إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث علي: كنت رجلًا مذاء فأمرت رجلًا

269- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشامٌ الطَّيالسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قُدَامة؛ بضمِّ أوَّله وتخفيف ثانيه المُهمَل، الثَّقفيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئةٍ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المُهمَلَتين، عثمان بن عاصمٍ الكوفيِّ التَّابعيِّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حُبَيِّبٍ بن رُبَيِّعة؛ بفتح المُوحَّدة وتشديد التَّحتيَّة، السُّلَميِّ؛ بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، مقرئ الكوفة، أحد أعلام التَّابعين، المُتوفَّى سنة خمسٍ ومئةٍ، وصام ثمانين رمضانًا (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) صفةٌ لـ «رجلٍ»، ولو قال: كنت مذَّاءً صحَّ، إلَّا أنَّ ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه؛ نحو: رأيت رجلًا صالحًا، أو لتحقيره؛ نحو: رأيت رجلًا فاسقًا، ولمَّا كان المذيُ يغلب على الأقوياء الأصحَّاء حَسُن ذكر الرُّجوليَّة معه؛ لأنَّه يدلُّ على معناها، وراعى في «مذَّاءً» الثَّاني، وهو كسر الذَّال [1]، قال ابن فرحون: وهو خلاف الأشهر عندهم لأنَّ «كان» تدخل على المُبتدَأ والخبر، فـ «رجلًا» خبرٌ، وضمير المتكلِّم هو المُبتدَأ في المعنى، فلو راعاه لقال: كنت رجلًا يمذي [2]، ومثل هذا قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ} [البقرة: 186] فراعى الضَّمير في «إني»، ولو راعى {قَرِيبٌ} لقال: «يجيب»، قال أبو حيَّان: ومنِ اعتبار الأوَّل قوله: {بَلْ أَنتُم قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل: 47] {بَل أَنتُم قَوْمٌ تَجهَلُونَ} [النمل: 55] ومن اعتبار الثَّاني قوله [3]: أنا رجلٌ يأمر بالمعروف، وأنت امرؤٌ يأمر بالخير. انتهى. وزاد أحمد: «فإذا أمذيت اغتسلت» ولأبي داود [4]: «فجعلت أغتسل حتَّى يتشقَّق [5] ظهري» وزاد في الرِّواية السَّابقة في «باب الوضوء من المخرجين» [خ¦178] من وجهٍ آخر: فأحببت أن أسأل (فَأَمَرْتُ رَجُلًا) هو المقداد ابن الأسود، كما في الحديث السَّابق (يَسْأَلَ) ولغير الأَصيليِّ وابن عساكر [6]: ((أن [7] يسألَ)) (النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) فاطمة، أي: بسبب كونها تحته [8] (فَسَأَلَ) وللحَمُّويي والسَّرخسيِّ: ((فسأله)) بالهاء، وعند الطَّحاويِّ من حديث رافع بن خديجٍ: أنَّ عليًّا أمر عمَّارًا أن يسأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المذيِ [9]، قال: «يغسل مذاكيره» أي: ذكره، وعنده أيضًا عن عليٍّ قال: كنت مذَّاءً وكنت إذا أمذيت اغتسلت، فسألتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهو عند التِّرمذيِّ عنه بلفظ: سألت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عنِ المذي، وجمع ابن حبَّان بينهما بأنَّ عليًّا سأل عمَّارًا، ثمَّ أمر المقداد بذلك، ثمَّ سأل بنفسه، لكن صحَّح ابن بشكوال: أنَّ الذي سأل هو المقداد، وعُورِض: بأنَّه يحتاج إلى برهانٍ، وقد دلَّ ما ذُكِرَ في الأحاديث السَّابقة أنَّ كلًّا منهما قد سأل، وأنَّ عليًّا كذلك سأل، لكن يعكِّر عليه أنَّه استحيا أن يسأل بنفسه لأجل فاطمة، فيتعيَّن الحمل على المجاز بأنَّ الراويَ أطلق أنَّه سأل لكونه الآمر بذلك (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) أي: ما أصابه من المذيِ كالبول، ويؤيِّده ما في [10] رواية: ((اغسله)) أي: المذي، وكذلك رواية: ((فرجه)) والفرج: المخرج، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور [11]، وأخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبيرٍ قال: إذا أمذى الرَّجل غسل الحشفة وتوضَّأ وضوءه للصَّلاة، واحتجُّوا لذلك [12] بأنَّ الموجب لغسله إنَّما هو خروج الخارج، فلا تجب المُجاوَزة إلى غير محلِّه، وفي روايةٍ عن مالكٍ وأحمد: يغسل ذكره كلَّه لظاهر الإطلاق في قوله: «اغسل ذكرك» [13]، وهل غسله كلُّه معقول المعنى أو للتَّعبُّد؟ وأبدى الطَّحاويُّ له حكمًة وهي: أنَّه إذا غسل الذَّكر كلَّه تقلَّص فبطل خروج المذيِ كما في الضَّرْع إذا غُسِل بالماء البارد يتفرَّق اللَّبن إلى داخل الضَّرْع فينقطع خروجه، وعلى القول بأنَّه للتَّعبُّد تجب النِّيَّة، واستدلَّ به ابن دقيق العيد على تعيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها لأنَّ ظاهره تعيُّنُ الغسل، والمُعيَّن لا يقع الامتثال إلَّا به، وصحَّحه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» وصُحِّح في غيره جواز الاقتصار على
ج1ص326
الأحجار إلحاقًا له بالبول، وحمل الأمر بغسله على الاستحباب، أو [14] أنَّه خرج مخرج الغالب، والفعلان بالجزم على الأمر، وهو يشعر بأنَّ المقداد سأل لنفسه، ويحتمل أن يكون سأل لمُبهَمٍ، ويقوِّيه رواية مسلمٍ: فسأل عن المذيِ يخرج من الإنسان، أو لعليٍّ، فوجَّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الخطاب إليه، والظَّاهر أنَّ عليًّا كان حاضرًا للسُّؤال، فقد أطبق أصحاب الأطراف والمسانيد على إيراد هذا الحديث في مُسنَد عليٍّ، ولو حملوه على أنَّه لم يحضر [15] لأوردوه في مُسنَد المقداد.
ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيُّون، ما عدا أبا الوليد فبصريٌّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، ورواية [16] تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «العلم» [خ¦132] و«الطَّهارة» [خ¦178]، ومسلمٌ فيها، والنَّسائيُّ فيها وفي «العلم» أيضًا.
ج1ص327


[1] في هامش (ص): (قوله: «وهو كسر الذَّال» كذا في النُّسخ، ولعلَّه كثير المذي). انتهى. شيخنا عجمي.
[2] في غير (ص) و(م): «أمذى».
[3] «قوله»: ليس في (م).
[4] «ولأبي داود»: سقط من (ص).
[5] في (د) و(ص): «تشقَّق».
[6] قوله: «يَسْأَلَ، ولغير الأَصيليِّ وابن عساكر» مثبتٌ من (م).
[7] «أن»: سقط من (س).
[8] في (د): «تحتي».
[9] «عن المذيِ»: سقط من غير (ب) و(س).
[10] «ما في»: سقط من (ص).
[11] في (د): «المشهور».
[12] في (م): «له».
[13] في هامش (ص): (أعني: توضأ واغسل. صح).
[14] في (م): «و».
[15] في (ب) و(س): «يحضره».
[16] في (ص): «رواته».