متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

(بَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وسقط: ((الباب)) لأبي ذرٍّ، فما بعدَه رَفْعٌ (وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) [1] في زمن نبوته ولو ساعة (أَوْ رَآهُ) في حال حياته ولو لحظةً مع زوال المانع مِنَ الرؤية كالعمى، حالَ كونِه في [2] وقت الصحبة أو الرؤية (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) العقلاء، ولو أنثى أو عبدًا أو غيرَ بالغ، أو جِنِّيًّا، أو مَلَكًا على القول ببعثته إلى الملائكة (فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ) خبرُ المبتدأِ الذي هو «مَنْ» الموصول، و«صحب» [3] صِلَتُه، ودخول الفاء في «فهو»؛ لتضمُّنِ المبتدأ [4] معنى الشرط، و«أو» في قوله: «أو رآه» للتقسيم، والضمير المنصوب للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، أو [5] للصاحب، والاكتفاء بمجرَّدِ الرؤيةِ مِن غير مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة مذهبُ الجمهور مِنَ المحدِّثين والأصوليِّينَ؛ لشرف منزلتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؛ فإنَّه كما صرَّح به غيرُ واحدٍ إذا رآه مسلمٌ أو رأى مسلمًا لحظةً طُبِعَ قلبُه على الاستقامة؛ إذ إنَّه بإسلامه متهيِّءٌ للقبول، فإذا قابل ذلك النور المحمَّديَّ أشرق عليه، فظهر أثرُه في قلبه وعلى جوارحه، والصحبةُ لغةً: تتناول ساعة فأكثر [6] ، وأهلُ الحديث كما قال النوويُّ: قد نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف على وَفق اللغة، وإليه ذهب الآمدي، واختاره ابنُ الحاجب، فلو حلف لا يصحُبه؛ حَنِثَ بلحظةٍ، وعدَّ في «الإصابة» مَن حضر معه عليه الصلاة والسلام حجَّة الوداع من أهل مكَّة والمدينة والطائف وما بينهما من الأعراب، وكانوا أربعين ألفًا؛ لحصول [7] رؤيتِهِم له صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وإن لم يرهم هو، بل ومن [8] كان مؤمنًا به [9] زمن الإسراء إن ثبت أنَّه عليه الصلاة والسلام كُشِفَ له في ليلته عن جميع مَن في الأرض فرآه وإن لم يلقه؛ لحصول الرؤية مِن جانبه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وهذا كغيرهِ يَرُدُّ على ما قاله صاحب «المصابيح»: ليس الضميرُ المستتر في قول البخاري: «أو رآه» يعود على النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه يلزم عليه أن يكون مَن وقع عليه بصرُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم صحابيًّا، وإن لم يكن هو قد وقع بصرُه على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [10] ، ولا قائلَ به. انتهى، وأمَّا ابنُ أمِّ مكتوم وغيرُه ممَّن كان من الصحابة أعمى، فيدخل في قوله: «ومَن صحب»، وكذا في قوله [11] : «أو رآه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم» على [12] ما لا يخفى، وقول الحافظ الزين العراقي في «شرح ألفيته»: إن في دخول الأعمى الذي جاء إليه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ولم يصحبه ولم يجالسه، في قول البخاري في «صحيحه»: «مَن صحب النبيَّ صلى الله عليه وسلم ورآه [13] »، نظرٌ، ظاهرُه أنَّ في نسختِه التي وقف عليها: «ورآه» بواو العطف من غير ألف، فيكون التعريف مركَّبًا من الصحبة والرؤية معًا، فلا يدخل الأعمى كما قال، لكن في جميع ما وقفتُ عليه من الأصول المعتمدة: «أو» التي للتقسيم، وهو الظاهر، لا سيما وقد صرح غيرُ واحدٍ بأنَّ البخاريَّ تَبِعَ في هذا التعريف شيخهَ ابنَ [14] المدينيِّ، والمنقولُ عنه: «أو» بالألف، وأمَّا الصغير الذي لا يميِّز كعبدِ الله بن الحارث بن نوفل، وعبد الله بن أبي طلحة الأنصاريِّ ممَّن حنَّكَه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أو دعا [15] له، ومحمَّد بن أبي بكر الصديق المولود قبل وفاته صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بثلاثة أشهر وأيام، فهو وإن لم تصحَّ [16] نسبةُ [17] الرؤية إليه صحابيٌّ؛ مِن حيثُ إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم رآه، كما مشى عليه غيرُ واحدٍ ممَّن [18] صنَّفَ في الصحابة، وأحاديثُ هؤلاء مِن قبيل مراسيل كبار التابعين، ثم إنَّ التقييد بالإسلام يُخرج من رآه في حال الكفر، فليس بصاحبٍ على المشهور ولو أسلم كرسول قيصر، وإنْ أخرج له الإمامُ أحمدُ في «مسنده»، وقد زاد الحافظ ابن حجر كشيخه الزين العراقي في التعريف: ومات على الإسلام؛ ليُخرج مَنِ ارتدَّ بعد أنْ رآه مؤمنًا، ومات على الرِّدَّة؛ كابن خطل [19] ، فلا يُسَمَّى صحابيًّا، بخلافِ مَنْ مات بعد رِدَّتِه مُسلمًا، في حياتِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أو بعدَه على [20] سواء، لقيه ثانيًا أم لا.

