متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

269- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشامٌ الطَّيالسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قُدَامة؛ بضمِّ أوَّله وتخفيف ثانيه المُهمَل، الثَّقفيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئةٍ، (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المُهمَلَتين، عثمان بن عاصمٍ الكوفيِّ التَّابعيِّ، (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حُبَيِّبٍ بن رُبَيِّعة؛ بفتح المُوحَّدة وتشديد التَّحتيَّة، السُّلَميِّ؛ بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، مقرئ الكوفة، أحد أعلام التَّابعين، المُتوفَّى سنة خمسٍ ومئةٍ، وصام ثمانين رمضانًا (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءًا) صفةٌ لـ: «رجلٍ»، ولو قال: كنت مذَّاءً؛ صحَّ، إلَّا أنَّ ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه؛ نحو: رأيت رجلًا صالحًا، أو لتحقيره؛ نحو: رأيت رجلًا فاسقًا، ولمَّا كان المذيُ يغلب على الأقوياء الأصحَّاء؛ حَسُن ذكر الرُّجوليَّة معه؛ لأنَّه يدلُّ على معناها، وراعى في «مذَّاءً» الثَّاني، وهو كسر الذَّال [1] ، قال ابن فرحون: وهو خلاف الأشهر عندهم؛ لأنَّ «كان» تدخل على المُبتدَأ والخبر، فـ: «رجلًا» خبرٌ، وضمير المتكلِّم هو المُبتدَأ في المعنى، فلو راعاه؛ لقال: كنت رجلًا يمذي [2] ، ومثل هذا قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإنِّي قريبٌ أجيب} [البقرة: 186] فراعى الضَّمير في «إني»، ولو راعى {قريبٌ}؛ لقال: «يجيب»، قال أبو حيَّان: ومنِ اعتبار الأوَّل قوله: {بل أنتم قومٌ تفتنون} [النمل: 47] {بل أنتم قومٌ تجهلون} [النمل: 55] ، ومن اعتبار الثَّاني قوله [3] : أنا رجلٌ يأمر بالمعروف، وأنت امرؤٌ يأمر بالخير. انتهى. وزاد أحمد: فإذا أمذيت؛ اغتسلت، ولأبي داود [4] : فجعلت أغتسل حتَّى يتشقَّق [5] ظهري، وزاد في الرِّواية السَّابقة في باب: «الوضوء من المخرجين» [خ¦178] من وجهٍ آخر: فأحببت أن أسأل، (فَأَمَرْتُ رَجُلًا) هو المقداد بن الأسود، كما في الحديث السَّابق (يَسْأَلَ)، ولغير الأَصيليِّ وابن عساكر [6] : ((أن [7] يسألَ)) (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) فاطمة؛ أي: بسبب كونها تحته [8] ، (فَسَأَلَ) وللحَمُّويي والسَّرخسيِّ: ((فسأله))؛ بالهاء، وعند الطَّحاويِّ من حديث رافع بن خديجٍ: أنَّ عليًّا أمر عمَّارًا أن يسأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المذيِ [9] ، قال: «يغسل مذاكيره»؛ أي: ذكره، وعنده أيضًا عن عليٍّ قال: كنت مذَّاءً وكنت إذا أمذيت؛ اغتسلت، فسألتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهو عند التِّرمذيِّ عنه بلفظ: سألت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عنِ المذي، وجمع ابن حبَّان بينهما؛ بأنَّ عليًّا سأل عمَّارًا، ثمَّ أمر المقداد بذلك، ثمَّ سأل بنفسه، لكن صحَّح ابن بشكوال: أنَّ الذي سأل هو المقداد، وعُورِض: بأنَّه يحتاج إلى برهانٍ، وقد دلَّ ما ذُكِرَ في الأحاديث السَّابقة أنَّ كلًّا منهما قد سأل، وأنَّ عليًّا كذلك سأل، لكن يعكِّر عليه أنَّه استحيا أن يسأل بنفسه؛ لأجل فاطمة، فيتعيَّن الحمل على المجاز بأنَّ الراويَ أطلق أنَّه سأل؛ لكونه الآمر بذلك، (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ)؛ أي: ما أصابه من المذيِ كالبول، ويؤيِّده ما في [10] رواية: ((اغسله))؛ أي: المذي، وكذلك رواية: ((فرجه))؛ والفرج: المخرج، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور [11] ، وأخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبيرٍ قال: إذا أمذى الرَّجل؛ غسل الحشفة وتوضَّأ وضوءه للصَّلاة، واحتجُّوا لذلك [12] : بأنَّ الموجب لغسله إنَّما هو خروج الخارج، فلا تجب المُجاوَزة إلى غير محلِّه، وفي روايةٍ عن مالكٍ وأحمد: يغسل ذكره كلَّه؛ لظاهر الإطلاق في قوله: «اغسل ذكرك» [13] ، وهل غسله كلُّه معقول المعنى أو للتَّعبُّد؟ وأبدى الطَّحاويُّ له حكمًة وهي: أنَّه إذا غسل الذَّكر كلَّه؛ تقلَّص، فبطل خروج المذيِ؛ كما في الضَّرْع إذا غُسِل بالماء البارد؛ يتفرَّق اللَّبن إلى داخل الضَّرْع، فينقطع خروجه، وعلى القول بأنَّه للتَّعبُّد تجب النِّيَّة، واستدلَّ به ابن دقيق العيد على تعيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأنَّ ظاهره تعيُّنُ الغسل، والمُعيَّن لا يقع الامتثال إلَّا به، وصحَّحه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» وصُحِّح في غيره: جواز الاقتصار على [/ج1ص326/] الأحجار؛ إلحاقًا له بالبول، وحمل الأمر بغسله على الاستحباب، أو [14] أنَّه خرج مخرج الغالب، والفعلان بالجزم على الأمر، وهو يشعر بأنَّ المقداد سأل لنفسه، ويحتمل أن يكون سأل لمُبهَمٍ، ويقوِّيه رواية مسلمٍ: فسأل عن المذيِ يخرج من الإنسان، أو لعليٍّ، فوجَّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الخطاب إليه، والظَّاهر أنَّ عليًّا كان حاضرًا للسُّؤال، فقد أطبق أصحاب الأطراف والمسانيد على إيراد هذا الحديث في مُسنَد عليٍّ، ولو حملوه على أنَّه لم يحضر [15] ؛ لأوردوه في مُسنَد المقداد.

ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيُّون، ما عدا أبا الوليد فبصريٌّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، ورواية [16] تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «العلم» [خ¦132] و«الطَّهارة» [خ¦178] ، ومسلمٌ فيها والنَّسائيُّ فيها وفي «العلم» أيضًا.

[1] في هامش (ص): «قوله: «وهو كسر الذَّال»؛ كذا في النُّسخ، ولعلَّه كثير المذي، انتهى. شيخنا العجمي».
[2] في غير (ص) و(م): «أمذى».
[3] «قوله»: ليس في (م).
[4] «ولأبي داود»: سقط من (ص).
[5] في (د) و(ص): «تشقَّق».
[6] قوله: «(يَسْأَلَ)، ولغير الأَصيليِّ وابن عساكر»، مثبتٌ من (م).
[7] «أن»: سقط من (س).
[8] في (د): «تحتي».
[9] «عن المذيِ»: سقط من غير (ب) و(س).
[10] «ما في»: سقط من (ص).
[11] في (د): «المشهور».
[12] في (م): «له».
[13] في هامش (ص): «أعني: توضأ واغسل. صح».
[14] في (م): «و».
[15] في (ب) و(س): «يحضره»
[16] في (ص): «رواته».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

269-. حدَّثنا أبو الوَلِيدِ، قالَ: حدَّثنا زائِدَةُ، عن أَبِي حَصِينٍ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ:

عن عَلِيٍّ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ [1] النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِمَكانِ ابْنَتِهِ، فَسَأَلَ [2] فقالَ: «تَوَضَّأْ واغْسِلْ ذَكَرَكَ».

[1] في رواية ابن عساكر والأصيلي و [عط] : «رجلًا يسألُ».
[2] في رواية أبي ذر والحَمُّويي والمُستملي: «فسأله».





269- ( أَبو حَصِينٍ ) بحاء مهملة مفتوحة وصاد مهملة مكسورة. [1]

( فَأَمَرْتُ رَجُلًا ) هو المقداد بن الأسود.

[1] قوله: ( أبو حَصِين ). هو عثمان بن عاصم، وأبو عبد الرحمن شيخه هو عبد الله بن حبيب السلمي.





269# (فَأمَرْتُ رَجُلًا) هو المقدادُ بنُ الأسود، أو عمَّارٌ، فقد صرَّح البخاري بالأول، وجاء أيضًا: أنَّه أرسل عمارًا لذلك.

(اغْسِلْ [1] ذَكَرَكَ) يدلُّ على نجاسة المَذْي، وهو ظاهرٌ فيما ذهب إليه طائفة من أصحابنا أنَّه يُغسل منه الذَّكَر كلَّه، وعليه: فيحتاج إلى نيَّة؛ من حيث إنه لم يقتصر [2] على الأمر بغسل محلِّ الخروج، فهي طهارةٌ تعبُّدية، والجمهورُ على خلاف ذلك نظرًا إلى المعنى.

[1] في (ق): ((واغسل)).
[2] في (ق): ((يقصر)).





269- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ): تقدَّم مرارًا أنَّه هشام بن عَبْد الملك الطَّيالسيُّ.

