متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

267- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة والمعجمة المُشدَّدة، المعروف ببندارٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد بن إبراهيم [1] ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ [2] ، (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بالياء بعد [/ج1ص324/] العين، هو القطَّان، كلاهما [3] (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ) بضمِّ الميم وسكون النُّون وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر المُعجَمة (عَنْ أَبِيهِ) محمَّدٍ (قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ)؛ أي: ذكرت لها قول ابن عمر: «ما أحبُّ أن أصبح محرمًا أنضح [4] طيبًا»، الحديث الآتي _إن شاء الله تعالى_ باب «غسل المذي» [5] [خ¦269] ، واختصره هنا؛ للعلم بالمحذوف عند أهل هذا الشَّأن، أو رواه كذلك، (فَقَالَتْ) عائشة: (يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) تريد عبد الله بن عمر، وفي ترحمُّها له إشعارٌ بأنَّه سها فيما قاله في بيان [6] النضح [7] ، وغفل عن فعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ [8] صلى الله عليه وسلم فَيَطُوفُ)؛ أي: يدور (عَلَى نِسَائِهِ)؛ أي: في غسلٍ واحدٍ، وهو _أي: قوله: «يطوف» [9] _ كنايةٌ عن الجماع، أو [10] المراد: تجديد العهد بهنَّ، كما ذكره الإسماعيليُّ، لكنَّ قوله في الحديث الثَّاني [خ¦268] : «أُعطِيَ قوَّة ثلاثين» يدلُّ على إرادة الأوَّل (ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ)؛ بالخاء المُعجَمة وفتح أوَّله وثالثه المُعجَم أو بالحاء المُهمَلة؛ أي: يرشُّ (طِيبًا)؛ أي: ذَرِيرةً [11] ؛ بالنَّصب على التَّمييز.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فيطوف على نسائه»، وفيه: أنَّ غسل الجنابة ليس على الفور، وإنَّما يتضيَّق عند إرادة القيام إلى الصَّلاة، ورواته السَّبعة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في الباب الذي يليه [خ¦268] ، ومسلمٌ في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة»، وبقيَّة مباحثه تأتي إن شاء الله تعالى.

[1] «بن إبراهيم»: ليس في (ص) و(م).
[2] زيد في (ص) و(م): «واسم أبي عديٍّ: إبراهيم».
[3] في هامش (ص): «قوله: «كلاهما»: ينبغي أن يثبت في القراءة قبل قوله: «عن شعبة» لفظ «كلاهما»؛ لأنَّ كلًّا من ابن أبي عديٍّ ويحيى رواه عن شعبة، وحذف (كلاهما) في الخطِّ اصطلاحٌ. عجمي».
[4] في (ب) و(م): «أنضخ».
[5] «غسل المذيِ»: سقط من غير (ب) و(س).
[6] في (س): «شأن».
[7] في (ب) و(م): «النضخ».
[8] في (د): «النَّبيَّ».
[9] «أي: قوله: يطوف»: مثبتٌ من (م)، وزيد في (ص): «يطوف» فقط.
[10] في (ب): «و».
[11] في هامش (ص): «الذَّرِيرة: بذالٍ مُعجَمةٍ: نوعٌ من الطِّيب مجموعٌ من أخلاطٍ؛ كذا في «النِّهاية»، انتهى».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

267-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، قالَ: حدَّثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَيَحْيَىَ بنُ سَعِيدٍ، عن شُعْبَةَ، عن إِبْراهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ المُنْتَشِرِ، عن أَبِيهِ، قالَ: ذَكَرْتُهُ لِعائشَةَ فقالتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَطُوفُ علىَ نِسائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ [1] طِيبًا.

[1] بهامش اليونينية: عند [عط] : بالخاء المعجمة والحاء المهملة.اهـ.





267- ( يَنْضخُ طيبًا ) بضاد معجمة تكسر وتفتح، وخاء تهمل وتعجم.


267# (يَنْضَخُ طِيبًا) بضاد معجمة تكسر وتفتح، وخاء تعجم [1] وتهمل.

