متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

كذا لكريمة؛ بتقديم البسملة على تاليها؛ لحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ»، ولأبي ذَرٍّ: تأخيرها بعد اللَّاحق؛ كتأخيرها عن تراجم سور التَّنزيل، وسقطت من رواية الأَصيليِّ.

7- (كتاب) بيان أحكام (التَّيمُّم) ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت في نسخة [1] والأَصيليِّ وابن عساكر: ((باب التَّيمُّم))؛ وهو لغةً: القصد، يُقال: تيمَّمت فلانًا ويمَّمته، وتأمَّمته وأمَّمته؛ أي: قصدته، وشرعًا: مسح الوجه واليدين فقط بالتُّراب وإن كان الحدث أكبر، وهو من خصوصيَّات هذه الأمَّة، وهو رخصةٌ، وقِيلَ: عزيمةٌ، وبه جزم الشَّيخ أبو حامدٍ، ونزل فرضه سنة خمسٍ أو ستٍّ (قَوْلُ اللهِ تَعَالَى)؛ بلا واوٍ مع الرَّفع، مُبتدأٌ، خبره ما بعده، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((عزَّ وجلَّ)) بدل: «قوله تعالى»، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((وقول الله))؛ بواو العطف على «كتاب التَّيمُّم» أو «باب التَّيمُّم»؛ أي: وفي بيان قول الله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) قال البيضاويُّ: فلم تتمكَّنوا منِ استعماله؛ إذِ الممنوع منه كالمفقود ({فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}) [المائدة: 6] ؛ أي: فتعمَّدوا [2] شيئًا من وجه الأرض طاهرًا، ولذلك قالت [3] الحنفيَّة: لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صَلْدٍ ومسح؛ أجزأه، وقال أصحابنا الشَّافعيَّة: لا بدَّ من [4] أن يعلق باليد شيءٌ مِنَ التُّراب؛ لقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}؛ أي: من بعضه، وجَعْلُ «من» لابتداء الغاية تعسُّفٌ؛ إذ لا يُفهَم من نحو ذلك إلَّا التَّبعيض، ووقع في رواية النَّسفيِّ وعبدوسٍ والمُستملي [5] والحَمُّوييِّ: (({فإن لم تجدوا}))، قال الحافظ أبو ذَرٍّ عند القراءة عليه: التَّنزيل: (({فلم تجدوا}))، ورواية [6] الكتاب: ((فإن لم تجدوا))، قال عياضٌ في «المشارق»: وهذا هو الصَّواب، ووقع في رواية الأَصيليِّ: (({فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا...} الآية))، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((إلى {وأيديكم}))، لم يقل: ((منه)) وزيادتها لكريمة والشَّبويِّ، وهي تعيِّن آية «المائدة» دون «النِّساء».

[1] «في نسخةٍ»: مثبتٌ من (م).
[2] في (ص): «فتعمَّد».
[3] في (د): «قال».
[4] «من»: ليس في (ص).
[5] «المُسْتَملي»: سقط من (د).
[6] في (م): «وفي رواية».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [1]

(1) بابُ التَّيَمُّمِ [2] [/ج1ص73/] قَوْلُ [3] اللَّهِ تَعالَىَ [4] : { فَلَمْ تَجِدُواْ [5] مَاءً فَتَيَمَّمُواْ [6] صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ } [المائدة: 6]

[1] لم تَرِد البسملة في رواية الأصيلي، وهي في رواية أبي ذر مؤخَّرة عن الكتاب عنده.
[2] في رواية الأصيلي وأبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «كتاب التيمُّم».
[3] في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] : «وقولِ».
[4] في رواية الأصيلي وأبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «عَزَّ وَجلَّ».
[5] بهامش اليونينية: قال الحافظ أبو ذر عند القراءة عليه: التنزيل: { فَلَمْ تَجِدُواْ }، ورواية الكتاب: «فإنْ لم تجدوا».اهـ.
[6] في رواية الأصيلي زيادة: «الآية» بدل إتمامها.





( كِتَابُ التَّيَمُّمِ )


((7)) (كِتَابُ: التَّيَمُّمِ).