قوله: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ): هو ابن قدامة أبو الصَّلت، الثَّقفيُّ الكوفيُّ الحافظ، عن زياد بن عِلاقة، وسماك، وعنه: ابن مهديٍّ، وأحمد ابن يونس، ثقة حجَّة صاحب سنَّة، توفِّي غازيًا بالرُّوم سنة (161 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (عن أَبِي حَصِينٍ): هو بفتح الحاء، وكسر الصَّاد المهملتين، واسمه عثمان بن عاصم الأسَديُّ، عنِ ابن عَبَّاس، وشريح، وطائفة، وعنه: شُعْبَة، والسُّفيانان، وخلق، وكان ثقة ثبتًا، صاحب سنَّة، تُوفِّي سنة (121 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وقد تقدَّم.

قوله: (عن أبي عَبْد الرَّحمن): هو السُّلميُّ؛ بِضَمِّ السِّين وفتح اللام، واسمه عَبْد الله بن حبيب بن رُبيِّعة، ورُبيِّعة بضمِّ الرَّاء: تصغير رَبيعة، الإمام مقرئ الكوفة، عن عمر [1] ، وعثمان، وعنه: عاصم بن أبي النَّجود وأبو إسحاق، وأقرأ دهرًا، توفِّي سنة (73 هـ ) تقريبًا مع ابن الزُّبير، أخرج له الجماعة، مشهور التَّرجمة جدًّا.

قوله: (فَأَمَرْتُ رَجُلًا): تقدَّم مسمًّى أنَّه المقداد، وجاء في رواية عمَّار، وتقدَّمت الرِّوايات في ذلك، والجمع بينها في (باب من استحيا فأمر [2] غيره بالسُّؤال) .

قوله: (تَوَضَّأْ): تقدَّم الكلام على نظيره فيما مضى فيما إذا دخل على الفعل المضارع المهموز جازم، وأنَّ فيه ثلاثةَ أوجه.

[1] في (ج): (عمرو) ، وليس بصحيح.
[2] في (أ): (فأمره) .





