متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

2- (باب وُجُوبِ الصَّلَاةِ [1] فِي الثِّيَابِ) بالجمع، على حدِّ قولهم: فلانٌ يركب الخيول ويلبس البرود، والمراد: ستر العورة، وهو عند الحنفيَّة والشَّافعيَّة _كعامَّة الفقهاء [2] وأهل الحديث_ شرطٌ في صحَّة الصَّلاة. نعم؛ الحنفيَّة لا يشترطون السَّتر عن نفسه، فلو كان محلولَ الجيب فنظر إلى عورته؛ لا تفسد صلاته، وقال بهرام من المالكيَّة: اختُلِف هل ستر العورة شرطٌ في الصَّلاة أم لا؟ فعند ابن عطاء الله: أنَّه [3] شرطٌ فيها، ومن واجباتها مع العلم والقدرة، على المعروف من المذهب، وفي «القبس» المشهور: أنَّه ليس من شروطها، وقال التُّونسيُّ [4] : هو فرضٌ في نفسه لا من فروضها، وقال إسماعيل وابن بُكَيْرٍ والشَّيخ أبو بكرٍ: هو من سُننها، وفي «تهذيب الطَّالب»، و«المقدِّمات»، و«تبصرة ابن محرزٍ»: اختُلِف هل ذلك فرضٌ أو سُنَّةٌ؟ انتهى.

(و) بيان معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ [5] وابن عساكر: ((عزَّ وجلَّ)): ({خُذُوا زِينَتَكُمْ})؛ أي: ثيابكم؛ لمواراة عوراتكم ({عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}) [الأعراف: 31] ؛ لطوافٍ أو صلاةٍ، وفيه دليلٌ على وجوب ستر العورة في الصَّلاة، ففي الأوَّل: إطلاق اسم الحالِّ على المحلِّ، وفي الثَّاني: إطلاق اسم [6] المحلِّ على الحالِّ؛ بوجود الاتِّصال الذَّاتيِّ بين الحالِّ والمحلِّ؛ وهذا لأنَّ أخذ الزِّينة نفسِها _وهي عرضٌ_ مُحالٌ [7] ، فأُرِيد محلُّها، وهو الثَّوب مجازًا، لا يُقال: سبب نزولها: أنَّهم كانوا يطوفون عُراةً، ويقولون: لا نعبد الله في ثيابٍ أذنبنا فيها، فنزلت؛ لأنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وهذا عامٌّ؛ لأنَّه قال: {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ولم يقل: المسجد الحرام [8] ، فيُؤخَذ بعمومه، (وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) كذا ثبت للمُستملي وحده قوله: ((ومَن صلَّى....)) إلى آخره، ساقطٌ عند الأربعة من طريق الحَمُّوييِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ.

(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَزُرُّهُ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة، وتشديد الرَّاء المضمومة؛ أي: بأن يجمع بين طرفيه؛ كيلا [9] تُرى عورته، وللأَصيليِّ: ((تزرُّه))؛ بالمثنَّاة الفوقيَّة، وفي روايةٍ: ((يزرُّ))؛ بحذف الضَّمير، (وَلَوْ) لم يكن ذلك إلَّا بأن يزرَّه (بِشَوْكَةٍ) يستمسك بها؛ فليفعل، وهذا [10] وصله المؤلِّف في «تاريخه»، وأبو داود وابنا خزيمة وحبَّان من طريق الدَّراورديِّ، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع قلت: يا رسول الله، إنِّي رجلٌ أتصيَّد، أَفأُصلِّي في القميص الواحد؟ قال: «نعم؛ زرَّه ولو بشوكةٍ»، هذا لفظ ابن حبَّان، ورواه المؤلِّف عن إسماعيل بن أبي أُويسٍ عن أبيه، عن موسى بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة، فزاد في الإسناد رجلًا، ورواه أيضًا عن [11] مالك بن إسماعيل [12] ، عن عطاف بن خالدٍ قال: حدَّثنا موسى بن إبراهيم قال: حدَّثنا سلمة، فصرَّح بالتَّحديث عن موسى وسلمة، فاحتُمِل أن تكون رواية ابن أبي أويسٍ من المزيد في متَّصل الأسانيد، أو كان التَّصريح في رواية عطافٍ وَهْمًا، فهذا وجه قول المؤلِّف: (فِي)، وللأربعة: ((وفي)) (إِسْنَادِهِ نَظَرٌ)، أو هو من جهة أنَّ موسى هو ابن محمَّدٍ التَّيميُّ المطعون فيه، كما قاله ابن القطَّان، وتبعه البرماويُّ وغيره، لكن ردَّه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه نسب في رواية البخاريِّ وغيره مخزوميًّا، وهو غير التَّيميِّ بلا تردُّدٍ. نعم؛ وقع عند الطَّحاويِّ: موسى بن محمَّد بن إبراهيم، فإن كان محفوظًا؛ فيُحتمَل على بُعْدٍ أن يكونا جميعًا رويا الحديث، وحمله عنهما الدَّراورديُّ، وإِلَّا؛ فذكرُ محمَّدٍ فيه شاذٌّ. انتهى. من «الفتح». وحينئذٍ فمَن صلَّى في ثوبٍ واسعِ الجَيب _وهو القدر [13] الَّذي يدخل فيه الرَّأس_، يرى عورتَه من جيبه في ركوعٍ أو سجودٍ؛ فليزرَّه أو يشدَّ وسَطه، (وَمَنْ)؛ أي: وباب من (صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ) امرأته أو أَمَتَهُ (مَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى)؛ أي: نجاسةً، وللمُستملي والحَمُّوييِّ: ((ما لم يَر أذًى))؛ بإسقاط: ((فيه))، (وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما رواه أبو هريرة في بعث عليٍّ في [/ج1ص387/] حجَّة أبي بكرٍ، ممَّا وصله المؤلِّف قريبًا [خ¦369] ، لكن بغير تصريحٍ بالأمر (ألَّا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) الحرام (عُرْيَانٌ)، وإذا منع التَّعرِّي في الطَّواف؛ فالصَّلاة أولى؛ إذ يُشترَط فيها ما يُشترَط فيه وزيادةٌ.

