متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

وأمَّا عدد أحاديث «الجامع»؛ فقال ابن الصَّلاح: سبعة آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعون _بتأخير الموحَّدة عن السين فيهما_ بالأحاديث المكرَّرة، وتبعه النَّوويُّ وذكرها مُفصَّلةً، وساقها ناقلًا لها من كتاب «جواب المتعنِّت» لأبي الفضل بن طاهرٍ، وتعقَّب ذلك الحافظ أبو الفضل بن حجرٍ رحمه الله تعالى بابًا بابًا محرِّرًا ذلك، وحاصله أنَّه قال: جميع أحاديثه بالمكرَّر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حرَّرته وأتقنته سبعة آلافٍ _بالموحَّدة بعد السِّين_ وثلاث مئةٍ وسبعةٌ وتسعون حديثًا، فقد زاد على ما ذكروه مئةَ حديثٍ واثنين وعشرين حديثًا، والخالص من ذلك بلا تكرارٍ ألفا حديثٍ وستُّ مئةٍ وحديثان، وإذا ضمَّ له المتون المعلَّقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضعٍ آخر منه، وهي مئةٌ وتسعةٌ وخمسون؛ صار مجموع الخالص ألفي حديثٍ وسبعمئةٍ وإحدى وستِّين حديثًا. وجملة ما فيه من التَّعاليق ألفٌ وثلاثة مئةٍ وأحدٍ وأربعون حديثًا، وأكثرها مكرَّرٌ مخرَّجٌ في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرَّج في الكتاب، ولو من طريقٍ أخرى، إلَّا مئةٌ وستُّون حديثًا، وجملة ما فيه من المتابعات والتَّنبيه على اختلاف الرِّوايات ثلاث مئةٍ وأربعةٌ وأربعون حديثًا، فجملة ما في الكتاب على هذا بالمكرَّر تسعة آلافٍ واثنان وثمانون حديثًا، خارجًا عن الموقوفات على الصَّحابة، والمقطوعات على التَّابعين، فمن بعدهم.

وأمَّا عدد كتبه فقال في «الكواكب»: إنَّها مئةٌ وشيءٌ، وأبوابه ثلاثة آلافٍ وأربع مئةٍ وخمسون بابًا، مع اختلافٍ قليلٍ في نسخ الأصول.

وعدد مشايخه الذين خرَّج [1] عنهم فيه مئتان وتسعةٌ وثمانون، وعدد من تفرَّد بالرِّواية عنهم دون مسلمٍ مئةٌ وأربعةٌ وثلاثون، وتفرَّد أيضًا بمشايخَ لم تقع الرِّواية عنهم لبقية [2] أصحاب الكتب الخمسة إلَّا بالواسطة، وقع له اثنان وعشرون حديثًا ثلاثيَّات الإسناد، والله سبحانه الموفِّق والمعين.

وأمَّا فضيلة «الجامع الصَّحيح»: فهو _كما سبق_ أصحُّ الكتب المؤلَّفة في هذا الشَّأن، والمُتلقَّى بالقبول من العلماء في كلِّ أوانٍ، قد فاق أمثاله في جميع الفنون والأقسام، وخُصَّ بمزايا من بين دواوين الإسلام، شهد له بالبراعة والتَّقدُّم الصَّناديد العِظَام، والأفاضل الكرام، ففوائده أكثر من أن تُحصَى، وأعزُّ من أن تُستقصَى، وقد أنبأني غير واحدٍ عن المسندة الكبيرة عائشة بنت محمَّد بن عبد الهادي: أنَّ أحمد بن أبي طالبٍ أخبرهم: عن [/ج1ص28/]

عبد الله بن عمر بن عليٍّ: أن أبا الوقت أخبرهم عنه سماعًا قال: أخبرنا أحمد بن محمَّد بن إسماعيل الهروَّيُّ شيخ الإسلام، سمعت خالد بن عبد الله المروزيَّ يقول: سمعت أبا سهلٍ محمَّد بن أحمد المروزيَّ يقول: سمعت أبا زيدٍ المروزيَّ يقول: «كنت نائمًا بين الرُّكن والمقام، فرأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيدٍ؛ إلى متى تدرس كتاب الشَّافعيِّ وما تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله؛ وما كتابك؟ قال: جامع محمَّد بن إسماعيل.