لا تتوفر معاينة

269- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشامٌ الطَّيالسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قُدَامة؛ بضمِّ أوَّله وتخفيف ثانيه المُهمَل، الثَّقفيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئةٍ، (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المُهمَلَتين، عثمان بن عاصمٍ الكوفيِّ التَّابعيِّ، (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حُبَيِّبٍ بن رُبَيِّعة؛ بفتح المُوحَّدة وتشديد التَّحتيَّة، السُّلَميِّ؛ بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، مقرئ الكوفة، أحد أعلام التَّابعين، المُتوفَّى سنة خمسٍ ومئةٍ، وصام ثمانين رمضانًا (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءًا) صفةٌ لـ: «رجلٍ»، ولو قال: كنت مذَّاءً؛ صحَّ، إلَّا أنَّ ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه؛ نحو: رأيت رجلًا صالحًا، أو لتحقيره؛ نحو: رأيت رجلًا فاسقًا، ولمَّا كان المذيُ يغلب على الأقوياء الأصحَّاء؛ حَسُن ذكر الرُّجوليَّة معه؛ لأنَّه يدلُّ على معناها، وراعى في «مذَّاءً» الثَّاني، وهو كسر الذَّال [1] ، قال ابن فرحون: وهو خلاف الأشهر عندهم؛ لأنَّ «كان» تدخل على المُبتدَأ والخبر، فـ: «رجلًا» خبرٌ، وضمير المتكلِّم هو المُبتدَأ في المعنى، فلو راعاه؛ لقال: كنت رجلًا يمذي [2] ، ومثل هذا قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإنِّي قريبٌ أجيب} [البقرة: 186] فراعى الضَّمير في «إني»، ولو راعى {قريبٌ}؛ لقال: «يجيب»، قال أبو حيَّان: ومنِ اعتبار الأوَّل قوله: {بل أنتم قومٌ تفتنون} [النمل: 47] {بل أنتم قومٌ تجهلون} [النمل: 55] ، ومن اعتبار الثَّاني قوله [3] : أنا رجلٌ يأمر بالمعروف، وأنت امرؤٌ يأمر بالخير. انتهى. وزاد أحمد: فإذا أمذيت؛ اغتسلت، ولأبي داود [4] : فجعلت أغتسل حتَّى يتشقَّق [5] ظهري، وزاد في الرِّواية السَّابقة في باب: «الوضوء من المخرجين» [خ¦178] من وجهٍ آخر: فأحببت أن أسأل، (فَأَمَرْتُ رَجُلًا) هو المقداد بن الأسود، كما في الحديث السَّابق (يَسْأَلَ)، ولغير الأَصيليِّ وابن عساكر [6] : ((أن [7] يسألَ)) (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) فاطمة؛ أي: بسبب كونها تحته [8] ، (فَسَأَلَ) وللحَمُّويي والسَّرخسيِّ: ((فسأله))؛ بالهاء، وعند الطَّحاويِّ من حديث رافع بن خديجٍ: أنَّ عليًّا أمر عمَّارًا أن يسأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المذيِ [9] ، قال: «يغسل مذاكيره»؛ أي: ذكره، وعنده أيضًا عن عليٍّ قال: كنت مذَّاءً وكنت إذا أمذيت؛ اغتسلت، فسألتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهو عند التِّرمذيِّ عنه بلفظ: سألت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عنِ المذي، وجمع ابن حبَّان بينهما؛ بأنَّ عليًّا سأل عمَّارًا، ثمَّ أمر المقداد بذلك، ثمَّ سأل بنفسه، لكن صحَّح ابن بشكوال: أنَّ الذي سأل هو المقداد، وعُورِض: بأنَّه يحتاج إلى برهانٍ، وقد دلَّ ما ذُكِرَ في الأحاديث السَّابقة أنَّ كلًّا منهما قد سأل، وأنَّ عليًّا كذلك سأل، لكن يعكِّر عليه أنَّه استحيا أن يسأل بنفسه؛ لأجل فاطمة، فيتعيَّن الحمل على المجاز بأنَّ الراويَ أطلق أنَّه سأل؛ لكونه الآمر بذلك، (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ)؛ أي: ما أصابه من المذيِ كالبول، ويؤيِّده ما في [10] رواية: ((اغسله))؛ أي: المذي، وكذلك رواية: ((فرجه))؛ والفرج: المخرج، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور [11] ، وأخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبيرٍ قال: إذا أمذى الرَّجل؛ غسل الحشفة وتوضَّأ وضوءه للصَّلاة، واحتجُّوا لذلك [12] : بأنَّ الموجب لغسله إنَّما هو خروج الخارج، فلا تجب المُجاوَزة إلى غير محلِّه، وفي روايةٍ عن مالكٍ وأحمد: يغسل ذكره كلَّه؛ لظاهر الإطلاق في قوله: «اغسل ذكرك» [13] ، وهل غسله كلُّه معقول المعنى أو للتَّعبُّد؟ وأبدى الطَّحاويُّ له حكمًة وهي: أنَّه إذا غسل الذَّكر كلَّه؛ تقلَّص، فبطل خروج المذيِ؛ كما في الضَّرْع إذا غُسِل بالماء البارد؛ يتفرَّق اللَّبن إلى داخل الضَّرْع، فينقطع خروجه، وعلى القول بأنَّه للتَّعبُّد تجب النِّيَّة، واستدلَّ به ابن دقيق العيد على تعيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأنَّ ظاهره تعيُّنُ الغسل، والمُعيَّن لا يقع الامتثال إلَّا به، وصحَّحه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» وصُحِّح في غيره: جواز الاقتصار على [/ج1ص326/] الأحجار؛ إلحاقًا له بالبول، وحمل الأمر بغسله على الاستحباب، أو [14] أنَّه خرج مخرج الغالب، والفعلان بالجزم على الأمر، وهو يشعر بأنَّ المقداد سأل لنفسه، ويحتمل أن يكون سأل لمُبهَمٍ، ويقوِّيه رواية مسلمٍ: فسأل عن المذيِ يخرج من الإنسان، أو لعليٍّ، فوجَّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الخطاب إليه، والظَّاهر أنَّ عليًّا كان حاضرًا للسُّؤال، فقد أطبق أصحاب الأطراف والمسانيد على إيراد هذا الحديث في مُسنَد عليٍّ، ولو حملوه على أنَّه لم يحضر [15] ؛ لأوردوه في مُسنَد المقداد.

ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيُّون، ما عدا أبا الوليد فبصريٌّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، ورواية [16] تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «العلم» [خ¦132] و«الطَّهارة» [خ¦178] ، ومسلمٌ فيها والنَّسائيُّ فيها وفي «العلم» أيضًا.

[1] في هامش (ص): «قوله: «وهو كسر الذَّال»؛ كذا في النُّسخ، ولعلَّه كثير المذي، انتهى. شيخنا العجمي».
[2] في غير (ص) و(م): «أمذى».
[3] «قوله»: ليس في (م).
[4] «ولأبي داود»: سقط من (ص).
[5] في (د) و(ص): «تشقَّق».
[6] قوله: «(يَسْأَلَ)، ولغير الأَصيليِّ وابن عساكر»، مثبتٌ من (م).
[7] «أن»: سقط من (س).
[8] في (د): «تحتي».
[9] «عن المذيِ»: سقط من غير (ب) و(س).
[10] «ما في»: سقط من (ص).
[11] في (د): «المشهور».
[12] في (م): «له».
[13] في هامش (ص): «أعني: توضأ واغسل. صح».
[14] في (م): «و».
[15] في (ب) و(س): «يحضره»
[16] في (ص): «رواته».





269- ( مَذَّاءً ): صيغة مبالغة من المذي، والفعل مَذَى كمضى، وأمذى كأعطى.

( فَأَمَرْتُ رَجُلًا ): هو المقداد كما صُرِّح به في مواضع، وفي رواية للنَّسائيِّ: «أمرت عمَّارًا»، وجُمِعَ بأنَّه أمر كلًّا منهما.