[1] في هامش (ص): «قوله: «باب وجوب الصَّلاة... إلى آخره»: اعتُرِض على هذا التَّركيب بأنَّ الأولى عكسه؛ أي: وجوب الثِّياب في الصَّلاة. انتهى».
[2] في هامش (ص): «قوله: «كعامَّة الفقهاء»: من المجتهدين حتَّى يخرج الإمام مالك. انتهى. ع ش».
[3] في غير (ب) و(س): «أنها».
[4] في (ص): «التَّنوسيُّ»، وهو تحريفٌ.
[5] في (د): «وعند الأصيلي».
[6] «اسم»: ليس في (ص).
[7] في (د): «حالٌّ».
[8] «المسجد الحرام»: ليس في (ص).
[9] في (م): «لئلا».
[10] في (د): «وقد».
[11] «عن»: ليس في (د).
[12] زيد في (د): «ابن عطاء»، وليس بصحيحٍ.
[13] في (د): «المقدار».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(2) بابُ [1] وُجُوبِ الصَّلاةِ في الثِّيابِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعالَىَ [2] : { خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [الأعراف: 31] ، وَمَنْ صَلَّىَ مُلْتَحِفًا في ثَوْبٍ واحِدٍ [3]

_وَيُذْكَرُ عن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «يَزُرُّهُ [4] وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». فِي [5] إِسْنادِهِ نَظَرٌ._

وَمَنْ صَلَّىَ في الثَّوْبِ الَّذِي يُجامِعُ فِيهِ ما لَمْ [/ج1ص79/] يَرَ [6] أَذًىَ.

وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيانٌ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «عَزَّ وَجلَّ».
[3] بهامش اليونينية: هذا الكلام [يعني قوله: «ومن صلىَ ملتحفًا في ثوب واحد»] ساقط عند أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت من طريق الحَمُّويي [كتب فوقها هنا: (كذا)] والكُشْمِيْهَنِيِّ [كتب فوقها هنا: (كذا)] ، وثابت من طريق أبي ذر عن المُستملي.اهـ.
[4] في رواية الأصيلي: «تَزُرُّه» بتاء المخاطَب، وفي رواية [عط] : «يَزُرُّ» بحذف الضمير.
[5] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «وَفِي».
[6] في رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «فِيهِ».





( يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ ) أي: يجمع بين طرفيه بشوكة فيقوم ذلك مقام الأزرار إذا شدَّها.


لا تتوفر معاينة

قَولُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ) ؛ انتهى: الظَّاهر أنَّ النَّظر الذي في إسناد هذا الحديث موسى بن إبراهيم الرَّاوي عن سلمة، وهو موسى بن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التَّيميُّ، مُنكَر الحديث، وقد قال البخاريُّ في «الضُّعفاء»: (في حديثه مناكير) انتهى.

والحديث المشار إليه أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ من هذا الوجه، وأخرجه غيرهما من غيره وصُحِّح، وقد قدَّمت أنَّه إذا علَّق شيئًا بصيغة [1] جزم؛ فهو صحيح إلى مَنْ أبرزه عنه، وإنْ كان بصيغة تمريض كهذا؛ فهو عنده ضعيف على شرطه، غير أنَّ فيه إشعارًا بصحَّة أصله، كما تقدَّم، والله أعلم.

قَولُهُ: (يُجَامِعُ فيه): هو بكسر الميم، مبنيٌّ للفاعل.

قَولُهُ: (عُرْيَانٌ): مصروف؛ لأنَّ الألف والنُّون إذا زيدت [2] في الوصف؛ فشرطه أنْ يكون مؤنَّثه على (فَعلى) ؛ كـ(سكرى) ، فإذا كان كذلك؛ امتنع، [وهنا وجدت (فُعْلَانة) ، فلهذا [3] صُرِف] [4] .

