متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

87- (باب) جواز (الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ) فلا دلالة في حديث: «إنَّ الأسواق شرُّ البقاع، وإنَّ المساجد خير البقاع» المرويِّ عند البزَّار؛ لعدم صحَّة إسناده، ولو صحَّ؛ لم يمنع وضع المسجد في السُّوق؛ لأنَّ بقعة المسجد حينئذٍ تكون بقعة خيرٍ، و«مسجد»؛ بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((مساجد السُّوق)) (وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المُهمَلة وسكون الواو وآخره نونٌ، عبد الله (فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ الْبَابُ)؛ أي: على ابن عونٍ ومن معه، وليس في هذا ذكر السُّوق، فالله أعلم بوجه المُطابَقة.


إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(87) بابُ [1] الصَّلاةِ في مَسْجِدِ [2] السُّوقِ

وصَلَّى ابنُ عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ في دارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البابُ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي ولا في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ.
[2] في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] : «مساجد» بالجمع.





لا تتوفر معاينة

(87) (بَابُ الصَّلاةِ في مَسْجدِ السُّوقِ) تقع هذه الترجمة في بعض النسخ بدون ذكر باب.

(وصلَّى ابنُ عَوْنٍ [1] في مَسْجدٍ في دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيهِمُ البَابُ) وليس في هذا ذكرُ السوق.

[1] في (ق): ((عوف)).





قوله: (وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ): هو عبد الله بن عون أبو عون، مولى عبد الله بن المغفَّل المزنيِّ، أحد الأعلام، روى عن إبراهيم، وأبي وائل، ومجاهد، وعنه: شعبة، والقطَّان، ومسلم بن إبراهيم، قال هشام بن حسَّان: (لم ترَ عيناي مثل ابن عون) ، وثناء الناس عليه كثير، وهو أحد الأعلام، تُوُفِّيَ سنة (151 هـ ) ، أخرج له الأئمَّة السِّتَّة.

فائدةٌ هي تنبيهٌ: لهم آخر يقال له: عبد الله بن عون بن أمير مِصر أبي عون عبد الملك بن يزيد، الهلاليُّ، أبو مُحَمَّد البغداديُّ الخرَّاز الزاهد، يروي عن مالك، وشريك، وروى عنه مسلمٌ، وأبو يعلى، والبغويُّ، ثقةٌ، من الأبدال، مات سنة (232 هـ ) ، أخرج له مسلم، والنَّسائيُّ.

قوله: (يُغْلَقُ [1] عَلِيهِم البَابُ): (يُغلَق): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (البابُ): مرفوع قائم مقام الفاعل.

سؤال: قال ابن المُنَيِّر: (إن قلت: ما مطابقة الترجمة بحديث ابن عون: (ولم يصلِّ في سوق) ، والحديث [الآخر] [2] وليس فيه المسجد في السُّوق؟ قلتُ: أراد البخاريُّ [3] إثباتَ جواز بناء المسجد داخل السوق؛ لئلَّا يُتخيَّل أنَّ المسجد في المكان المحجور لا يسوغ [4] ، كما أنَّ مسجد الجمعة لا يجوز أن يكون محجورًا، فنبَّه بصلاة ابن عون على أنَّ المسجد الذي صلَّى فيه كان محجورًا، ومع ذلك فله حكم المساجد، ثمَّ خصَّ السُّوق في الترجمة؛ لئلَّا يُتخيَّل أنَّها لمَّا كانت شرَّ البقاع وبها يركُز الشَّيطانُ رايته -كما ورد في الحديث-؛ يمنع ذلك من اتِّخاذ المساجد فيها، وينافي العبادة كما نافتها الطرقات، ومواضع العذاب، والحمَّام، وشبهه، فبيَّن بهذا الحديث أنَّها محلٌّ للصَّلاة؛ كالبيوت، فإذا كانت محلًّا للصَّلاة؛ جاز أن يُبنَى فيها المسجد، والله أعلم) انتهى.

[1] كذا في النُّسخ، وفي «اليونينيَّة» و (ق): (النَّبيَّ) .
[2] (الآخر): مثبت من مصدره.
[3] (البخاري): ليس في (ج) .
[4] في (ب): (يجوز) .






87- (باب) جواز (الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ) فلا دلالة في حديث: «إنَّ الأسواق شرُّ البقاع، وإنَّ المساجد خير البقاع» المرويِّ عند البزَّار؛ لعدم صحَّة إسناده، ولو صحَّ؛ لم يمنع وضع المسجد في السُّوق؛ لأنَّ بقعة المسجد حينئذٍ تكون بقعة خيرٍ، و«مسجد»؛ بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((مساجد السُّوق)) (وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المُهمَلة وسكون الواو وآخره نونٌ، عبد الله (فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ الْبَابُ)؛ أي: على ابن عونٍ ومن معه، وليس في هذا ذكر السُّوق، فالله أعلم بوجه المُطابَقة.


(بَابُ الصَّلاَةِ فِي مَسَاجِدِ السُّوقِ): لأبي ذرٍّ: « مسجد »


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

(87) (بَابُ [الصَّلاةِ] فِي مَسَاجِد [1] السُّوقِ)؛ الحديث إلى آخره.

لا تجوز الصَّلاة في الأسواق استدلالًا [2] به؛ إذ كان الأسواق شرَّ البقاع، والمساجد خيرها، فلا يجوز أن يعمل الصَّلاة في شرِّها.

[1] كذا في رواية الأصيلي وابن عساكر وعط.
[2] في (أ): (واستدلالًا).





هذا ((باب)) حكم ((الصلاة في مسجد السوق)) ؛ بالإفراد لأبي ذر، وفي رواية الأكثرين: (مساجد) ؛ بالجمع، والمراد به: جواز الصلاة في المساجد التي بنيت في الأسواق والشوارع، وقال الكرماني: [/ص685/] (المراد بـ«المساجد»: مواضع إيقاع الصلاة، لا الأبنية الموضوعة للصلاة من المساجد، فكأنَّه قال: باب الصلاة في مواضع الأسواق) .

وقال ابن بطال: (روي: «أنَّ الأسواق شر البقاع»، فخشي البخاري أن يتوهم من رأى ذلك الحديث أنَّه لا يجوز الصلاة في الأسواق استدلالًا به، فجاء بحديث أبي هريرة؛ إذ فيه إجازة الصلاة في السوق، وإذا جازت الصلاة في السوق فُرادى؛ كان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعة) .

وقال ابن حجر: (موضع التَّرجمة الإشارةُ إلى أنَّ الحديث الوارد في أنَّ الأسواق شر البقاع، وأنَّ المساجد خير البقاع، كما أخرجه البزار وغيره؛ لا يصح إسناده، ولو صح؛ لم يمنع وضع المسجد في السوق؛ لأنَّ بقعة المسجد حينئذٍ تكون بقعة خير) .

واعترضهم إمام الشَّارحين، فقال: (كل منهم قد تكلف؛ أمَّا الكرماني؛ فإنَّه ارتكب المجاز من غير ضرورة، وأمَّا ابن بطال؛ فإنَّه من أين تحقق خشية البخاري مما ذكره حتى وضع هذا الباب؟ وأمَّا القائل الثالث _يعني: ابن حجر_؛ فإنَّه أبعد جدًّا؛ لأنَّه من أين علم أنَّ البخاري أشار به إلى ما ذكره؟ والأوجه أن يقال: إنَّ البخاري لما أراد أن يورد حديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى أنَّ المصلي لا يخلو إمَّا أن يكون في المسجد التي بني لها، أو في بيته الذي هو منزله، أو السوق؛ وضع بابًا فيه جواز الصلاة في المسجد الذي في السوق، وإنَّما خص هذا بالذكر من بين الثلاثة؛ لأنَّه لما كان السوق موضع اللغط، واشتغال الناس بالبيع والشراء، والأيمان الكثيرة فيه بالحق والباطل، وربما كان يُتَوهم عدم جواز الصلاة فيه من هذه الجهات؛ خصه بالذكر) انتهى.

واعترضه العجلوني فزعم: (يقال عليه: من أين مراد البخاري ما ذكره؟ فما كان جوابه فهو جوابهم، وقوله عن الكرماني: أنَّه ارتكب المجاز من غير ضرورة؛ فيه أنَّه الأصل الحقيقي إلا أن يريد بالنسبة للمعنى المتعارف، على أنَّه ليس الكلام للكرماني، بل لصاحب التراجم كما نقله عنه الكرماني) ، وقال العجلوني قبله: (وما قاله الكرماني أنسب، والأولى أن يراد ما يشمل الأمرين معًا؛ لأنَّه أعم فائدة) انتهى.

قلت: وكلامه فاسد الاعتبار، فإنَّ قوله: (يقال عليه...) إلى آخره؛ صاحب الفهم الصَّحيح يعلم أنَّ مراد البخاري ما ذكره من وضع حديث أبي هريرة تحت هذه التَّرجمة، وفيه المطابقة لها صريحًا، وفيه بيان أنَّ المصلي إذا صلى في بيته؛ لم يحصل له هذا الثواب، وهو صادق بوجهين، فهو ثلاثة التي [1] ذكرها إمام الشَّارحين، وليس هذا يصلح جوابًا لهؤلاء كما زعمه؛ لأنَّ الكرماني لم يأخذ كلامه من بيان الحديث، بل أخذه من الفهم السقيم، وابن بطال أخذ كلامه من حديث: «شر البقاع الأسواق»، وتبعه ابن حجر، وأخذ من كلامه واستند لهذا الحديث، وكل هذا ليس بمراد للمؤلف، فليس لهؤلاء جواب غير أنَّه كلام غير مفيد للمقام على أنَّ حديث: «شر البقاع الأسواق» لا يصح إسناده، فهو ضعيف، فكيف يحتج به؟ وكيف يتوهم أحد منه عدم الجواز مع وجود حديث أبي هريرة؟ فإنَّ البخاري لو كان مراده الحديث وصح عنده؛ لذكره، وما ذلك إلا قول صادر من غير تأمل.

وقوله: (فيه أنَّه الأصل...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّ الأصل في الكلام الحقيقة عند أهل المعارف لا المجاز، ولم يقل أحد غيره بأنه الأصل على أنَّه لا يجوز عند المحققين العدول عن الحقيقة إلى المجاز مع وجود الحقيقة؛ لأنَّها الأصل في الكلام؛ فليحفظ، فهذا كلام صادر من غير تأمل.

وقوله: (إلا أن يريد..) إلى آخره؛ ممنوع أيضًا، فمن المتعارف أنَّ المسجد اسم للأبنية المعروفة، وليس يعرف أنَّ المسجد موضع إيقاع الصلاة، كما لا يخفى.

(وكونه ليس الكلام للكرماني..) إلى آخره: ليس بلازم؛ لأنَّ إمام الشَّارحين ينظر للمقال، ولا ينظر لمن قال، وليس له فيه حظ نفس ولا نحوه، على أنَّه كم وقع الكرماني في خبط أبلغ من هذا، وكم رأينا له هفوات، فليس هذا بأول هفوة، على أنَّه لو كان المراد بالمساجد مواضع إيقاع الصلاة _كما زعمه وادعى العجلوني أنَّه أنسب_؛ لكان حديث أبي هريرة غير مطابق للتَّرجمة، ولكان على المؤلف أن يترجم له بـ (باب مواضع الصلاة) ، ولما ترجم بهذا؛ علم أنَّ ما ذكره ليس بمراد له، ولا إشارة إليه، كما لا يخفى.

وقوله: (والأولى أن يراد...) إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّ البخاري صرح في ترجمته بلفظ: (المساجد) ، ولم يرد به مواضع الصلاة، كما هو صريح ترجمته، والحديث يدل عليه، وليس فيما ذكره العجلوني أعمية فائدة؛ لأنَّ الفائدة بما ترجم به موجودة بالعموم على أنَّه ليس فيما ذكره فائدة أصلًا؛ لأنَّه إذا حمل كلامه على ما يلزم عليه العمل بحقيقة الكلام ومجازه وهو غير جائز عند الجمهور، والمؤلف لا يعمل بمثله؛ فعلم منه أنَّه ليس بمراد للمؤلف ولا إشارة إليه.

((وصلى ابن عون)) ؛ بالنُّون، هو عبد الله بن أرطبان البصري، من السَّادسة، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة، يروي عن ابن سيرين وغيره، وزعم ابن المُنَيِّر أنَّه ابن عمر، وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّه تصحيف، والصَّحيح أنَّه ابن عون، وكذا وقع في الأصول) انتهى.

قال العجلوني: (رأيت في «المصابيح» نقلًا عنه: «ابن عون» بلا تصحيف) انتهى.

قلت: هذه النُّسخة التي رآها أيضًا هي تصحيف؛ لأنَّ الثابت في النُّسخ عنه: «ابن عمر» بالتصحيف كما نقله الشراح، فكيف يدعي ذلك؟ فافهم.

((في مسجد في دار يغلق عليهم الباب)) ؛ أي: على ابن عون ومن معه باب الدار، فضمير (عليهم) يرجع له ولمن معه، قال القسطلاني: (وليس في هذا ذكر السوق، فالله أعلم بوجه المطابقة) انتهى.

قلت: أشار إلى أنَّه لا مطابقة بين هذا والتَّرجمة، والظَّاهر أن يقال: إنَّ دار ابن عون في السوق والمسجد الذي فيها بابه في السوق، وأنَّ أهله يصلُّون فيه؛ بدليل قوله: (عليهم) ، فإنَّه راجع إلى ابن عون ومن معه، وهم أهل السوق، فصدق عليه أنَّ صلاته كانت في مسجد السوق، وإغلاق الباب؛ لأجل عدم دخول كلب ونحوه، لا لأجل الناس؛ فافهم، فطابق التَّرجمة من هذا الوجه؛ فافهم.

وزعم صاحب «المنحة» بأنَّ وجه المطابقة قياس اتخاذ المسجد في السوق على اتخاذه في الدار بجامع أنَّ كلًّا منهما محجور بأهل ما حواه، انتهى.

قلت: هذا قياس مع الفارق، ولو كان مراد المؤلف اتخاذ المسجد في الدار؛ لكان ترجم له أو أدخله في ترجمته، وليس لهذا الجامع الذي ذكره وجه، فإنَّ السوق ليس أهله محجورين وكذلك الدار؛ لأنَّ السوق يدخله البائع، والشَّاري، والمتفرج، والغريب، والمقيم، وكذلك الدار يدخلها صاحب الحاجة، والضيف، ونحوهما؛ فافهم.

وقال ابن المُنَيِّر: (وجه المطابقة: أنَّ المصنف أراد أن يبين جواز بناء المسجد داخل السوق؛ لئلا يتخيل متخيل من كونه محجورًا منع الصلاة فيه؛ لأنَّ صلاة ابن عمر كانت في دار تغلق عليهم، فلم يمنع التحجير اتخاذ المسجد فيها، وخص السوق في التَّرجمة؛ [/ص686/]

لئلا يتخيل أنَّها لما كانت شر البقاع وبها يركز الشَّيطان رايته -كما وَرَد في الحديث- يمنع ذلك من اتخاذ المساجد فيها، وتنافي العبادة كما نافتها الطرقات، ومواضع العذاب والحَمَّام؛ فبيَّن بحديث أبي هريرة أنَّها محل للصلاة؛ كالبيوت، فيجوز أن يبنى فيها المسجد) انتهى.

قلت: كل هذا تكلف، وغير مراد للبخاري؛ لأنَّه من أين علم أنَّ مراد البخاري بيان جواز بناء المسجد داخل السوق؟ فلو كان مراده هذا؛ لكان يقول: باب جواز بناء المسجد في السوق، وإنَّما مراده: جواز الصلاة في مسجد السوق، وليس يتخيل أحد منع الصلاة في السوق؛ لكونه محجورًا بل هو غير محجور، ألا ترى أنَّ المؤمن لا يمنع مؤمنًا من دخول المسجد، فكيف يكون محجورًا؟ ودار ابن عون كانت في السوق وليس في المسجد الذي بها حجر؛ لأنَّ غلق الباب إنَّما كان لأجل ألَّا يدخل عليهم كلب أو نحوه، فيفسد عليهم صلاتهم.

وتخصيص السوق بالتَّرجمة موافقة للأثر والحديث، لا لأنَّها شر البقاع وركوز الشَّيطان، فإنَّ حديث: «شر البقاع»؛ ضعيف لا يحتج به كما قدمناه، والشَّيطان يركز في كل مكان خبيث، ألا ترى أنَّ الشخص إذا باع واشترى على قانون الشرع؛ يذكر عليه الملائكة وأنَّه عبادة، ولا تنافي فيما ذكره من الطرقات ونحوها؛ لأنَّها لم تكن معدة للصلاة، فقالوا بكراهة الصلاة فيها، أمَّا مسجد السوق؛ فلا كراهة فيه؛ لأنَّه مسجد أُعِد للصلاة فيه، فهذا قياس مع الفارق؛ فافهم، وما ذكرناه في وجه المطابقة هو الصَّواب؛ لأنَّه من فيض الوهاب.

زاد في الطنبور نغمة الكرماني، فزعم أنَّ غرض البخاري من هذا الأثر الرد على الحنفية حيث قالوا بامتناع اتخاذ المساجد في الدار المحجوبة عن الناس، انتهى.

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (جازف الكرماني في هذا؛ لأنَّ الحنفية لم يقولوا هكذا، بل المذهب فيه أنَّ من اتخذ مسجدًا في داره وأفرز طريقه؛ يجوز ذلك، ويصير مسجدًا، فإذا أغلق بابه وصلى فيه؛ يجوز مع الكراهة، وكذا الحكم في سائر المساجد) انتهى.

وشاركه في المجازفة العجلوني، فزعم أنَّه يمكن حمل كلام الكرماني على ما قاله، والمكروه تحريمًا ممتنع في الجملة، فلا مجازفة، انتهى.

قلت: هذا تعصب بارد من ذهن شارد؛ لأنَّه كيف يحمل كلامه على ما قاله، وقد قال الكرماني: (قالوا بامتناع) ؛ وهو عدم الجواز، وبين هذا وبين الجواز مع الكراهة فرق ظاهر كما بين السَّماء والأرض، ولم يصرح إمام الشَّارحين بأنَّ الكراهة للتحريم، فمن أين جاء بها؟ وما هذا إلا جرأة على رئيس المجتهدين.

على أنَّ الكرماني قال: (في الدار المحجوبة عن الناس) ، وإمام الشَّارحين قال: (فإذا أغلق بابه) ، فبين الدار المحجوبة والمسجد المغلق بابه فرق ظاهر [2] ، فلا يمكن حمل كلامه على شيء أصلًا، وليس هو بالإمام الأعظم ولا بأمثاله حتى يحمل كلامه على محمل حسن، بل يقال: هو خطأ ظاهر، وجرأة على صاحب المذهب المعظم، وإذا كان لم يعرف مذهب رأس المجتهدين؛ كيف يتعرض لمذهبه بالخطأ الظَّاهر؟

على أنَّ ما ذكره البخاري من الأثر إن لو فرض أنَّه كان مخالفًا للمذهب لا يعارضه، ولا يلتفت إليه؛ لأنَّه ليس من كلام النَّبي الأعظم عليه السَّلام، ولا من كلام الصَّحابةرضي الله عنه، ومع هذا؛ فكلام التَّابعين كذلك لا يعارِض؛ لأنَّهم رجال ونحن رجال، كما قاله الإمام الأعظم، فكيف إذا كان كلام أتباع التَّابعين فبالأولى؛ فافهم، والله أعلم.

[1] في الأصل: (الذي)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (فرقًا ظاهرًا) ، ولا يصح.