وعند عبد الرَّزاق عن أنس قال: «تذاكر عليٌّ والمقداد وعمَّار المذي، فقال عليٌّ: إنَّني رجل مذَّاء فاسألا عن ذلك النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم».[/ج1ص376/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

269- وبه قال: ((حدثنا أبو الوليد)) : هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري ((قال: حدثنا زائدة)) : هو ابن قُدامة؛ بضمِّ القاف، وتخفيف الدال المهملة الثقفي أبو الصلت الكوفي المتوفى سنة ستين ومئة غازيًا بالروم، ((عن أبي حَصِين)) ؛ بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين، واسمه: عثمان بن عاصم الكوفي التابعي، ((عن أبي عبد الرحمن)) عبد الله بن حَبيب مكبر بن السُّلَمي؛ بضمِّ المهملة، وفتح اللام، مقرئ الكوفة، أحد أعلام التابعين، صام ثمانين رمضانًا، مات سنة خمس ومئة، ((عن علي)) : هو ابن أبي طالب رضي الله عنه ((قال: كنت رجلًا مذَّاء)) ؛ بفتح الميم، وتشديد الذال المعجمة، وبالمد: صيغة مبالغة؛ يعني: كثير المذي، وذكر الموصوف مع صفته تكون لتعظيمه؛ نحو: رأيت رجلًا صالحًا، أو لتحقيره؛ نحو: رأيت رجلًا فاسقًا، ولما كان المذي يغلب على الأقوياء الأصحاء؛ حسن ذكر الرجولية معه؛ لأنَّه يدل على معناها، وراعى في (مذاء) الموصوف؛ كقولك: أنا رجل يأمر بالمعروف، ولو راعى تاء المتكلم؛ لقال: رجلًا أمذى؛ كقوله تعالى: {أُجِيبُ} بعد قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] راعى الياء في {إِنِّي}، ولو راعى {قَرِيبٌ}؛ لقال: يجيب، وكقوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل: 47] ، وعبارة القسطلاني هنا غير محررة، واعترض عليها بعض المصححين في دار الطباعة المصرية، فقال: (انظر ما معناه، ثم إنَّ تنظيره بالآية لا يظهر إلا لو قال: كنت رجلًا أمذى أو يمذي، حتى يقال: إنَّه راع الأول أو الثاني، وأمَّا مع تعبيره بمذاء؛ فلا يصح أن يقال: إنَّه راعى الثاني أو الأول؛ إذ لا يقال خلافه مع كليهما) انتهى؛ فتأمل.

وزاد الحافظ الطحاوي وأحمد عن عليٍّ: (فإذا أمذيت؛ اغتسلت) ، وزاد أبو داود: (فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري) ، وزاد في الرواية السابقة: (فأحببت أن أسأل) : ((فأمرت رجلًا)) يحتمل أنَّه المقداد بن الأسود، ويحتمل أنَّه عمار بن ياسر، ويجوز أن يكون غيرهما، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ فليحفظ؛ لأنَّه قد روى الحافظ الطحاوي من حديث محمَّد ابن الحنفية عن أبيه قال: (كنت أجد مذيًا، فأمرت المقداد) وأخرجه مسلم كذلك.

وأخرج الحافظ الطحاوي أيضًا من حديث رافع بن خَديج: أنَّ عليًّا أمر عمارًا، وأخرجه النسائي أيضًا.

وأخرج الحافظ الطحاوي أيضًا من حديث حَصين بن قُبيصة عن علي قال: (كنت رجلًا مذاء، فسألت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم) ، وأخرجه أبو داود كذلك.

وأخرج الحافظ الطحاوي أيضًا من حديث ابن عباس قال: (قال عليٌّ: كنت رجلًا مذاء، فأمرت رجلًا) فقد علمت أنَّ السائل هو المقداد، وفي بعضها: هو عمار، وفي بعضها: هو علي نفسه، وجمع ابن حبان بين هذه الاختلافات بأنَّ عليًّا سأل عمارًا أن يسأل، ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأل بنفسه.

وروى عبد الرزاق،[/ص281/] عن عائش بن أنس قال: (تذاكر عليٌّ والمقداد وعمار رضي الله عنهم المذي، فقال علي: إنني رجل مذاء، فاسألا عن ذلك النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فسأله أحد الرجلين) ، وقال ابن بشكوال: (إنَّ الذي تولى السؤال عن ذلك هو المقداد) ، وصححه.

وزعم ابن حجر أنَّ على هذا فنسبةُ عمارٍ [1] إلى أنَّه سأل عن ذلك محمولة على المجاز؛ لكونه قصده، لكن تولى المقداد الخطاب، ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (كلاهما كانا مشتركين في هذا السؤال غير أنَّ أحدهما قد سبق به، فيحتمل أن يكون هو المقداد، ويحتمل أن يكون هو عمار) ، وتصحيح ابن بشكوال على أن يكون هو المقداد يحتاج إلى حجة وبرهان، ورد ما ذكر في الأحاديث المذكورة أنَّ كلًّا منهما قد سأل، وأنَّ عليًّا سأل، فلا يحتاج بعد هذا إلى زيادة حشو في الكلام؛ فافهم والله أعلم.

