متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وهي ساقطةٌ عند ابن عساكر.

8- هذا (كِتَابُ الصَّلَاةِ) [1] ، أو: خذ كتاب الصَّلاة، واشتقاقها من الصَّلى؛ وهو عرض خشبةٍ معوجَّةٍ على نارٍ؛ لتقويمها [2] ، وبالطَّبع عوجٌ، فالمصلِّي من وهج السَّطوة يتقوَّم اعوجاجه ثمَّ يتحقَّق معراجه، ومن اصطلى بنار الصَّلاة وزال عوجه؛ لا يدخل النَّار، وهي صلةٌ بين العبد وربِّه تعالى، وجامعةٌ لأنواع العبادات النَّفسانيَّة والبدنيَّة؛ من الطَّهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتَّوجُّه إلى الكعبة، والعكوف على العبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النيَّة بالقلب، ومجاهدة الشَّيطان، ومناجاة الحقِّ، وقراءة القرآن، والنُّطق بالشَّهادتين، وكفِّ النَّفس عن الأطيبين، وشرع المناجاة فيها سرًّا وجهرًا؛ ليُجمَع للعبد فيها ذكر السِّرِّ وذكر العلانية، فالمصلِّي في صلاته يذكر الله في ملأ الملائكة ومَن حضر من الموجودين السَّامعين، وهو ما يجهر به من القراءة فيها، قال الله في الحديث الثَّابت عنه: ((إن [/ج1ص382/] ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ؛ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه))، وقد يريد بذلك الملأ [3] : الملائكة المقرَّبين، والكَروبيِّين [4] خاصَّةً الَّذين اختصَّهم لحضرته [5] ؛ فلهذا الفضل [6] شرع لهم في الصَّلاة [7] الجهر بالقراءة والسِّرَّ، وهي لغةً: الدُّعاء بخيرٍ [8] ، قال الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التَّوبة: 103] ؛ أي: ادعُ لهم، وشرعًا: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتحةٌ بالتَّكبير، مُختَتمةٌ بالتَّسليم.

[1] زيد في (ص) و(م): «أي هذا»، ثمَّ زيد في (ص): «كتاب الصَّلاة».
[2] في (د): «لتقوُّمها».
[3] «الملأ»: مثبتٌ من (د).
[4] في (س): «أو الكروبيِّين».
[5] في (د): «بحضرته».
[6] «الفضل»: ليست في(م).
[7] في (م): «الصلوات».
[8] «بخير»: ليست في(ص).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [1]

(8) كتابُ [2] الصلاةِ

[1] لم تَرِد البسملة في رواية ابن عساكر، وهي في رواية الأصيلي مؤخَّرة عن الكتاب.
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





( كِتَابُ الصَّلَاةِ ) [1]

[1] جاء في هامش [ب] : ثم بلغ نفع الله تعالى به على محمد البرماوي عفا الله عنه.





((8)) (كِتَابُ الصَّلَاةِ).


(كتاب الصَّلاة)


(كِتَابُ الصَّلَاةِ)


(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وهي ساقطةٌ عند ابن عساكر.

8- هذا (كِتَابُ الصَّلَاةِ) [1] ، أو: خذ كتاب الصَّلاة، واشتقاقها من الصَّلى؛ وهو عرض خشبةٍ معوجَّةٍ على نارٍ؛ لتقويمها [2] ، وبالطَّبع عوجٌ، فالمصلِّي من وهج السَّطوة يتقوَّم اعوجاجه ثمَّ يتحقَّق معراجه، ومن اصطلى بنار الصَّلاة وزال عوجه؛ لا يدخل النَّار، وهي صلةٌ بين العبد وربِّه تعالى، وجامعةٌ لأنواع العبادات النَّفسانيَّة والبدنيَّة؛ من الطَّهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتَّوجُّه إلى الكعبة، والعكوف على العبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النيَّة بالقلب، ومجاهدة الشَّيطان، ومناجاة الحقِّ، وقراءة القرآن، والنُّطق بالشَّهادتين، وكفِّ النَّفس عن الأطيبين، وشرع المناجاة فيها سرًّا وجهرًا؛ ليُجمَع للعبد فيها ذكر السِّرِّ وذكر العلانية، فالمصلِّي في صلاته يذكر الله في ملأ الملائكة ومَن حضر من الموجودين السَّامعين، وهو ما يجهر به من القراءة فيها، قال الله في الحديث الثَّابت عنه: ((إن [/ج1ص382/] ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ؛ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه))، وقد يريد بذلك الملأ [3] : الملائكة المقرَّبين، والكَروبيِّين [4] خاصَّةً الَّذين اختصَّهم لحضرته [5] ؛ فلهذا الفضل [6] شرع لهم في الصَّلاة [7] الجهر بالقراءة والسِّرَّ، وهي لغةً: الدُّعاء بخيرٍ [8] ، قال الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التَّوبة: 103] ؛ أي: ادعُ لهم، وشرعًا: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتحةٌ بالتَّكبير، مُختَتمةٌ بالتَّسليم.