وقال الذَّهبيُّ في «تاريخ الإسلام»: وأمَّا «جامع البخاريِّ الصَّحيح»؛ فَأَجَلُّ كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى، قال: وهو أعلى في وقتنا هذا إسنادًا للنَّاس، ومن ثلاثين سنةً يفرحون بعلوِّ سماعه، فكيف اليوم؟! فلو رحل الشَّخص لسماعه من ألف فرسخٍ؛ لَمَا ضاعت رحلته انتهى. وهذا قاله الذَّهبيُّ رحمه الله في سنة ثلاثَ عَشْرَةَ وسبعِ مئةٍ.

ورُوِيَ بالإسناد الثَّابت عن البخاريِّ أنَّه قال: رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وكأنَّني واقفٌ بين يديه، وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المعبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج «الجامع الصَّحيح»، وقال: ما كتبت في «الجامع [3] الصَّحيح» حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وقال: خرَّجته من نحو ستِّمئة ألف حديثٍ، وصنَّفته في ستِّ عشْرة سنةً، وجعلته حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى، وقال: ما أدخلت فيه إلَّا صحيحًا، وما تركت من الصَّحيح أكثرُ حتَّى لا يطولَ، وقال: صنَّفت كتابي «الجامع» في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتَّى استخرت الله تعالى وصلَّيت ركعتين، وتيقَّنت صحَّته.

قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: والجمع بين هذا وبين ما رُوِيَ: أنَّه كان يصنِّفه في البلاد: أنَّه ابتدأ تصنيفه وترتيب أبوابه في المسجد الحرام، ثمَّ كان يخرِّج الأحاديث بعد ذلك في بلده [4] وغيرها، ويدلُّ عليه قوله: إنَّه أقام فيه ستَّ عشْرةَ سنةً، فإنَّه لم يجاور بمكَّة هذه المدَّة كلَّها.

وقد روى ابن عديٍّ عن جماعةٍ من المشايخ: أنَّ البخاريَّ حوَّل تراجم «جامعه» بين قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتين، ولا ينافي هذا أيضًا ما تقدَّم؛ لأنَّه يحمل على أنَّه في الأوَّل كتبه في المُسودَّة، وهنا حوَّله من المُسوَّدة إلى المُبيضَّة.

وقال الفربريُّ: قال لي محمَّد بن إسماعيلَ: ما وضعت في الصَّحيح حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وأرجو أن يبارك الله تعالى في هذه المصنَّفات.

وقال الشَّيخ أبو محمَّدٍ عبد الله بن أبي جمرة [5] : قال لي مَن لقيت من العارفين عمَّن لقيه من السَّادة المُقَرِّ لهم بالفضل: إنَّ «صحيح البخاريِّ» ما قُرِئَ في شدَّةٍ إِلَّا فُرِجَت، ولا رُكِبَ به في مركبٍ فغرق. قال: وكان مُجابَ الدُّعاء، وقد دعا لقارئه رحمه الله تعالى.