((يسأل النبيَّ)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلَّى الله عليه وسلَّم لمكان ابنته)) ؛ أي: بسبب أنَّ ابنته فاطمة رضي الله عنها كانت تحت نكاحه، وفي رواية مسلم من طريق محمَّد ابن الحنفية، عن عليٍّ: (من أجل فاطمة رضي الله عنها) ؛ أي: لأنَّها زوجته، وفي رواية النسائي عن علي: (كنت رجلًا مذاء، وكانت ابنة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تحتي، فاستحييت أن أسأله) ؛ أي: بنفسه فيما يتعلق بالشهوة.

ففيه: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأنَّ الزوج يستحب له ألَّا يذكر شيئًا يتعلق بجماع النساء والاستمتاع بهن بحضرة أبيها وأخيها وابنها وغيرهم من أقاربها، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: (وفيه: جواز الاستتابة في الاستفتاء، ويؤخذ منه جواز دعوى الوكيل بحضرة موكِّله، وفيه: قبول خبر الواحد، والاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، فإنَّ عليًّا اقتصر على قول السائل مع تمكُّنه من سؤال رسول الله عليه السلام) انتهى؛ فافهم.

((فسأله)) وفي رواية بحذف الهاء؛ أي: عن حكم المذي، زاد أحمد: (فضحك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم) ، والظاهر: أنَّه علم أنَّه من عليٍّ رضي الله عنه، ((فقال)) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: ((توضأ)) ؛ أي: وضوءك للصلاة، كما صُرِّح به في رواية أبي داود وأحمد، وغيرهما، وهو أمر مجزوم خطاب للرجل الذي في قوله: (فأمرت رجلًا) على الخلاف في تفسيره.

وزعم القسطلاني أنَّه حيث استحى عليٌّ أن يسأل بنفسه لأجل فاطمة تعين الحمل على المجاز بأن الراوي أطلق أنَّه سأل؛ لكونه أُمِرَ بذلك.

قلت: قد أخذ هذا من كلام ابن حجر، وهو فاسد؛ لأنَّ الأحاديث التي تقدمت صريحة في أنَّ عليًّا هو الذي سأل بنفسه، منها: ما أخرجه أبو داود من طريق حصين بن قبيصة عن عليٍّ قال: كنت رجلًا مذاء، فسألت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: «إذا رأيت المذي؛ فتوضأ واغسل ذكرك، وإذا رأيت المني؛ فاغتسل»، وأخرجه أحمد، والطبراني، وأخرج الحافظ الطحاوي عن هانئ بن هانئ، عن عليٍّ قال: (كنت رجلًا مذاء، وكنت إذا أمذيت اغتسلت، فسألت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: «فيه الوضوء») فهذا يعين أن يكون عليٌّ هو الذي تولى السؤال بنفسه وهو ظاهر، فأين يتعين الحمل على المجاز؟ وما هو إلا حمل فاسد؛ لأنَّه إذا وجدت الحقيقة والمجاز؛ لا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز، كما هو رأي أهل التحقيق.

و (كون الراوي أطلق...) إلخ بعيد جدًّا؛ لأنَّه لا حاجة له بذلك مع ما يلزم عليه من ارتكاب ما هو مأمون منه، على أنَّ الحياء في الأمور الشرعية مذموم شرعًا، وعليٌّ رابع الخلفاء أحق باتباع الأمور الشرعية؛ فافهم.

((واغسل ذكرك)) أمر مجزوم أيضًا، خطاب للرجل المذكور، فيحتمل أن يكون سأل لنفسه، ويحتمل أن يكون لعليٍّ أو لمبهم، فوقع هنا تقديم الأمر بالوضوء على غسل الذكر، ووقع في «العمدة» عكسه منسوبًا إلى المؤلف، واعترض عليه ورده في «عمدة القاري»، فقال: (لا يرد؛ لأنَّ الواو لا تدل على الترتيب، وقد أخرج الحافظ الطحاوي في روايته تقديم الغسل على الوضوء في رواية رافع بن خَديج عن عليٍّ، فقال عليه السلام: (يغسل مذاكيره ويتوضأ) ، فيجوز تقديم غسله على الوضوء، ويجوز عكسه، ولا أولوية لأحدهما؛ لأنَّ الوارد في الأحاديث غير معين، وظاهرها: أنَّه عليه السلام كان يقدم الوضوء على غسل الذَّكَر كما هو في أكثر الروايات؛ ففيه: دليل على أنَّ مس الذكر غير ناقض للوضوء؛ لأنَّ الغاسل لا بد وأن يمس لاحتياجه إلى الدلك حتى تذهب النجاسة بالكلية؛ فليحفظ؛ فافهم.

