متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ [1] أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى [2] ):

(بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الباء متعلِّقةٌ بمحذوفٍ قدَّره البصريُّون اسمًا مقدَّمًا، والتَّقدير: ابتدائي كائنٌ أو مستقِرٌّ، وقدَّره الكوفيُّون فعلًا مقدَّمًا، والتَّقدير: أبدأ، فالجارُّ والمجرور في الأوَّل: في موضع رفعٍ، وفي الثاني: نصبٍ، وجوَّز بعضهم تقديره اسمًا متأخِّرًا [3] ؛ أي: بسم الله ابتدائي الكلام، وقدَّره الزَّمخشريُّ فعلًا مؤخَّرًا؛ أي: بسم الله أقرأ أو أتلو؛ لأنَّ الذي يتلوه مقروءٌ، وكلُّ فاعلٍ يُبدَأ في فعله ببسم الله يكون [4] مُضمَرًا، ما جعل التَّسمية مبدأً له، كما أنَّ المسافر إذا حلَّ أو ارتحل، فقال: بسم الله؛ كان المعنى: بسم الله أَحِلُّ، وبسم الله أرتحل، وهذا أَوْلى من أن يُضمَر: «أبدأ»؛ لعدم ما يطابقه ويدلُّ عليه، أو: ابتدائي؛ لزيادة الإضمار فيه، وإنَّما قُدِّر المحذوف متأخِّرًا، وقدِّم المعمول؛ لأنَّه أهمُّ وأدلُّ على الاختصاص، وأَدْخَل في التَّعظيم وأَوْفَق للوجود؛ فإنَّ اسم الله تعالى مقدَّمٌ على القراءة، كيف وقد جُعِلَ آلةً لها من حيث إنَّ الفعل لا يعتدُّ به شرعًا ما لم يُصدَّر باسمه تعالى؛ لحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدَأ فيه ببسم الله فهو أبتر».

وأمَّا ظهور فعل القراءة في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}؛ فلأنَّ الأهمَّ ثمَّةَ القراءةُ؛ ولذا قدِّم الفعل فيها على متعلَّقه، بخلاف البسملة؛ فإنَّ الأهمَّ فيها الابتداء، قاله البيضاويُّ وغيره. وتُعقِّب: بأنَّ تقدير النُّحاة: «أبتدئ» هو المُختار؛ لأنَّه يصحُّ في كلِّ موضعٍ، والعامُّ تقديره أَوْلى، ولأنَّ تقدير فعل الابتداء هو الغرض المقصود من البسملة؛ إذ الغرض منها أن تقع مُبتدأةً موافقة لحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ»، وكذلك في كلِّ فعل ينبغي ألَّا يُقدَّر فيه إلَّا فعل الابتداء؛ لأنَّ الحضَّ جاء عليه، وأيضًا: فالبسملة غير مشروعةٍ في غير الابتداء، فلمَّا اختصَّت بالابتداء؛ وجب أن يُقدَّر لها فعل الابتداء، وأُجِيب: بأنَّ تقديرَ الزَّمخشريِّ أَوْلى وأتمُّ شمولًا؛ لاقتضائه أنَّ التَّسمية [5] واقعةٌ على القراءة كلِّها مصاحبةٌ لها، وتقدير «أبدأ» يقتضي مصاحبتها لأوَّل القراءة دون باقيها، وقوله: «إنَّ الغرض منها أن تقع التَّسمية مبدأً» نقول [6] بموجبه؛ فإنَّ ذلك يقع فعلًا [7] بالبداءة بها، لا بإضمار فعل الابتداء، ومن بدأ في الوضوء بغسل وجهه؛ لا يحتاج في كونه بادئًا إلى إضمار «بدأت»، والحديث الذي ذكره لم يقل فيه: كل أمر ذي بالٍ لا يُقال فيه: أبدأ، وإنَّما أُرِيد طلب إيقاعها بالفعل، لا بإضمار فعلها، وأمَّا دلالة الحديث على طلب البداءة؛ فامتثال ذلك بنفس البداءة لا بلفظها.

واختُلِف هل الاسم عين المسمَّى أو غيره؟ واستدلَّ القائلون بالأوَّل بنحو: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74، 96] ، و{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، فأُمِرَ بتسبيح اسم الله تعالى، والمسبَّح هو الباري، فاقتضى أنَّ اسم الله تعالى هو هو لا غيره، وأُجِيب: بأنَّه أُشرِب «سبِّح» معنى «اذكر»، فكأنَّه قال: اذكر اسم ربِّك، وتحقيق ذلك: أنَّ الذَّات هي المُسمَّى، والزَّائد عليها هو الاسم، فإذا قلت: عالمٌ؛ فهناك أمران: ذاتٌ وعلمٌ، فالذَّات هو المسمَّى، والعلم هو الاسم، فإذا فُهِمَ هذا؛ فالأسماء منها ما هو عين المُسمَّى، ومنها ما هو غيره، ومنها ما يُقال فيه: لا عينٌ ولا غير.

فالقسم الأوَّل؛ مثل: موجودٍ وقديمٍ وذاتٍ؛ فإنَّ الموجود عين الذَّات، وكذا القديم.

والقسم الثَّاني؛ مثل: خالقٍ ورازقٍ، وكلِّ صفات الأفعال، فإنَّ الفعل الذي هو الاسم غير الذَّات.

والقسم الثَّالث؛ مثل: عالمٍ وقادرٍ، وكلِّ الصفات الذَّاتية، فإنَّ الذَّات التي هي المُسمَّى، لا يُقال في العلم الذي هو الاسم: إنَّه غيرها ولا عينها.

هذا تحقيق ما قاله الأشعريُّ في هذه المسألة، وما نُقِلَ عنه خلاف هذا؛ فهو خبطٌ، كذا رأيته منسوبًا للعلَّامة البساطيِّ من أئمَّة المالكيَّة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب «التَّوحيد» في باب «السُّؤال [/ج1ص46/] بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها» [خ¦قبل 7393] مزيدٌ لذلك بعون الله تعالى، وليس مراد القائل: بأنَّ الاسم عين المسمَّى أنَّ اللَّفظ الذي هو الصَّوت المكيَّف بالحروف عين المعنى الذي وُضِعَ له اللَّفظ؛ إذ لا يقول به عاقلٌ، وإنَّما مراده أنَّه قد يُطلَق اسمُ الشَّيء مرادًا به مسمَّاه، وهو الكثير الشَّائع، فإنَّك إذا قلت: اللهُ ربُّنا، ونحو ذلك؛ إنَّما تعني به: الإخبار عن المعنى المدلول عليه باللَّفظ، لا عن نفس اللَّفظ، وقد قال جماعةٌ: إنَّ الاسم الأعظم هو اسم الجلالة الشَّريفة؛ لأنَّه الأصل في الأسماء الحسنى؛ لأنَّ سائرها يُضاف إليه، والرَّحمن صفةٌ لله تعالى، وعُورِضَ بوروده غير تابعٍ لاسمٍ قبله، قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ} [الرحمن: 1 ـ 2] وأُجِيبَ: بأنَّه وصفٌ يُراد به الثَّناء، وقِيلَ: عطف بيانٍ، وردَّه السُّهيليُّ: بأنَّ اسم الجلالة الشَّريفة غير مفتقر لبيانٍ؛ لأنَّه أعرف المعارف كلِّها؛ ولذا قالوا: وما الرَّحمن؟ ولم يقولوا: وما الله؟

والرَّحيم: فَعِيلٌ، حُوِّل من فاعلٍ للمُبالغَة، والاسمان مشتقَّان من الرَّحمة، ومعناهما واحدٌ عند المحقِّقين، إلَّا أنَّ «الرَّحمن» يختصُّ به تعالى، فهو خاصُّ اللَّفظ؛ إذ إنَّه لا يجوز أن يُسمَّى به أحدٌ غير الله تعالى، عامُّ المعنى؛ من حيث إنَّه يشمل جميع الموجودات، و«الرَّحيم» عامٌّ؛ من حيث الاشتراك في التَّسمِّي به، خاصٌّ؛ من طريق المعنى؛ لأنَّه يرجع إلى اللُّطف والتَّوفيق [8] ، وقُدِّم الرَّحمن؛ لاختصاصه بالباري تعالى كاسم الله، وقُرِنَ [9] بينهما للمناسبة.

ولم يأتِ المصنِّف رحمه الله بخطبٍة تنبئ عن مقاصد كتابه هذا، مبتدأةٍ بالحمد والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فعل غيره اقتداءً بالكتاب العزيز، وعملاً بحديث [10] : «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدَأ [11] فيه بالحمد لله فهو أقطع» المرويِّ في «سنن ابن ماجه» [12] وغيرها؛ لأنَّه صدَّر كتابه بترجمة «بدء الوحي»، وبالحديث الدَّالِّ على مقصوده، المشتمل على أنَّ العمل دائرٌ مع النِّيَّة، فكأنَّه قال: قصدت جمع وحي السُّنَّة المُتلقَّى عن خير البريَّة على وجهٍ سيَظْهَر حسن عملي فيه من قصدي، «وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»، فاكتفى بالتَّلويح عن التَّصريح.

وأمَّا الحديث؛ فليس على شرطه، بل تُكلِّم فيه؛ لأنَّ في سنده قرَّة بن عبد الرَّحمن [13] ، ولئن سلَّمنا الاحتجاج به؛ فلا يتعيَّن النُّطق والكتابة معًا، فيُحمَل على أنَّه فعل ذلك نطقًا عند تأليفه اكتفاءً بكتابة البسملة، وأيضًا فإنَّه ابتدأ ببسم الله [14] ، ثمَّ رتَّب عليه من أسماء الصِّفات «الرَّحمن الرَّحيم»، ولا يعني بالحمد إلَّا هذا؛ لأنَّه الوصف بالجميل على جهة التَّفضيل، وفي «جامع الخطيب» مرفوعًا: «كلُّ أمرٍ لا يُبدَأ فيه ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم فهو أقطع»، وفي رواية الإمام أحمد: «لا يُفتتَح بذكر الله [15] فهو أبتر أو أقطع»، ولا ينافيه حديث: «بحمد الله»؛ لأنَّ معناه الافتتاح بما يدلُّ على المقصود من حمد الله تعالى والثَّناء عليه، لا أنَّ لفظ: «الحمد» متعيِّنٌ؛ لأنَّ القدر الذي يجمع ذلك هو ذكر الله تعالى، وقد حصل بالبسملة، لا سيَّما وأوَّل شيءٍ نزل من القرآن {اقرأ باسم ربِّك} [العلق: 1] ، فطريق التأسِّي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها، ويَعضُده أنَّ كتبه عليه الصلاة والسلام إلى الملوك مفتَتحةٌ بها دون حمدلةٍ وغيرها، وحينئذٍ فكأنَّ المؤلِّفَ أجرى مؤلَّفه هذا مَجْرى الرِّسالة إلى أهل العلم؛ لينتفعوا به.

وتُعقِّب: بأنَّ الحديث صحيحٌ، صحَّحه ابن حبَّان وأبو عوانة، وقد تابع فيه سعيدُ بن عبد العزيز قرَّةَ، أخرجه النَّسائيُّ، ولئن سلَّمنا أنَّ الحديث ليس على شرطه؛ فلا يلزم منه ترك العمل به، مع مخالفة سائر المصنِّفين، وافتتاح الكتاب العزيز، وبأنَّ لفظ «الذِّكر» غير لفظ «الحمد»، وليس الآتي بلفظ «الذكر» آتيًا بلفظ «الحمد»، والغرض التبرُّك باللَّفظ المفتتح به كلام الله تعالى. انتهى.

والأَولى: الحمل على أنَّ البخاريَّ تلفَّظ بذلك؛ إذ ليس في الحديث ما يدلُّ على أنَّه لا يكون إلَّا بالكتابة، وثبتت البسملة لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ [16] .

(كَيفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْي إِلى رَسُولِ اللّه صلى الله عليه وسلم)؛ كذا لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ بإسقاط لفظ «باب»، ولأبي الوقت وابن عساكر والباقي: ((باب كيف...)) إلى آخره، وهو بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هذا باب كيف...، ويجوز فيه التَّنوين والقطع عمَّا بعده، وتركه للإضافة إلى الجملة التَّالية، لا يُقال: إنَّما {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: 25] يُضاف إلى الجملة أحد أشياء مخصوصةٍ، وهي كما في «مغني ابن هشام» ثمانيةٌ: أسماء الزَّمان، وحيث، وآيةٌ _بمعنى علامةٍ_، وذو، ولدن، وريث، وقولُ، وقائلُ، واستدلَّ للأخيرين بقوله: [من الخفيف] [/ج1ص47/]

~ قولُ يا للرِّجال يُنْهِضُ من - ـنَا مسـرعين الكهولَ والشُّبَّانا

وقوله: [من الكامل]

~ وأجبت قائلَ: كيف أنت بصالحٍ حتَّى مللت وملَّني عوَّادي

وليس «الباب» شيئًا منها؛ لأنَّ هذا الذي ذكره النُّحاة _كما ذكره الشَّيخ بدر الدِّين الدَّمامينيُّ في «مصابيح الجامع»_ إنَّما هو في الجملة التي لا يُراد بها لفظها، وأمَّا ما أُرِيدَ به لفظه من الجمل؛ فهو في حكم المُفرَد، فتضيف إليه ما شئت ممَّا يقبل بلا حصرٍ؛ ألا ترى أنَّك تقول: محلُّ «قام أبوه» من قولك: زيدٌ «قام أبوه» رفعٌ، ومعنى لا إله إلَّا الله: إثبات الإلهيَّة [17] لله تعالى، ونفيها عمَّا سواه، إلى غير ذلك، وهنا أُرِيد لفظ الجملة، قال: ولا يخفى سقوط قول الزَّركشيِّ: لا يُقال: كيف لا يُضاف إليها؟ لأنَّا نقول: الإضافة إلى الجملة كلا إضافةٍ، وقال في «الشَّرح»: لا ينبغي أن يُعَدَّ هذان البيتان من قبيل ما هو بصدده؛ لأنَّ الجملة التي أُضِيف إليها كلٌّ من «قولٍ» و«قائلٍ» مرادٌ بها لفظها، فهي في حكم المفرد، وليس الكلام فيه، وتعقَّبه الشَّيخ تقيُّ الدين الشُّمنِّيُّ، فقال: لا نسلِّم أنَّ الكلام ليس فيه، بل الكلام فيما هو أعمُّ منه ا ه. فليُتأمَّل، وقد استبان لك أنَّ عدَّ ابن هشامٍ في «مغنيه» قولًا وقائلًا من الألفاظ المخصوصة التي تُضاف إلى الجملة غير ظاهرٍ انتهى.