وقال الحافظ عماد الدِّين بن كثيرٍ: وكتاب البخاريِّ «الصَّحيح» يُستسقَى بقراءته الغمامُ، وأجمع على قبوله وصحَّة ما فيه أهلُ الإسلام. وما أحسن قول البرهان القيراطيِّ رحمه الله: [من الكامل]

~ حدِّث وشنِّف بالحديث مسامعي فحديثُ مَنْ أهوى حليُّ مسامعي

~ لله ما أحلى مكرَّره الذي يحلو ويعذب في مذاق السَّامع

~ بسماعه نلتُ الذي أمَّلتُه وبلغتُ كلَّ مطالبي ومطامعي

~ وطلعتُ في أفق السَّعادة صاعدًا في خير أوقاتٍ وأسعدِ طالعٍ

~ ولقد هُديتُ لغاية القصد التي [6] صحَّت أدلَّته بغير ممانعِ

~ وسمعت نصًّا للحديث معرَّفًا ممَّا تضمَّنه كتاب «الجامع»

~ وهو الذي يُتلَى إذا خَطْبٌ عَرا فتراه للمحذور [7] أعظَم دافعِ

~ كم من يدٍ بيضا حواها طرسُه تومي إلى طرق العلا بأصابعِ

~ وإذا بدا باللَّيل أسودُ نقشه يجلو علينا كلَّ بدرٍ ساطعِ

~ مَلَكَ القلوبَ به حديثٌ نافعٌ ممَّا رواه مالكٌ عن نافعِ

~ في سادةٍ ما إن سمعتَ بِمثلهم من مُسمِعٍ عالي السَّماعِ وسامعِ [/ج1ص29/]

~ وقراءة القاري له ألفاظه تغريدها يزري بسجْع السَّاجعِ

(وقول الآخر): [من الكامل]

~ وفتى بُخارى عند كلِّ محدِّثٍ هو في الحديث جُهينةُ الأخبارِ

~ لكتابه الفضلُ المبينُ [8] لأنَّه أسفاره في الصُّبح كالإسفارِ

~ كم أزهرت بحديثه أوراقُه مثل الرِّياض لصاحب الأذكارِ

~ أَلِفَاتُه مثلُ الغصونِ إذا بدت من فوقها الهمزاتُ كالأطيارِ

~ بجوامعِ الكَلِمِ التي اجتمعت به متفرِّقاتُ الزَّهرِ والأزهارِ

وقول الشَّيخ أبي الحسن عليِّ بن عبيد الله [9] بن عمر الشَّقِّيع _بالشِّين المُعجمَة، والقاف المكسورة المُشدَّدة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة عينٌ مُهملَةٌ_ النَّابلسيِّ، المُتوفَّى بالقاهرة سنة ستَّ عشْرةَ وتسع مئةٍ: [من الكامل]

~ خُتِم الصَّحيحُ بِحمْدِ ربِّي وانتهى وأرى به الجاني تقهقر وانتهى

~ فسقى البخاري جودَ جودَ سحائبٍ ما غابت الشِّعرى وما طلعَ السُّها

~ الحافظُ الثِّقةُ الإمامُ المُرتضَى مَنْ سار في طلبِ الحديث وما وهى

~ طَلَبَ الحديثَ بكلِّ قطرٍ شاسعٍ وروى عن الجمِّ الغفير أُولي النُّهى

~ ورواه خلقٌ عنه وانتفعوا به وبفضله اعترف البريةُ كلُّها

~ بحرٌ بجامعه الصَّحيح جواهرٌ قد غاصها فاجهد وغُصْ إن رُمْتَها

~ واروي [10] أحاديثًا معنعنةً زهتْ تحلو لذائقِها [11] إذا كرَّرتها

وللإمام أبي الفتوح العجلي: [من المتقارب]

~ صحيحُ البخاريِّ يا ذا الأدبْ قويُّ المتون عَلِيُّ الرُّتبْ

~ قويمُ النِّظام بهيجُ الرَّواءِ خطيرٌ يروجُ كنقد الذَّهبْ

~ فتبيانُه مُوضِحُ المعضِلاتِ وألفاظه نخبةٌ للنُّخبْ

~ مفيدُ المعاني شريفُ المعالي رشيقٌ أنيقٌ كثيرُ الشُّعبْ

~ سما عزُّه فوق نجم السَّماء فكلُّ جميلٍ به يُجتلَبْ

~ سناءٌ منيرٌ كضوء الضُّحى ومتنٌ مزيحٌ لشوب الرِّيَبْ

~ كأنَّ البخاريَّ في جمعه تلقَّى من المُصطفَى ما اكتتبْ

~ فللَّه خاطره إذ وعى وساق فرائده وانتخبْ

~ جزاه الإله بما يرتضي وبلَّغه عالياتِ القربْ [12]