وتُعقِّب: بأنَّه يسمَّى قبل الرِّدَّة صحابيًّا، ويكفي ذلك في صِحَّة التعريف؛ إذْ لا يُشترط فيه الاحتراز عن المنافي العارض [21] ، ولذا لم يحترزوا في تعريف المؤمن عن الردَّة العارضة لبعض أفراده، فمَن زاد في التعريف أراد تعريف مَن يُسمَّى صحابيًّا بعد انقراض [/ج6ص80/] الصحابة لا مطلقًا، وإلَّا لزمه ألَّا يسمَّى الشخصُ صحابيًّا [22] في حال حياته، ولا يقولُ بهذا أحد، كذا قرره الجلال المحليِّ، لكن انتَزَع بعضُهم من قول الأشعريِّ: أنَّ مَن مات مرتدًّا تبيَّن أنَّه لم يزل كافرًا؛ لأنَّ الاعتبار بالخاتمة، صِحَّةَ إخراجِه؛ فإنَّه يصحُّ أن يُقال: لم يَرَهُ مؤمنًا، لكن في هذا الانتزاع نظرٌ؛ لأنَّه حين رؤياه [23] كان مؤمنًا في الظاهر، وعليه مدارُ الحكمِ الشرعيِّ، فيُسمَّى صحابيًّا، قاله شيخُنا في «فتح المغيث».

[1] قوله: «وسقط الباب لأبي ذر...»: سقط من (م).
[2] «في»: ليس في (م).
[3] في (م): «صحة».
[4] في غير (د): «الابتداء».
[5] في (م): «و».
[6] في غير (ب) و(س): «وكثر».
[7] في (م): «بحصول».
[8] في (م): «إن».
[9] «به»: ليس في (ص)، وزيد بعده في (م): «و».
[10] قوله: «وإن لم يكن هو قد وقع بصره...»: سقط من (ص) و(م).
[11] في (ب): «قولهم».
[12] في (ص): «لما».
[13] في (ص) و(م): «أو رآه».
[14] «ابن»: ليس في (م).
[15] في (د): «ودعا».
[16] في (د) و(ص) و(م): «يصح».
[17] في (م): «نسبته إلى».
[18] في (م): «من».
[19] في (م): «حنظل».
[20] «على»: ليس في (د) و(م).
[21] في (ص) و(م): «المعارض».
[22] قوله: «بعد انقراض الصحابة لا مطلقًا...»: سقط من (م).
[23] في (ب) و(س): «رؤيته».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1) بابٌ [1] في فَضائِلِ [2] أَصْحابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فهو مِنْ أَصْحابِهِ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية أبي ذر.
[2] في متن (ب، ص): «بابُ فضائلِ»، وضبطت رواية أبي ذر عندهم برفع «فضائلُ»، لعدم وجود لفظة: «باب».






((62)) [كتابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ]

(فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ رَآهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ [1]) الضمير المستتر في: ((رآه)) يعود على النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يلزمُ عليه أن يكون مَنْ وقعَ عليه بصرُه عليه الصلاة والسلام صحابيًّا؛ وإن لم يكن هو قد وقع بصرُهُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا قائل به، وابن أُمِّ مكتومٍ ونحوُهُ ممَّن كان من الصَّحابة أعمى، وإن لم يدخل في قوله: ((أو رآه من المسلمين))، فهو داخلٌ في قوله: ((ومَن صحبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم))، وقيدُ [2] ((مِن المسلمين)) لابدَّ منه؛ فإن مَن اجتمع كافرًا [3] بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم [4] لا تثبت له صحبةٌ قطعًا.