(كِتَابُ التَّيَمُّمِ) ... إلى (كتاب الصَّلَاةِ)

اعلم أنَّ التَّيمُّم نزل فرضه سنة ستٍّ، وقيل: سنة أربع، كذا قالوا، وسيأتي ما فيه قريبًا، وهو رخصة، وقيل: عزيمة، وقيل: إنْ تيمَّم لعدم الماء؛فعزيمة، أو لعذر؛ فرخصة، والله أعلم.


(كِتَابُ التَّيَمُّمِ)


(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

كذا لكريمة؛ بتقديم البسملة على تاليها؛ لحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ»، ولأبي ذَرٍّ: تأخيرها بعد اللَّاحق؛ كتأخيرها عن تراجم سور التَّنزيل، وسقطت من رواية الأَصيليِّ.

7- (كتاب) بيان أحكام (التَّيمُّم) ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت في نسخة [1] والأَصيليِّ وابن عساكر: ((باب التَّيمُّم))؛ وهو لغةً: القصد، يُقال: تيمَّمت فلانًا ويمَّمته، وتأمَّمته وأمَّمته؛ أي: قصدته، وشرعًا: مسح الوجه واليدين فقط بالتُّراب وإن كان الحدث أكبر، وهو من خصوصيَّات هذه الأمَّة، وهو رخصةٌ، وقِيلَ: عزيمةٌ، وبه جزم الشَّيخ أبو حامدٍ، ونزل فرضه سنة خمسٍ أو ستٍّ (قَوْلُ اللهِ تَعَالَى)؛ بلا واوٍ مع الرَّفع، مُبتدأٌ، خبره ما بعده، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((عزَّ وجلَّ)) بدل: «قوله تعالى»، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((وقول الله))؛ بواو العطف على «كتاب التَّيمُّم» أو «باب التَّيمُّم»؛ أي: وفي بيان قول الله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) قال البيضاويُّ: فلم تتمكَّنوا منِ استعماله؛ إذِ الممنوع منه كالمفقود ({فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}) [المائدة: 6] ؛ أي: فتعمَّدوا [2] شيئًا من وجه الأرض طاهرًا، ولذلك قالت [3] الحنفيَّة: لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صَلْدٍ ومسح؛ أجزأه، وقال أصحابنا الشَّافعيَّة: لا بدَّ من [4] أن يعلق باليد شيءٌ مِنَ التُّراب؛ لقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}؛ أي: من بعضه، وجَعْلُ «من» لابتداء الغاية تعسُّفٌ؛ إذ لا يُفهَم من نحو ذلك إلَّا التَّبعيض، ووقع في رواية النَّسفيِّ وعبدوسٍ والمُستملي [5] والحَمُّوييِّ: (({فإن لم تجدوا}))، قال الحافظ أبو ذَرٍّ عند القراءة عليه: التَّنزيل: (({فلم تجدوا}))، ورواية [6] الكتاب: ((فإن لم تجدوا))، قال عياضٌ في «المشارق»: وهذا هو الصَّواب، ووقع في رواية الأَصيليِّ: (({فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا...} الآية))، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((إلى {وأيديكم}))، لم يقل: ((منه)) وزيادتها لكريمة والشَّبويِّ، وهي تعيِّن آية «المائدة» دون «النِّساء».

[1] «في نسخةٍ»: مثبتٌ من (م).
[2] في (ص): «فتعمَّد».
[3] في (د): «قال».
[4] «من»: ليس في (ص).
[5] «المُسْتَملي»: سقط من (د).
[6] في (م): «وفي رواية».





( كِتَابُ التَّيَمُّمِ، وقَوْلُ اللَّه )، كذا للأَصِيلي، وأسقط غيره الواو، وهو استئناف.

( { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } ) كذا للأكثر، وللمُسْتملي، والحَمُّويي: «فإن لم تجدوا».

قال ابن حجر: ويحتمل أن تكون قراءة شاذَّة.


((7)) ومن كتاب التيَّمُّم [1]

[1] قوله: (ومن كتاب التيمم) زيادة من (ط) و (ر).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((7)) [كتاب التيمم]

(1) (باب التَّيمُّم).

وهو في اللُّغة: القصد، وهو رخصة وفضيلة خُصَّت بها هذه الأمَّة دون غيرها من الأمم.

و(الصَّعيد): هو التُّراب، والصَّحيح أنَّها نزلت في غزوة المريسيع، [التي كان فيها قضيَّة الإفك، وفي غزوة المريسيع] [1] : وهي غزوة بني المصطلق.