ولأبي [13] عامرٍ الفضل بن إسماعيل الجرجانيِّ الأديب رحمه الله تعالى: [من المتقارب]

~ صحيح البخاريِّ لو أنصفوه لمَا خُطَّ إلَّا بماء الذَّهبْ

~ هو الفرق بين الهدى والعمى [14] هو السَّدُّ دون العنا والعطبْ

~ أسانيدُ مثلَ نجومِ السَّماءِ أمامَ متونٍ كمثل الشُّهَبْ

~ بهِ قام ميزانُ دينِ النَّبي ودان له [15] العُجْمُ بعد العربْ

~ حجابٌ من النَّار لا شكَّ فيه يميِّز بين الرِّضا والغضبْ

~ وخير رفيق [16] إلى المُصطفَى ونورٌ مبينٌ لكشف الرِّيَبْ

~ فيا عالمًا أجمع العالمون على فضل رتبته في الرُّتبْ

~ سبقْتَ الأئمَّة فيما جمعت وفزت على رغمهم [17] بالقصبْ

~ نفيتَ السَّقيم من [18] الغافلين ومن كان مُتَّهمًا بالكذبْ

~ وأثبتَّ من عدّلتْه الرواة وصحّت روايته في الكتبْ

~ وأبرزتَ في حسن ترتيبه وتبويبه عجبًا للعجبْ [/ج1ص30/]

~ فأعطاك ربُّك ما تشتهيه وأجزل حظَّك فيما يَهَبْ

~ وخصَّك في عَرَصات الجنان بخيرٍ يدوم ولا يقتضبْ [19]

فلله دَرُّه من تأليفٍ رفع عَلَم علمه بمعارف معرفته، وتسلسل حديثه بهذا الجامع، فَأَكْرِمْ بسنده العالي ورفعته، انتصب لرفع بيوتٍ أذن الله أن تُرفَع، فيا له من تصنيفٍ تسجد له جباه التَّصانيف _إذا تُلِيَتْ آياته_ وتركع، هَتَكَ بأنوار مصابيحه المشرقة من المشكلات كلَّ مظلمٍ، واستمدَّت جداول العلماء من ينابيع أحاديثه التي ما شكَّ في صحَّتها مسلمٌ، فهو قطب سماء الجوامع، ومطالع الأنوار اللَّوامع، فالله تعالى يبوِّئ مؤلِّفه في الجنان منازلَ مرفوعةً، ويكرمه بصِلَاتٍ عائدةٍ غير مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ.

[1] في (ب) و (س): «صرَّح».
[2] في (ص): «كبقيَّة».
[3] في غير (د): «كتاب».
[4] في (د): «بلد أهله».
[5] في (ص): «جمزة»، وفي (م): «حمزة»، وكلاهما تصحيفٌ.
[6] في (د): «الذي»، وفي (م): «التي».
[7] في (ص): «للمخدور».
[8] في (ص): «الكبير».
[9] في (ص): «عبد الله».
[10] في (ب) و (س): «وروى».
[11] في (ب) و (س): «لسامعها».
[12] في (د): «سناه».
[13] في (د): «الرُّتب».
[14] في غير (س): «لابن»، وهو تحريفٌ.
[15] في (د): «بين العمى»، وفي (ص): «هو السربين».
[16] في (د): «وزان به».
[17] في (د) و (ص): «وسير رقيق».
[18] في (ص) و (م): «جمعهم».
[19] البيت سقط من (م)، وفي (د) و (ص): «ينغصب».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