والحاصل: أنَّ من اجتمع مؤمنًا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فهو صحابيٌّ، هذا هو الصحيح، وبعضُهم يشترط الرواية عنه، وطولَ الصُّحبة له، وقيل: تُشترط الصحبةُ الطويلةُ دون الرواية.

[1] في (د) و(ج): ((فهو صحابياً)).
[2] في (ج): ((وقيل)).
[3] ((كافراً)): ليست في (د) و(ج).
[4] في (د) و(ج) زيادة: ((كافراً)).





[1] بسم الله الرحمن الرحيم

(بابُ فَضَائِلِ أصْحَابِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وفَضْلِهِمْ)

قوله: (وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ): اعلم أنَّ في دخول الأعمى الذي جاء إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مسلمًا ولم يصحبه ولم يجالسه في كلام البخاريِّ نظرٌ، ولو قال: من لقي النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مسلمًا ثم مات على الإسلام؛ ليخرج من ارتدَّ كافرًا؛ كابن خطل، وربيعة بن أمية، ومقيس بن صُبابة، ونحوهم، وفي دخول مَن لقيه مسلمًا ثم ارتدَّ ثم أسلمَ بعد وفاته عليه السَّلام في الصَّحابة نظرٌ كبير، فإنَّ الرِّدَّةَ مُحبِطةٌ للعمل عند أبي حنيفة، وقد نصَّ الشافعيُّ في «الأمِّ» على ذلك وإن كان الرافعيُّ حكى عنه: إنَّما تُحبَطُ بشرط اتِّصالها بالموت، وحينئذٍ فالظاهر أنَّها مُحبِطَةٌ للصُّحبة المتقدِّمة؛ كالأشعث بن قيس وغيره، أمَّا مَن رجع عن رِدَّته إلى الإسلام في حال حياةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورآه بعد المراجعة؛ كعبد الله بن أبي سَرْح؛ فلا مانعَ لدخوله في الصُّحبةِ؛ لأنَّه لقيه وهو مسلمٌ، فدخل في حَدِّ الصحابيِّ، والله أعلم.

واعلم أيضًا أنَّ قول البخاريِّ: (أو رآه...) إلى آخره هل المراد في حال نبوَّته أو أعمُّ من ذلك حتَّى يدخلُ مَن رآه قبلَ النُّبوَّة، ومات قبلها على دِين الحنيفيَّة؛ كزيد بن عمرو بن نُفيل، فقد قال عليه السلام فيه: «إنَّه يبعثُ أُمَّة وحدَه»، وقد ذكره في الصَّحابة ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»، وابن مَنْدَه، وكذلك لو رآه قبل النُّبوَّة، ثم غاب عنه وعاش إلى بعد زمن بعثته صلَّى الله عليه وسلَّم وأسلم، ثم مات ولم يره؛ قال شيخنا الحافظ الجهبذ العراقيُّ: لم أرَ مَن تعرَّض لذلك، قال: ويدُلُّ على أنَّ المراد: مَن رآه بعد النُّبوَّة: أنَّهم ترجموا في الصَّحابة لمن وُلِد له صلَّى الله عليه وسلَّم بعد النُّبوَّة؛ كإبراهيم وعبد الله، ولم يترجموا لمن وُلِد له قبل النُّبوَّة، ومات قبلها؛ كالقاسم، انتهى، وقد ذكر بعضهم القاسم في الصَّحابة.

واعلم أيضًا أنَّه اختُلف في حدِّ الصَّحابيِّ على أقوال:

أحدها وهو المشهور: أنَّه من رأى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حال إسلامه، كذا أطلقه غير واحدٍ من أهل الحديث، ومراده مع زوال المانع من الرُّؤية؛ كالعمى، وإلَّا؛ فمن صحبه وبه مانعٌ من الرؤية -كابن أمِّ مكتومٍ ونحوه- صحابيٌّ بلا خلاف، وهل يشترط مع ذلك أن يكون عاقلًا مميِّزًا حتَّى لا يدخل الأطفالُ الذين حنَّكهم ولم يَرَوه بعد التمييز، ولا من رآه وهو لا يعقل، أو المراد أعمُّ من ذلك؟ قال شيخنا العراقيُّ فيما قرأته عليه في «النُّكت على كتاب ابن الصَّلاح»: (ظاهر كلامهم اشتراطُه؛ كما هو موجود في كلام ابن مَعين، وأبي زُرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، وابن عبد البَرِّ، وغيرِهم) ، انتهى، وقد ذكر الترمذيُّ والنَّسائيُّ التَّمييز في (بابٌ: متى يصحُّ سماع الصَّغير) .