[1] ما بين معقوفين سقط من (ب).





(بسم الله الرحمن الرحيم)

هذا ((كتاب)) في بيان أحكام ((التيمُّم)) كذا في رواية كريمة، وفي رواية أبي ذر: البسملة مؤخرة عن الكتاب، والأول أولى للحديث الوارد فيه، وأمَّا الثاني؛ فوجهه أن الكتب التي فيها التراجم مثل السور حتى يقال سورة كذا، والبسملة تذكر بعدها على رأس الأحاديث كما تذكر على رؤوس الآيات، ويستفتح بها.

ووجه المناسبة بين هذا الكتاب والكتاب الذي قبله أحكام الوضوء والغسل بالماء، والمذكور هنا التيمم وهو خلف عن الماء؛ فيذكر الأصل أولًا ثم يذكر الخلف بعده، واقتداء بالكتاب؛ لأنَّه تعالى ابتدأ أولًا بالوضوء؛ لأنَّه أعمُّ، ثم بالغسل؛ لأنَّه أندر، ثم بالتيمُّم؛ لأنَّه خلف، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ..}؛ الآية [المائدة: 6] .

و (كتاب) مرفوع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هذا كتاب التيمم، والإضافة فيه بمعنى: في؛ أي: هذا كتاب في بيان أحكام التيمم، ويجوز نصب (كتاب) بعامل مقدر؛ تقديره: خذ، أو هاك، أو اقرأ كتاب (التيمم) ، والأصل فيه: الكتاب العزيز؛ وهو الآية المذكورة، والسنة؛ وهي أحاديث الباب وغيره، والإجماع على جوازه للمحدث، وفي الجنابة أيضًا، وزعم ابن حزم أنَّه خالف فيه عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والنخعي، والأسود) انتهى.

قلت: وهو غير صحيح؛ فإنَّه قد ثبت رجوعهم عن هذا كما نقله الثقات، وذكره إمام الشارحين، فلا اعتداد بكلام ابن حزم؛ لأنَّه مشهور بالتعصب والنقول الشاذة؛ فافهم.

والتيمم من خصائص هذه الأمَّة فلم يكن مشروعًا لغيرها، وإنما شرع رخصة لنا؛ فهو فضيلة خصت به هذه الأمة دون غيرها من الأمم، ويدل لذلك قوله عليه السلام في هذا الكتاب: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وقيل: إنَّه عزيمة، وفرض سنة ستٍّ أو خمس، كما سيأتي، و (التيمُّم) مصدر (تيمم يتيمم تيممًا) من باب (افتعل) ، وأصله من الأمِّ؛ وهو القصد، تقول: أمَّه يؤمُّه أمًّا؛ إذا قصده، وذكر في «الواعي»: (يقال: أمَّ وتأمَّم ويمَّم وتيمَّم بمعنى واحد، وإنما كان أصله في ذلك؛ لأنَّه يقصد التراب فيتمسح به) ، وفي «الجامع»: (عن الخليل: يجرى مجرى التوضؤ، تقول: تيمَّم أطيب ما عندك فأطعمنا منه؛ أي: تقصَّد، وأجاز أن يكون التيمُّمالعمد والقصد، وهذا الاسم كثير حتى صار اسمًا للتمسح بالتراب) ، وقال الفراء: (ولم أسمع: يممت بالتخفيف) ، وقال أبو منصور: (التيمُّم التعمُّد، وهو ما ذكره البخاري في تفسير سورة المائدة، ورواه ابن حاتم، وابن المُنْذِر عن سفيان) .

قلت: (التيمُّم) في اللغة: مطلق القصد؛ ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ} [البقرة: 267] ؛ أي: لا تقصدوا، وقول الشاعر:

~ولا أدري إذا يمَّمت أرضًا أريد الخير أيُّهما يليني

وفي الشريعة: قصد الصعيد الطاهر، واستعماله بصفة مخصوصة، وهو مسح الوجه واليدين؛ لاستباحة الصَّلاة، وامتثال الأمر، وشرائط التيمم تسعة: النية، والمسح، وكونه بثلاث أصابع فأكثر، والصعيد، وكونه مطهرًا، وفقد الماء، وطلبه إن ظنَّ قربه، وزوال ما ينافيه، والإسلام.