وفي رواية للحافظ الطحاوي عن أبي عبد الرحمن، عن عليٍّ: فقال عليه السلام: «توضأ واغسله».

وفي رواية أخرى له عن عليٍّ قال: سئل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن المذي، فقال: «فيه الوضوء»، ومثله عند أحمد.

وروى الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: سألت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن المذي فقال: «من المذي الوضوء، ومن المني الغسل»، قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح) .

وروى الحافظ الطحاوي من حديث ابن الحنفية: فقال عليه السلام: «إنَّ كل فحل يمذي، فإذا كان المني؛ ففيه الغسل، وإذا كان المذي؛ ففيه الوضوء»، وأخرجه مسلم أيضًا، وقال عليه السلام: «يغسل ذكره ويتوضأ».

وأخرج مسلم أيضًا من طريق ابن عباس، عن عليٍّ، وفي رواية أحمد: «فليغسل ذكره وأنثييه»، وأخرجه النسائي، وابن ماجه، والترمذي.

قال في «عمدة القاري» بعد سرده لهذه الأحاديث: (فهذا كما رأيت هذا الاختلاف فيه، ولكن لا خلاف في وجوب الوضوء ولا خلاف في عدم وجوب الغسل) انتهى.

وزعم ابن حجر فقال: (والظاهر أنَّ عليًّا كان حاضرًا السؤال؛ فقد ذكر أصحاب المسانيد والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند علي، ولو حملوه على أنَّه لم يحضر؛ لأوردوه في مسند المقداد، ويؤيده ما في رواية النسائي عن علي: فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله، فسأله) انتهى.

قلت: وهذا فاسد؛ لأنَّه لا يلزم من ذكر أصحاب المسانيد هذا الحديث في مسند علي أن يكون علي حاضرًا، ولا يلزم من عدم حملهم له على أنَّه لم يحضر ذكره في مسند المقداد؛ لأنَّ الأحاديث التي علمتها مطلقة لا تعين السائل، غاية الأمر فيها أنَّ السائل إمَّا عليٌّ نفسه، أو عمار، أو المقداد، فهذا الكلام فاسد، كما لا يخفى.

وما ذكره من رواية النسائي من التأييد لكلامه مردود عليه؛ لما أخرجه الحافظ الطحاوي عن أبي عبد الرحمن، عن علي قال: (كنت رجلًا مذاء، وكانت عندي ابنة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأرسلت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم...) ؛ الحديث، فهذا يعين أنَّ عليًّا لم يكن حاضرًا، لا سيما وقد سبق في الأحاديث أنَّه كان يستحي من سؤاله عليه السلام، فكيف يحضر حين السؤال؟ وما هو إلا كلام بعيد جدًّا؛ فافهم.

قال الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (لم يكن أمره عليه السلام بغسل ذكره؛ لإيجاب غسله كله، ولكن ليتقلص؛ أي: ليتروى وينضم ولا يخرج، كما إذا كان له هوى وله لبن، فإنَّه ينضح ضرعه بالماء؛ ليتقلص ذلك منه فلا يخرج) .

قال صاحب «عمدة القاري»: (من خاصية الماء البارد أنَّه يقطع اللبن ويرده إلى داخل الضرع، وكذلك إذا أصاب الأنثيين؛ رد المذي وكسره) .

ثم قال الحافظ الطحاوي: (وقد جاءت الآثار متواترة في ذلك، فروي منها حديث ابن عباس، عن علي، وقد ذكرناه وعن غير ابن عباس، عن علي، ثم قال: (أفلا ترى أنَّ عليًّا لما ذكر عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ما أوجب عليه في ذلك وضوء الصَّلاة، فثبت بذلك أنَّ ما كان سوى وضوء الصَّلاة مما أمره به، فإنَّما كان لغير المعنى الذي أوجب وضوء الصَّلاة، وقد روى سهل بن حنيف عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما دل على هذا، ولفظه: أنَّه سأل النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن المذي، فقال: «فيه الوضوء».

قال أبو جعفر: (فأخبر أنَّ ما يجب فيه هو الوضوء، وذلك ينفي أن يكون عليه مع الوضوء غيره) ، وأخرج الترمذي هذا الحديث أيضًا، ولفظه: (كنت ألقى من المذي شدة وعناء، فكنت أكثر منه الغسل، فذكرت ذلك للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وسألته عنه، فقال: «إنَّما يجزئك من ذلك الوضوء»، قلت: يا رسول الله؛ كيف بما يصيب ثوبي منه، فقال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك حيث ترى أنَّه أصاب منه»، ثم قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) ، وأخرجه ابن ماجه أيضًا.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال: (هو المني والمذي والودي، فأمَّا المذي والودي؛ فإنَّه يغسل ذكره ويتوضأ، وأمَّا المني؛ ففيه الغسل) ، وأخرجه الحافظ الطحاوي من طريقين حسنين جيدين، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه.