وأمَّا عدد أحاديث «الجامع»؛ فقال ابن الصَّلاح: سبعة آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعون _بتأخير الموحَّدة عن السين فيهما_ بالأحاديث المكرَّرة، وتبعه النَّوويُّ وذكرها مُفصَّلةً، وساقها ناقلًا لها من كتاب «جواب المتعنِّت» لأبي الفضل بن طاهرٍ، وتعقَّب ذلك الحافظ أبو الفضل بن حجرٍ رحمه الله تعالى بابًا بابًا محرِّرًا ذلك، وحاصله أنَّه قال: جميع أحاديثه بالمكرَّر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حرَّرته وأتقنته سبعة آلافٍ _بالموحَّدة بعد السِّين_ وثلاث مئةٍ وسبعةٌ وتسعون حديثًا، فقد زاد على ما ذكروه مئةَ حديثٍ واثنين وعشرين حديثًا، والخالص من ذلك بلا تكرارٍ ألفا حديثٍ وستُّ مئةٍ وحديثان، وإذا ضمَّ له المتون المعلَّقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضعٍ آخر منه، وهي مئةٌ وتسعةٌ وخمسون؛ صار مجموع الخالص ألفي حديثٍ وسبعمئةٍ وإحدى وستِّين حديثًا. وجملة ما فيه من التَّعاليق ألفٌ وثلاثة مئةٍ وأحدٍ وأربعون حديثًا، وأكثرها مكرَّرٌ مخرَّجٌ في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرَّج في الكتاب، ولو من طريقٍ أخرى، إلَّا مئةٌ وستُّون حديثًا، وجملة ما فيه من المتابعات والتَّنبيه على اختلاف الرِّوايات ثلاث مئةٍ وأربعةٌ وأربعون حديثًا، فجملة ما في الكتاب على هذا بالمكرَّر تسعة آلافٍ واثنان وثمانون حديثًا، خارجًا عن الموقوفات على الصَّحابة، والمقطوعات على التَّابعين، فمن بعدهم.

وأمَّا عدد كتبه فقال في «الكواكب»: إنَّها مئةٌ وشيءٌ، وأبوابه ثلاثة آلافٍ وأربع مئةٍ وخمسون بابًا، مع اختلافٍ قليلٍ في نسخ الأصول.

وعدد مشايخه الذين خرَّج [1] عنهم فيه مئتان وتسعةٌ وثمانون، وعدد من تفرَّد بالرِّواية عنهم دون مسلمٍ مئةٌ وأربعةٌ وثلاثون، وتفرَّد أيضًا بمشايخَ لم تقع الرِّواية عنهم لبقية [2] أصحاب الكتب الخمسة إلَّا بالواسطة، وقع له اثنان وعشرون حديثًا ثلاثيَّات الإسناد، والله سبحانه الموفِّق والمعين.

وأمَّا فضيلة «الجامع الصَّحيح»: فهو _كما سبق_ أصحُّ الكتب المؤلَّفة في هذا الشَّأن، والمُتلقَّى بالقبول من العلماء في كلِّ أوانٍ، قد فاق أمثاله في جميع الفنون والأقسام، وخُصَّ بمزايا من بين دواوين الإسلام، شهد له بالبراعة والتَّقدُّم الصَّناديد العِظَام، والأفاضل الكرام، ففوائده أكثر من أن تُحصَى، وأعزُّ من أن تُستقصَى، وقد أنبأني غير واحدٍ عن المسندة الكبيرة عائشة بنت محمَّد بن عبد الهادي: أنَّ أحمد بن أبي طالبٍ أخبرهم: عن [/ج1ص28/]

عبد الله بن عمر بن عليٍّ: أن أبا الوقت أخبرهم عنه سماعًا قال: أخبرنا أحمد بن محمَّد بن إسماعيل الهروَّيُّ شيخ الإسلام، سمعت خالد بن عبد الله المروزيَّ يقول: سمعت أبا سهلٍ محمَّد بن أحمد المروزيَّ يقول: سمعت أبا زيدٍ المروزيَّ يقول: «كنت نائمًا بين الرُّكن والمقام، فرأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيدٍ؛ إلى متى تدرس كتاب الشَّافعيِّ وما تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله؛ وما كتابك؟ قال: جامع محمَّد بن إسماعيل.

