] ، كان بالمدينة امرأة من المهاجرات يُقَال لها: أمُّ قيس، ادَّعى ابن دحية أنَّ اسمها قتيلة، فسُمِّي بها مهاجر أمِّ قيس ولا يعرف اسمه، ولعلَّه للتَّستُّر عليه، فكان قصده بالهجرة من مكَّة إلى المدينة بنيَّة التزوج [4] بها لا لقصد فضيلة الهجرة؛ لهذا خصَّ ذكر المرأة؛ لأنَّها أعظم أسباب فتنة الدُّنيا.

[1] (أبي): ليس في «اليونينيَّة».
[2] في (أ): (التقريب).
[3] في «اليونينيَّة»: (فمن).
[4] في (أ): (التزويج).





1- ((حدثنا الحميدي)) : بضم المهملة وفتح الميم؛ نسبة إلى جده الأعلى حميد، أو إلى حميدات قبيلةٌ، المتوفى سنة تسع عشرة ومئتين، وليس هو صاحب «الجمع بين الصحيحين»، ولغير أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير) .

((قال: حدثنا سفيان)) بن عيينة التابعي المكي المتوفى سنة ثمان وتسعين ومئة، ولأبي ذر عن الحموي: (عن سفيان) .

((قال: حدثنا يحيى بن سعيد)) : وهو ابن قيس ((الأنصاري)) المدني التابعي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومئة، ولأبي ذر: (عن يحيى) .

((قال: أخبرني)) : بالإفراد؛ لأنَّه قرأ على الشيخ وحده ((محمد بن إبراهيم)) بن الحارث ((التيمي)) ؛ نسبة إلى تيم قريش، المتوفى سنة عشرين ومئة: ((أنه سمع علقمة)) أبا واقد؛ بالقاف ((ابن وقَّاص)) بتشديد القاف ((الليثي)) بالمثلثة؛ نسبة إلى ليث بن بكر، قيل: صحابي، وقيل: تابعي، المتوفى بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان، ((يقول: سمعت)) أمير المؤمنين ثاني خلفاء سيد المرسلين ((عمر بن الخطاب)) بن نُفَيل؛ بضم النون، وفتح الفاء، المتوفى سنة ثلاث وعشرين رضي الله عنه؛ أي: سمعت كلامه حال كونه ((على المنبر)) النبوي المدني؛ وهو بكسر الميم من النبرة؛ وهي الارتفاع؛ أي: سمعته حال كونه ((قال)) ، ولأبي الوقت والأصيلي وابن عساكر: (يقول) : ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: سمعت كلامه حال كونه ((يقول)) ، فـ (يقول) : في موضع نصب حالًا من (رسول الله عليه السلام) ؛ لأنَّ (سمعت) لا يتعدَّى إلى مفعولين؛ فهي حال مبيِّنة للمحذوف المقدَّر بكلام؛ لأنَّ الذات لا تسمع، وأتى بالمضارع في رواية من ذكرها بعد سمع الماضي؛ إما بحكاية الحال وقت السماع، أو لإحضار ذلك في الذهن.

((إنَّما الأعمال)) الصادرة من المكلفين كاملة ومثاب عليها، ((بالنيات)) بالجمع، وفي بعض الروايات بالإفراد، وتقدير الكمال أو الثواب هو المطرد؛ لأنَّ كثيرًا من الأعمال يوجد ويعتبر شرعًا بدون النية، ولأنَّ إضمار الثواب متفق عليه على إرادته، ولأنَّه يلزم بها من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، فكان أقل إضمارًا، فهو أولى، ولأنَّ إضمار الجواز والصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو ممنوع، ولأن العامل في قوله: (بالنيات) مقدر بإجماع النحاة، فلا يجوز أن يتعلَّق بـ (الأعمال) ؛ لأنَّها رفع بالابتداء، فيبقى بلا خبر، فلا يجوز، فالمقدر إما مجزئة أو صحيحة أو مثيبة، فالمثيبة أولى لوجهين:

أحدهما: أنَّ عدم النية لا يُبطل أصل العمل، وعلى إضمار الصحة والإجزاء يبطل.

الثاني: أنَّ قوله: (لكلِّ امرئ ما نوى) يدُلُّ على الثواب والأجر، وعلى كلٍّ فالحديث متروك الظاهر بالإجماع، والذوات لا تنتفي بلا خلاف، فيحتاج إلى الإضمار، وإنما يكون الإضمار على خلاف الأصل، فالمراد بـ (الأعمال) حكمها، والحكم نوعان: نوع يتعلق بالآخرة؛ وهو الثواب أو العقاب، ونوع يتعلق بالدنيا؛ وهو الصحة أو الفساد، والنوعان مختلفان المبنى؛ فالأول: على صدق العزيمة، والثاني: على وجود الأركان والشرائط، ولما اختلف الحكمان؛ صار الإثم بعد كونه مجازًا مشتركًا، ولا يكفي في تصحيحه ما هو المتفق عليه [/ص4/] وهو الحكم الأخروي، ولا دليل على ما اختلف فيه، فبقي الثواب أو العقاب، وانتفى الصحة أو الفساد، وهذا مذهب إمامنا الأعظم وأصحابه: أبي [1] يوسف ومحمد وزفر، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، ومالك في رواية.