[1] في (ج): (بصورة) .
[2] في (ب): (زيدتا) .
[3] في (ب): (ولذا) .
[4] ما بين معقوفين ليس في (ج) .





(أَنْ لَا يَطُوفَ): بالنَّصبِ، ويجوزُ الرَّفعُ، وتكونُ (أَنْ) مخفَّفةً من الثَّقيلة.

(عُرْيَانٌ): تقدَّم.


2- (باب وُجُوبِ الصَّلَاةِ [1] فِي الثِّيَابِ) بالجمع، على حدِّ قولهم: فلانٌ يركب الخيول ويلبس البرود، والمراد: ستر العورة، وهو عند الحنفيَّة والشَّافعيَّة _كعامَّة الفقهاء [2] وأهل الحديث_ شرطٌ في صحَّة الصَّلاة. نعم؛ الحنفيَّة لا يشترطون السَّتر عن نفسه، فلو كان محلولَ الجيب فنظر إلى عورته؛ لا تفسد صلاته، وقال بهرام من المالكيَّة: اختُلِف هل ستر العورة شرطٌ في الصَّلاة أم لا؟ فعند ابن عطاء الله: أنَّه [3] شرطٌ فيها، ومن واجباتها مع العلم والقدرة، على المعروف من المذهب، وفي «القبس» المشهور: أنَّه ليس من شروطها، وقال التُّونسيُّ [4] : هو فرضٌ في نفسه لا من فروضها، وقال إسماعيل وابن بُكَيْرٍ والشَّيخ أبو بكرٍ: هو من سُننها، وفي «تهذيب الطَّالب»، و«المقدِّمات»، و«تبصرة ابن محرزٍ»: اختُلِف هل ذلك فرضٌ أو سُنَّةٌ؟ انتهى.

(و) بيان معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ [5] وابن عساكر: ((عزَّ وجلَّ)): ({خُذُوا زِينَتَكُمْ})؛ أي: ثيابكم؛ لمواراة عوراتكم ({عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}) [الأعراف: 31] ؛ لطوافٍ أو صلاةٍ، وفيه دليلٌ على وجوب ستر العورة في الصَّلاة، ففي الأوَّل: إطلاق اسم الحالِّ على المحلِّ، وفي الثَّاني: إطلاق اسم [6] المحلِّ على الحالِّ؛ بوجود الاتِّصال الذَّاتيِّ بين الحالِّ والمحلِّ؛ وهذا لأنَّ أخذ الزِّينة نفسِها _وهي عرضٌ_ مُحالٌ [7] ، فأُرِيد محلُّها، وهو الثَّوب مجازًا، لا يُقال: سبب نزولها: أنَّهم كانوا يطوفون عُراةً، ويقولون: لا نعبد الله في ثيابٍ أذنبنا فيها، فنزلت؛ لأنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وهذا عامٌّ؛ لأنَّه قال: {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ولم يقل: المسجد الحرام [8] ، فيُؤخَذ بعمومه، (وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) كذا ثبت للمُستملي وحده قوله: ((ومَن صلَّى....)) إلى آخره، ساقطٌ عند الأربعة من طريق الحَمُّوييِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ.

(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَزُرُّهُ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة، وتشديد الرَّاء المضمومة؛ أي: بأن يجمع بين طرفيه؛ كيلا [9] تُرى عورته، وللأَصيليِّ: ((تزرُّه))؛ بالمثنَّاة الفوقيَّة، وفي روايةٍ: ((يزرُّ))؛ بحذف الضَّمير، (وَلَوْ) لم يكن ذلك إلَّا بأن يزرَّه (بِشَوْكَةٍ) يستمسك بها؛ فليفعل، وهذا [10] وصله المؤلِّف في «تاريخه»، وأبو داود وابنا خزيمة وحبَّان من طريق الدَّراورديِّ، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع قلت: يا رسول الله، إنِّي رجلٌ أتصيَّد، أَفأُصلِّي في القميص الواحد؟ قال: «نعم؛ زرَّه ولو بشوكةٍ»، هذا لفظ ابن حبَّان، ورواه المؤلِّف عن إسماعيل بن أبي أُويسٍ عن أبيه، عن موسى بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة، فزاد في الإسناد رجلًا، ورواه أيضًا عن [11] مالك بن إسماعيل [12] ، عن عطاف بن خالدٍ قال: حدَّثنا موسى بن إبراهيم قال: حدَّثنا سلمة، فصرَّح بالتَّحديث عن موسى وسلمة، فاحتُمِل أن تكون رواية ابن أبي أويسٍ من المزيد في متَّصل الأسانيد، أو كان التَّصريح في رواية عطافٍ وَهْمًا، فهذا وجه قول المؤلِّف: (فِي)، وللأربعة: ((وفي)) (إِسْنَادِهِ نَظَرٌ)، أو هو من جهة أنَّ موسى هو ابن محمَّدٍ التَّيميُّ المطعون فيه، كما قاله ابن القطَّان، وتبعه البرماويُّ وغيره، لكن ردَّه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه نسب في رواية البخاريِّ وغيره مخزوميًّا، وهو غير التَّيميِّ بلا تردُّدٍ. نعم؛ وقع عند الطَّحاويِّ: موسى بن محمَّد بن إبراهيم، فإن كان محفوظًا؛ فيُحتمَل على بُعْدٍ أن يكونا جميعًا رويا الحديث، وحمله عنهما الدَّراورديُّ، وإِلَّا؛ فذكرُ محمَّدٍ فيه شاذٌّ. انتهى. من «الفتح». وحينئذٍ فمَن صلَّى في ثوبٍ واسعِ الجَيب _وهو القدر [13] الَّذي يدخل فيه الرَّأس_، يرى عورتَه من جيبه في ركوعٍ أو سجودٍ؛ فليزرَّه أو يشدَّ وسَطه، (وَمَنْ)؛ أي: وباب من (صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ) امرأته أو أَمَتَهُ (مَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى)؛ أي: نجاسةً، وللمُستملي والحَمُّوييِّ: ((ما لم يَر أذًى))؛ بإسقاط: ((فيه))، (وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما رواه أبو هريرة في بعث عليٍّ في [/ج1ص387/] حجَّة أبي بكرٍ، ممَّا وصله المؤلِّف قريبًا [خ¦369] ، لكن بغير تصريحٍ بالأمر (ألَّا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) الحرام (عُرْيَانٌ)، وإذا منع التَّعرِّي في الطَّواف؛ فالصَّلاة أولى؛ إذ يُشترَط فيها ما يُشترَط فيه وزيادةٌ.