وقال الذَّهبيُّ في «تاريخ الإسلام»: وأمَّا «جامع البخاريِّ الصَّحيح»؛ فَأَجَلُّ كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى، قال: وهو أعلى في وقتنا هذا إسنادًا للنَّاس، ومن ثلاثين سنةً يفرحون بعلوِّ سماعه، فكيف اليوم؟! فلو رحل الشَّخص لسماعه من ألف فرسخٍ؛ لَمَا ضاعت رحلته انتهى. وهذا قاله الذَّهبيُّ رحمه الله في سنة ثلاثَ عَشْرَةَ وسبعِ مئةٍ.

ورُوِيَ بالإسناد الثَّابت عن البخاريِّ أنَّه قال: رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وكأنَّني واقفٌ بين يديه، وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المعبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج «الجامع الصَّحيح»، وقال: ما كتبت في «الجامع [3] الصَّحيح» حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وقال: خرَّجته من نحو ستِّمئة ألف حديثٍ، وصنَّفته في ستِّ عشْرة سنةً، وجعلته حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى، وقال: ما أدخلت فيه إلَّا صحيحًا، وما تركت من الصَّحيح أكثرُ حتَّى لا يطولَ، وقال: صنَّفت كتابي «الجامع» في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتَّى استخرت الله تعالى وصلَّيت ركعتين، وتيقَّنت صحَّته.

قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: والجمع بين هذا وبين ما رُوِيَ: أنَّه كان يصنِّفه في البلاد: أنَّه ابتدأ تصنيفه وترتيب أبوابه في المسجد الحرام، ثمَّ كان يخرِّج الأحاديث بعد ذلك في بلده [4] وغيرها، ويدلُّ عليه قوله: إنَّه أقام فيه ستَّ عشْرةَ سنةً، فإنَّه لم يجاور بمكَّة هذه المدَّة كلَّها.

وقد روى ابن عديٍّ عن جماعةٍ من المشايخ: أنَّ البخاريَّ حوَّل تراجم «جامعه» بين قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتين، ولا ينافي هذا أيضًا ما تقدَّم؛ لأنَّه يحمل على أنَّه في الأوَّل كتبه في المُسودَّة، وهنا حوَّله من المُسوَّدة إلى المُبيضَّة.

وقال الفربريُّ: قال لي محمَّد بن إسماعيلَ: ما وضعت في الصَّحيح حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وأرجو أن يبارك الله تعالى في هذه المصنَّفات.

وقال الشَّيخ أبو محمَّدٍ عبد الله بن أبي جمرة [5] : قال لي مَن لقيت من العارفين عمَّن لقيه من السَّادة المُقَرِّ لهم بالفضل: إنَّ «صحيح البخاريِّ» ما قُرِئَ في شدَّةٍ إِلَّا فُرِجَت، ولا رُكِبَ به في مركبٍ فغرق. قال: وكان مُجابَ الدُّعاء، وقد دعا لقارئه رحمه الله تعالى.