القولُ الثاني: من طالت صُحبتُه، وكثُرت مجالستُه على طريق التَّبَع له، والأخذ عنه، حكاه أبو المظفَّر السمعانيُّ عن الأصوليِّين، وقال: إنَّ اسم الصحابيِّ يقع على ذلك من حيث اللُّغة والظاهرُ، قال: وأصحاب الحديثِ يُطلقون اسمَ الصُّحبة على كلِّ مَن روى عنه حديثًا أو كلمةً، ويتوسَّعون حتى يعدُّوا من رآه رؤيةً من الصَّحابة، قال: وهذا لشرف منزلة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أعطَوا كلَّ مَن رآه حكمَ الصُّحبة، قال شيخنا العراقيُّ: وهو قولٌ لبعضهم -يعني: الأصوليين- حكاه الآمديُّ، وابن الحاجب، وغيرهما، وبه جزم ابن الصبَّاغ في «العدَّة».

والقولُ الثالث: وهو مرويٌّ عن سعيد بن المُسَيّب -وفي السند إليه محمَّد بن عمر الواقديُّ، وهو ضعيفٌ في الحديث-: أنَّه كان لا يعدُّ الصحابيَّ إلَّا من أقام معه سنةً أو سنتين، وغزا معه غزوةً أو غزوتين، قال ابن الصَّلاح: وكأنَّ المرادَ بهذا إن صحَّ عنه راجعٌ إلى المحكيِّ عن الأصوليين، ولكن في عبارته ضيقٌ يوجِب ألَّا يعدَّ منَ الصَّحابة جرير بن عبد الله البجليُّ ومَن شاركه في فقد ظاهِر ما اشترطه فيهم ممَّن لا نعلم خلافًا في عدِّه من الصَّحابة.

القولُ الرابع: يشترط مع طول الصُّحبة الأخذ عنه، حكاه الآمديُّ عن عمرو بن يحيى، وعمرو بن يحيى الظَّاهر أنَّه الحافظ، كذا سمَّاه أبو إسحاق الشِّيرازيُّ في «اللُّمَع»، وفيه نظرٌ، وإنَّما الحافظ عمرو بن بحر.

والقولُ الخامس: أنَّه مَن رآه مسلمًا بالغًا عاقلًا، حكاه الواقديُّ عن أهل العلم.

والقولُ السادس: أنَّه مَن أدرك زمنه صلَّى الله عليه وسلَّم وهو مسلمٌ وإنْ لم يرَه، وهو قول يحيى بن عثمان بن صالح المصريِّ، فإنَّه قال: ومن دُفِن -أي: بمصر- من أصحاب رسول الله عليه وسلم ممَّن أدركه ولم يسمع منه: أبو تميم الجيشانيُّ، واسمه عبد الله بن مالك، انتهى، وإنَّما هاجر أبو تميم إلى المدينة في خلافة عمر رضي الله عنه باتِّفاق أهل السِّيَر، حكاه من الأصوليِّين العراقيُّ في «شرح التنقيح»، وكذلك إن كان صغيرًا محكومًا بإسلامه تبعًا لأحد أبويه، وعلى هذا عملُ ابن عبد البَرِّ في «استيعابه»، وابن منده في «معرفة الصَّحابة»، وقد بيَّن ابن عبد البَرِّ في ترجمة الأحنف بن قيس أنَّ ذلك شرطه، وقال في مقدِّمة «الاستيعاب»: وبهذا كلِّه يستكملُ القرنُ الذي أشار إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، على ما قاله عبد الله بن أبي أوفى صاحبُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، يريد بذلك تفسير القرن، انتهى، وقد اختلف أهل اللُّغة في مدة القرن على أقوال، وسأذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى.

[1] في (أ): ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.