[1] في هامش (ص): «قوله: «باب وجوب الصَّلاة... إلى آخره»: اعتُرِض على هذا التَّركيب بأنَّ الأولى عكسه؛ أي: وجوب الثِّياب في الصَّلاة. انتهى».
[2] في هامش (ص): «قوله: «كعامَّة الفقهاء»: من المجتهدين حتَّى يخرج الإمام مالك. انتهى. ع ش».
[3] في غير (ب) و(س): «أنها».
[4] في (ص): «التَّنوسيُّ»، وهو تحريفٌ.
[5] في (د): «وعند الأصيلي».
[6] «اسم»: ليس في (ص).
[7] في (د): «حالٌّ».
[8] «المسجد الحرام»: ليس في (ص).
[9] في (م): «لئلا».
[10] في (د): «وقد».
[11] «عن»: ليس في (د).
[12] زيد في (د): «ابن عطاء»، وليس بصحيحٍ.
[13] في (د): «المقدار».





( وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ): أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، وابن حبَّان.

( يَزُرُّهُ ): بضمِّ الزَّاي وتشديد الرَّاء.

( وفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ ): لأنَّه وقع فيه زيادة «رجل» في طريق وتركه في آخر، فإمَّا أن يكون منقطعًا، أو مزيدًا في متَّصل الأسانيد، ولما كانت هذه العلَّة غير مؤثِّرة صحَّحَه من صحَّحَه.

( وَمَنْ صَلَّى... ) إلى آخره: يشير إلى ما رواه أبو داود، والنَّسائيُّ، وابن خزيمة، وابن حبَّان، عن معاوية بن أبي سفيان: أنَّه سأل أخته أمَّ حبيبة: «هل كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصلِّي في الثَّوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم، إذ لم يرَ فيه أذىً».


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

هذا ((باب)) في بيان ((وجوب الصلاة في الثياب)) : الجار والمجرور حال، وإنما ذكر (الثياب) بلفظ الجمع؛ لأنَّه على حد قولهم: فلان يركب الخيول، ويلبس البرود، والمراد به: ستر العورة، واتفق العلماء: على أن ستر العورة فرض بالإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط الصلاة أم لا؟ فمذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، وعامة الفقهاء، وأهل الحديث: أن ذلك شرط لصحة الصلاة فرضها ونفلها، وبه قال محمد بن إدريس.

واختلف أصحاب مالك: هل ذلك فرض أو سنة؟ فذهب جماعة: إلى أنه من سنن الصلاة، وقال التونسي: هو فرض في نفسه لا من فروضها، وقال ابن عطاء الله: إنه شرط فيها ومن واجباتها مع العلم والقدرة دون النسيان، والمشهور أنه ليس من شروطها، بل من سننها، وهو ظاهر مذهب مالك مستدلًّا بحديث عمرو بن سلمة لما انقلصت بردته، فقالت امرأة: غطوا عنا است قارئكم، وسيأتي بيانه.

فإن قلت: للصلاة شروط غير هذا، فما وجه تخصيصه بالتقدم على غيره؟

قلت: لأنَّه ألزم من غيره، وفي تركه بشاعة عظيمة بخلاف غيره من الشروط، ولأن في تركه سوء أدب مع الله تعالى، فإنه وإن كان يرى ما تحت الثياب إلا أنه يطلب في حقه الستر؛ تأدبًا مع الخالق عز وجل.

((وقول الله عز وجل)) : بالجر عطفًا على قوله: (وجوب الصلاة) ؛ والتقدير: وفي بيان معنى قول الله عز وجل، هذه رواية الأصيلي، وابن عساكر، وفي رواية غيرهما: (وقول الله تعالى) ؛ يعني: في سورة الأعراف، قال: يا بني آدم (({خُذُوا زِينَتَكُمْ})) ؛ يعني: ثيابكم لأجل موارات عوراتكم (({عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ})) [الأعراف: 31] ؛ أي: لطواف أو صلاة، وأراد بالـ (زينة) : ما يواري العورة، وبالـ (مسجد) : الصلاة، ففي الأول: إطلاق اسم الحال على المحل، وفي الثاني: إطلاق اسم المحل على الحال؛ لوجود الاتصال الذاتي بين الحال والمحل، وهذا لأنَّ أخذ الزينة نفسها -وهي عرض- محالٌ، فأريد محلها، وهو الثوب مجازًا، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، فنزلت هذه الآية، لا يقال: نزولها في الطواف، فكيف يثبت الحكم في الصلاة؟ لأنَّا نقول: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهذا اللفظ عام؛ لأنَّه قد قال: {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، ولم يقل: عند المسجد الحرام، فيعمل بعمومه، ويقال: {خُذُوا زِينَتَكُمْ} من قبيل إطلاق المسبب على السبب؛ لأنَّ الثوب سبب الزينة، ومحل الزينة الشخص، وقيل: المراد بالزينة: ما يتزين به من ثوب وغيره، كما في قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31] ، والستر لا يجب لعين المسجد بدليل جواز الطواف عريانًا، فعلم من هذا أن ستره للصلاة لا لأجل الناس، حتى لو صلى وحده ولم يستر عورته؛ لم تجز صلاته وإن لم يكن عنده أحد، كذا في «عمدة القاري»، ويدل لهذا: قوله تعالى في قصة آدم قال: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا}: وهو ما يلبس اتقاء عن انكشاف العورة بين يدي الله تعالى، فبين أولًا إنزال ما يواري العورة من اللباس، وثانيًا بإنزال لباس التجمل، ثم فضل اللباس الأول على الثاني بأنه وسيلة إلى إقامة الفرض، والثاني إلى إقامة الأمر المندوب، وهو التزين عند حضور مواضع العبادات تعظيمًا لها، ولا ريب أن ما يكون وسيلة إلى إقامة الفرض خير مما يكون وسيلة إلى إقامة المندوب، فقال: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] ، وقال الإمام أبو منصور رحمه الله: (يحتمل أن معنى هذه الآية: صلوا في كل مسجد ولا تخصوا بالصلاة حيكم، والزينة نفس الصلاة، فإن العبادة زينة كل عابد) ، فالزينة وإن كانت اسمًا لما يتزين به من الثياب الفاخرة إلا أن المراد بالزينة ههنا: الثياب التي تستر العورة، وقد أجمع المفسرون على ذلك استدلالًا بسبب نزول الآية، فإنه قد روي عن ابن عباس: أن أهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، وقالوا: لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب، فكان الرجال يطوفون بالنهار، والنساء بالليل، قال ابن عباس: فأمرهم الله تعالى أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا، وقال قتادة: كانت المرأة تطوف، وتضع يدها على فرجها، وتقول:

~اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله

فنزلت هذه الآية، وقال الكلبي: (الزينة: ما وارى العورة عند كل مسجد لطواف أو صلاة) ، وقال مجاهد: وارِ [1] عورتك ولو بعباءة، فقد اتفق العلماء على أن المراد منه: ستر العورة، وفي «مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة»، وعن المسور بن مخرمة: قال له النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «ارجع إلى ثوبك، فخذه ولا تمشوا عراة»، وفي «صحيح ابن خزيمة» عن عائشة ترفعه إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار»، وقال ابن بطال: (أجمع أهل التأويل: على نزولها في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة) ، وقال ابن رشد: (من حمله على الندب؛ قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء، وغيره من الملابس التي هي زينة، مستدلًّا بما في الحديث: أنه كان رجال يصلون مع النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم عاقدي أزرهم على أعناقهم؛ كهيئة الصبيان، ومن حمله على الوجوب؛ استدل بحديث مسلم عن ابن عباس: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة، فتقول: من يعيرني بطواف، أو تقول:

~اليوم يبدو بعضه أو كله .... .. ..

فنزلت: {خُذُوا زِينَتَكُمْ..}؛ الآية.

وزعم ابن حجر أن البخاري يشير بهذه الآية إلى ما قاله طاووس: إن المراد بالزينة: الثياب، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تخمين وحسبان، وليس عليه برهان) .

قلت: وما زعمه ابن حجر باطل؛ لأنَّ مراد البخاري ليس [/ص444/] كذلك، وإنما مراده الإشارة إلى أن ستر العورة في الصلاة فرض، ولهذا ترجم إليه بـ (باب وجوب الصلاة في الثياب) ؛ يعني: مستور العورة، والثياب ليست قيدًا في ذلك، بل يجوز ستر العورة بحشيش أو طين عند فقد الثياب، وكذا يجوز سترها بجلد طاهر ونحوه، وإنما ذكر الثياب باعتبار الأغلب، وليس ما ذكره ابن حجر عن طاووس بصحيح؛ لأنَّ الذي قاله المفسرون عن طاووس: إنه قال: لم يأمرهم بالحرير أو الديباج، ولكن كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم بالبيت عريانًا ويدع ثيابه وراء المسجد، فإن طاف وهي عليه؛ يضرب وانتزعت منه، فنزلت هذه الآية، فعلم بهذا أن المراد مما قاله طاووس: هو ستر العورة، وليس المراد: الزينة بمعنى: التجمل؛ حيث نفى ذلك بقوله: لم يأمرهم بالحرير أو الديباج، وما هو إلا للتجمل للنساء؛ فليحفظ.

وقوله: ((ومن صلى ملتحفًا في ثوب واحد)) : ثابت في رواية المستملي وحده، ساقط عند غيره من الرواة، ولهذا لم يتعرض له إمام الشَّارحين في «المنن»، وعلى إثباته يقال: وفي معنى الذي يصلي حال كونه ملتحفًا في ثوب واحد، فإنه جائز؛ حيث كان ساترًا للعورة، فالمقصود سترها سواء كان بثوب واحد أو أكثر؛ فافهم.

((ويُذكَر)) ؛ بضم المثناة التحتية أوله، وفتح الكاف، تعليق بصيغة التمريض، وهو يدل على ضعفه، ووجهه سيأتي بيانه ((عن سَلَمَة)) ؛ بفتحات ((ابن الأكْوع)) ؛ بسكون الكاف رضي الله عنه ((أن النبيَّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم قال)) : فيمن صلى بثوب واحد ((يَزرُّه)) ؛ بفتح المثناة التحتية، وضم الراء المشددة، وللأصيلي: (تزره) ؛ بمثناة فوقية، ولأبي ذر (يزر) ؛ بحذف الضمير؛ يعني: يشده عليه بأن يجمع بين طرفيه؛ لئلا يفرج فترى عورته، وهذا التعليق وصله أبو داود فقال: حدثنا القعنبي: أخبرنا عبد العزيز -يعني: بن محمد- عن موسى بن إبراهيم، عن سلمة ابن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله؛ إني رجل أصيد، أفأصلي بالقميص الواحد؟ قال: «نعم، وأزرره».

((ولو بشوكة)) : وأخرجه النسائي، والمؤلف في «تاريخه»، وابن حبان، وابن خزيمة، وغيرهم، فقوله: (أفأصلي) : الهمزة فيه للاستفهام، فلذلك قال في جوابه: (نعم) ؛ أي: تصلي، وقوله: (ولو بشوكة) ؛ يعني: ولو لم يكن ذلك إلا بأن يزره بشوكة لأجل أن يستمسك بها عليك؛ فليفعل، والباء الموحدة فيه تتعلق بمحذوف؛ تقديره: ما ذكرنا، وهذه اللفظة فيما ذكره البخاري بالإدغام على صيغة المضارع، وفي رواية أبي داود: بالفك على صيغة الأمر من (زرَّ يزرُّ) ، من باب (نصَر ينصُر) ، ويجوز في الأمر الحركات الثلاث في الراء، ويجوز الفك أيضًا، فهي أربعة أحوال كما في (مد) الأمر، ويجوز في مضارعه الضم، والفتح، والفك، وقال ابن سيده: (الزر: هو الذي يوضع في القميص، والجمع أزرار وزرور، وأزر القميص: جعل له زرًّا، وأزره: شد عليه أزراره) ، وقال ابن الأعرابي: (زر القميص: إذا كان محلولًا؛ فشده، وزر الرجل: شد زره) ، وأورد المؤلف هذا؛ لدلالته على وجوب ستر العورة، وإشارة إلى أن المراد بأخذ الزينة في الآية السابقة لبس الثياب لا تزينها وتحسينها، وإنما أمر بالزر؛ ليأمن المصلي من وقوع الثوب عن بدنه، ومن وقوع نظره على عورته من زيقه حالة الركوع، ومن هذا أخذ الإمام محمد بن شجاع من أصحابنا: أن من نظر على عورته من زيقه؛ تفسد صلاته، قاله إمام الشَّارحين.

قلت: وعامة أئمتنا الأعلام: على عدم فساد صلاته بذلك، قال الشرنبلالي في «الإمداد»: (ولا يضر نظرها؛ أي: العورة من جيبه وأسفل زيله؛ لأنَّ ستر العورة على وجه لا يمكن الغير النظر إليها إذا تكلف مما يؤدي إلى الحرج وهو مدفوع بالنص) انتهى.

وقال في «النهر»: (لأنه يحل له مسها والنظر إليها، ولكنه خلاف الأدب، واختار برهان الدين الحلبي: أن تلك الصلاة مكروهة، وإن لم تفسد) انتهى.

وفي «الإمداد»: (ويشترط ستر العورة ولو في ظلمة، والشرط سترها من جوانبه على الصحيح) انتهى.

أمَّا الستر في الخلوة؛ فصحح برهان الدين الحلبي: وجوب الستر فيها، وصحح صاحب «الإمداد»: عدمه، فقد اختلف التصحيح، ووفق بعضهم بينهما: بأنه إذا كان مكان طوله ذراع ونصف، وعرضه كذلك؛ لا يجب الستر، وإن كان أكثر من ذلك؛ فواجب، وفي «شرح النقاية» للقهستاني: (وليس لستر الظلمة اعتبار، ومثله الستر بالزجاج) ، كما في «القنية»، ولا يضر تشكل العورة بالتصاق الساتر الضيق بها، كما في شرح «المنية».

والعورة في اللغة: كل ما يستقبح ظهوره، مأخوذة من العور؛ وهو النقص، والعيب، والقبح، ومنه: عور العين، وكلمة عوراء؛ أي: قبيحة، وسميت السوءة عورة؛ لقبح ظهورها، وغض الأبصار عنها، وكل شيء يستره الإنسان أنفة أو حياء؛ فهو عورة، والنساء عورة، كذا ذكره أئمة اللغة، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم بالصواب.

قال أبو عبد الله المؤلف: ((وفي)) : وللأصيلي بحذف الواو ((إسناده)) أي: إسناد هذا الحديث المذكور ((نظر)) : وجه النظر كما قاله إمام الشَّارحين من جهة موسى بن إبراهيم، وزعم ابن القطان أنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو منكر الحديث، فلعل البخاري أراده، فلذلك قال: (في إسناده نظر) ، وذكره معلقًا بصيغة التمريض، لكن أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» عن نصر بن علي، عن عبد العزيز، عن موسى بن إبراهيم قال: سمعت سلمة ابن الأكوع؛ فذكره، وفي رواية: (وليس علي إلا قميص واحد، أو جبة واحدة، فأزره؟ قال: «نعم؛ ولو بشوكة») ، ورواه ابن حبان أيضًا في «صحيحه»: عن إسحاق بن إبراهيم: حدثنا ابن أبي عمر: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن ربيعة، عن سلمة ابن الأكوع قلت: (يا رسول الله؛ إني أكون في الصيد، وليس علي إلا قميص واحد؟ قال: «فازرره؛ ولو بشوكة») ، ورواه الحاكم في «مستدركه»، وقال: (هذا حديث مدني صحيح) ، فظهر بهذه الرواية [/ص445/] أن موسى هذا غير موسى ذاك الذي ظنه ابن القطان، وفيه ضعف أيضًا، ولكنه دون ذاك، وروى الحافظ أبو جعفر الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا ابن قتيبة قال: حدثنا الدراوردي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة ابن الأكوع، وهذا اختلاف آخر، كذا قاله إمام الشَّارحين.

وزعم ابن حجر أن من صحح هذا الحديث؛ فقد اعتمد على رواية الدراوردي، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ويجوز أن يكون وجه ذلك اعتمادًا على رواية موسى بن إبراهيم المخزومي لا على رواية موسى بن إبراهيم التيمي، والمخزومي: هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، وهذا هو الوجه في تصحيح من صححه، ويشهد لما قلنا رواية ابن حبان المذكورة آنفًا، ولا يبعد أن يكون كل واحد من المخزومي والتيمي روى هذا الحديث عن سلمة ابن الأكوع، وحمل عنهما الدراوردي، ورواه) انتهى.

وزعم ابن حجر أن ذكر محمد فيه شاذ، ورده إمام الشَّارحين فقال: (حكمه بشذوذه إن كان من جهة انفراد الحافظ الطحاوي؛ فليس بشيء؛ لأنَّ الشاذ من ثقة مقبول) انتهى.

قلت: على فرض كونه شاذًّا، والحال أنه ليس بشاذ؛ لأنَّ الحافظ الطحاوي إمام هذه الصنعة مشهور بكونه ثقة ثبتًا حجة، وحين كان كذلك كان ابن حجر منيًا في ظهر أبيه بعسقلان؛ فليحفظ.

((ومن صلى)) ؛ أي: وباب من صلى ((في الثوب الذي يجامع)) ؛ بضم المثناة التحتية أوله؛ أي: يطأ ((فيه)) امرأته أو أمته؛ فحكمه: أنه ((ما لم ير فيه أذى)) ؛ أي: من مني ونحوه من النجاسات؛ فصلاته فيه صحيحة، وكلمة (ما) مصدرية ظرفية؛ ومعناها [2] : المدة؛ يعني: مدة عدم وجود الأذى فيه فيصلي فيه، وأمَّا إذا وجد فيه منيًا أو نحوه؛ فلا يصلي فيه؛ لكونه حاملًا للنجاسة، فأشار البخاري بهذه الترجمة إلى اشتراط طهارة الثوب من النجاسة؛ لأنَّه ذكر أولًا اشتراط ستر العورة، وهنا ذكر اشتراط طهارة الساتر، وهذا يدل على أن المؤلف يرى نجاسة المني كما هو مذهب الجمهور؛ لأنَّه صرح بهذه الترجمة صلاة الرجل في الثوب الذي يجامع فيه، والغالب أنَّ هذا الثوب يصيبه شيء من المني حين الجماع، فأفاد أن ما يصيبه من المني نجس لا يصلى بالثوب الذي فيه المني، وأفاد أيضًا أن رطوبة الفرج نجسة، وقد يقال: لا يفيد كلامه ذلك؛ لأنَّه صرح بالجماع، ووجوده لا يخلو عن المني، فالرطوبة داخلة في المني، وهي طاهرة، لكن لما خالطه النجس؛ تنجست؛ فليحفظ.