[1] في (ق): ((معجمة)).





267- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تقدَّم مرَّات أنَّه بالموحَّدة المفتوحة، ثُمَّ شين معجمة مشدَّدة، بندار الحافظ، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ): هو محمَّد بن إبراهيم [1] بن أبي عديٍّ السُّلميُّ البصريُّ القَسمليُّ؛ لأنَّه نزل في القساملة، أبو عَمرو، عن حميد الطَّويل، وحسين المعلِّم، وابن عون، وحبيب بن الشَّهيد، وخالد الحذَّاء، وخلق، وعنه: أحمد، وابن مَعِين، والفلَّاس، وأحمد بن سنان [2] القطَّان، وخلق، وثَّقه أبو حاتم، والنَّسائيُّ، وغيرهما، قال ابن سعد: مات بالبصرة سنة (194 هـ ) ، زاد غيره: في ربيع الآخر، أخرج له الجماعة.

قوله: (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ): هذا هو القطَّان، تقدَّم مرارًا، حافظ العصر الذي قال فيه أحمد ابن حنبل: ما رأت عيناي مثل يحيى بن سعيد القطَّان.

قوله: (أَبَا عَبْدِ الرَّحمن): هذا المشار إليه هو عَبْد الله بن عُمر بن الخطَّاب أبو عَبْد الرَّحمن، وسيأتي في (باب من تطيَّب، ثُمَّ اغتسل وبقي أثر الطِّيب) ما يوضِّحه لك.

قوله: (يَنْضَخُ [3] طِيبًا): هو بالضَّاد المعجمة المفتوحة والمكسورة، وكذا إِذَا قلنا: إنَّه بالحاء المهملة؛ ففي ضاده الفتح والكسر، وهو بالخاء المعجمة في أصلنا، قال ابن الأثير: في نضح -يعني: بالحاء المهملة- ينضح طيبًا؛ أي: يفوح، والنَّضوح؛ بالفتح: ضرب من الطِّيب تفوح رائحته، وأصل النَّضح: الرَّشح، فشبَّه كثرة ما يفوح من لحيته بالرَّشح، قال: ورُوِي: بالخاء المعجمة... إلى آخر كلامه، وقال في «المطالع»: («ينضخ طيبًا»: النَّضخ؛ بالخاء المعجمة: كاللَّطخ يبقى له أثر، قال ابن قتيبة: وهو أكثر من النَّضح؛ بالحاء المهملة، ولا يقال مِنْهُ: نضخت، وقد يكون معنى الحديث على هذا: يقطر ويسيل منه الطِّيب، كما جاء في حديث محمَّد بن عروة: وقد لطخ لحيته بالغالية، وجعل أبوه يقول له: قطرتْ قطرتْ، وقد ذكرنا قول من قال: إنَّه فيما ثخن بالخاء؛ كالطِّيب، وبالحاء: فيما رقَّ؛ كالماء، وقيل: النَّضخ والنَّضح سواء، وقيل في قوله تعالى: {نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: 66] : فوَّارتان بكلِّ خير، وحَكى ابن دريد والهرويُّ أنَّ «النَّضخ»؛ بالخاء أقلُّ من «النَّضح»؛ بالحاء؛ خلافًا لابن قتيبة، قال ابن سِراج: وأكثر أهل العلم باللُّغة على خلاف هذا، وقال ابن الأعرابيِّ: النَّضح: ما تعمَّده الإنسان، والنَّضخ: ما لَمْ يتعمَّده؛ مثل: أنَّ تطأ ماء فينتضخ عليك أو بولًا، وقال ابن كيسان: بالمهملة؛ لما رقَّ؛ كالماء، وبالمعجمة؛ لما ثخن؛ كالطيب، قال ابن سِراج: بالمعجمة لما يبقى له أثر؛ كاللطخ) انتهى لفظه.