(كِتَابُ فَضَائِل أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)


(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

(بَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وسقط: ((الباب)) لأبي ذرٍّ، فما بعدَه رَفْعٌ (وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) [1] في زمن نبوته ولو ساعة (أَوْ رَآهُ) في حال حياته ولو لحظةً مع زوال المانع مِنَ الرؤية كالعمى، حالَ كونِه في [2] وقت الصحبة أو الرؤية (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) العقلاء، ولو أنثى أو عبدًا أو غيرَ بالغ، أو جِنِّيًّا، أو مَلَكًا على القول ببعثته إلى الملائكة (فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ) خبرُ المبتدأِ الذي هو «مَنْ» الموصول، و«صحب» [3] صِلَتُه، ودخول الفاء في «فهو»؛ لتضمُّنِ المبتدأ [4] معنى الشرط، و«أو» في قوله: «أو رآه» للتقسيم، والضمير المنصوب للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، أو [5] للصاحب، والاكتفاء بمجرَّدِ الرؤيةِ مِن غير مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة مذهبُ الجمهور مِنَ المحدِّثين والأصوليِّينَ؛ لشرف منزلتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؛ فإنَّه كما صرَّح به غيرُ واحدٍ إذا رآه مسلمٌ أو رأى مسلمًا لحظةً طُبِعَ قلبُه على الاستقامة؛ إذ إنَّه بإسلامه متهيِّءٌ للقبول، فإذا قابل ذلك النور المحمَّديَّ أشرق عليه، فظهر أثرُه في قلبه وعلى جوارحه، والصحبةُ لغةً: تتناول ساعة فأكثر [6] ، وأهلُ الحديث كما قال النوويُّ: قد نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف على وَفق اللغة، وإليه ذهب الآمدي، واختاره ابنُ الحاجب، فلو حلف لا يصحُبه؛ حَنِثَ بلحظةٍ، وعدَّ في «الإصابة» مَن حضر معه عليه الصلاة والسلام حجَّة الوداع من أهل مكَّة والمدينة والطائف وما بينهما من الأعراب، وكانوا أربعين ألفًا؛ لحصول [7] رؤيتِهِم له صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وإن لم يرهم هو، بل ومن [8] كان مؤمنًا به [9] زمن الإسراء إن ثبت أنَّه عليه الصلاة والسلام كُشِفَ له في ليلته عن جميع مَن في الأرض فرآه وإن لم يلقه؛ لحصول الرؤية مِن جانبه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وهذا كغيرهِ يَرُدُّ على ما قاله صاحب «المصابيح»: ليس الضميرُ المستتر في قول البخاري: «أو رآه» يعود على النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه يلزم عليه أن يكون مَن وقع عليه بصرُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم صحابيًّا، وإن لم يكن هو قد وقع بصرُه على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم [10] ، ولا قائلَ به. انتهى، وأمَّا ابنُ أمِّ مكتوم وغيرُه ممَّن كان من الصحابة أعمى، فيدخل في قوله: «ومَن صحب»، وكذا في قوله [11] : «أو رآه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم» على [12] ما لا يخفى، وقول الحافظ الزين العراقي في «شرح ألفيته»: إن في دخول الأعمى الذي جاء إليه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ولم يصحبه ولم يجالسه، في قول البخاري في «صحيحه»: «مَن صحب النبيَّ صلى الله عليه وسلم ورآه [13] »، نظرٌ، ظاهرُه أنَّ في نسختِه التي وقف عليها: «ورآه» بواو العطف من غير ألف، فيكون التعريف مركَّبًا من الصحبة والرؤية معًا، فلا يدخل الأعمى كما قال، لكن في جميع ما وقفتُ عليه من الأصول المعتمدة: «أو» التي للتقسيم، وهو الظاهر، لا سيما وقد صرح غيرُ واحدٍ بأنَّ البخاريَّ تَبِعَ في هذا التعريف شيخهَ ابنَ [14] المدينيِّ، والمنقولُ عنه: «أو» بالألف، وأمَّا الصغير الذي لا يميِّز كعبدِ الله بن الحارث بن نوفل، وعبد الله بن أبي طلحة الأنصاريِّ ممَّن حنَّكَه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أو دعا [15] له، ومحمَّد بن أبي بكر الصديق المولود قبل وفاته صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بثلاثة أشهر وأيام، فهو وإن لم تصحَّ [16] نسبةُ [17] الرؤية إليه صحابيٌّ؛ مِن حيثُ إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم رآه، كما مشى عليه غيرُ واحدٍ ممَّن [18] صنَّفَ في الصحابة، وأحاديثُ هؤلاء مِن قبيل مراسيل كبار التابعين، ثم إنَّ التقييد بالإسلام يُخرج من رآه في حال الكفر، فليس بصاحبٍ على المشهور ولو أسلم كرسول قيصر، وإنْ أخرج له الإمامُ أحمدُ في «مسنده»، وقد زاد الحافظ ابن حجر كشيخه الزين العراقي في التعريف: ومات على الإسلام؛ ليُخرج مَنِ ارتدَّ بعد أنْ رآه مؤمنًا، ومات على الرِّدَّة؛ كابن خطل [19] ، فلا يُسَمَّى صحابيًّا، بخلافِ مَنْ مات بعد رِدَّتِه مُسلمًا، في حياتِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أو بعدَه على [20] سواء، لقيه ثانيًا أم لا.