[1] زيد في (ص) و(م): «أي هذا»، ثمَّ زيد في (ص): «كتاب الصَّلاة».
[2] في (د): «لتقوُّمها».
[3] «الملأ»: مثبتٌ من (د).
[4] في (س): «أو الكروبيِّين».
[5] في (د): «بحضرته».
[6] «الفضل»: ليست في(م).
[7] في (م): «الصلوات».
[8] «بخير»: ليست في(ص).





( 8 - كِتَابُ الصَّلاةِ ) [/ج2ص449/]


((8)) ومن كتاب الصلاة


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((بسم الله الرحمن الرحيم)) : وهي ساقطة عند ابن عساكر، ثابتة عند غيره، لما فرغ المؤلف من بيان الطهارات التي منها شروط للصلاة؛ شرع في بيان الصلاة التي هي المشروطة، فلذلك أخَّرها عن الطهارات؛ لأنَّ شرط الشيء يسبقه، وحكمه يعقبه، فقال: ((كتاب الصلاة)) ؛ أي: هذا كتاب في بيان أحكام الصلاة.

وارتفاع (كتاب) على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، كما قدَّرناه، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ تقديره: كتاب الصلاة هذا، ويجوز أن ينتصب على أنَّه مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: اقرأ أو خذ كتاب الصلاة، ويجوز أن يكون مجرورًا بحرف جرٍّ مقدَّرٍ؛ تقديره: انظر في كتاب الصلاة، لكنَّه ضعيفٌ بناء على قول مَن يقول: إنَّ حروف الجرِّ لا تعمل مقدَّرةً، وتمامه في «شرحنا على شرح الأزهرية» المسمَّى بـ«تاج الأسطوانيَّة».

ثم معنى (الصلاة) في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] ؛ أي: ادع لهم، وفي الحديث في إجابة الدعوة: «وإن كان صائمًا؛ فليصل»؛ أي: فليدع لهم بالخير والبركة.

وفي الشريعة: فهي عبارة عن الأركان المعهودة، والأفعال المخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، فالصلاة حقيقة لغوية في الدعاء، ثم نقل في عرف الشرع إلى الأركان المعلومة، والعبادة المخصوصة؛ لاشتمالها على الدعاء كما أنَّ الزكاة في الأصل من التزكية بمعنى: التطهير أو بمعنى: التنمية، ثم نقلت إلى صرف مال مخصوص إلى المصرف المخصوص، فعلى هذا؛ تكون الصلاة حقيقة لغوية في الدعاء، ومجازًا لغويًّا في فعل الهيئة المخصوصة، وحقيقة اصطلاحية فيه عند أهل الشرع منقولة من الدعاء؛ لاشتمالها عليه، هذا هو المشهور بين الجمهور، فـ (الصلاة) فعلة؛ بفتح العين المهملة، من صلى؛ إذا دعا، وأصلها: صلوة، قلبت الواو ألفًا؛ كالزكاة من زكا، وكتبتا بالواو؛ لأجل التفخيم، والمراد به الألف المنقلبة عن الواو إلى مخرج الواو، كما هو المشهور عند أهل العراق.

وقال في «المفتاح»: (التفخيم: أن تكسو الفتحة ضمة، فتخرج بين بين إذا كان بعدها ألف منقلبة عن الواو؛ لتميل الألف إلى أصلها؛ كما في الصلاة والزكاة، فإن ألفهما منقلبة عن الواو؛ بدليل جمعهما على صلوات وزكوات) انتهى.

وقال إمام الشَّارحين: (وقيل: هي مشتقة من صليت العود على النار إذا قومته) ، وزعم النووي أنه باطل؛ لأنَّ لام الكلمة في (الصلاة) واو؛ بدليل الصلوات، وفي صليت ياء، فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية؟ ورده إمام الشَّارحين، فقال: دعواه بالبطلان غير صحيحة؛ لأنَّ اشتراط اتفاق الحروف الأصلية في الاشتقاق الصغير دون الكبير والأكبر.

فإن قلت: لو كانت واوية؛ كان ينبغي أن يقال: صلوت، ولم يقل ذلك؟

قلت: هذا لا ينفي أن تكون واوية؛ لأنَّهم يقلبون الواو ياء إذا وقعت رابعة، وقيل: أصلها في التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة صلاة؛ لما فيها من تعظيم الرب سبحانه، وقيل: من الرحمة، وقيل: من التقرب من قولهم: شاة مصلية، وهي قربت من النار، وقيل: من اللزوم.

وقال الزجاج: يقال: صلى واصطلى، إذا لزم، وقيل: الإقبال على الشيء، وأنكر غير واحد بعض هذه الاشتقاقات؛ لاختلاف لام الكلمة في بعض هذه الأقوال، فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف.

قلت: (قد أجبنا الآن عن ذلك) انتهى كلامه

ثم قال إمام الشَّارحين: وقيل: إن (الصلاة) مشتقة من الصلوين، تثنية الصلا: وهو ما عن يمين الذنب وشماله، قاله الجوهري.

قلت: هما العظمان الناتئان عند العجيزة، وهو الفرس الثاني من خيل السباق؛ لأنَّ رأسه يلي صلوى السابق) انتهى.