وسننه ثلاثة عشر: الضرب بباطن كفيه، وظاهرهما، وإقبالهما، وإدبارهما، ونفضهما، وتفريج أصابعه، والتسمية، والترتيب، والولاء، والتيامن، وخصوص الضرب على الصعيد، وكون المسح بالكيفية المخصوصة، وتخليل اللحية، وكون الضرب بظاهر الكفين، وقد نظمها شيخ شيخنا فقال:

~ومسح وضرب ركنه العذر شرطه وقصد وإسلام صعيد مطهر

~وتطلاب ماء ظن تعميم مسحه بأكثر كف فقدها الحيض يذكر

~وسن خصوص الضرب نفض تيامن وكيفية المسح التي فيه تؤثر

~وسم ورتب وال بطن وظهرن وخلل وفرج فيه أقبل وتدبر

قلت: واشتراط النية يغني عن اشتراط الإسلام؛ لأنَّها لا تصح من كافر، ولهذا اقتصر في النظم على الإسلام فقط، ومن ذكرها؛ فمراده: التوضيح؛ لأنَّها مستلزمة للإسلام، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب».

((وقول الله عز وجل)) بواو العطف على ((كتاب التيمم)) ؛ والتقدير: وفي بيان قول الله، وفي رواية الأصيلي: (قول الله تعالى) بدون الواو، فوجهه أن يكون مبتدأ، وخبره قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا}، كذا في «عمدة القاري».

وزعم ابن حجر أن (الواو) للاستئناف، ورده إمام الشارحين فقال: (وهو غير صحيح؛ لأنَّ الاستئناف جواب عن سؤال مقدَّر، وليس لهذا محل هنا، فإن قال هذا القائل: مرادك الاستئناف اللغوي؟قلت: هذا أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ الاستئناف في اللغة الإعادة ولا محل لهذا المعنى ههنا؛ فافهم) .