وتُعقِّب: بأنَّه يسمَّى قبل الرِّدَّة صحابيًّا، ويكفي ذلك في صِحَّة التعريف؛ إذْ لا يُشترط فيه الاحتراز عن المنافي العارض [21] ، ولذا لم يحترزوا في تعريف المؤمن عن الردَّة العارضة لبعض أفراده، فمَن زاد في التعريف أراد تعريف مَن يُسمَّى صحابيًّا بعد انقراض [/ج6ص80/] الصحابة لا مطلقًا، وإلَّا لزمه ألَّا يسمَّى الشخصُ صحابيًّا [22] في حال حياته، ولا يقولُ بهذا أحد، كذا قرره الجلال المحليِّ، لكن انتَزَع بعضُهم من قول الأشعريِّ: أنَّ مَن مات مرتدًّا تبيَّن أنَّه لم يزل كافرًا؛ لأنَّ الاعتبار بالخاتمة، صِحَّةَ إخراجِه؛ فإنَّه يصحُّ أن يُقال: لم يَرَهُ مؤمنًا، لكن في هذا الانتزاع نظرٌ؛ لأنَّه حين رؤياه [23] كان مؤمنًا في الظاهر، وعليه مدارُ الحكمِ الشرعيِّ، فيُسمَّى صحابيًّا، قاله شيخُنا في «فتح المغيث».

[1] قوله: «وسقط الباب لأبي ذر...»: سقط من (م).
[2] «في»: ليس في (م).
[3] في (م): «صحة».
[4] في غير (د): «الابتداء».
[5] في (م): «و».
[6] في غير (ب) و(س): «وكثر».
[7] في (م): «بحصول».
[8] في (م): «إن».
[9] «به»: ليس في (ص)، وزيد بعده في (م): «و».
[10] قوله: «وإن لم يكن هو قد وقع بصره...»: سقط من (ص) و(م).
[11] في (ب): «قولهم».
[12] في (ص): «لما».
[13] في (ص) و(م): «أو رآه».
[14] «ابن»: ليس في (م).
[15] في (د): «ودعا».
[16] في (د) و(ص) و(م): «يصح».
[17] في (م): «نسبته إلى».
[18] في (م): «من».
[19] في (م): «حنظل».
[20] «على»: ليس في (د) و(م).
[21] في (ص) و(م): «المعارض».
[22] قوله: «بعد انقراض الصحابة لا مطلقًا...»: سقط من (م).
[23] في (ب) و(س): «رؤيته».





( باب: فَضَائِلِ أَصْحَابِ رَسُوْلِ الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَرَضِيَ الله عَنْهُمْ ): قال القرطبيُّ: الفضائل جمع فضيلة، وهي الخصلة الجميلة التي يحصل لصاحبها بسببها شرف وعلوُّ منزلة؛ إمَّا عند الله وإمَّا عند الخلق، والثَّاني لا عبرة به إلَّا إن أَوصَل إلى الأوَّل.

فإذا قيل: فلان فاضل، معناه: أنَّ له منزلة عند الله، ولا يُوصَلُ إليه إلَّا بالنَّقل [عن] [1] الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم.

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (عند) والمثبت من غيرها





((62)) [كتاب فضائل الصحابة]

(1) ( من فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ) [1]

[1] ما بين القوسين زيادة من هامش (ر).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((62)) [كتاب فضائل الصحابة]

(1) (بَاب فضائل أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

ذكر فيه ثلاث أحاديث؛ حديث أبي سعيد الخدريِّ...؛ الحديث.


لا تتوفر معاينة