وقال الحافظ عماد الدِّين بن كثيرٍ: وكتاب البخاريِّ «الصَّحيح» يُستسقَى بقراءته الغمامُ، وأجمع على قبوله وصحَّة ما فيه أهلُ الإسلام. وما أحسن قول البرهان القيراطيِّ رحمه الله: [من الكامل]

~ حدِّث وشنِّف بالحديث مسامعي فحديثُ مَنْ أهوى حليُّ مسامعي

~ لله ما أحلى مكرَّره الذي يحلو ويعذب في مذاق السَّامع

~ بسماعه نلتُ الذي أمَّلتُه وبلغتُ كلَّ مطالبي ومطامعي

~ وطلعتُ في أفق السَّعادة صاعدًا في خير أوقاتٍ وأسعدِ طالعٍ

~ ولقد هُديتُ لغاية القصد التي [6] صحَّت أدلَّته بغير ممانعِ

~ وسمعت نصًّا للحديث معرَّفًا ممَّا تضمَّنه كتاب «الجامع»

~ وهو الذي يُتلَى إذا خَطْبٌ عَرا فتراه للمحذور [7] أعظَم دافعِ

~ كم من يدٍ بيضا حواها طرسُه تومي إلى طرق العلا بأصابعِ

~ وإذا بدا باللَّيل أسودُ نقشه يجلو علينا كلَّ بدرٍ ساطعِ

~ مَلَكَ القلوبَ به حديثٌ نافعٌ ممَّا رواه مالكٌ عن نافعِ

~ في سادةٍ ما إن سمعتَ بِمثلهم من مُسمِعٍ عالي السَّماعِ وسامعِ [/ج1ص29/]

~ وقراءة القاري له ألفاظه تغريدها يزري بسجْع السَّاجعِ

(وقول الآخر): [من الكامل]

~ وفتى بُخارى عند كلِّ محدِّثٍ هو في الحديث جُهينةُ الأخبارِ

~ لكتابه الفضلُ المبينُ [8] لأنَّه أسفاره في الصُّبح كالإسفارِ

~ كم أزهرت بحديثه أوراقُه مثل الرِّياض لصاحب الأذكارِ

~ أَلِفَاتُه مثلُ الغصونِ إذا بدت من فوقها الهمزاتُ كالأطيارِ

~ بجوامعِ الكَلِمِ التي اجتمعت به متفرِّقاتُ الزَّهرِ والأزهارِ

وقول الشَّيخ أبي الحسن عليِّ بن عبيد الله [9] بن عمر الشَّقِّيع _بالشِّين المُعجمَة، والقاف المكسورة المُشدَّدة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة عينٌ مُهملَةٌ_ النَّابلسيِّ، المُتوفَّى بالقاهرة سنة ستَّ عشْرةَ وتسع مئةٍ: [من الكامل]

~ خُتِم الصَّحيحُ بِحمْدِ ربِّي وانتهى وأرى به الجاني تقهقر وانتهى

~ فسقى البخاري جودَ جودَ سحائبٍ ما غابت الشِّعرى وما طلعَ السُّها

~ الحافظُ الثِّقةُ الإمامُ المُرتضَى مَنْ سار في طلبِ الحديث وما وهى

~ طَلَبَ الحديثَ بكلِّ قطرٍ شاسعٍ وروى عن الجمِّ الغفير أُولي النُّهى

~ ورواه خلقٌ عنه وانتفعوا به وبفضله اعترف البريةُ كلُّها

~ بحرٌ بجامعه الصَّحيح جواهرٌ قد غاصها فاجهد وغُصْ إن رُمْتَها

~ واروي [10] أحاديثًا معنعنةً زهتْ تحلو لذائقِها [11] إذا كرَّرتها

وللإمام أبي الفتوح العجلي: [من المتقارب]

~ صحيحُ البخاريِّ يا ذا الأدبْ قويُّ المتون عَلِيُّ الرُّتبْ

~ قويمُ النِّظام بهيجُ الرَّواءِ خطيرٌ يروجُ كنقد الذَّهبْ

~ فتبيانُه مُوضِحُ المعضِلاتِ وألفاظه نخبةٌ للنُّخبْ

~ مفيدُ المعاني شريفُ المعالي رشيقٌ أنيقٌ كثيرُ الشُّعبْ

~ سما عزُّه فوق نجم السَّماء فكلُّ جميلٍ به يُجتلَبْ

~ سناءٌ منيرٌ كضوء الضُّحى ومتنٌ مزيحٌ لشوب الرِّيَبْ

~ كأنَّ البخاريَّ في جمعه تلقَّى من المُصطفَى ما اكتتبْ

~ فللَّه خاطره إذ وعى وساق فرائده وانتخبْ

~ جزاه الإله بما يرتضي وبلَّغه عالياتِ القربْ [12]