وكذا الغسل، وعند الأوزاعي والحسن التيمم أيضًا، وقال عطاء ومجاهد: إن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية إلَّا أن يكون مسافرًا أو مريضًا، وقال مالك في رواية عنه وتلميذ الشافعي وتلميذه أحمد ابن حنبل: إنَّ النية في الأعمال كلِّها فرض لهذا الحديث، ولا دلالة لهم فيه لما علمت، وتمامه في شرحنا على «القدوري».

واختلف في (إنَّما) هل تفيد الحصر أم لا، وهل تفيده بالمنطوق أو بالمفهوم، وأصلها: (إنَّ) التوكيدية، دخلت عليها (ما) الكافة؛ وهي حرف زائد، وقيل: إنَّ (ما) نافية.

و (الباء) في (بالنيات) للمصاحبة أو للاستعانة، وقيل: للسببية، ولم يذكر سيبويه في معنى الباء إلَّا الإلصاق؛ لأنَّه معنى لا يفارقها.

و (النِّيَّات) بتشديد الياء: جمع نِيَّة؛ مِن نوى ينوي من باب ضرب، وهي لغة: القصد، وشرعًا: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل، وإنما قال: (الأعمال) ، ولم يقل الأفعال؛ لأنَّ الفعل يكون زمانه يسيرًا، ولم يتكرر، بخلاف العمل؛ فإنَّه على الاستمرار، ويتكرر.

((وإنَّما لكلِّ امرِئ)) : بكسر الراء، والمرء مثلث الميم: الإنسان أو الرجل، كما في «القاموس».

((ما نوى)) ؛ أي: الذي نواه أو نيته، وكذا لكل امرأة ما نوت؛ لأنَّ النساء شقائق الرجال، وهذه الجملة تأكيد للجملة السابقة، وحمله على التأسيس أولى؛ لإفادته معنى لم يكن في الأولى، وما ذكره بعض الشراح فليس بشيء؛ فافهم.

((فمن كانت هِجرته)) : بكسر الهاء؛ أي: خروجه من أرضٍ إلى أرض، ((إلى دنيا يصيبها)) : جملة محلها الجر؛ صفة لدنيا؛ أي يحصِّلُها، ((أو إلى امرأة)) ولأبي ذر: (أو امرأة) ، ((ينكحها)) أي: يتزوجها كما في الرواية الأخرى، ((فهجرته)) بالكسر؛ أي: خروجه، ((إلى ما هاجر إليه)) : من الدنيا والمرأة، والجملة: جواب الشرط في قوله: (فمن) .

وسبب هذا الحديث: قصة مُهاجر أمِّ قيس، المروية في «معجم الطبراني الكبير» بإسناد رجاله ثقات من رواية الأعمش، ولفظه عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس؛ فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر؛ فهاجر فتزوجها، قال: فكنا نسميه مهاجر أم قيس.

قال في «شرح الأربعين»: ولم نر له أصلًا بإسناد يصح.

قال بعض الشراح: ولم يسم الرجل؛ فتأمل.

والمهاجرة المذمومة؛ إذا كانت على هذه الصفة، أما من هاجر من دار الكفر وتزوَّج [2] المرأة؛ فإنه لا يكون مذمومًا.

و (الدُّنيا) بضم الدال: مقصورة غير منونة للتأنيث والعلمية، وقد تكسر وتنون، قال في «القاموس»: (الدنيا ضد الآخرة، وقد تنون، وجمعها: دنى) اهـ، وإنما سميت بذلك لدنوِّها؛ أي: قربها من الزوال.

وفيه الرواية بالتحديث، والإخبار، والسماع، والعنعنة.

وأخرجه المؤلف في (الإيمان) ، و (العتق) ، و (الهجرة) ، و (النكاح) ، وستأتي بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى، واحتج بهذا الحديث الإمام الأعظم، ومالك، وأحمد: في أنَّ من أحرم بالحج في غير أشهر الحج؛ أنَّه لا ينعقد عمرة؛ لأنَّه لم ينوها، وخالفهم [3] الشافعي، واحتج به أيضًا الإمام الأعظم، ومالك، والثوري: أنَّ الرجل يصح حجه عن غيره ولا يصح عن نفسه، خلافًا للشافعي، وأحمد، والأوزاعي.

[1] في الأصل: (أبو).
[2] في الأصل: (وتزويج).
[3] في الأصل: (خالهم).