قلت: فهما أصلا الفخذين إلى الكعبين، والمراد بهما: الوركان، فأصل (صلى) حرك الصلوين؛ لأنَّ المصلي يفعله في ركوعه وسجوده، وإنما سمي الداعي مصليًا؛ تشبيهًا له في تخشعه بالراكع والساجد، وهذا القول اختاره رأس المحققين جار الله الزمخشري في «الكشاف»، وعليه فـ (الصلاة) حقيقة لغوية في تحريك الصلويين، ثم نقلت من التحريك المذكور إلى فعل الهيئات المخصوصة؛ لتحقق تحريك الصلوين، ومجاز مرسل في فعل الأركان المخصوصة، واستعارة في الدعاء، كما يدل عليه كلامه حيث قال: وحقيقة (صلى) حرك الصلوين؛ لأنَّ المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ونظيره: كفر اليهودي؛ إذا طأطأ رأسه وانحنى عند تعظيم صاحبه؛ لأنَّه ينحني على الكاذتين؛ وهما الكافرتان، ثم قال: وقيل للداعي مصلٍّ؛ تشبيهًا له في تخشعه بالراكع والساجد، انتهى.

قلت: فإذا كان لفظ (الصلاة) بمعنى: فعل الهيئات المخصوصة منقولًا من (الصلاة) بمعنى: تحريك الصلوين، فما وجه إطلاقها على الداعي مع أنه لا يحرك شيئًا من الصلويين؟

فأجاب عنه: ببيان وجه استعمالها فيه، وهو أنه سلك فيه طريق الاستعارة؛ حيث شبه الداعي في تخشعه بالمصلي، فاستعير لفظ المصلي للرداعي بهذا الجامع، والحاصل: أنَّ الصلاة نقلت أولًا من تحريك الصلوين إلى الأركان المعلومة واشتهرت فيها، ثم استعيرت

[/ص426/] منها للدعاء بجامع التخشع إلا أنَّ هذا الجواب يستلزم أن يكون استعمال الصلاة في الدعاء بعد استعمالها في فعل الهيئات المعلومة، وليس كذلك؛ لأنَّ الصلاة بمعنى: الدعاء شائعة في إشعار الجاهلية، ولم يرو عنهم إطلاقها على فعل تلك الهيئات بل ما كانوا يعرفون ذلك قط، فكيف يتجوزونها عنه؟ والذي يظهر أن ما اختاره الجمهور أوجه وأولى، أما أولًا؛ فلأن الاشتقاق مما ليس بحدث؛ كالصلاة قليل نادر، وأما ثانيًا؛ فلأن أخذ الحركة من (صلى) المشتق من (الصلا) لا دليل عليه، وأما ثالثًا؛ فلأن ذكر الجزء وإرادة الكل إنَّما يصح إذا كان الجزء مقصودًا من الكل، وهنا ليس كذلك، بخلاف ما اختاره الجمهور؛ فليحفظ.

واعلم أن ابن حجر ذكر وجه المناسبة بين أبواب (كتاب الصلاة) ، وهي تزيد على عشرين نوعًا، فذكرها مجملة في هذا الموضع، ثم قال: (هذا آخر ما ظهر من مناسبة ترتيب كتاب الصلاة من هذا «الجامع الصحيح»، ولم يتعرض أحد من الشراح لذلك) انتهى.

ورده إمام الشَّارحين فقال: (نحن نذكر وجه المناسبة بين كل بابين من هذه الأبواب بما يفوق ذلك على ما ذكره، يظهر لك ذلك عند المقابلة، وذكرها في مواضعها أنسب، وأوقع في الذهن، وأقرب إلى القول، وبالله التوفيق) انتهى.

قلت: وكلامه في غاية من التحقيق، فإن ذكر المناسبة بين كل بابين من الأبواب لا ريب أنه أنسب وأوقع في النفس، بخلاف ما زعمه ابن حجر؛ فإن فيه تشتيت الأذهان، وطلب النفس إلى سماع وجه المناسبة في كل باب، وفيه خبط وتخليط، وما ذاك إلا من عدم الذكاء والفهم، وهذا دأب الشَّارح المجهول الذي جمع منه كتابه الذي سماه «فتح الباري»، فإنه قد نحا نحوه في ذلك، فالشرح في الحقيقة مجموع من هذا الشَّارح المجهول، فهو نقله ونسبه لنفسه، وجرى على ما ذكره، ولا ريب أن ذلك مخل في الصناعة، وممل لأهل العلم لا سيما قليل البضاعة، وقد ذكر بعض الأفاضل بيان وجه التطويل الممل، والاختصار المخل الواقع لابن حجر في «الفتح» في كتاب سماه «كشف الحجاب عن العوام فيما وقع في الفتح من الأوهام»، وجمع بعض الفضلاء كتابًا آخر سماه «منهل العليل المطل على ما وقع في الفتح من التطويل المخل»، فمن أراد الاضطلاع على ذلك؛ فعليه بهما، فإنه لم يسبق إليهما أحد مما جمع فيهما من التحقيقات الفائقة، والتدقيقات الرائقة، وفوق كل ذي علم عليم.