(({فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً})) كذا في رواية الأكثرين وهو الصواب، وهو الموافق للقرآن المجيد في سورة المائدة والنساء، وفي رواية النسفي، وعبدوس، والحموي، والمستملي: (فإن لم تجدوا) ، ووقع التصريح به في رواية حمَّاد بن سَلَمَة، عن هشام، عن [/ص382/] أبيه، عن عائشة رضي الله عنها في قصتها المذكورة، قال: (فأنزل الله آية التيمم: {فإن لم تجدوا}...) ؛ الحديث، والظاهر أن هذا وهم من حمَّاد أو غيره، أو قراءة شاذة لحمَّاد كذا قاله إمام الشارحين، والمراد بعدم الوجدان: عدم القدرة على استعماله إمَّا لعدمه، أو بعده، أو لفقد آلة الوصول إليه من الدلو والرشاء، أو لمانع عنه من حيَّة، أو عدوٍّ، أو سبع، أو غير ذلك؛ لأنَّ الممنوع عنه كالمفقود، والمترخص بالتيمم إمَّا محدث أو جنب، والحالة المقتضية له في الغالب مرض أو سفر، والجنب لمَّا سبق ذكره؛ اقتصر على بيان حاله، والمحدث لما لم يجر ذكره؛ ذكر أسباب ما يحدث له بالذات، وما يحدث بالعرض، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل أحوال الجنب، وبيان العذر مجملًا، وكأنه قيل: وإن كنتم جنبًا، مرضى، أو على سفر، أو محدثين جئتم من الغائط، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء؛ (({فَتَيَمَّمُوا})) أي: اقصدوا وتعمَّدوا (({صَعِيدًا})) أي: وجه الأرض ترابًا أو غيره، سمي صعيدًا؛ لكونه صاعدًا عنها، أو لأنَّه يصعد عليها، قال الأصمعي: (الصعيد: وجه الأرض (فعيل) بمعنى: مفعول؛ أي: مصعود عليه) ، وحكاه ابن الأعرابي، وكذا قاله الخليل، وثعلب، وقيل: هو الظاهر من وجه الأرض، وقال الزجاج في «المعاني»: (الصعيد: وجه الأرض، ولا يبالي أكان في الموضع تراب أم لم يكن؛ لأنَّ الصعيد ليس اسمًا للتراب، وإنَّما هو وجه الأرض ترابًا كان أو صخرًا لا تراب عليه، قال الله تعالى: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف: 40] ، فأعلمك أن الصعيد يكون زلقًا) ، وقال قتادة: (الصعيد: الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر)، ومعنى قوله: (({طَيِّبًا})) : طاهرًا، وقال أبو إسحاق: (الطيِّب: النظيف، وقيل: الحلال، وقيل: الطيِّب: ما تستطيبه النفس، وأكثر العلماء على أن معناه: طاهرًا، كذا قاله إمام الشارحين، وروي: أن الله تعالى خلق درة فنظر إليها؛ فصارت ماء، وعلا الزبد عليه، فخلق الله تعالى الأرض من زبدة؛ فيكون أحلَّ الأرض من الماء؛ فلهذا أقام تعالى التيمم مقام الماء عند فقده، والله أعلم، فيصح التيمم بكلِّ ما كان من أجزاء الأرض، ولو مسح على صخر أملس وتيمم؛ صحَّ ذلك، هذا مذهب رأس المجتهدين الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، وقتادة، وهو قول أهل التفسير واللغة، ويدلَّ عليه نصوص القرآن، قال تعالى: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا [1] زَلَقًا}، وقال تعالى: {صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف: 8] ، وقال عليه السلام: «يحشر الناس في صعيد واحد»، فهذا ظاهر في أن الصعيد: وجه الأرض، ولا يلزم أن يكون عليه تراب كما زعمه الشافعية، حيث شرطوا أن يكون التيمم على التراب، وهو خلاف القرآن؛ لأنَّه تعالى أمر بالتيمم على الصعيد؛ وهو وجه الأرض، فالتيمم على التراب ليس من النص المأمور به، وسيأتي بيانه، (({فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ})) أي: فامسحوا الصعيد بها، وقيل: الباء زائدة؛ كقوله تعالى: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون: 20] ؛ وتقديره: فامسحوا وجوهكم وأيديكم، واليد لغة: من رؤوس الأصابع إلى الإباط، وشرعًا اختلف فيها، فقال الزُهْرِي: (يشترط مسحها إلى الإباط؛ لأنَّ الاسم لكلها لغة، وفي الوضوء اقتصر على المرافق؛ لأنَّ النص مده إليها) ، وقال الأوزاعي: (يشترط مسحها إلى الرسغ، كما في قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ) .

وقال الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: يشترط مسحها إلى المرافق وهو قول مالك، ومحمَّد بن إدريس، وأحمد؛ لأنَّ التيمم بدل عن الوضوء؛ فيقدَّر بتقدير الأصل، وأمَّا القطع في السرقة؛ فقد ورد النص بتقديره، وقد ثبت أنَّ النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه، والقياس على الوضوء دليل على أن المراد ههنا: وأيديكم إلى المرافق، وإنَّما اكتفى بمسح الوجه واليدين؛ لأنَّ التيمم رخصة، فكما رخَّص فيه من حيث الآلة وهو: الاكتفاء بالصعيد الملوث، كذلك رخَّص فيه من حيث محله؛ حيث اكتفى فيه بشطر أعضاء الوضوء، وقيل: إنَّما اكتفى فيه بالمسحتين؛ لأنَّ الأصل في أركان الوضوء غسل الوجه والذراعين؛ حيث لا ينو بهما شيء من المسح، بخلاف الرأس والرجلين، فإنَّ المسح فيها ينوب عن الغسل؛ فلهذا اكتفي بهما؛ فليحفظ.

قلت: وفيه جواب آخر: وهو أنَّه تعالى بين سبب المشروعية في التيمم؛ وهي السفر، والمرض، وعدم وجدان الماء، والمسافر، والمريض، والعادم يشقَّ عليهم خلع النعل وخلع العمامة بسبب البرد والحر؛ فيسر لهم ذلك وجعله رخصة، ولهذا قال في آخر الآية: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43] ؛ فمن كان عادته أن يعفو عن المذنبين؛ فبأن يرخِّص للعاجزين كان أولى، ورحمته وسعت كل شيء.