ولأبي [13] عامرٍ الفضل بن إسماعيل الجرجانيِّ الأديب رحمه الله تعالى: [من المتقارب]

~ صحيح البخاريِّ لو أنصفوه لمَا خُطَّ إلَّا بماء الذَّهبْ

~ هو الفرق بين الهدى والعمى [14] هو السَّدُّ دون العنا والعطبْ

~ أسانيدُ مثلَ نجومِ السَّماءِ أمامَ متونٍ كمثل الشُّهَبْ

~ بهِ قام ميزانُ دينِ النَّبي ودان له [15] العُجْمُ بعد العربْ

~ حجابٌ من النَّار لا شكَّ فيه يميِّز بين الرِّضا والغضبْ

~ وخير رفيق [16] إلى المُصطفَى ونورٌ مبينٌ لكشف الرِّيَبْ

~ فيا عالمًا أجمع العالمون على فضل رتبته في الرُّتبْ

~ سبقْتَ الأئمَّة فيما جمعت وفزت على رغمهم [17] بالقصبْ

~ نفيتَ السَّقيم من [18] الغافلين ومن كان مُتَّهمًا بالكذبْ

~ وأثبتَّ من عدّلتْه الرواة وصحّت روايته في الكتبْ

~ وأبرزتَ في حسن ترتيبه وتبويبه عجبًا للعجبْ [/ج1ص30/]

~ فأعطاك ربُّك ما تشتهيه وأجزل حظَّك فيما يَهَبْ

~ وخصَّك في عَرَصات الجنان بخيرٍ يدوم ولا يقتضبْ [19]

فلله دَرُّه من تأليفٍ رفع عَلَم علمه بمعارف معرفته، وتسلسل حديثه بهذا الجامع، فَأَكْرِمْ بسنده العالي ورفعته، انتصب لرفع بيوتٍ أذن الله أن تُرفَع، فيا له من تصنيفٍ تسجد له جباه التَّصانيف _إذا تُلِيَتْ آياته_ وتركع، هَتَكَ بأنوار مصابيحه المشرقة من المشكلات كلَّ مظلمٍ، واستمدَّت جداول العلماء من ينابيع أحاديثه التي ما شكَّ في صحَّتها مسلمٌ، فهو قطب سماء الجوامع، ومطالع الأنوار اللَّوامع، فالله تعالى يبوِّئ مؤلِّفه في الجنان منازلَ مرفوعةً، ويكرمه بصِلَاتٍ عائدةٍ غير مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ.

[1] في (ب) و (س): «صرَّح».
[2] في (ص): «كبقيَّة».
[3] في غير (د): «كتاب».
[4] في (د): «بلد أهله».
[5] في (ص): «جمزة»، وفي (م): «حمزة»، وكلاهما تصحيفٌ.
[6] في (د): «الذي»، وفي (م): «التي».
[7] في (ص): «للمخدور».
[8] في (ص): «الكبير».
[9] في (ص): «عبد الله».
[10] في (ب) و (س): «وروى».
[11] في (ب) و (س): «لسامعها».
[12] في (د): «سناه».
[13] في (د): «الرُّتب».
[14] في غير (س): «لابن»، وهو تحريفٌ.
[15] في (د): «بين العمى»، وفي (ص): «هو السربين».
[16] في (د): «وزان به».
[17] في (د) و (ص): «وسير رقيق».
[18] في (ص) و (م): «جمعهم».
[19] البيت سقط من (م)، وفي (د) و (ص): «ينغصب».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة