إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

اليونينية وما وقف عليه المصنف من نسخها

[اليونينية وما وقف عليه المصنف من نسخها]
وقد اعتنى الحافظ شرف الدِّين أبو الحُسَين [1] عليُّ ابن شيخ الإسلام ومحدِّث الشَّام تقيِّ الدِّين محمَّد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله اليونينيُّ الحنبليُّ رحمه الله تعالى بضبط رواية «الجامع الصَّحيح»، وقابل أصله الموقوف بمدرسة أقبغا آص بسُويقة العزَّى خارج باب زُوَيْلة من القاهرة المُعزيَّة، الذي قِيلَ _فيما رأيته بظاهر بعض نسخ البخاريِّ الموثوق بها وقفٌ مقرُّها برواق الجبرت من الجامع الأزهر بالقاهرة_: إنَّ أقبغا بذل فيه نحو عشرة آلاف دينارٍ، والله أعلم بحقيقة ذلك، وهو في جزأين؛ فُقِدَ الأوَّل منهما، بأصلٍ [2] مسموعٍ على الحافظ أبي ذرٍّ الهرويِّ، وبأصل مسموعٍ على الأَصيليِّ، وبأصل الحافظ مؤرِّخ الشَّام أبي القاسم ابن عساكر، وبأصلٍ مسموعٍ على أبي الوقت، وهو أصلٌ من أصول مسموعاته في وقف خانكاه السِّميساطيِّ بقراءة الحافظ أبي سعيدٍ عبد الكريم بن محمَّد بن منصورٍ السَّمعانيِّ بحضرة سيبويه وقته الإمام جمال الدِّين ابن مالكٍ بدمشق سنة ستٍّ وسبعين [3] وستِّ مئةٍ، مع حضور أصلَي سماعَي الحافظ أبي محمَّد المقدسيِّ وقف السُّميساطيِّ، وقد بالغ _رحمه الله تعالى_ في ضبط ألفاظ «الجامع الصَّحيح» جامعًا فيه روايات من ذكرناه، راقمًا عليه ما يدلُّ على مراده، فعلامة أبي ذَرٍّ الهرويِّ (5)، والأَصيليِّ (ص)، وابن عساكر الدِّمشقيِّ (ش)، وأبي الوقت (ظ)، ولمشايخ أبي ذَرٍّ الثَّلاثة الحَمُّويي (ح)، والمُستملي (ست)، والكُشْمِيهَنيِّ (هـ)، فما كان من ذلك بالحمرة؛ فهو ثابتٌ في النُّسخة التي قرأها الحافظ عبد الغنيِّ المقدسيُّ على الحافظ أبي عبد الله الأرتاحيِّ بحقِّ إجازته من أبي الحُسَين الفرَّاء الموصليِّ عن كريمة عن الكُشْمِيهَنِيِّ. وفي نسخة أبي صادقٍ مرشد بن [4]. يحيى المدينيِّ وقف جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه بمصر، وله رقومٌ أخرى لم أجد ما يدلُّ عليها، وهي (عط ق ج صع)، ولعلَّ الجيم للجرجانيِّ، والعين لابن السَّمعانيِّ، والقاف لأبي الوقت، فإن اجتمع ابن حَمُّويه والكُشْمِيهَنِيُّ؛ فرقمهما هكذا: (حهـ)، والمُستملي والحَمُّويي؛ فرقمهما: (حسـ) هكذا، وإن اتَّفق الأربعة الرُّواة عنهم رُقِمَ لهم: (5 ص ش ظ [5])، وما سقط عند الأربعة زاد معها (لا)، وما سقط عند البعض أسقط رقمه من غير (لا) مثاله: أنَّه وقع في أصل سماعه في حديث «بدء الوحي»: «جمعه لك في صدرك» [خ¦5]، ووقع عند الأربعة: «جمعه لك صدرك» بإسقاط «في» فيُرقَم على «في» (لا)، ويُرقَم فوقها إلى جانبها (5 ص ش ظ) هذا إن وقع الاتِّفاق على سقوطها، فإن كانت عندهم وليست عند الباقين؛ رُقِم رسمه وتُرِك رسمُهم، وكذا إن لم تكن عند واحدٍ وكانت عند الباقين كُتِبَ عليها (لا)، ورُقِمَ فوقها الحرف المصطلح عليه. وما صحَّ عنده سماعه وخالف مشايخ أبي ذرٍّ الثَّلاثة؛ رُقِمَ عليه (5) وفوقها صحَّ. وإن وافق أحد مشايخه وضعه فوقه، والله تعالى يثيبه على قصده، ويجزل له من المكرمات جوائز رفده، فلقد أبدع فيما رَقَمَ، وأتقن فيما حرَّر وأحكم. ولقد عوَّل النَّاس عليه في روايات «الجامع»؛ لمزيد اعتنائه وضبطه ومقابلته على الأصول المذكورة، وكثرة ممارسته له، حتَّى إنَّ الحافظ شمس الدِّين الذَّهبيَّ حكى عنه: أنَّه قابله في سنةٍ واحدةٍ إحدى عشْرة مرَّةً، ولكونه ممَّن وُصِفَ بالمعرفة الكثيرة والحفظ التَّامِّ للمتون والأسانيد؛ كان الجمال ابن مالكٍ لمَّا حضر عند المقابلة المذكورة إذا مرَّ من الألفاظ ما يتراءى له أنَّه مخالفٌ لقوانين العربيَّة؛ قال للشَّرف اليونينيِّ: هل الرِّواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنَّه منها؛ شرع ابن مالكٍ في توجيهها حسب
ج1ص40
إمكانه، ومن ثمَّ وضع كتابه المسمَّى بـ «شواهد التَّوضيح».