وروي أيضًا عن الحسن: (أنَّه يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة) .

وروي عن سَعِيْد بن جبير قال: (إذا أمذى الرجل؛ غسل الحشفة وتوضأ وضوءه للصلاة) ، [/ص282/] وأخرج ابن أبي شيبة نحوه، وهذا مذهب الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف رضي الله عنهما، وذهب الزُّهري إلى أنَّه يجب غسل جميع الذكر إذا أمذى وإذا بال.

وروي عن أحمد: أنَّه لا يجب الاستنجاء والوضوء، وروي عنه: أنَّه يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء وهي الأصح، وعند مالك خلاف، والأصح أنَّه يجب الوضوء منه، ويجب غسله؛ لنجاسته، ومذهب الشافعي كمذهبنا، وروي عن سلمان بن ربيعة الباهلي أنَّه تزوج امرأة من بني عقيل، فكان يأتيها فيلاعبها فيمذي، فسأل عمر بن الخطاب عن ذلك، فقال: (إذا وجدت الماء؛ فاغسل فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة) ، فيحتمل كما قال صاحب «عمدة القاري» أنَّه أمر بغسل الأنثيين لرد المذي وكسره، أو لاحتمال إصابة شيء منه.

واستدل ابن دقيق العيد بالحديث على تعيين الماء فيه دون الأحجار ونحوها أخذًا بالظاهر، ووافقه النووي على ذلك في «شرح مسلم»، وخالفه في باقي كتبه، وحمل الأمر بالغسل على الاستحباب.

قلت: وهذا هو المعروف عندهم، وعند المالكية لا يجزئ فيه الحَجَر.

ومن أحكام هذا الحديث: دلالته على نجاسة المذي وهو ظاهر، ونقل عن ابن عباس الحنبلي أنَّه خرَّج من قول بعضهم: (إنَّ المذي من أجزاء المني) رواية بطهارته، ورد عليه بأنَّه لو كان كذلك؛ لوجب الغسل منه؛ فليحفظ.

واستدل بقوله: (توضأ) على أنَّ الغسل لا يجب بخروجه، وصرح بذلك في رواية أبي داود وغيره وهو بالإجماع.

واستدل به أيضًا: على وجوب الوضوء على من به سلس المذي؛ للأمر بالوضوء مع الوضوء بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة، ورُدَّ بأنَّ الكثرة هنا ناشئة عن غلبة الشهوة مع صحة الجسم بخلاف صاحب السلس، فإنَّه ينشأ عن علة في الجسد.

وقد يقال: لما أمر الشارع بالوضوء منه ولم يفصل؛ دل على عموم الحكم، ورُدَّ بأنَّه لا رخصة عند أحد من علماء المسلمين في المذي الخارج عن صحة، فكلهم يوجبون [2] الوضوء منه وهو سنة مجمع عليها، ولما صح الإجماع في وجوب الوضوء منه؛ لم يبق إلا أن تكون الرخصة في خروجه عن فساد وعلة، فإذا كان خروجه كذلك؛ فلا وضوء ما دام في الوقت؛ لأنَّ ما لا يرقأ ولا ينقطع لا وجه للوضوء منه في الوقت، فإذا خرج الوقت؛ انتقض وضوءه؛ لأنَّه صار صاحب عذر؛ فليحفظ.

واستدل بالحديث: على قبول خبر الواحد، وعلى جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، كما قدمناه، ونظر فيه ابن حجر فزعم أنَّ السؤال كان بحضرة علي، ولو صح أنَّه كان في غيبته؛ لم يكن دليلًا على المدَّعي؛ لاحتمال وجود القرائن التي تحفُّ الخبر فترقيه عن الظن إلى القطع.

وردَّه ابن دقيق العيد: بأنَّ المراد الاستدلال به على قبول خبر الواحد مع كونه واحدًا في صورة من الصور التي تدل وهي حجة بجملتها، لا بفرد معين فيها.

قلت: ونظره فاسد، فإنَّ قوله: (إنَّ السؤال كان بحضرة عليٍّ) ممنوع؛ لما علمت من الأحاديث أنَّه كان بغيبته.

وقوله: (ولو صح...) إلخ، نعم؛ قد صح أنَّه كان في غيبته.

وقوله: (لم يكن دليلًا...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه على كل حال لما اقتصر علي رضي الله عنه على قول المقداد مع تمكنه من سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بنفسه؛ دل على أنَّه قادر، فالقدرة مقطوع بها، وقول المقداد مظنون، وقد اعتمد عليه، ولا قرينة توجد حتى تحق الخبر..إلخ، فإنَّها غير موجودة.

غاية الأمر أنَّه قد اختلف في السائل، فالاختلاف فيه ليس بقرينة، كما لا يخفى، وقد يظهر أنَّ هذا هو الصواب؛ فافهم.

[1] في الأصل: (عمارًا)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (يوجبوا)، ولعل المثبت هو الصواب.