ويدل لما ذكرناه ما رواه أبو داود والنسائي من طريق معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل أخته أم حبيبة: (أهل كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم؛ إذا لم ير فيه أذًى) ، وصححه ابنا حبان وخزيمة، وسقط في رواية الحموي لفظة: (فيه) ، وفي رواية المستملي: (إذا لم ير فيه دمًا) ، وهذه الرواية تعين ما قلنا؛ لأنَّ الدم أخو [3] المني في النجاسة.

قال الكرماني: وقوله: (ومن صلى...) إلى آخره: من تتمة الترجمة.

وقال صاحب «التوضيح»: (وهذا منه دال على الاكتفاء بالظن فيما يصلي فيه لا القطع) انتهى.

قلت: فإن غلبة الظن بمنزلة اليقين، فلو غلب على ظنه نجاسة الثوب؛ لا يصلي فيه ما لم يتيقن طهارته إما بغسله كله أو بعضه بأن تحرى مكانًا خاصًّا فيه أنه الذي أصابه النجس، فغسله فيصلي فيه، ولا كلام عند القطع بالنجاسة، كما لا يخفى.

وزعم ابن حجر أن البخاري يشير بقوله: (ومن صلى...) إلى آخره: إلى ما رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل أخته أم حبيبة: (أهل كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم؛ إذا لم ير فيه أذًى) ، قال إمام الشَّارحين: (قلت: وما قاله الكرماني أوجه؛ لأنَّه اقتبس هذا من الحديث المذكور، وأراد به إدخاله في ترجمة الباب، وهذا كما رأيت قد أخذ ثلاثة أحاديث، وأدخلها في ترجمة الباب؛ الأول: حديث سلمة ابن الأكوع، وقد مر، والثاني: حديث أم حبيبة، أخرجه أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: (هل كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ فقالت: نعم؛ إذا لم ير فيه أذًى) ، وأخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن حبان، وصححاه، الثالث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، كما سنذكره) انتهى كلامه.

قلت: وفي حديث أم حبيبة دليل واضح على نجاسة المني؛ لأنَّه عليه السَّلام صرح: بأن ما يصيب الثوب حال الجماع نجس لا يصلى فيه، وليس يصيب الثوب حال الجماع إلا المني، فهو دال على نجاسته، وهذا حجة على من زعم طهارته؛ فافهم.

((وأمر النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) فيما وصله المؤلف في الباب الثامن بعد هذا الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر تؤذن بمنًى ألَّا يحج بعد العام مشرك، و ((ألَّا يطوف بالبيت)) ؛ بالنصب؛ لأنَّه في الحديث المأخوذ منه عطف على المنصوب؛ وهو قوله: (ألَّا يحجَّ بعد العام مشرك) ، انتهى ((عريان)) ؛ أي: مكشوف العورة، فاستدل بهذا المؤلف؛ حيث إنه اقتباس من حديث أبي هريرة على اشتراط ستر العورة في الصلاة؛ لأنَّه إذا كان سترها في الطواف الذي هو يشبه الصلاة واجبًا؛ فاشتراط سترها في الصلاة أولى وأجدر، كذا قرره إمام الشَّارحين، وزعم ابن حجر أن المؤلف أشار بذلك إلى حديث أبي هريرة، ولكنه ليس فيه التصريح بالأمر، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قد ذكرت لك أنَّ هذا اقتباس، والاقتباس ههنا اللغوي لا الاصطلاحي؛ لأنَّ الاصطلاحي: هو أن يضمن الكلام شيئًا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه، وههنا ليس كذلك، بل المراد ههنا أخذ شيء من الحديث، والاستدلال به على حكم؛ كما كان يستدل به من الحديث المأخوذ منه، فحديث أبي هريرة المذكور يدل على اشتراط ستر العورة في الصلاة بالوجه الذي ذكرناه، وهو يتضمن أمر أبي بكر، وأمر أبي بكر يتضمن أمر النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وأخذ البخاري من ذلك المتضمن صورة أمر، فقال: وأمر النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ألَّا يطوف بالبيت عريان، واقتصر من الحديث على هذا؛ لأنَّه هو الذي يطابق ترجمة الباب؛ فافهم، فإنه دقيق لم ينبه عليه أحد من الشراح، انتهى.

قلت: وهو وجيه لم يسبق بنظيره رحمه الله تعالى. [/ص446/]

[1] في الأصل: (واري)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (معناه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (أخ)، ولعل المثبت هو الصواب.