و«كيف» في قول البخاريِّ: باب (كيف كان)؛ بإضافة «باب»، خبرٌ لـ: «كان» إن كانت ناقصةً، وحالٌ من فاعلها إن كانت تامَّةً، ولابدَّ قبلها من مضافٍ محذوفٍ، والتَّقدير: باب جواب كيف كان بدء الوحي، وإنَّما احتيج إلى هذا المضاف؛ لأنَّ المذكور في هذا الباب هو جواب «كيف» كان بدء الوحي [18] ، لا السُّؤال بكيف عن بدء الوحي، ثمَّ إنَّ الجملة من كان ومعموليها [19] في محلِّ جرٍّ بالإضافة. ولا تخرج كيف بذلك عن الصَّدريَّة؛ لأنَّ المراد من كون الاستفهام له الصَّدر أن يكون في صدر الجملة التي هو فيها، و«كيف» على هذا الإعراب كذلك.

و(البدء)؛ بفتح الموحَّدة وسكون المُهملَة، آخره همزةٌ؛ من بدأت الشَّيء بدْءًا: ابتدأت به، قال القاضي عياضٌ: رُوِيَ بالهمز مع سكون الدَّال، من الابتداء، وبدُوٌّ بغير همزةٍ مع ضمِّ الدَّال وتشديد الواو من الظُّهور، ولم يعرف الأخيرة الحافظ ابن حجرٍ. نعم؛ قال: رُوِي في بعض الرِّوايات: كيف كان ابتداء الوحي، فهذا يرجِّح الأُولى، وهو الذي سمعناه من أفواه المشايخ.

والوحي: الإعلام في خفاءٍ، وفي اصطلاح الشَّرع: إعلام الله تعالى أنبياءَه الشَّيءَ، إمَّا بكتابٍ أو برسالةِ ملَكٍ أو منامٍ أو إلهامٍ، وقد يجيء بمعنى: الأمر؛ نحو: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111] ، وبمعنى: التَّسخير؛ نحو: {وأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] ؛ أي: سخَّرها لهذا الفعل، وهو اتِّخاذها من الجبال بيوتًا إلى آخره، وقد يعبِّر عن ذلك بالإلهام، لكن المراد به هدايتها لذلك، وإلَّا؛ فالإلهام حقيقةً إنَّما يكون لعاقلٍ، والإشارة؛ نحو: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 11] ، وقد يُطلَق على المُوحَى؛ كالقرآن والسُّنَّة؛ من إطلاق المصدر على المفعول، قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] .

والتَّصلية جملةٌ خبريَّةٌ يراد بها الإنشاء، كأنَّه قال: اللهم صلِّ.

(وَقَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((وقول الله عزَّ وجلَّ ))، ولابن عساكر: ((وقول الله سبحانه))، (وقولِ): مجرورٌ عطفًا على محلِّ الجملة التي أُضِيف إليها الباب؛ أي: باب كيف كان ابتداء الوحي، ومعنى (قول الله)، قِيلَ: وإنَّما لم يُقدِّر: وباب كيف قول الله جلَّ ذكره؛ لأنَّ (قول الله) لا يُكيِّف، وأُجِيب: بأنَّه يصحُّ على تقدير مضافٍ محذوفٍ؛ أي: كيف نزول قول الله، أو كيف فهم معنى قول الله، أو أن يُرَاد بكلام الله المُنـزَلُ المتلوُّ لا مدلوله، وهو الصِّفة القائمة بذات الباري تعالى، ويجوز رفعه: مبتدأً محذوفَ الخبر؛ أي: وقول الله تعالى كذا ممَّا يتعلَّق بهذا الباب، ونحو هذا من التَّقدير، أو خبره قاله العينيُّ، فليُتأمَّل.

({إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ})؛ أي: وحي إرسالٍ فقط، ({كَمَا أَوْحَيْنَا})؛ أي: كوحينا ({إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ})، زاد أبو ذَرٍّ ((الآية)). قاله العينيُّ فليُتأمَّل [20] ، وهذا جوابٌ لأهل الكتاب عن اقتراحهم أن يُـنَـزَّل عليهم كتابًا من السَّماء، واحتجاجٌ عليهم بأنَّ أمره في الوحي كسائر الأنبياء، وآثر صيغة التَّعظيم؛ تعظيمًا للموحي والمُوحَى إليه، قِيلَ: خصَّ نوحًا بالذِّكر؛ لأنَّه أوَّل مُشرِّعٍ، وعُورِضَ: بأنَّ أوَّل مشرِّعٍ آدمُ؛ لأنَّه نبيٌّ أُرسِل إلى بنيه وشرَّع لهم شرائع، ثمَّ شيثٌ وكان نبيًّا مُرسَلًا، وبعده إدريس، وقِيلَ: إنَّما [/ج1ص48/] خُصَّ بالذِّكر؛ لأنَّه أوَّل رسولٍ آذاه قومه، فكانوا يحصبونه بالحجارة حتَّى يقع على الأرض؛ كما وقع مثله لنبيِّنا عليهما الصَّلاة والسَّلام، وقِيلَ: لأنَّه أوَّل أولي العزم، وعطف عليه النَّبيِّين من بعده، وخصَّ منهم إبراهيم إلى داود تشريفًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، وترك ذكر موسى عليه السلام؛ ليبرزه مع ذكرهم بقوله: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النِّساء: 164] على نمطٍ أعمَّ [21] من الأوَّل، ولمَّا كان هذا الكتاب لجمع وحي السُّنَّة؛ صدَّره بـ: «بابٍ الوحي»؛ لأنَّه ينبوع الشَّريعة، وكان الوحي لبيان الأحكام الشَّرعيَّة؛ صدَّره بحديث: «الأعمال بالنيِّات»؛ لمناسبته للآية الشَّريفة السَّابقة؛ لأنَّه أوحى إلى الكلِّ الأمر بالنِّيَّة؛ كما قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ، والإخلاص: النِّيَّة.

فقال: كما أخبرنا به وبما سبق من أوَّله إلى آخر الصَّحيح الشَّيخُ المسند رُحْلَة الآفاق أبو العبَّاس أحمد بن عبد القادر بن طَريف _بفتح الطَّاء المهملة_ الحنفيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثمانين وثمانمئةٍ، وقد جاوز التِّسعين، بقراءتي عليه لجميع هذا «الجامع» في خمسة مجالس وبعض مجلسٍ متواليةٍ، مع ما أُعِيد لمفوتين أظنُّه نحو العُشر، آخرها يوم الأحد ثامن عشرٍ من شوَّال سنة اثنتين وثمانين وثمان مئةٍ.

قال: وأخبرنا أبو الحسن عليُّ بن محمَّدٍ الدِّمشقيُّ قراءةً عليه لجميعه، وأنا في الخامسة، والعلَّامة المقري أبو إسحق إبراهيم بن أحمد البعليُّ _بالموحَّدة المفتوحة، والعين المهملة السَّاكنة_ التَّنُوخيُّ؛ بفتح الفوقيَّة وضمِّ النُّون الخفيفة [22] وبالخاء المعجمة، والحافظان زين الدِّين عبد الرَّحيم بن الحسين العراقيُّ، ونور الدِّين عليُّ بن أبي بكر بن سليمان الهيثميُّ، من باب: «وكلَّم الله موسى تكليمًا» إلى آخر «الصَّحيح»، وإجازةً لسائره [23] .

قال الأوَّلان: أخبرنا أبو العبَّاس أحمد بن أبي طالب بن أبي النَّعم بن الشِّحنة الدِّير [24] مُقَرِّنيُّ، المتُوفَّى في خامس عشر من صفر سنة ثلاثين وسبعمئةٍ سماعًا، قال الثَّاني: لجميعه، وقال الأوَّل: للثُّلاثيَّات منه. ومن باب «الإكراه» إلى آخر «الصَّحيح»، وإجازةً لسائره [25] . وزاد فقال: وأخبرتنا ستُّ الوزراء وزيرة بنت محمَّد بن عمر بن أسعد بن المنجا التَّنوخيَّة، وزاد الثَّاني، فقال: وأخبرنا أبو نصرٍ محمَّد بن محمَّدٍ الشِّيرازيُّ الفارسيُّ، إجازةً عن جدِّه أبي نصرٍ عن الحافظ أبي القاسم بن عساكر، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمَّد بن الفضل السَّاعديُّ الفُراويُّ بضمِّ الفاء، قال: أخبرنا أبو سهلٍ محمَّدٌ الحَفْصيُّ عن أبي الهَيْثَم؛ بفتح الهاء وإسكان المثنَّاة التَّحتيَّة وفتح المثلَّثة، محمَّد بن مَكِّيٍّ _بفتح الميم وتشديد الكاف والياء_ ابن محمَّد بن زُرَاع [26] ؛ بضمِّ الزَّاي وتخفيف الرَّاء، الكُشْماهَنيِّ؛ بكافٍ مضمومةٍ، وشينٍ مُعجَمةٍ ساكنةٍ وفتح الهاء وكسرها، وقد تُمال الألف، وقد يُقال: الكُشْمِيهَنيُّ _بالياء بدل الألف_؛ قريةٌ بمرو، وقال الرَّابع: أخبرنا المُظَفَّر _بالظَّاء المُعجَمة والفاء_ العسقلانيُّ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمَّد [27] الصَّقِلِّي؛ بفتح المهملة وكسر القاف وتشديد اللَّام، قال: وكذا وزيرة وابن أبي النعم، أخبرنا أبو عبد الله الحُسَين [28] بن المُبَارَك الزَّبِيديُّ؛ بفتح الزَّاي وكسر الموحَّدة، المتوفَّى سنة إحدى وثلاثين وستِّمئةٍ.

«ح» وأخبرنا الحافظ نجم الدِّين عمر ابن الحافظ تقيِّ الدِّين المكِّيُّ، قال: حدَّثنا [29] المسنِد الرُّحلة نجم الدِّين عبد الرَّحمن بن سراجِ الدِّين عمر القِبَابيُّ _بكسر القاف والموحَّدتين المخفَّفتين، بينهما ألفٌ_ المقدسيُّ، أخبرنا [30] العلَّامة شمس الدِّين أبو عبد الله محمَّد ابن قاضي شهبة، والإمام عماد الدِّين أبو عبد الله محمَّد بن موسى بن سليمان بن الشَّيرجيِّ، بسماع الأوَّل لجميع الصَّحيح على أمِّ محمَّد وزيرة، وبسماع الثَّاني من الإمام الحافظ شرف الدِّين أبي الحُسين محمَّد بن عليٍّ اليونينيِّ، بسماعهما من أبي عبد الله الحسين الزَّبيديِّ، قال: أخبرنا أبو الوقت عبد الأوَّل بن عيسى بن شعيبٍ السِّجْزِيُّ _بكسر السِّين المهملة، وسكون الجيم، وكسر الزَّاي_ الهرويُّ الصُّوفيُّ، وُلِدَ في ذي القعدة سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمئةٍ، وتوفِّي ليلة الأحد سادس القعدة سنة ثلاثٍ وخمسين وخمسمئةٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسن عبد الرَّحمن الدَّاوديُّ البُوْشَنْجِيُّ؛ بضمِّ الموحَّدة، وسكون الواو، وفتح الشِّين المُعجَمة، وسكون النُّون، وبالجيم؛ نسبةً إلى بلدة بقرب هَراة خراسان _بفتح الهاء_ المتوفَّى سنة سبعٍ وستِّين وأربع مئةٍ سماعًا، قال: أخبرنا أبو محمَّدٍ عبد الله بن أحمد بن حَمُّوْيَه _بفتح المُهملَة، وتشديد الميم [/ج1ص49/]

المضمومة، وإسكان الواو، وفتح المثنَّاة التَّحتيَّة_ السَّرَخْسيُّ؛ بفتح السِّين المُهملَة، والرَّاء، وسكون الخاء المُعجَمة، أو بسكون الرَّاء وفتح المُعجَمة، المتوفى سنة إحدى وثمانين وثلاث مئةٍ، وقال الثَّالث: أخبرنا أبو عليٍّ، أو أبو [31] محمَّدٍ عبد الرَّحيم الأنصاريُّ، المعروف بابن شاهد الجيش _بالجيم والمثنَّاة التَّحتية، والشِّين المُعجَمة، المُتوفَّى سنة ستِّين وسبع مئةٍ، قال: أخبرنا المعين أبو العبَّاس الدِّمشقيُّ، وأبو الطَّاهر إسماعيل بن عبد القويِّ بن عَزُّون _بفتح العين المُهملَة، وضمِّ الزَّاي المشدَّدة وبالواو والنُّون_ المصريُّ الشَّافعيُّ، وأبو عمرٍو عثمان بن رَشِيقٍ بفتح الرَّاء وكسر الشِّين المعجمة_ المالكيُّ، سماعًا وإجازةً لما فات، قالوا: أخبرنا أبو عبد الله محمَّدٌ الأَرْتَاحِيُّ _بفتح الهمزة، وسكون الرَّاء، وفتح المثنَّاة الفوقيَّة، وبالحاء المهملة_ قال: أخبرنا أبو الحسن عليٌّ الموصليُّ، قال: أخبرتنا أمُّ الكرام كريمة بنت أحمد المروزيَّة، قالت: أخبرنا الكُشْمِيهَنِيُّ.

«ح» وقال أبو الحسن الدِّمشقيُّ: أخبرنا سليمان بن حمزة بن أبي عُمر _بضمِّ العين_ عن محمَّد بن عبد الهادي المقدسيِّ عن الحافظ أبي موسى محمَّد بن أبي بكرٍ المدينيِّ، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا أبو العبَّاس جعفر بن محمَّدٍ المستغفريُّ، قال: أخبرنا أبو عليٍّ إسماعيل بن محمَّدٍ الكشانيُّ، وهو آخر من حدَّث عن الفربريِّ بـ: «البخاريِّ».

«ح» وأخبرنا قاضي القضاة إمام الحرم الشَّريف المكيُّ أبو المعالي محمَّد ابن الإمام رضيِّ الدِّين محمَّدٍ الطَّبريُّ المكِّيُّ، المُتوفَّى في آخر ليلة الأربعاء ثامن عشر صفر سنة أربعٍ وتسعين وثمانمئةٍ بمكَّة المشرَّفة، بسماعي عليه الثُّلاثيَّات، وإجازةً [32] لسائره بمكَّة المُشرَّفه في يوم الاثنين ثالث عشر ذي القعدة الحرام، سنة إحدى وتسعين وثمان مئةٍ [33] ، قال: أخبرنا أبو الحسن عليُّ بن سلامة السَّلميُّ، سماعًا لبعضه، وإجازةً لسائره، قال: أخبرنا الإمام أبو محمَّدٍ عبد الله بن أسعد اليافعيُّ سماعاً عليه، قال: أخبرنا الإمام رضيُّ الدِّين الطَّبريُّ، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرَّحمن ابن أبي حَرَميٍّ _بالحاء المهملة والرَّاء المفتوحتين [34] _ فَتُّوح بن بَنِيْنٍ _بلفظ جمع ابنٍ_ الكاتب المكيُّ، سماعًا لجميعه خلا فوتًا [35] شملته الإجازة، قال: أخبرنا أبو الحسن عليُّ بن حُميدٍ بضمِّ الحاء المُهملَة _ابن عمَّارٍ _بتشديد الميم_ الأَطْرَابُلُسِيُّ؛ بفتح الهمزة، وإسكان المهملة، وبالراء وضمِّ الموحَّدة، واللَّام وبالسِّين المُهملَة، قال: أخبرنا به أبو مَكتُومٍ _بفتح الميم، وبالمثنَّاة الفوقيَّة المضمومة_ عيسى [36] بن أبي ذَرٍّ؛ بالذَّال المُعجمَة وتشديد الرَّاء، قال: أخبرنا والدي أبو ذَرٍّ عبد [37] بن محمَّدٍ الهَرَوِيُّ؛ بفتح الهاء والرَّاء، المتوفَّى سنة أربعٍ وثلاثين وأربعمئةٍ، قال: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم البَلْخِيُّ _بفتح الموحدة وسكون اللَّام [38] وكسر الخاء [39] المُعجمَة_ المستملي، المُتوفَّى سنة ستٍّ وسبعين وثلاث مئةٍ، والكُشْمِيهَنِيُّ والسَّرخسيُّ.

«ح» وأخبرنا الأئمَّة الثَّلاثة، الحافظان أبو عمرٍو فخر الدِّين بن أبي عبد الله محمَّدٌ، وشمس الدِّين محمَّد بن زين الدِّين أبي محمَّدٍ المصريَّان، والمحدِّث الحافظ نجم الدِّين عمر بن المحدِّث الكبير تقيِّ الدِّين محمَّدٍ الهاشميُّ المكِّيُّ [40] ، المتوفَّى في رمضان سنة خمسٍ وثمانين وثمان مئةٍ عن ثلاثٍ وسبعين سنةً، الشَّافعيُّون قراءةً وسماعًا عليهم للكثير منه، وإجازةً لسائره، قالوا: أخبرنا شيخ الإسلام إمام الحفَّاظ أحمد بن أبي الحسن العسقلانيُّ الشَّافعيُّ، قال: أخبرنا أبو عليٍّ محمَّد بن أحمد المهدويُّ إذنًا مشافهةً، عن يحيى بن محمَّدٍ الهَمْدانيِّ، قال: أخبرنا أبو محمَّدٍ عبد الله الدِّيباجيُّ _بالجيم_ إذنًا، قال: أخبرنا عبد الله بن محمَّدٍ الباهليُّ _بالمُوحَّدة_ قال: حدَّثنا الحافظ أبو عليٍّ الجيَّانِيُّ؛ بفتح الجيم، وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، وبالنُّون، قال: أخبرنا أبو شاكرٍ [41] عبد الواحد بن موهبٍ عن الحافظ أبي محمَّدٍ عبد الله بن إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله بن جعفرٍ الأَصيليِّ؛ نسبةً إلى أصيلا [42] من بلاد العدوة، سكنها ونشأ بها، وتُوفِّي يوم الخميس لإحدى عشْرة ليلةً بقيت من ذي الحجَّة، سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئةٍ، وحاتم بن محمَّدٍ الطَّرابلسيِّ عن الإمام أبي الحسن عليٍّ بن محمَّدٍ القابسيِّ؛ بالقاف والموحَّدة والمُهملة.

«ح» وبسند أبي الحسن عليِّ بن محمَّدٍ الدِّمشقيِّ إلى الحافظ أبي موسى المدينيِّ قال: أخبرنا أبو عليٍّ الحسن بن أحمد الحدَّاد، قال: أخبرنا الحافظ أبو نعيمٍ، قال الثَّلاثة: أخبرنا أبو زيدٍ محمَّدٌ المروزيُّ.

«ح» وقال القابسيُّ: أخبرنا أبو أحمد محمَّد [/ج1ص50/] ابن محمَّدٍ الجرجانيُّ _بجيمين_.

«ح» وقال أبو الحسن الدِّمشقيُّ أيضًا: أخبرنا محمَّد بن يوسف بن المهتار عن الحافظ أبي عمرٍو عثمان بن الصَّلاح الشَّهرزوريِّ، قال: أخبرنا منصور بن عبد الدَّائم بن عبد الله بن محمَّد بن الفضل الفراويُّ [43] ، قال: أخبرنا محمَّد بن إسماعيل الفارسيُّ، قال: أخبرنا سعيد بن أحمد بن محمَّد الصَّيرفيُّ العَيَّار؛ بالعين المُهملَة، وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، قال: أخبرنا أبو عليٍّ محمَّد بن عمر بن شبويه.

«ح» وقال الجيَّانيُّ: أخبرنا أبو عمر أحمد بن محمَّد الحذَّاء سماعًا، وأبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البرِّ الحافظ إجازةً، قالا: أخبرنا أبو محمَّد الجهنيُّ، قال: أخبرنا الحافظ أبو عليٍّ سعيد بن عثمان بن سعيد بن السَّكَن؛ بفتح السِّين المُهملَة والكاف، قال هو والمستملي والكُشْمِيهَنِيُّ والسَّرخسيُّ وأبو زيدٍ المروزيُّ والجرجانيُّ والكُشانيُّ [44] وابن شَبُّويه: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطر الفـرَبْريُّ؛ بكسر الفاء وفتحها، وبفتح الرَاء وإسكان الموحَّدة؛ نسبةً إلى قريةٍ من قرى بُخَارى، المتوفَّى سنة عشرين وثلاثمئةٍ، وكان سماعه من البخاريِّ صحيحه هذا مرَّتين: مرَّةً بفِرَبْرَ سنة ثمانٍ وأربعين ومئتين، ومرَّةً ببُخَارى سنة اثنتين وخمسين ومئتين.

«ح» وقال الجيَّانيُّ أيضًا: أخبرنا الحكم بن محمَّدٍ، قال: أخبرنا أبو الفضل بن أبي عمران الهرويُّ سماعًا لبعضه، وإجازةً لباقيه، قال: أخبرنا أبو صالحٍ خلف بن محمَّد بن إسماعيل، قال: أخبرنا إبراهيم بن معقلٍ النَّسفيُّ، المتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين ومئتين، وفاته أوراقٌ رواها عن المؤلِّف إجازةً.

«ح» وأخبرنا الحافظان الفخر والشَّمس المصريَّان، والحافظ المحدِّث الكبير النَّجم المكِّيُّ، عن إمام الصَّنعة أبي الفضل أحمد بن عليِّ بن [45] أحمد العسقلانيِّ الشَّافعيِّ، قال: أخبرنا أحمد بن أبي بكرِ بن عبد الحميد في كتابه عن أبي الرَّبيع بن أبي طاهر بن قدامة عن الحسن بن السَّيِّد العلويِّ عن أبي الفضل بن طاهرٍ الحافظ عن أبي بكرٍ أحمد بن عليِّ بن خلفٍ عن الحاكم أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الحافظ عن أحمد بن محمَّد بن رُميحٍ [46] النَّسويِّ عن حمَّادِ بن شاكرٍ، قال هو والنَّسفيُّ وابن مطرٍ الفِرَبْرِيُّ: أخبرنا الإمام العلَّامة أستاذ الحفَّاظ، أمير المؤمنين في الحديث، وشيخ مشايخ الأئمَّة في الرِّواية والتَّحديث، أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه؛ بفتح الموحَّدة، وسكون الرَّاء، وكسر الدَّال المُهملَة، وسكون الزَّاي المُعجمَة، وفتح الموحَّدة، بعدها هاءٌ؛ ومعناه: الزُّرَّاع بالفارسيَّة، الجُعْفِيُّ _بضمِّ الجيم، وإسكان العين المُهملَة، وبالفاء_ البخاريُّ المتوفَّى وله من العمر اثنتان وستُّون سنةً إلَّا ثلاثة عشر يومًا، في اللَّيلة المسفرة عن يوم السَّبت مستهلِّ شهر شوَّال، سنة ستٍّ وخمسين ومئتين رحمه الله، قال:

[1] «الحافظ»: ليس في (ص).
[2] قوله: «قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى»، سقط من (م).
[3] في (ب) و(س): «مؤخَّرًا».
[4] في غير (ص): «كان».
[5] في (ص): «البسملة».
[6] في (ص): «بعد القول».
[7] في (ص): «محلًا».
[8] في (ص): «اللفظ والتوقيف».
[9] في (ص): «وفرق».
[10] في (ص) و(م): «وحديث»
[11] في (م): «يبتدأ».
[12] في (ص): «أبي داود»، والحديث مثبت في «سنن ابن ماجه» (1894).
[13] في النُّسخ: «عبد الرحيم»، ولعلَّه تحريفٌ، والمثبت من كتب التراجم.
[14] في (ص): «بذكر الله».
[15] في (ص): «ببسم الله».
[16] قوله: «وثبتت البسملة لأبي ذَرٍّ والأصيليِّ»، سقط من (م).
[17] في (ب) و(س): «الألوهيَّة».
[18] قوله: «وإنَّما احتيج إلى هذا المضاف... جواب كيف كان بدء الوحي»، سقط من (ص).
[19] في غير (ب): «معمولها».
[20] قوله: «قاله العينيُّ فليُتأمَّل»، سقط من (ص).
[21] في (د): «أعظم».
[22] «وضمِّ النُّون الخفيفة»: سقط من (ص) و(م).
[23] في (ص): «وأجازه كسائره»، وليس بصحيحٍ.
[24] في (ص): «بن أبي الشِّحنة الدِّين»، وهو تحريفٌ.
[25] في (ص): «كسائره».
[26] «بن»: سقط من (د).
[27] «محمد»: سقط من غير (ص).
[28] في (ص): «الحسن»، وهو تحريفٌ.
[29] في (ص): «أنبأنا»، وسقط «قال: حدثنا» من (م).
[30] في (د): «أنبأنا».
[31] في (د): «وأبو».
[32] في (ص): «وأجازه».
[33] في (ص): «تسع مئة»، وليس بصحيحٍ.
[34] زيد في (ص): «قال أخبرنا»، وهو خطأٌ.
[35] في (ص): «حملًا قويًّا».
[36] في (ص): «علي»، وهو خطأٌ.
[37] في (د) و(س): «عبد الله»، وهو خطأٌ.
[38] «وسكون اللام»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[39] في (ب) و(س): «وبالخاء».
[40] في (ص): «المالكي)، وهو تحريفٌ.
[41] زيد في (د): «قال: أخبرنا»، وهو خطأ.
[42] في المصادر «أصيلة»، انظر «معجم البلدان» (1/213).
[43] في (ص): «الغزاوي»، وهو تصحيفٌ.
[44] في (ص): «والكناني»، وهو تحريفٌ.
[45] زيد في (ص) و(م): «أبي»، والمثبت هو الصَّواب.
[46] في (ص): «ربيح»، وهو تحريفٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(1) كَيْفَ [1] كانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلىَ رَسُولِ اللّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقَوْلُ [2] اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ [3] : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ } [4] [النساء: 163]

[1] في رواية ابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «بابٌ: كيف... ».
قال في الإرشاد: لم يقل في الأول: كتاب بدء الوحي؛ لأنَّه كالمقدمة، ومن ثَمَّ بدأ به؛ لأنَّ مِن شأن المقدمة كونها أمام المراد، وأيضًا فإنَّ مِن الوحي عُرِف الإيمان وغيره (ل).
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«وقَوْلِ».
[3] في رواية ابن عساكر: «سبحانه»، وفي رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «عزَّ وَجَلَّ».
[4] في رواية أبي ذر زيادة: «الآية».





( بَابٌ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )

يَجُوز في ( باب ) التَّنوين والإضافة، وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا بابٌ، ولا يقال: كيف لا يضاف [إليها؟] [1] لأنا نقول: الإضافة إلى الجملة كلا إضافة.

وروي بإسقاط الباب، وروي: ( بَدْءُ ) بالهمز، من الابتداء، وبتركه مع ضم الدال وتشديد الواو: من الظهور، والأحسن: الهمز؛ لأنَّه يجمع المعنيين.

( وَقَوْلُ اللَّهِ ) جَوَّزَ فيهِ القَاضِي وَجْهَيْنِ: الرفع بالابتداء، والكسر عطفًا على ( كيف ) فإنها في موضع خفض، والتَّقْدِيْرُ: باب كَيف كَذَا، وباب معنى قول الله، أو ذكر قول الله، ولا يقدر هنا الكيفية؛ إذ لا يُكيَّف كلام الله.

ومن محاسن ما قيل في تصدير الباب بحديث النية: تعلُّقه بالآية المذكورة في الترجمة؛ لأن الله تعالى أوحى إليه وإلى الأنبياء قبله أن الأعمال بالنيات، بدليل [ب:2] قوله تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ } [ البينة: 5 ] ، وقصده من ذلك أن كل معلِّم أراد بعلمه وجهَ الله ونفعَ عبادِه فإنه يُجازَى على نيته. [2]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ق] .
[2] قال محب الدين البغدادي: قوله: وقول الله جل وعز: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ } [النساء: 163] وخُصَّ نوحًا عليه السلام بالذكر في الآية الكريمة لأنَّه أول رسول مشرع. [/ج1ص3/]





((1)) (قال البخاري رحمه الله: باب) هو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب، ويُروى: بالتنوين.

قوله [1] : (كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟) جملةٌ لا محل لها من الإعراب، أتى [2] بها لبيان ما عقد الباب لأجله.

ويُروى بترك التنوين، قالوا: على أنَّه مضاف لتلك الجملة بعده، فهي في محل خفضٍ.

فإن قلتَ: لا يضاف إلى الجملة إلا أحدُ أشياء مخصوصة ذكرها النحاةُ، وليس ((الباب)) شيئًا [3] منها؟

قلتُ: هذا إنما هو في الجملة التي لا يراد بها لفظُها، وأما ما أُريد به لفظُه من الجُمَل، فهو في حكم المفردِ، فتضيفُ إليه ما شئتَ مما يُقبل [4]

@%ج1ص3%

بلا حصر [5] ، ألا ترى أنك تقول: محلَّ قام أبوه من قولك: زيدٌ قام أبوه، رفعٌ، ومعنى لا إله إلا الله: إثباتُ الإلهية لله تعالى، ونفيُها عما [6] سواه إلى غير ذلك [7] .

وهنا أُريد لفظُ الجملة.

والأصل: هذا بابُ شرحِ كيفَ كان بدءُ [8] الوحي؛ أي: باب شرح هذا الكلام، ثم حُذف المضاف، وأُقيم المضافُ إليه مقامَه.

وقد استبانَ لك أن عدَّ ابن هشام في «مُغنيه» ((قولًا)) و((قائلًا)) من الألفاظ المخصوصة التي تضاف [9] إلى الجملة، غير ظاهر.

ولا يخفى سقوطُ قولِ الزركشي: لا يقال: كيف، لا يضاف إليها؛ لأنا نقول: الإضافة إلى الجملة كَلَا إضافة. انتهى.

وتقع هذه الترجمة في بعض النسخ بدون كلمة: <باب>.

و((بَدْء)): بباء موحدة مفتوحة فدال مهملة ساكنة فهمزة، من الابتداء، ويُروى: <بُدُوّ> بواو [10] مشددة؛ كظُهُور زِنةً ومعنى.

وهل الأحسنُ الأولُ؛ لأنه يجمع المعنيين، أو الثاني؛ لأنه أعم؟ رأيان [11] .

(وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى) إما بكسر اللام من: ((قول)) [12] ، على أنه معطوف على محل الجملة السابقة في رواية من ترك تنوين ((باب)).

وفي قولهم: عُطِفَ على ((كيف)) مسامحةٌ، وإما بضمها على أنه مبتدأ، والخبر محذوفٌ؛ أي: وقول الله تعالى كذا مما يتعلَّق بهذا الباب، ونحو [13] هذا من التَّقدير.

[1] في (ج) و(د): ((فقوله)).
[2] في (ج): ((وأتى)).
[3] في (ق): ((شيء)).
[4] في (ق): ((مما لا يعد)).
[5] في (د): ((يقبل إلى حصر)).
[6] في (ق): ((عنما)).
[7] في هامش (ق): ((هذا مثال الصغرى زيد مبتدأ وقام فعل ماض وأبوه فاعل ومضاف إليه وجملة قام أبوه فعلية صغرى ومحلها رفع على الخبرية وجملة زيد قام أبوه كبرى ولا محل لها لأنها مستأنفة)).
[8] في (ق): ((بدو)).
[9] في (ق): ((التي لا يضاف)).
[10] في (د): ((بباب)).
[11] في (ق): ((وإياك)).
[12] في (ق): ((قوله)).
[13] في (ق): ((أو نحو)).





(بَابُ كَيْفَ كَانَ بُدُوُّ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) [1]

قوله: (بَابُ كَيْفَ كَانَ بُدُوُّ الْوَحْيِ): يجوزُ [2] رفعُ (باب) [3] بلا تنوينٍ وما بعدَه مضافٌ، وهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هذا بابُ، ويجوزُ تنوينُه، وهما جاريانِ في نظائِرِه.

ووقع في بعضِ النُّسَخِ بغيرِ ذِكْرِ (باب) ؛ فاعلمْهُ.

قوله: (كَيْفَ كَانَ بُدُوُّ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (بُدُوُّ): قال ابن قُرقُول -وهو الإمامُ الحافظُ العلَّامةُ أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ يوسفَ بنِ إبراهيمَ الحَمْزيُّ؛ بالحاء المهملة وبالزاي، نسبةً إلى بلدٍ بالمغربِ [4] - في «مطالعه» - وكلُّ ما أنقلُه عنه؛ فمِن كتابه المذكور، وهو كتابٌ نفيسٌ ذُو فوائدَ، والظاهرُ أنَّه اختصَرَه مِن كتاب «المشارق» للقاضي الإمام الحافظ المحقِّق أبي الفضل عِياض بن موسى اليَحْصُبيِّ [5] -: (رَوَيناه بالهمز، مِنَ الابتداء، ورواهُ بعضُهم غيرَ مهموزٍ، مِنَ الظهور) .

قال أبو مروانَ: (والهمزُ أحسنُ؛ لأنَّه يَجمعُ المعنيين، وأحاديثُ الباب تدُلُّ عليه؛ لأنَّه بيَّن فيه كيفَ يأتيه الملَكُ ويظهرُ له، وفيه كيفَ كانَ ابتداءُ أمرِه، وأوَّلُ ما ابتُدِئ به) .

وكان غيرُه يقول: (إنَّ الظهورَ أحسنُ؛ لأنَّه أعمُّ) انتهى.

فقولُه: (ورواه بعضُهم غيرَ مهموزٍ) ؛ يعني: بُدُوُّ؛ مثل: قعود، مصدرًا.

وأمَّا على رواية الهمز؛ فـ(بَدْءُ) مفتوحُ الباءِ، ساكنُ الدال، مهموزُ الآخر، وتصريفُه كتصريفِ (منع) ، والله أعلم.

قوله: (بُدُوُّ الْوَحْيِ): سيأتي الكلامُ على (الوحيِ) قريبًا إن شاء الله تعالى.

قوله: (وقول اللهِ [6] ): (قول): مجرورٌ ومرفوعٌ معطوفٌ على (كيفَ) ، قاله شيخُنا الشَّارح رحمه الله تعالى [7] ، وقال أيضًا: (وعبارةُ القاضي -يعني: عِياضًا-: يجوزُ الرفعُ على الابتداءِ، والكسرُ عطفًا على «كيف»، وهي في موضعِ خفضٍ؛ كأنَّه قال: بابُ كيفَ كذا وبابُ معنى قولِ الله، [/ج1ص5/] أو الحجَّة [بقول الله] ، ولا يصحُّ أن يُحملَ على الكيفيَّة لقولِ الله؛ إذْ لا يُكيَّفُ كلامُ الله) انتهى [8]

سؤال [9] : إن قلت: ما موقعُ حديثِ عمرَ رضي الله عنه مِنَ الترجمة، وأين هو مِن ابتداء الوحي؟

فالجوابُ: أنَّ هذا ذكره ابنُ المُنَيِّر - الإمام العالم العلَّامة [10] الذي سمعت عنه [11] العلَّامة البلقينيَّ يقول: (عالمان بمكَّة [12] ؛ لم [13] يرحل أحدهما، ولم يتنقَّح علمه، ورحل الآخر، [ونقِّح] علمه: ابنُ دقيق العيد؛ يعني: العلامة زين الدين، والآخرُ ابنُ المُنَيِّر) انتهى [14] ، (والذي رحل هو ابن دقيق العيد) [15] ، وكلُّ ما أنقلُه [16] في هذا المؤلَّف عنه؛ فمِن تراجمه على «البخاريِّ» كما تقدَّم، (وإنْ نقلتُ عنه مِن غيرِها؛ عزوتُه) [17] - ولفظُه: (قلتُ: أشكلَ هذا قديمًا على الناس، فحملَه بعضُهم على قصْدِ الخُطبة والمقدِّمة للكتاب، لا على مطابقةِ الترجمة، وقيل فيه غيرُ هذا، والذي وقع لي فيه: أنَّه قصدَ -والله أعلم- أنَّ الحديثَ اشتملَ على أنَّ مَنْ هاجر إلى الله؛ وَجدَهُ، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان مقدِّمةُ النبوَّة في حقِّه هجرتَه إلى الله، وإلى الخلوة بمناجاتِه، «والتقرُّب إليه بعباداته» [18] في غار حِراء، فلمَّا ألهمَه اللهُ صِدْقَ الهجرةِ إليه وطلب وجدَّ؛ وَجَدَ، فهجرتُه إليه كانت [بدءَ] فضلِه عليه باصطفائه، وإنزال الوحي عليه، مضافًا إلى التأييدِ الإلهيِّ، والتوفيقِ الرَّبَّانيِّ، الذي هو الأصلُ والمرجِعُ والمبدَأُ [19] ، وليس على معنى ما ردَّه أهلُ السُّنَّةِ [على] مَن اعتقدَ أنَّ النبوَّةَ مكتسبةٌ، بل على معنى أنَّ النبوَّةَ ومقدِّماتِها ومنحاتِها [20] كلٌّ فضلٌ مِن عند الله، فهو الذي ألهَمَ السُّؤَالَ وأعطى السُّؤْلَ، وعلَّقَ الأملَ وبلَّغَ المأمولَ، فله الفضلُ أوَّلًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا، سبحانه وتعالى.

ولم يذكُرِ البخاريُّ في هذا الحديث: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ» وهو أمسُّ بالمقصود الذي [21] نبَّهنا عليه، وقد ذَكَرَ هذه الزيادةَ في (كتاب الإيمان) [خ¦54] ، وكأنَّه استغنى عنها بقوله: «فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»، فأفهم ذلك: أنَّ كلَّ مَن هاجر إلى شيءٍ؛ فهجرتُه إليه، فدخل في عُمُومِهِ الهجرةُ إلى الله، ومِن عادتِهِ أن يترُكَ الاستدلال بالظاهرِ الجليِّ، ويعدِلَ إلى الرمزِ الخفيِّ، وسيأتي له أمثالُ ذلك) انتهى [22]

(سؤالٌ ثانٍ) [23] : إنْ قلتَ: ما وجهُ تعلُّقِ حديثِ عمرَ رضي الله عنه بالآية المذكورة أوَّلَ الباب؟

فالجوابُ: أنَّ هذا ذَكَرَه الحافظُ الدِّمياطيُّ في حاشية نُسختِه لـ «صحيح البخاريِّ»؛ كِلاهُما بخَطِّه [24] - وقد رأيتُ «البخاريَّ» بخَطِّه [25] ، وحواشيَه عليه، وكذا رأيتُ «صحيحَ مسلمٍ» بخَطِّه، وحواشيه عليه رحمه الله، وأخبرني شيخُنا العلَّامةُ ابنُ المُلقِّن: (أنَّ في خزانةِ الشافعيَّةِ بالقاهرة الكُتبَ السِّتَّةَ بخَطِّه، وهي وقفٌ على الشافعيَّة) ، [وكلُّ ما أنقلُه في هذا المؤلَّفِ عنه [26] كما تقدَّم وأُطلقه؛ فهو مِن حواشيه بخطِّه على «البخاريِّ»، وإن نقلتُ مِن غيرِها؛ عزوتُه لمكانه، قال الحافظُ جمالُ الدينِ المِزِّيُّ [27] : (ما رأيتُ في الحديثِ أحفظَ مِنَ الدِّمياطيِّ) انتهى، وهو الحافظُ شرفُ الدينِ أبو محمَّدٍ عبدُ المؤمنِ بنُ خلفٍ شيخُ بعضِ مَن أخذتُ عنه مِنَ الشيوخِ [28] كما تقدَّم في الدِّيباجة] [29] - ولفظُه: (وجهُ تعلُّق هذا الحديث بهذِه الآيةِ: أنَّ اللهَ أوحى إلى جميعِ الأنبياءِ أنَّ الأعمالَ بالنِّيَّاتِ، والحُجَّةُ لذلِكَ قولُه تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ، وقال: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ...}؛ الآية [الشورى: 13] ، قال أبو العالية: وصَّاهم بالإخلاصِ لله في عبادتِه لا شريك له) انتهى.

قوله: ({كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} [النساء: 163] ): اعلم أنَّ نُوحًا اسمٌ أعجميٌّ، والمشهورُ صَرْفُه، (وقيل: يجوزُ صرفُه) [30] ، وتَرْكُ صرْفِه.

قال السُّهيليُّ: (واسمه عبد الغفَّار، وقال غيرُه: اسمه يَسْكَن [31] ، وقيل: يشكر، واسمُ أُمِّه: شمخى بنت أنوش) انتهى [32]

واسمُ والدِه: لمك، وقيل: لامك -بفتح الميم وكسرها- ابن مَتُّوشَلَخ -وهو [33] بميمٍ مفتوحة، ثمَّ مثنَّاةٍ فوقُ مشدَّدةٍ، ثمَّ واوٍ ساكنةٍ، ثمَّ شينٍ معجمةٍ، ثمَّ لامٍ مفتوحتين، ثمَّ خاءٍ معجمة- ويُقال: مُتَوشْلخ، وتفسيرُه: ماتَ الرَّسول؛ لأنَّ أباهُ كان رسولًا؛ وهو خَنُوخ.

وقال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: هو إدريسُ.

وأخْنُوخ: بالخاء المعجمة، وقيل: مهملة، ثمَّ نون مضمومة، ثمَّ واو، ثمَّ خاء معجمة.

قال شيخُنا مجدُ الدين في «قاموسه»: (خَنُوخ -يعني: بخاءين معجمتين- أو أخنوخ؛ يعني: بالخاءين أيضًا بزيادة همزة في أوَّله) .

وقال شيخُنا الشَّارح: (حنوح؛ بالحاء المهملة، وقيل: معجمة) .

وسيأتي الكلامُ على هذا الاسم، وكذا مِنَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى آدمَ في أوَّلِ المَبْعث إن شاء الله تعالى.

ثمَّ اعلم أنَّ ابنَ إسحاقَ والأكثرينَ قالوا: إنَّ أخنوخَ هو إدريسُ، وأنكرَ آخرونَ ذلك، وقالوا: إنَّه ليس في عَمود النسبِ، وإنَّما إدريسُ هو إلياسُ.

وفي «البخاريِّ» في (الأنبياء) [قبل ح3342] في قوله تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ} [34] [الصافات: 123] : يُذكَر عنِ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ: (أنَّ إلياسَ هو إدريسُ) انتهى، واختارَه - (أنَّه ليس في العمود) [35] - ابنُ العربيِّ ، وتلميذُه السُّهيليُّ [36] ؛ لحديث الإسراء حيث قال: «مرحبًا بالأخ الصالح»، ولم يقل: بالابن الصالح، كما قال إبراهيمُ.

وأجاب عن ذلك النوويُّ رحمه الله: (بأنَّه [37] يَحتمل أنَّه قاله [38] تلطُّفًا وتأدُّبًا، وهو أخٌ وإنْ كان ابنًا، والأبناءُ إخوةٌ، والمؤمنونَ إخوةٌ) .

وقال شيخُنا الشَّارِحُ عنِ ابنِ المُنَيِّر: (أكثرُ الطرق على أنَّه خاطبه بالأخ الصالح، قال: وقال لي [39] ابنُ أبي الفضل: صحَّت لي طريق: أنَّه خاطبه فيها بالابن الصالح) .

وقال شيخُنا الشَّارح: (وقال المازِرِيُّ: ذكر المؤرِّخون: أنَّ إدريسَ جَدُّ نوحٍ، فإنْ قامَ دليلٌ على أنَّ إدريسَ أُرسلَ؛ لم يصحَّ قولُ النسَّابين: إنَّه قبلَ نوحٍ؛ لما في «الصحيح»: «ائتوا نوحًا؛ فإنَّه أوَّلُ رسولٍ بعثه الله إلى أهل الأرض»، وإن لم يقم دليلٌ؛ جاز ما قالوا، وصحَّ أنَّ إدريسَ [40] كان نبيًّا، ولم يُرسَل) .

وقال السُّهيليُّ: (وحديثُ أبي ذرٍّ رضي الله عنه [41] يدُلُّ على أنَّ آدمَ وإدريسَ رسولان) .

قال شيخنا الشَّارح: (قلتُ: أخرجه بطوله ابنُ حِبَّانَ) انتهى.

[1] في (ب) بدل مما في قوسين: (كتاب) .
[2] زيد في (ب): (فيه) .
[3] (باب): ليست في (ب) .
[4] هو الإمام العلَّامة أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ يوسفَ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ باديسَ الحَمْزيُّ الوَهْرانيُّ، صاحب كتاب «مطالع الأنوار» الذي وضعه على كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عياض، ولد بالمرية سنة (505 هـ ) ،وكان فاضلًا من أوعية العِلم، رحَّالًا في طلبه فقيهًا نظَّارًا أديبًا حافظًا بصيرًا بالحديث، صنَّف وكتب الخطَّ الأنيق، وصَحِبَ جماعةً مِن العلماء بالأندلس، وكان رفيقًا للسُّهيليِّ، ولمَّا حضرته الوفاةُ بفاس تلا سورة الإخلاص وجعل يكرِّرُها بسرعة ثم إنَّه تشهَّد ثلاث مرَّاتٍ وسقط على وجهه ساجدًا ومات سنة (569 هـ ) ، انظر «سير أعلام النبلاء» (20/520) ، «الوافي بالوفيات» (6/109) .
[5] هو الإمام العلَّامة، وتوفي سنة ( هـ )
[6] زيد في النسخ: (تعالى) ، وليست في «اليونينيَّة» و (ق) .
[7] «التوضيح» (2/116) .
[8] «التوضيح» (2/116-117) .
[9] في (ب): (قوله) .
[10] زيد في (ب): (ابن) .
[11] في (ب): (من) .
[12] في (ب): (مليًا) .
[13] (لم): ليست في (ب) .
[14] (انتهى): ليست في (ب) .
[15] ما بين قوسين جاء في (ب) بعد قوله: (تراجمه على البخاري كما تقدم) ، وهي في (أ) بالهامش.
[16] في (أ): (أنقل) .
[17] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[18] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[19] عبارة ابن المُنيِّر: (الأصل والمبدأ والمرجع والموئل) .
[20] في«المتواري»: (ومتمِّماتِها) .
[21] في النسخ: (والذي) ، والمثبت من مصدره.
[22] «المتواري على أبواب البخاري» لابن المُنَيِّر (ص48-49) .
[23] في (ب) بدل مما في قوسين: (قوله) .
[24] وهي ضمن مصادرنا، والحمد لله.
[25] (بخطه): ليست في (ب) .
[26] (عنه): ليست في (ب) .
[27] في (ب): (والمزي) .
[28] قوله: (بعض من أخذت عنه من الشيوخ) غير واضح في الأصل.
[29] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (ل - «صحيح البخاري» كلاهما بخَطِّه) .
[30] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[31] في (ب): (يشكن) .
[32] «الروض الأنف» (1/) .
[33] في (ب): (فهو) .
[34] قوله: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ}: مثبت من (ب) .
[35] ما بين قوسين ليس في (ب) ، وهو في (أ) بالهامش.
[36] «الروض الأنف» (1/) .
[37] في (ب): (فإنَّه) .
[38] في (ب): (قال) .
[39] (لي): ليست في (ب) .
[40] في (ب): (إدريسًا) .
[41] الترضية ليست في (ب) .





(بَاب): يجوزُ فيه وفي نظائِرِه ثلاثةُ أوجهٍ:

أحدُها: بابْ؛ على سبيل التعداد للأبواب بصورة الوقف، فلا إعرابَ له، قاله الكرمانيُّ، قال البِرْماويُّ: (ولا يخفى بُعْدُه).

الثاني: رفعُه بلا تنوينٍ على الإضافةِ، وما بعدَه مضافٌ، ولا يقال: «كيف» لا تُضاف؛ لأنَّا نقول: الإضافة إلى الجملة كَلَا إضافة، وهو خبرُ مبتدأٍ محذوف؛ أي: هذا بابُ...، قال البِرْماوي: (ويُقرأ بلا تنوين على إضافتِه لما بعدَه، لكن على تقدير مضافٍ؛ أي: هذا بابُ جوابِ كيف كان، أو بيانِ كيف كان؛ فإنَّ «باب» لا يُضافُ لجملةٍ، وأيضًا؛ فلاستقامة المعنى المراد، ويجوزُ تنوينُه على أنَّ الجملةَ بعدَه استئنافٌ يُشعر بما يُرادُ من الترجمة).

(كَيْفَ كَانَ): قال ابنُ عطيَّة: (إنَّ البخاريَّ لم يستفهم)، قال أبو حيَّان: (هو استفهامٌ محضٌ؛ إمَّا على سبيل الحكاية كأنَّ سائلًا سأله فقال: كيف كان بُدُوُّ [1] الوحي؟ وإمَّا أن يكون من قوله هو كأنه سأل نفسَه: كيف بُدُوُّ [2] الوحي؟ فأجاب بالحديث الذي فيه كيفيَّة ذلك) انتهى.

وقال البِرْماوي: («كيف» في محلِّ نصبِ خبرِ «كان» إنْ جُعلت ناقصةً، وحالًا إنْ جُعلت تامَّةً، وتقديمُها واجبٌ؛ لأنَّ الاستفهامَ له الصَّدْرُ).

(بُدُوُّ): قال شيخُنا: (ضُبِطَ بغير همزٍ مع ضمِّ الدال وتشديد الواو، من الظهور، ولم أرَهُ مضبوطًا في شيءٍ من الروايات التي اتصلت لنا).

(وَقَوْل اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ): هو مجرورٌ عطفًا على محلِّ [3] الجملة التي هي: (كَيْفَ كَانَ بَدْوُّ الْوَحْيِ)، أو مرفوعٌ عطفًا على لفظ (البُدُوِّ)، قال النووي: (مجرورٌ ومرفوعٌ معطوفٌ على «كيف»)، وعبارة عياض: (يجوزُ الرفعُ على الابتداء، والكسرُ عطفًا على «كيف»، وهي في موضع خفضٍ؛ كأنَّه قال: باب كيف كذا، وباب معنى قولِ الله أو الحجَّة بقولِ الله، قال: ولا يصحُّ أن يُحمل على الكيفيَّة لقول الله؛ إذ لا يُكيَّف كلامُ الله).

قال الكرماني بعد إيراد كلام النووي: (ليس هو مجرورًا أو مرفوعًا معطوفًا على «كيف»؛ إذ لا صِحَّةَ له لفظًا ولا معنًى، أمَّا لفظًا؛ فلأنَّ «كيف» منصوبٌ بأنَّه خبرُ «كان»، وأمَّا معنًى؛ فلأنَّ التقديرَ حينئذٍ: وقولَ الله [4] كان بُدوُّ [5] الوحي، وهو فاسدٌ).

وقال البِرْماوي: (قيل: ويجوزُ عطفُه على اسم «كان»، وضُعِّفَ بأنَّ كلامَ الله تعالى لا يُكيَّفُ.

قلتُ: يصحُّ على تقدير مضاف؛ أي: كيف نزول قول الله تعالى، أو: كيف فَهْمُ معنى قول الله، أو أنَّ المراد بكلام الله تعالى: المُنزَّلُ المَتْلُوُّ، لا مدلولُه؛ وهو الصفةُ القديمةُ القائمةُ بذات الله عزَّ وجلَّ) انتهى.

({كما أوحينا}): (الكاف): نعتٌ لمصدرٍ محذوف؛ أي: إيحاءً مثلَ إيحائنا، أو على أنَّه حال من ذلك المصدر المحذوف المقدَّر معرَّفًا [6] ؛ أي: أوحيناه؛ أي: الإيحاءَ حالَ كونِه مُشْبهًا لإيحائنا إلى مَن ذُكِر، وهذا مذهب سيبويه، و (مَا) تحتمل وجهين: أن تكون مصدريَّةً، فلا تفتقرُ إلى عائدٍ على الصحيح، وأن تكون بمعنى: الذي، فيكون العائدُ محذوفًا؛ أي: كالذي أوحيناه إلى نوح.

و ({مِن بعده}): متعلِّقٌ بـ{أوحينا}، ولا يجوزُ أن يكون حالًا من {النبيين}؛ لأنَّ الحالَ خبرٌ في المعنى، ولا يُخبَرُ بظرف الزمان عنِ الجُثَّةِ إلَّا بتأويلٍ ليس هذا مَحَلَّه، واختارَ أبو البقاءِ أن يتعلَّقَ بنفسِ {النبيين} ؛ يعني: أنَّه في معنى الفعل؛ كأنَّه قيل: والذين تنبَّؤوا مِن بعدِه، قال السَّمين: (وهو معنًى حَسَنٌ).

(الآيَةَ): بالنصب؛ أي: اقرأِ الآيةَ، وسيأتي.

[1] في (ب): (بدء).
[2] في (ب): (بدء).
[3] محل: ليس في (ب).
[4] زيد في (ب): (كيف).
[5] في (ب): (بدء).
[6] في (أ) و(ب): (معرَّف).





(قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ [1] أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى [2] ):

(بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الباء متعلِّقةٌ بمحذوفٍ قدَّره البصريُّون اسمًا مقدَّمًا، والتَّقدير: ابتدائي كائنٌ أو مستقِرٌّ، وقدَّره الكوفيُّون فعلًا مقدَّمًا، والتَّقدير: أبدأ، فالجارُّ والمجرور في الأوَّل: في موضع رفعٍ، وفي الثاني: نصبٍ، وجوَّز بعضهم تقديره اسمًا متأخِّرًا [3] ؛ أي: بسم الله ابتدائي الكلام، وقدَّره الزَّمخشريُّ فعلًا مؤخَّرًا؛ أي: بسم الله أقرأ أو أتلو؛ لأنَّ الذي يتلوه مقروءٌ، وكلُّ فاعلٍ يُبدَأ في فعله ببسم الله يكون [4] مُضمَرًا، ما جعل التَّسمية مبدأً له، كما أنَّ المسافر إذا حلَّ أو ارتحل، فقال: بسم الله؛ كان المعنى: بسم الله أَحِلُّ، وبسم الله أرتحل، وهذا أَوْلى من أن يُضمَر: «أبدأ»؛ لعدم ما يطابقه ويدلُّ عليه، أو: ابتدائي؛ لزيادة الإضمار فيه، وإنَّما قُدِّر المحذوف متأخِّرًا، وقدِّم المعمول؛ لأنَّه أهمُّ وأدلُّ على الاختصاص، وأَدْخَل في التَّعظيم وأَوْفَق للوجود؛ فإنَّ اسم الله تعالى مقدَّمٌ على القراءة، كيف وقد جُعِلَ آلةً لها من حيث إنَّ الفعل لا يعتدُّ به شرعًا ما لم يُصدَّر باسمه تعالى؛ لحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدَأ فيه ببسم الله فهو أبتر».

وأمَّا ظهور فعل القراءة في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}؛ فلأنَّ الأهمَّ ثمَّةَ القراءةُ؛ ولذا قدِّم الفعل فيها على متعلَّقه، بخلاف البسملة؛ فإنَّ الأهمَّ فيها الابتداء، قاله البيضاويُّ وغيره. وتُعقِّب: بأنَّ تقدير النُّحاة: «أبتدئ» هو المُختار؛ لأنَّه يصحُّ في كلِّ موضعٍ، والعامُّ تقديره أَوْلى، ولأنَّ تقدير فعل الابتداء هو الغرض المقصود من البسملة؛ إذ الغرض منها أن تقع مُبتدأةً موافقة لحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ»، وكذلك في كلِّ فعل ينبغي ألَّا يُقدَّر فيه إلَّا فعل الابتداء؛ لأنَّ الحضَّ جاء عليه، وأيضًا: فالبسملة غير مشروعةٍ في غير الابتداء، فلمَّا اختصَّت بالابتداء؛ وجب أن يُقدَّر لها فعل الابتداء، وأُجِيب: بأنَّ تقديرَ الزَّمخشريِّ أَوْلى وأتمُّ شمولًا؛ لاقتضائه أنَّ التَّسمية [5] واقعةٌ على القراءة كلِّها مصاحبةٌ لها، وتقدير «أبدأ» يقتضي مصاحبتها لأوَّل القراءة دون باقيها، وقوله: «إنَّ الغرض منها أن تقع التَّسمية مبدأً» نقول [6] بموجبه؛ فإنَّ ذلك يقع فعلًا [7] بالبداءة بها، لا بإضمار فعل الابتداء، ومن بدأ في الوضوء بغسل وجهه؛ لا يحتاج في كونه بادئًا إلى إضمار «بدأت»، والحديث الذي ذكره لم يقل فيه: كل أمر ذي بالٍ لا يُقال فيه: أبدأ، وإنَّما أُرِيد طلب إيقاعها بالفعل، لا بإضمار فعلها، وأمَّا دلالة الحديث على طلب البداءة؛ فامتثال ذلك بنفس البداءة لا بلفظها.

واختُلِف هل الاسم عين المسمَّى أو غيره؟ واستدلَّ القائلون بالأوَّل بنحو: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74، 96] ، و{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، فأُمِرَ بتسبيح اسم الله تعالى، والمسبَّح هو الباري، فاقتضى أنَّ اسم الله تعالى هو هو لا غيره، وأُجِيب: بأنَّه أُشرِب «سبِّح» معنى «اذكر»، فكأنَّه قال: اذكر اسم ربِّك، وتحقيق ذلك: أنَّ الذَّات هي المُسمَّى، والزَّائد عليها هو الاسم، فإذا قلت: عالمٌ؛ فهناك أمران: ذاتٌ وعلمٌ، فالذَّات هو المسمَّى، والعلم هو الاسم، فإذا فُهِمَ هذا؛ فالأسماء منها ما هو عين المُسمَّى، ومنها ما هو غيره، ومنها ما يُقال فيه: لا عينٌ ولا غير.

فالقسم الأوَّل؛ مثل: موجودٍ وقديمٍ وذاتٍ؛ فإنَّ الموجود عين الذَّات، وكذا القديم.

والقسم الثَّاني؛ مثل: خالقٍ ورازقٍ، وكلِّ صفات الأفعال، فإنَّ الفعل الذي هو الاسم غير الذَّات.

والقسم الثَّالث؛ مثل: عالمٍ وقادرٍ، وكلِّ الصفات الذَّاتية، فإنَّ الذَّات التي هي المُسمَّى، لا يُقال في العلم الذي هو الاسم: إنَّه غيرها ولا عينها.

هذا تحقيق ما قاله الأشعريُّ في هذه المسألة، وما نُقِلَ عنه خلاف هذا؛ فهو خبطٌ، كذا رأيته منسوبًا للعلَّامة البساطيِّ من أئمَّة المالكيَّة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب «التَّوحيد» في باب «السُّؤال [/ج1ص46/] بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها» [خ¦قبل 7393] مزيدٌ لذلك بعون الله تعالى، وليس مراد القائل: بأنَّ الاسم عين المسمَّى أنَّ اللَّفظ الذي هو الصَّوت المكيَّف بالحروف عين المعنى الذي وُضِعَ له اللَّفظ؛ إذ لا يقول به عاقلٌ، وإنَّما مراده أنَّه قد يُطلَق اسمُ الشَّيء مرادًا به مسمَّاه، وهو الكثير الشَّائع، فإنَّك إذا قلت: اللهُ ربُّنا، ونحو ذلك؛ إنَّما تعني به: الإخبار عن المعنى المدلول عليه باللَّفظ، لا عن نفس اللَّفظ، وقد قال جماعةٌ: إنَّ الاسم الأعظم هو اسم الجلالة الشَّريفة؛ لأنَّه الأصل في الأسماء الحسنى؛ لأنَّ سائرها يُضاف إليه، والرَّحمن صفةٌ لله تعالى، وعُورِضَ بوروده غير تابعٍ لاسمٍ قبله، قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ} [الرحمن: 1 ـ 2] وأُجِيبَ: بأنَّه وصفٌ يُراد به الثَّناء، وقِيلَ: عطف بيانٍ، وردَّه السُّهيليُّ: بأنَّ اسم الجلالة الشَّريفة غير مفتقر لبيانٍ؛ لأنَّه أعرف المعارف كلِّها؛ ولذا قالوا: وما الرَّحمن؟ ولم يقولوا: وما الله؟

والرَّحيم: فَعِيلٌ، حُوِّل من فاعلٍ للمُبالغَة، والاسمان مشتقَّان من الرَّحمة، ومعناهما واحدٌ عند المحقِّقين، إلَّا أنَّ «الرَّحمن» يختصُّ به تعالى، فهو خاصُّ اللَّفظ؛ إذ إنَّه لا يجوز أن يُسمَّى به أحدٌ غير الله تعالى، عامُّ المعنى؛ من حيث إنَّه يشمل جميع الموجودات، و«الرَّحيم» عامٌّ؛ من حيث الاشتراك في التَّسمِّي به، خاصٌّ؛ من طريق المعنى؛ لأنَّه يرجع إلى اللُّطف والتَّوفيق [8] ، وقُدِّم الرَّحمن؛ لاختصاصه بالباري تعالى كاسم الله، وقُرِنَ [9] بينهما للمناسبة.

ولم يأتِ المصنِّف رحمه الله بخطبٍة تنبئ عن مقاصد كتابه هذا، مبتدأةٍ بالحمد والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فعل غيره اقتداءً بالكتاب العزيز، وعملاً بحديث [10] : «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدَأ [11] فيه بالحمد لله فهو أقطع» المرويِّ في «سنن ابن ماجه» [12] وغيرها؛ لأنَّه صدَّر كتابه بترجمة «بدء الوحي»، وبالحديث الدَّالِّ على مقصوده، المشتمل على أنَّ العمل دائرٌ مع النِّيَّة، فكأنَّه قال: قصدت جمع وحي السُّنَّة المُتلقَّى عن خير البريَّة على وجهٍ سيَظْهَر حسن عملي فيه من قصدي، «وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»، فاكتفى بالتَّلويح عن التَّصريح.

وأمَّا الحديث؛ فليس على شرطه، بل تُكلِّم فيه؛ لأنَّ في سنده قرَّة بن عبد الرَّحمن [13] ، ولئن سلَّمنا الاحتجاج به؛ فلا يتعيَّن النُّطق والكتابة معًا، فيُحمَل على أنَّه فعل ذلك نطقًا عند تأليفه اكتفاءً بكتابة البسملة، وأيضًا فإنَّه ابتدأ ببسم الله [14] ، ثمَّ رتَّب عليه من أسماء الصِّفات «الرَّحمن الرَّحيم»، ولا يعني بالحمد إلَّا هذا؛ لأنَّه الوصف بالجميل على جهة التَّفضيل، وفي «جامع الخطيب» مرفوعًا: «كلُّ أمرٍ لا يُبدَأ فيه ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم فهو أقطع»، وفي رواية الإمام أحمد: «لا يُفتتَح بذكر الله [15] فهو أبتر أو أقطع»، ولا ينافيه حديث: «بحمد الله»؛ لأنَّ معناه الافتتاح بما يدلُّ على المقصود من حمد الله تعالى والثَّناء عليه، لا أنَّ لفظ: «الحمد» متعيِّنٌ؛ لأنَّ القدر الذي يجمع ذلك هو ذكر الله تعالى، وقد حصل بالبسملة، لا سيَّما وأوَّل شيءٍ نزل من القرآن {اقرأ باسم ربِّك} [العلق: 1] ، فطريق التأسِّي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها، ويَعضُده أنَّ كتبه عليه الصلاة والسلام إلى الملوك مفتَتحةٌ بها دون حمدلةٍ وغيرها، وحينئذٍ فكأنَّ المؤلِّفَ أجرى مؤلَّفه هذا مَجْرى الرِّسالة إلى أهل العلم؛ لينتفعوا به.

وتُعقِّب: بأنَّ الحديث صحيحٌ، صحَّحه ابن حبَّان وأبو عوانة، وقد تابع فيه سعيدُ بن عبد العزيز قرَّةَ، أخرجه النَّسائيُّ، ولئن سلَّمنا أنَّ الحديث ليس على شرطه؛ فلا يلزم منه ترك العمل به، مع مخالفة سائر المصنِّفين، وافتتاح الكتاب العزيز، وبأنَّ لفظ «الذِّكر» غير لفظ «الحمد»، وليس الآتي بلفظ «الذكر» آتيًا بلفظ «الحمد»، والغرض التبرُّك باللَّفظ المفتتح به كلام الله تعالى. انتهى.

والأَولى: الحمل على أنَّ البخاريَّ تلفَّظ بذلك؛ إذ ليس في الحديث ما يدلُّ على أنَّه لا يكون إلَّا بالكتابة، وثبتت البسملة لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ [16] .

(كَيفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْي إِلى رَسُولِ اللّه صلى الله عليه وسلم)؛ كذا لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ بإسقاط لفظ «باب»، ولأبي الوقت وابن عساكر والباقي: ((باب كيف...)) إلى آخره، وهو بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هذا باب كيف...، ويجوز فيه التَّنوين والقطع عمَّا بعده، وتركه للإضافة إلى الجملة التَّالية، لا يُقال: إنَّما {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: 25] يُضاف إلى الجملة أحد أشياء مخصوصةٍ، وهي كما في «مغني ابن هشام» ثمانيةٌ: أسماء الزَّمان، وحيث، وآيةٌ _بمعنى علامةٍ_، وذو، ولدن، وريث، وقولُ، وقائلُ، واستدلَّ للأخيرين بقوله: [من الخفيف] [/ج1ص47/]

~ قولُ يا للرِّجال يُنْهِضُ من - ـنَا مسـرعين الكهولَ والشُّبَّانا

وقوله: [من الكامل]

~ وأجبت قائلَ: كيف أنت بصالحٍ حتَّى مللت وملَّني عوَّادي

وليس «الباب» شيئًا منها؛ لأنَّ هذا الذي ذكره النُّحاة _كما ذكره الشَّيخ بدر الدِّين الدَّمامينيُّ في «مصابيح الجامع»_ إنَّما هو في الجملة التي لا يُراد بها لفظها، وأمَّا ما أُرِيدَ به لفظه من الجمل؛ فهو في حكم المُفرَد، فتضيف إليه ما شئت ممَّا يقبل بلا حصرٍ؛ ألا ترى أنَّك تقول: محلُّ «قام أبوه» من قولك: زيدٌ «قام أبوه» رفعٌ، ومعنى لا إله إلَّا الله: إثبات الإلهيَّة [17] لله تعالى، ونفيها عمَّا سواه، إلى غير ذلك، وهنا أُرِيد لفظ الجملة، قال: ولا يخفى سقوط قول الزَّركشيِّ: لا يُقال: كيف لا يُضاف إليها؟ لأنَّا نقول: الإضافة إلى الجملة كلا إضافةٍ، وقال في «الشَّرح»: لا ينبغي أن يُعَدَّ هذان البيتان من قبيل ما هو بصدده؛ لأنَّ الجملة التي أُضِيف إليها كلٌّ من «قولٍ» و«قائلٍ» مرادٌ بها لفظها، فهي في حكم المفرد، وليس الكلام فيه، وتعقَّبه الشَّيخ تقيُّ الدين الشُّمنِّيُّ، فقال: لا نسلِّم أنَّ الكلام ليس فيه، بل الكلام فيما هو أعمُّ منه ا ه. فليُتأمَّل، وقد استبان لك أنَّ عدَّ ابن هشامٍ في «مغنيه» قولًا وقائلًا من الألفاظ المخصوصة التي تُضاف إلى الجملة غير ظاهرٍ انتهى.

و«كيف» في قول البخاريِّ: باب (كيف كان)؛ بإضافة «باب»، خبرٌ لـ: «كان» إن كانت ناقصةً، وحالٌ من فاعلها إن كانت تامَّةً، ولابدَّ قبلها من مضافٍ محذوفٍ، والتَّقدير: باب جواب كيف كان بدء الوحي، وإنَّما احتيج إلى هذا المضاف؛ لأنَّ المذكور في هذا الباب هو جواب «كيف» كان بدء الوحي [18] ، لا السُّؤال بكيف عن بدء الوحي، ثمَّ إنَّ الجملة من كان ومعموليها [19] في محلِّ جرٍّ بالإضافة. ولا تخرج كيف بذلك عن الصَّدريَّة؛ لأنَّ المراد من كون الاستفهام له الصَّدر أن يكون في صدر الجملة التي هو فيها، و«كيف» على هذا الإعراب كذلك.

و(البدء)؛ بفتح الموحَّدة وسكون المُهملَة، آخره همزةٌ؛ من بدأت الشَّيء بدْءًا: ابتدأت به، قال القاضي عياضٌ: رُوِيَ بالهمز مع سكون الدَّال، من الابتداء، وبدُوٌّ بغير همزةٍ مع ضمِّ الدَّال وتشديد الواو من الظُّهور، ولم يعرف الأخيرة الحافظ ابن حجرٍ. نعم؛ قال: رُوِي في بعض الرِّوايات: كيف كان ابتداء الوحي، فهذا يرجِّح الأُولى، وهو الذي سمعناه من أفواه المشايخ.

والوحي: الإعلام في خفاءٍ، وفي اصطلاح الشَّرع: إعلام الله تعالى أنبياءَه الشَّيءَ، إمَّا بكتابٍ أو برسالةِ ملَكٍ أو منامٍ أو إلهامٍ، وقد يجيء بمعنى: الأمر؛ نحو: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111] ، وبمعنى: التَّسخير؛ نحو: {وأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] ؛ أي: سخَّرها لهذا الفعل، وهو اتِّخاذها من الجبال بيوتًا إلى آخره، وقد يعبِّر عن ذلك بالإلهام، لكن المراد به هدايتها لذلك، وإلَّا؛ فالإلهام حقيقةً إنَّما يكون لعاقلٍ، والإشارة؛ نحو: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 11] ، وقد يُطلَق على المُوحَى؛ كالقرآن والسُّنَّة؛ من إطلاق المصدر على المفعول، قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] .

والتَّصلية جملةٌ خبريَّةٌ يراد بها الإنشاء، كأنَّه قال: اللهم صلِّ.

(وَقَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((وقول الله عزَّ وجلَّ ))، ولابن عساكر: ((وقول الله سبحانه))، (وقولِ): مجرورٌ عطفًا على محلِّ الجملة التي أُضِيف إليها الباب؛ أي: باب كيف كان ابتداء الوحي، ومعنى (قول الله)، قِيلَ: وإنَّما لم يُقدِّر: وباب كيف قول الله جلَّ ذكره؛ لأنَّ (قول الله) لا يُكيِّف، وأُجِيب: بأنَّه يصحُّ على تقدير مضافٍ محذوفٍ؛ أي: كيف نزول قول الله، أو كيف فهم معنى قول الله، أو أن يُرَاد بكلام الله المُنـزَلُ المتلوُّ لا مدلوله، وهو الصِّفة القائمة بذات الباري تعالى، ويجوز رفعه: مبتدأً محذوفَ الخبر؛ أي: وقول الله تعالى كذا ممَّا يتعلَّق بهذا الباب، ونحو هذا من التَّقدير، أو خبره قاله العينيُّ، فليُتأمَّل.

({إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ})؛ أي: وحي إرسالٍ فقط، ({كَمَا أَوْحَيْنَا})؛ أي: كوحينا ({إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ})، زاد أبو ذَرٍّ ((الآية)). قاله العينيُّ فليُتأمَّل [20] ، وهذا جوابٌ لأهل الكتاب عن اقتراحهم أن يُـنَـزَّل عليهم كتابًا من السَّماء، واحتجاجٌ عليهم بأنَّ أمره في الوحي كسائر الأنبياء، وآثر صيغة التَّعظيم؛ تعظيمًا للموحي والمُوحَى إليه، قِيلَ: خصَّ نوحًا بالذِّكر؛ لأنَّه أوَّل مُشرِّعٍ، وعُورِضَ: بأنَّ أوَّل مشرِّعٍ آدمُ؛ لأنَّه نبيٌّ أُرسِل إلى بنيه وشرَّع لهم شرائع، ثمَّ شيثٌ وكان نبيًّا مُرسَلًا، وبعده إدريس، وقِيلَ: إنَّما [/ج1ص48/] خُصَّ بالذِّكر؛ لأنَّه أوَّل رسولٍ آذاه قومه، فكانوا يحصبونه بالحجارة حتَّى يقع على الأرض؛ كما وقع مثله لنبيِّنا عليهما الصَّلاة والسَّلام، وقِيلَ: لأنَّه أوَّل أولي العزم، وعطف عليه النَّبيِّين من بعده، وخصَّ منهم إبراهيم إلى داود تشريفًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، وترك ذكر موسى عليه السلام؛ ليبرزه مع ذكرهم بقوله: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النِّساء: 164] على نمطٍ أعمَّ [21] من الأوَّل، ولمَّا كان هذا الكتاب لجمع وحي السُّنَّة؛ صدَّره بـ: «بابٍ الوحي»؛ لأنَّه ينبوع الشَّريعة، وكان الوحي لبيان الأحكام الشَّرعيَّة؛ صدَّره بحديث: «الأعمال بالنيِّات»؛ لمناسبته للآية الشَّريفة السَّابقة؛ لأنَّه أوحى إلى الكلِّ الأمر بالنِّيَّة؛ كما قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ، والإخلاص: النِّيَّة.

فقال: كما أخبرنا به وبما سبق من أوَّله إلى آخر الصَّحيح الشَّيخُ المسند رُحْلَة الآفاق أبو العبَّاس أحمد بن عبد القادر بن طَريف _بفتح الطَّاء المهملة_ الحنفيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثمانين وثمانمئةٍ، وقد جاوز التِّسعين، بقراءتي عليه لجميع هذا «الجامع» في خمسة مجالس وبعض مجلسٍ متواليةٍ، مع ما أُعِيد لمفوتين أظنُّه نحو العُشر، آخرها يوم الأحد ثامن عشرٍ من شوَّال سنة اثنتين وثمانين وثمان مئةٍ.

قال: وأخبرنا أبو الحسن عليُّ بن محمَّدٍ الدِّمشقيُّ قراءةً عليه لجميعه، وأنا في الخامسة، والعلَّامة المقري أبو إسحق إبراهيم بن أحمد البعليُّ _بالموحَّدة المفتوحة، والعين المهملة السَّاكنة_ التَّنُوخيُّ؛ بفتح الفوقيَّة وضمِّ النُّون الخفيفة [22] وبالخاء المعجمة، والحافظان زين الدِّين عبد الرَّحيم بن الحسين العراقيُّ، ونور الدِّين عليُّ بن أبي بكر بن سليمان الهيثميُّ، من باب: «وكلَّم الله موسى تكليمًا» إلى آخر «الصَّحيح»، وإجازةً لسائره [23] .

قال الأوَّلان: أخبرنا أبو العبَّاس أحمد بن أبي طالب بن أبي النَّعم بن الشِّحنة الدِّير [24] مُقَرِّنيُّ، المتُوفَّى في خامس عشر من صفر سنة ثلاثين وسبعمئةٍ سماعًا، قال الثَّاني: لجميعه، وقال الأوَّل: للثُّلاثيَّات منه. ومن باب «الإكراه» إلى آخر «الصَّحيح»، وإجازةً لسائره [25] . وزاد فقال: وأخبرتنا ستُّ الوزراء وزيرة بنت محمَّد بن عمر بن أسعد بن المنجا التَّنوخيَّة، وزاد الثَّاني، فقال: وأخبرنا أبو نصرٍ محمَّد بن محمَّدٍ الشِّيرازيُّ الفارسيُّ، إجازةً عن جدِّه أبي نصرٍ عن الحافظ أبي القاسم بن عساكر، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمَّد بن الفضل السَّاعديُّ الفُراويُّ بضمِّ الفاء، قال: أخبرنا أبو سهلٍ محمَّدٌ الحَفْصيُّ عن أبي الهَيْثَم؛ بفتح الهاء وإسكان المثنَّاة التَّحتيَّة وفتح المثلَّثة، محمَّد بن مَكِّيٍّ _بفتح الميم وتشديد الكاف والياء_ ابن محمَّد بن زُرَاع [26] ؛ بضمِّ الزَّاي وتخفيف الرَّاء، الكُشْماهَنيِّ؛ بكافٍ مضمومةٍ، وشينٍ مُعجَمةٍ ساكنةٍ وفتح الهاء وكسرها، وقد تُمال الألف، وقد يُقال: الكُشْمِيهَنيُّ _بالياء بدل الألف_؛ قريةٌ بمرو، وقال الرَّابع: أخبرنا المُظَفَّر _بالظَّاء المُعجَمة والفاء_ العسقلانيُّ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمَّد [27] الصَّقِلِّي؛ بفتح المهملة وكسر القاف وتشديد اللَّام، قال: وكذا وزيرة وابن أبي النعم، أخبرنا أبو عبد الله الحُسَين [28] بن المُبَارَك الزَّبِيديُّ؛ بفتح الزَّاي وكسر الموحَّدة، المتوفَّى سنة إحدى وثلاثين وستِّمئةٍ.

«ح» وأخبرنا الحافظ نجم الدِّين عمر ابن الحافظ تقيِّ الدِّين المكِّيُّ، قال: حدَّثنا [29] المسنِد الرُّحلة نجم الدِّين عبد الرَّحمن بن سراجِ الدِّين عمر القِبَابيُّ _بكسر القاف والموحَّدتين المخفَّفتين، بينهما ألفٌ_ المقدسيُّ، أخبرنا [30] العلَّامة شمس الدِّين أبو عبد الله محمَّد ابن قاضي شهبة، والإمام عماد الدِّين أبو عبد الله محمَّد بن موسى بن سليمان بن الشَّيرجيِّ، بسماع الأوَّل لجميع الصَّحيح على أمِّ محمَّد وزيرة، وبسماع الثَّاني من الإمام الحافظ شرف الدِّين أبي الحُسين محمَّد بن عليٍّ اليونينيِّ، بسماعهما من أبي عبد الله الحسين الزَّبيديِّ، قال: أخبرنا أبو الوقت عبد الأوَّل بن عيسى بن شعيبٍ السِّجْزِيُّ _بكسر السِّين المهملة، وسكون الجيم، وكسر الزَّاي_ الهرويُّ الصُّوفيُّ، وُلِدَ في ذي القعدة سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمئةٍ، وتوفِّي ليلة الأحد سادس القعدة سنة ثلاثٍ وخمسين وخمسمئةٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسن عبد الرَّحمن الدَّاوديُّ البُوْشَنْجِيُّ؛ بضمِّ الموحَّدة، وسكون الواو، وفتح الشِّين المُعجَمة، وسكون النُّون، وبالجيم؛ نسبةً إلى بلدة بقرب هَراة خراسان _بفتح الهاء_ المتوفَّى سنة سبعٍ وستِّين وأربع مئةٍ سماعًا، قال: أخبرنا أبو محمَّدٍ عبد الله بن أحمد بن حَمُّوْيَه _بفتح المُهملَة، وتشديد الميم [/ج1ص49/]

المضمومة، وإسكان الواو، وفتح المثنَّاة التَّحتيَّة_ السَّرَخْسيُّ؛ بفتح السِّين المُهملَة، والرَّاء، وسكون الخاء المُعجَمة، أو بسكون الرَّاء وفتح المُعجَمة، المتوفى سنة إحدى وثمانين وثلاث مئةٍ، وقال الثَّالث: أخبرنا أبو عليٍّ، أو أبو [31] محمَّدٍ عبد الرَّحيم الأنصاريُّ، المعروف بابن شاهد الجيش _بالجيم والمثنَّاة التَّحتية، والشِّين المُعجَمة، المُتوفَّى سنة ستِّين وسبع مئةٍ، قال: أخبرنا المعين أبو العبَّاس الدِّمشقيُّ، وأبو الطَّاهر إسماعيل بن عبد القويِّ بن عَزُّون _بفتح العين المُهملَة، وضمِّ الزَّاي المشدَّدة وبالواو والنُّون_ المصريُّ الشَّافعيُّ، وأبو عمرٍو عثمان بن رَشِيقٍ بفتح الرَّاء وكسر الشِّين المعجمة_ المالكيُّ، سماعًا وإجازةً لما فات، قالوا: أخبرنا أبو عبد الله محمَّدٌ الأَرْتَاحِيُّ _بفتح الهمزة، وسكون الرَّاء، وفتح المثنَّاة الفوقيَّة، وبالحاء المهملة_ قال: أخبرنا أبو الحسن عليٌّ الموصليُّ، قال: أخبرتنا أمُّ الكرام كريمة بنت أحمد المروزيَّة، قالت: أخبرنا الكُشْمِيهَنِيُّ.

«ح» وقال أبو الحسن الدِّمشقيُّ: أخبرنا سليمان بن حمزة بن أبي عُمر _بضمِّ العين_ عن محمَّد بن عبد الهادي المقدسيِّ عن الحافظ أبي موسى محمَّد بن أبي بكرٍ المدينيِّ، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا أبو العبَّاس جعفر بن محمَّدٍ المستغفريُّ، قال: أخبرنا أبو عليٍّ إسماعيل بن محمَّدٍ الكشانيُّ، وهو آخر من حدَّث عن الفربريِّ بـ: «البخاريِّ».

«ح» وأخبرنا قاضي القضاة إمام الحرم الشَّريف المكيُّ أبو المعالي محمَّد ابن الإمام رضيِّ الدِّين محمَّدٍ الطَّبريُّ المكِّيُّ، المُتوفَّى في آخر ليلة الأربعاء ثامن عشر صفر سنة أربعٍ وتسعين وثمانمئةٍ بمكَّة المشرَّفة، بسماعي عليه الثُّلاثيَّات، وإجازةً [32] لسائره بمكَّة المُشرَّفه في يوم الاثنين ثالث عشر ذي القعدة الحرام، سنة إحدى وتسعين وثمان مئةٍ [33] ، قال: أخبرنا أبو الحسن عليُّ بن سلامة السَّلميُّ، سماعًا لبعضه، وإجازةً لسائره، قال: أخبرنا الإمام أبو محمَّدٍ عبد الله بن أسعد اليافعيُّ سماعاً عليه، قال: أخبرنا الإمام رضيُّ الدِّين الطَّبريُّ، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرَّحمن ابن أبي حَرَميٍّ _بالحاء المهملة والرَّاء المفتوحتين [34] _ فَتُّوح بن بَنِيْنٍ _بلفظ جمع ابنٍ_ الكاتب المكيُّ، سماعًا لجميعه خلا فوتًا [35] شملته الإجازة، قال: أخبرنا أبو الحسن عليُّ بن حُميدٍ بضمِّ الحاء المُهملَة _ابن عمَّارٍ _بتشديد الميم_ الأَطْرَابُلُسِيُّ؛ بفتح الهمزة، وإسكان المهملة، وبالراء وضمِّ الموحَّدة، واللَّام وبالسِّين المُهملَة، قال: أخبرنا به أبو مَكتُومٍ _بفتح الميم، وبالمثنَّاة الفوقيَّة المضمومة_ عيسى [36] بن أبي ذَرٍّ؛ بالذَّال المُعجمَة وتشديد الرَّاء، قال: أخبرنا والدي أبو ذَرٍّ عبد [37] بن محمَّدٍ الهَرَوِيُّ؛ بفتح الهاء والرَّاء، المتوفَّى سنة أربعٍ وثلاثين وأربعمئةٍ، قال: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم البَلْخِيُّ _بفتح الموحدة وسكون اللَّام [38] وكسر الخاء [39] المُعجمَة_ المستملي، المُتوفَّى سنة ستٍّ وسبعين وثلاث مئةٍ، والكُشْمِيهَنِيُّ والسَّرخسيُّ.

«ح» وأخبرنا الأئمَّة الثَّلاثة، الحافظان أبو عمرٍو فخر الدِّين بن أبي عبد الله محمَّدٌ، وشمس الدِّين محمَّد بن زين الدِّين أبي محمَّدٍ المصريَّان، والمحدِّث الحافظ نجم الدِّين عمر بن المحدِّث الكبير تقيِّ الدِّين محمَّدٍ الهاشميُّ المكِّيُّ [40] ، المتوفَّى في رمضان سنة خمسٍ وثمانين وثمان مئةٍ عن ثلاثٍ وسبعين سنةً، الشَّافعيُّون قراءةً وسماعًا عليهم للكثير منه، وإجازةً لسائره، قالوا: أخبرنا شيخ الإسلام إمام الحفَّاظ أحمد بن أبي الحسن العسقلانيُّ الشَّافعيُّ، قال: أخبرنا أبو عليٍّ محمَّد بن أحمد المهدويُّ إذنًا مشافهةً، عن يحيى بن محمَّدٍ الهَمْدانيِّ، قال: أخبرنا أبو محمَّدٍ عبد الله الدِّيباجيُّ _بالجيم_ إذنًا، قال: أخبرنا عبد الله بن محمَّدٍ الباهليُّ _بالمُوحَّدة_ قال: حدَّثنا الحافظ أبو عليٍّ الجيَّانِيُّ؛ بفتح الجيم، وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، وبالنُّون، قال: أخبرنا أبو شاكرٍ [41] عبد الواحد بن موهبٍ عن الحافظ أبي محمَّدٍ عبد الله بن إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله بن جعفرٍ الأَصيليِّ؛ نسبةً إلى أصيلا [42] من بلاد العدوة، سكنها ونشأ بها، وتُوفِّي يوم الخميس لإحدى عشْرة ليلةً بقيت من ذي الحجَّة، سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئةٍ، وحاتم بن محمَّدٍ الطَّرابلسيِّ عن الإمام أبي الحسن عليٍّ بن محمَّدٍ القابسيِّ؛ بالقاف والموحَّدة والمُهملة.

«ح» وبسند أبي الحسن عليِّ بن محمَّدٍ الدِّمشقيِّ إلى الحافظ أبي موسى المدينيِّ قال: أخبرنا أبو عليٍّ الحسن بن أحمد الحدَّاد، قال: أخبرنا الحافظ أبو نعيمٍ، قال الثَّلاثة: أخبرنا أبو زيدٍ محمَّدٌ المروزيُّ.

«ح» وقال القابسيُّ: أخبرنا أبو أحمد محمَّد [/ج1ص50/] ابن محمَّدٍ الجرجانيُّ _بجيمين_.

«ح» وقال أبو الحسن الدِّمشقيُّ أيضًا: أخبرنا محمَّد بن يوسف بن المهتار عن الحافظ أبي عمرٍو عثمان بن الصَّلاح الشَّهرزوريِّ، قال: أخبرنا منصور بن عبد الدَّائم بن عبد الله بن محمَّد بن الفضل الفراويُّ [43] ، قال: أخبرنا محمَّد بن إسماعيل الفارسيُّ، قال: أخبرنا سعيد بن أحمد بن محمَّد الصَّيرفيُّ العَيَّار؛ بالعين المُهملَة، وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، قال: أخبرنا أبو عليٍّ محمَّد بن عمر بن شبويه.

«ح» وقال الجيَّانيُّ: أخبرنا أبو عمر أحمد بن محمَّد الحذَّاء سماعًا، وأبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البرِّ الحافظ إجازةً، قالا: أخبرنا أبو محمَّد الجهنيُّ، قال: أخبرنا الحافظ أبو عليٍّ سعيد بن عثمان بن سعيد بن السَّكَن؛ بفتح السِّين المُهملَة والكاف، قال هو والمستملي والكُشْمِيهَنِيُّ والسَّرخسيُّ وأبو زيدٍ المروزيُّ والجرجانيُّ والكُشانيُّ [44] وابن شَبُّويه: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطر الفـرَبْريُّ؛ بكسر الفاء وفتحها، وبفتح الرَاء وإسكان الموحَّدة؛ نسبةً إلى قريةٍ من قرى بُخَارى، المتوفَّى سنة عشرين وثلاثمئةٍ، وكان سماعه من البخاريِّ صحيحه هذا مرَّتين: مرَّةً بفِرَبْرَ سنة ثمانٍ وأربعين ومئتين، ومرَّةً ببُخَارى سنة اثنتين وخمسين ومئتين.

«ح» وقال الجيَّانيُّ أيضًا: أخبرنا الحكم بن محمَّدٍ، قال: أخبرنا أبو الفضل بن أبي عمران الهرويُّ سماعًا لبعضه، وإجازةً لباقيه، قال: أخبرنا أبو صالحٍ خلف بن محمَّد بن إسماعيل، قال: أخبرنا إبراهيم بن معقلٍ النَّسفيُّ، المتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين ومئتين، وفاته أوراقٌ رواها عن المؤلِّف إجازةً.

«ح» وأخبرنا الحافظان الفخر والشَّمس المصريَّان، والحافظ المحدِّث الكبير النَّجم المكِّيُّ، عن إمام الصَّنعة أبي الفضل أحمد بن عليِّ بن [45] أحمد العسقلانيِّ الشَّافعيِّ، قال: أخبرنا أحمد بن أبي بكرِ بن عبد الحميد في كتابه عن أبي الرَّبيع بن أبي طاهر بن قدامة عن الحسن بن السَّيِّد العلويِّ عن أبي الفضل بن طاهرٍ الحافظ عن أبي بكرٍ أحمد بن عليِّ بن خلفٍ عن الحاكم أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الحافظ عن أحمد بن محمَّد بن رُميحٍ [46] النَّسويِّ عن حمَّادِ بن شاكرٍ، قال هو والنَّسفيُّ وابن مطرٍ الفِرَبْرِيُّ: أخبرنا الإمام العلَّامة أستاذ الحفَّاظ، أمير المؤمنين في الحديث، وشيخ مشايخ الأئمَّة في الرِّواية والتَّحديث، أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه؛ بفتح الموحَّدة، وسكون الرَّاء، وكسر الدَّال المُهملَة، وسكون الزَّاي المُعجمَة، وفتح الموحَّدة، بعدها هاءٌ؛ ومعناه: الزُّرَّاع بالفارسيَّة، الجُعْفِيُّ _بضمِّ الجيم، وإسكان العين المُهملَة، وبالفاء_ البخاريُّ المتوفَّى وله من العمر اثنتان وستُّون سنةً إلَّا ثلاثة عشر يومًا، في اللَّيلة المسفرة عن يوم السَّبت مستهلِّ شهر شوَّال، سنة ستٍّ وخمسين ومئتين رحمه الله، قال:

[1] «الحافظ»: ليس في (ص).
[2] قوله: «قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى»، سقط من (م).
[3] في (ب) و(س): «مؤخَّرًا».
[4] في غير (ص): «كان».
[5] في (ص): «البسملة».
[6] في (ص): «بعد القول».
[7] في (ص): «محلًا».
[8] في (ص): «اللفظ والتوقيف».
[9] في (ص): «وفرق».
[10] في (ص) و(م): «وحديث»
[11] في (م): «يبتدأ».
[12] في (ص): «أبي داود»، والحديث مثبت في «سنن ابن ماجه» (1894).
[13] في النُّسخ: «عبد الرحيم»، ولعلَّه تحريفٌ، والمثبت من كتب التراجم.
[14] في (ص): «بذكر الله».
[15] في (ص): «ببسم الله».
[16] قوله: «وثبتت البسملة لأبي ذَرٍّ والأصيليِّ»، سقط من (م).
[17] في (ب) و(س): «الألوهيَّة».
[18] قوله: «وإنَّما احتيج إلى هذا المضاف... جواب كيف كان بدء الوحي»، سقط من (ص).
[19] في غير (ب): «معمولها».
[20] قوله: «قاله العينيُّ فليُتأمَّل»، سقط من (ص).
[21] في (د): «أعظم».
[22] «وضمِّ النُّون الخفيفة»: سقط من (ص) و(م).
[23] في (ص): «وأجازه كسائره»، وليس بصحيحٍ.
[24] في (ص): «بن أبي الشِّحنة الدِّين»، وهو تحريفٌ.
[25] في (ص): «كسائره».
[26] «بن»: سقط من (د).
[27] «محمد»: سقط من غير (ص).
[28] في (ص): «الحسن»، وهو تحريفٌ.
[29] في (ص): «أنبأنا»، وسقط «قال: حدثنا» من (م).
[30] في (د): «أنبأنا».
[31] في (د): «وأبو».
[32] في (ص): «وأجازه».
[33] في (ص): «تسع مئة»، وليس بصحيحٍ.
[34] زيد في (ص): «قال أخبرنا»، وهو خطأٌ.
[35] في (ص): «حملًا قويًّا».
[36] في (ص): «علي»، وهو خطأٌ.
[37] في (د) و(س): «عبد الله»، وهو خطأٌ.
[38] «وسكون اللام»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[39] في (ب) و(س): «وبالخاء».
[40] في (ص): «المالكي)، وهو تحريفٌ.
[41] زيد في (د): «قال: أخبرنا»، وهو خطأ.
[42] في المصادر «أصيلة»، انظر «معجم البلدان» (1/213).
[43] في (ص): «الغزاوي»، وهو تصحيفٌ.
[44] في (ص): «والكناني»، وهو تحريفٌ.
[45] زيد في (ص) و(م): «أبي»، والمثبت هو الصَّواب.
[46] في (ص): «ربيح»، وهو تحريفٌ.





[بِسْمِ الله الرَّحمن الرَّحِيمِ] [1]

( بَابٌ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحِيُ ) يجوز تنوين «باب» وتركه، وسقط في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي.

و ( بَدْءُ ) قال عياض: روي بالهمز وسكون الدَّال من الابتداء، وبلا همز مع ضمِّ الدَّال وتشديد الواو، وهو الظُّهور. [/ج1ص115/]

قال ابن حجر: ويرجِّح الأوَّل أنَّه وقع في بعض الرِّوايات: «كيف كان ابتداء الوحي».

و ( الْوَحْي ) لغة: الإعلام في إخفاء، وقيل: أصله التَّفهيم، وشرعًا: الإعلام بالشَّرع، وقد يُطلَقُ ويراد به اسم المفعول، أي: المُوحَى، وهو كلام الله المنزل على النَّبيِّ [صلَّى الله عليه وسلَّم] [2] .

و( قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ) هو: بالرَّفع على إسقاط الباب، وعلى تنوينه عطفًا على الجملة؛ لأنَّها في محلِّ رفع، وبالجرِّ على إضافته عطفًا على كيف، أي: وباب معنى قول الله تعالى، [أو ذكر قول الله ولا يصحُّ تقدير: وكيفية قول الله] [2] ؛ لأنَّ كلام الله لا يُكيَّف، قاله عياض.

قال الزَّركشيُّ: ومن محاسن ما قيل في تصدير الباب بحديث النِّيَّة تعلُّقه بالآية المذكورة في التَّرجمة؛ لأنَّ الله تعالى أوحى إليه وإلى الأنبياء من قبله أنَّ الأعمال بالنِّيَّات؛ بدليل قوله: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [البينة: 5] ، وقصده بذلك: أنَّ كلَّ مُعلِّمٍ أراد بعلمِه وجهَ الله ونفعَ عباده، فإنَّه يُجازَى على نيَّته.

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ع] .
[2] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





((1)) [ كيف بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم]


[1] بسم الله الرحمن الرحيم

قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى:

1- (بَابُ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلى الله عليهِ وَسَلَّم) وَقَوْلِ الله تعالى {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163][2] [3].

أما قوله: (بَابُ) فيجوز فيه وفي نظائره وجهان, أحدهما: تنوينه, والثاني: رفعه بلا تنوين على الإضافة.

ويجوز في قوله: (بدء) وجهان: الهمز وتركه [4], الأول من الابتداء, والثاني من الظهور, والهمز أرجح.

الوحي [5]: أصله الإعلام في خفاء, وكل ما دللت به من كلام أو كتاب أو رسالة أو إشارة بشيء فهو وحي, ومن الوحي: الرؤيا والإلهام.

ويقال: أوحى ووحى, لغتان, الأولى أفصح وبها جاء القرآن.

قوله: (وَقَوْلِ اللهِ) هو مجرور أو مرفوع [6], معطوف على كيف.

وذكر البخاري رحمه الله الآية الكريمة لما قدمناه في الفصول أنَّه يستدلُّ للترجمة بما وقع له من قرآن [7] وسنة مسندة وغيرها، وأراد أنَّ الوحيَّ سُنَّةُ الله تعالى في أنبيائه صلى الله عليهم وسلم, والله أعلم.

[1] إلى هنا ينتهي السقط من النسخة (ك)، ومن هنا تبتدأ النسخة (ك).
[2]جاء في حاشية الأصل (ز): ((قال شيخنا ابن كثير: إنما بدأ البخاري بيان كيفية بدء الوحي؛ لأن الوحي مبدأ الخير ومنبعه ومن بعده فصلت الأحكام، وبيّن الحلال والحرام)).
[3] زاد في (ك) و(ص): ((الشرح)).
[4] قوله: ((الهمز وتركه)) ليس في (ص).
[5] في (ك) و(ص): ((والوحي)).
[6] في (ت) و(ص): ((ومرفوع))، وفي (ك): ((هو مجرور مرفوع)).
[7] في (ص): ((قول)).
#%ص35%





لا تتوفر معاينة

((1)) قوله: (بَاب كيف كان بدوُّ [1] الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَوْلُ اللهِ عزَّ وجلَّ [2] : {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}؛...) الآية [النِّساء:163] .

القول الأوَّل: كيف كان ابتداؤه؟ والثَّاني: كيف كان ظهوره؟، وقيل: الظُّهور أحسن؛ لأنَّه أعمُّ، والوحي أصله الإعلام في خفاء وسرعة، وهو في عرف الشَّرع: إعلام الله تعالى أنبياءه [3] ما شاء من أحكامه وأخباره، فكلُّ ما دلَّ عليه من كتابٍ، أو رسالةٍ، أو إرشادٍ بشيءٍ؛ فهو وحيٌ، ومن الوحي: الرُّؤيا والإلهام.

[1] في «اليونينيَّة»: (بدء).
[2] كذا في رواية أبي ذرٍّ الهروي وأبي الوقت والأصيلي.
[3] في (أ): (أنبياء).





((بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) :

كذا لأبي الوقت وابن عساكر والباقي، ولأبي ذرٍّ والأصيلي إسقاط لفظ (باب) ، وهو بالرفع خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب، ويجوز فيه التنوين وعدمه، ويجوز في (باب) النصب بفعل محذوف؛ أي: اقرأ، والجر بحرف مقدر؛ أي: انظر إلى باب، ويجوز فيه الوقف بالسكون، ومعنى (الباب) : النوع، وأصله: (بوَب) ، وجمعه: أبواب.

و (البدء) ؛ بالهمز مع سكون الدال: من الابتداء؛ بمعنى: الظهور.

و (الوحي) : الإعلام، وفي الشرع: إعلام الله الأنبياء الشيء إمَّا بكتاب، أو برسالة ملك، أو منام، أو إلهام، ويجيء بمعنى الأمر؛ نحو: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ} الآية [المائدة: 11] ، وبمعنى التسخير؛ نحو: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] ، ويعبر عن ذلك بالإلهام والإشارة؛ نحو: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [مريم: 11] ، وقد يطلق على الموحى؛ كالقرآن والسنة، من إطلاق المصدر على المفعول.

والتصلية جملة خبرية، ولما كانت دعاء؛ صارت إنشاء، ومعناها: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد، اهـ

((وَقَوْل اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)) : كذا لأبوي ذر [والوقت] والأصيلي، ولابن عساكر: وقول الله سبحانه، ولغيرهم: وقول الله جلَّ ذكره، و (قول) : مجرور، عطف على محل الجملة التي أضيف إليها الباب؛ أي: باب كيف كان ابتداء الوحي ومعنى قوله تعالى، ويجوز رفعه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: وقوله كذا.

(({إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ})) وحي إرسال فقط (({كَمَا أَوْحَيْنَا})) ؛ أي: كوحينا، فالكاف للتشبيه، (({إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ})) [النساء: 163] ، زاد أبو ذر: الآية، وإنَّما خَصَّ نوحًا؛ لأنَّه أول مشرِّع، ورُدَّ بأنَّ أوَّلَ مشرِّعٍ آدمُ، ثم شيث، ثم إدريس، وقيل: إنَّما خصَّه؛ لأنَّه أول رسول أُوذيَ من قومه، وقيل: لأنَّه أول أولي العزم، ورُدَّ: بأن آدم من أولي العزم، أجيب بقوله تعالى: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115] ، والأحسن في الجواب كما قاله البدر العيني: (إنما خصَّه؛ لأنَّه هو الأب الثاني، وجميع أهل الأرض من ولده الثلاثة؛ لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البَاقِينَ} [الصافات: 77] ، وهم سام وحام ويافث، فإن الناس هلكوا بالطوفان إلا أصحاب السفينة، قيل: كانوا ثمانية بالنساء، وقيل: أكثر، وكلهم ماتوا خلا نوحًا وبنيه وأزواجهم) انتهى؛ فليحفظ.