وقوله: (({مِّنْهُ})) [النساء: 43] ثابتة في رواية كريمة، ساقطة في رواية أبي ذرٍّ، فعلى الرواية الأولى تعين أنها آية المائدة، وعلى الثانية تعين أنها آية النساء؛ لأن آية المائدة فيها لفظة (منه) ، وآية النساء ليس فيها لفظة (منه) ، وتعلق بها محمَّد بن إدريس الشافعي وأصحابه، فزعموا أن التيمم لا يصح على الصخر الأملس، بل يشترط أن يكون عليه تراب، فعندهم لا يجوز إلا بالتراب، ووجه تعلقهم أن (من) في الآية ؛ للتبعيض، والضمير عائد على الصعيد وهو التراب؛ لما روي عن ابن عباس: أن الصعيد الطيِّب: التراب الخالص، وهذا مردود؛ لأنَّ (من) ليست للتبعيض، بل هي لابتداء الغاية؛ لأنَّه لا يصح فيها ضابط التبعيض والبيان؛ وهو وضع بعض موضعها في الأول، ولفظه (الذي) في الثاني، و (الباء) في الأول بحاله، ويزاد في الثاني جزء؛ ليتم صلة للموصول؛ كما في قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج: 30] ؛ أي: الذي هو الأوثان، ولو قيل: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم بعضه؛ أفاد أن المطلوب جعل الصعيد ممسوحًا والعضويين آلته، وهو منتفٍ إجماعًا، وأمَّا الضمير؛ فهو عائد على المحدث بدليل: أن التيمم رخصة للمحدث المذكور في الآية وهو ظاهر؛ فافهم.

وزعم البيضاوي أنَّ جعل (من) لابتداء الغاية تعسُّف؛ إذ لا يفهم من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن إلا للتبعيض.

قلت: وهو مردود؛ فإن عدم الفهم إنَّما نشأ من اقتران (من) بالزمن ونحوه؛ مما هو أسهل التبعيض، ولو قرنت بما ليس كذلك؛ لانعكس الحكم، فيقال: لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت يدي من الحجر أو الحائط معنى: (التبعيض) أصلًا، بل معنى: الابتداء، ومدخولها ههنا هو الصعيد، وهو مشتمل على ما يتبعض؛ لشموله التراب وغيره ممَّا على وجه الأرض، ومعناها الحقيقي المجمع عليه: هو الابتداء، فإنَّه لم ينكره أحد من العرب، وأمَّا التبعيض؛ فقد أنكره جماعة من أهل العربية؛ منهم: المبرِّد، والأخفش، وابن السراج، والسهيلي، فقالوا: لا دلالة لها على غير الابتداء، وأمَّا [ما] روي عن ابن عباس؛ فغير صحيح [/ص383/] عنه، ولو صح؛ فإنَّما قاله احتياطًا، ولأجل تفكر ابن آدم في أنه يعود إلى الأرض، وقدمنا أن الصعيد: هو وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، وقال الزجاج: (لا أعلم اختلافًا بين أهل اللغة فيه، وإذا كان هذا مفهومه؛ وجب تعميمه، وتعين حمل ما روي عن ابن عباس على الأغلب، ويدل لذلك قوله عليه السلام: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فإنَّ (اللام) للجنس؛ فلا يخرج شيء منها؛ لأنَّ الأرض كلها جعلت مسجدًا، وما جعل مسجدًا هو الذي جعل طهورًا، وأما الطيِّب؛ فلفظ مشترك يذكر، ويراد به: المنبت؛ كقوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ} [الأعراف: 58] ويذكر ويراد به: الحلال؛ كقوله تعالى: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الأعراف: 160] ، وهذا لا يليق ههنا ويذكر، ويراد به: الطاهر، فقد أريد به: الطاهر إجماعًا؛ فلا يراد غيره؛ لأنَّ المشترك لا عموم له، ولأنَّ التيمم شرع لدفع الحرج، كما يفيده سياق الآية، واشتراط التراب ينافي ذلك، ويجاب أيضًا عمَّا روي عن ابن عباس بأنَّ الآية مطلقة، والمطلق لا يتقيَّد بخبر الواحد؛ فكيف بالأثر؟ من باب أولى، ويدل لقوله: والطيب بمعنى: الطاهر: أنه قال في آخر الآية: {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] ، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»؛ فافهم.

[1] في الأصل: (صعيد) ، وهو تحريف.