ولقد وقفت على فروعٍ مُقابَلَةٍ على هذا الأصل الأَصيل، فرأيت من أجلِّها الفرعَ الجليلَ الذي لعلَّه فاق أصله، وهو الفرع المنسوب للإمام المحدِّث شمسِ الدِّين محمَّد بن أحمد المزِّيِّ
الغزوليِّ، وقف التَّنكزيَّة بباب المحروق خارج القاهرة، المُقابَل على فرعَي وقف مدرسة الحاجِّ مالكٍ، وأصل اليونينيِّ المذكور غير مرَّةٍ، بحيث إنَّه لم يغادر منه شيئًا _كما قِيلَ_؛ فلهذا اعتمدت في كتابة متن البخاريِّ في شرحي هذا عليه، ورجعت في شكل [6] جميع الحديث وضبطه إسنادًا ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الرِّوايات، وما في حواشيه من الفوائد المهمَّات.
ثمَّ وقفت في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى، سنة ستَّ عشْرة وتسعمئةٍ، بعد ختمي لهذا الشَّرح على المجلَّد الأخير من أصل اليونينيِّ المذكور، ورأيت بحاشية ظاهر الورقة الأولى منه ما نصُّه: سمعت ما تضمَّنه هذا المجلَّد من «صحيح البخاريِّ» رضي الله عنه بقراءة سيِّدنا الشَّيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدِّين أبي الحسين علي بن محمَّد بن أحمد اليونينيِّ رضي الله عنه وعن سلفه، وكان السَّماع بحضرة جماعةٍ من الفضلاء ناظرين في نسخٍ مُعتَمدٍ عليها، فكلَّما مرَّ بهم لفظٌ ذو إشكالٍ بيَّنت فيه الصَّواب، وضبطته [7] على ما اقتضاه علمي بالعربيَّة، وما افتقر إلى بسط عبارةٍ وإقامة دلالةٍ أخَّرتُ أمرَه إلى جزءٍ أستوفي فيه الكلام، ممَّا يحتاج إليه من نظيرٍ وشاهدٍ؛ ليكون الانتفاع به عامًّا، والبيان تامًّا، إن شاء الله تعالى. وكتبه محمَّد بن عبد الله بن مالك حامدًا لله تعالى.
قلت: وقد قابلت متن شرحي هذا إسنادًا وحديثًا على هذا الجزء المذكور، من أوَّله إلى آخره حرفًا حرفًا، وحكيته _كما رأيته_ حسب طاقتي، وانتهت مقابلتي له في العشر الأخير من المحرَّم سنة سبع عشْرة وتسعمئةٍ _نفع الله تعالى به_ ثمَّ قابلته عليه مرَّةً أخرى، فعلى الكاتب لهذا الشَّرح _وفَّقه الله تعالى_ أن يوافقني فيما رسمته من تمييز الحديث متنًا وسندًا من الشَّرح، واختلاف الرِّوايات بالألوان المختلفة، وضبط الحديث متنًا وسندًا بالقلم كما يراه، ثمَّ رأيت بآخر الجزء المذكور ما نصُّه: بلغت مقابلةً وتصحيحًا وإسماعًا بين يدي شيخنا شيخ الإسلام حجَّة العرب، مالك أزمَّة الأدب، الإمام العلَّامة أبي عبد الله ابن مالكٍ الطَّائيِّ. الجيَّانيِّ، أمدَّ الله تعالى عمره، في المجلس الحادي والسَّبعين، وهو يراعي قراءتي ويلاحظ نطقي [8]، فما اختاره ورجَّحه وأمر بإصلاحه أصلحته وصحَّحت عليه، وما ذكر أنَّه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثةٌ فأعملت ذلك على ما أمر ورجَّح، وأنا أقابل بأصل الحافظ أبي ذَرٍّ، والحافظ أبي محمَّد الأَصيليِّ، والحافظ أبي القاسم الدِّمشقيِّ، ما خلا الجزءَ الثَّالث عشر والثَّالث والثَّلاثين، فإنَّهما معدومان. وبأصلٍ مسموعٍ على الشَّيخ أبي الوقت بقراءة الحافظ أبي منصورٍ السَّمعانيِّ وغيره من الحفَّاظ، وهو وقفٌ بخانكاه السُّميساطيِّ، وعلامات ما وافقت أبا ذَرٍّ: (5)، والأَصيليَّ: (ص)، والدِّمشقيَّ: (ش)، وأبا الوقت: (ظ)، فيعلم [9] ذلك.
وقد ذكرت ذلك في أوَّل الكتاب في فرخةٍ لتعلم الرُّموز، كتبه عليُّ بن محمَّدٍ الهاشميُّ اليونينيُّ، عفا الله تعالى عنه. انتهى.
ثمَّ وُجِدَ الجزء الأوَّل من أصل اليونينيِّ المذكور يُنادَى عليه للبيع بسوق الكتب، فعُرِفَ وأحضر إليَّ بعد فقده أزيدَ من خمسين سنةً، فقابلت عليه متن شرحي هذا، فكمَّلت مقابلته عليه جميعه حسب الطَّاقة، ولله الحمد.
ج1ص41


[1] في جميع النُّسخ: «أبو الحسن»، وهو تحريفٌ.
[2] في (د): «متعلِّق بقابل... إلى آخره».
[3] كذا في النُّسخ، وصوابه: ستٍّ وستِّين، أو سبع وستِّين؛ كما نبَّه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في مقدمة طبعته من البخاري، إذ وفاة ابن مالك الذي عقدت بحضوره المجالس سنة (672).
[4] في (ص): «أبي»، وهو تحريفٌ.
[5] في (د): «ط».
[6] في (ص): «مشكل».
[7] في غير (ب): «ضبط».
[8] في (ص): «غلطي».
[9] في (ص): «ليعلم».