[1] (بن إبراهيم): سقطت من (ب) .
[2] في (ب): (شيبان) ، وهو تحريفٌ.
[3] في هامش (ق): (قال الجوهري: نضح؛ بالحاء المهملة، ينضح؛ بالكسر، وينضخ؛ بالخاء المعجمة بالفتح) .





لا تتوفر معاينة

267- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة والمعجمة المُشدَّدة، المعروف ببندارٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد بن إبراهيم [1] ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ [2] ، (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بالياء بعد [/ج1ص324/] العين، هو القطَّان، كلاهما [3] (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ) بضمِّ الميم وسكون النُّون وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر المُعجَمة (عَنْ أَبِيهِ) محمَّدٍ (قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ)؛ أي: ذكرت لها قول ابن عمر: «ما أحبُّ أن أصبح محرمًا أنضح [4] طيبًا»، الحديث الآتي _إن شاء الله تعالى_ باب «غسل المذي» [5] [خ¦269] ، واختصره هنا؛ للعلم بالمحذوف عند أهل هذا الشَّأن، أو رواه كذلك، (فَقَالَتْ) عائشة: (يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) تريد عبد الله بن عمر، وفي ترحمُّها له إشعارٌ بأنَّه سها فيما قاله في بيان [6] النضح [7] ، وغفل عن فعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ [8] صلى الله عليه وسلم فَيَطُوفُ)؛ أي: يدور (عَلَى نِسَائِهِ)؛ أي: في غسلٍ واحدٍ، وهو _أي: قوله: «يطوف» [9] _ كنايةٌ عن الجماع، أو [10] المراد: تجديد العهد بهنَّ، كما ذكره الإسماعيليُّ، لكنَّ قوله في الحديث الثَّاني [خ¦268] : «أُعطِيَ قوَّة ثلاثين» يدلُّ على إرادة الأوَّل (ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ)؛ بالخاء المُعجَمة وفتح أوَّله وثالثه المُعجَم أو بالحاء المُهمَلة؛ أي: يرشُّ (طِيبًا)؛ أي: ذَرِيرةً [11] ؛ بالنَّصب على التَّمييز.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فيطوف على نسائه»، وفيه: أنَّ غسل الجنابة ليس على الفور، وإنَّما يتضيَّق عند إرادة القيام إلى الصَّلاة، ورواته السَّبعة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في الباب الذي يليه [خ¦268] ، ومسلمٌ في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة»، وبقيَّة مباحثه تأتي إن شاء الله تعالى.

[1] «بن إبراهيم»: ليس في (ص) و(م).
[2] زيد في (ص) و(م): «واسم أبي عديٍّ: إبراهيم».
[3] في هامش (ص): «قوله: «كلاهما»: ينبغي أن يثبت في القراءة قبل قوله: «عن شعبة» لفظ «كلاهما»؛ لأنَّ كلًّا من ابن أبي عديٍّ ويحيى رواه عن شعبة، وحذف (كلاهما) في الخطِّ اصطلاحٌ. عجمي».
[4] في (ب) و(م): «أنضخ».
[5] «غسل المذيِ»: سقط من غير (ب) و(س).
[6] في (س): «شأن».
[7] في (ب) و(م): «النضخ».
[8] في (د): «النَّبيَّ».
[9] «أي: قوله: يطوف»: مثبتٌ من (م)، وزيد في (ص): «يطوف» فقط.
[10] في (ب): «و».
[11] في هامش (ص): «الذَّرِيرة: بذالٍ مُعجَمةٍ: نوعٌ من الطِّيب مجموعٌ من أخلاطٍ؛ كذا في «النِّهاية»، انتهى».





267- ( ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ ) يقال في القراءة: كلاهما عن شعبة، وإنَّما تحذف «كلاهما» من الخط كـ «قال».

( ذَكَرْتُهُ ): أي قول ابن عمر رضي الله عنهما الآتي بعد باب. [خ:270]

( يَنْضَخُ ): بفتح أوَّله والضَّاد المعجمة آخره مهملة.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

267- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا محمَّد بن بَشار)) ؛ بفتح الموحدة، والشين المعجمة، المعروف ببُندار ((قال: حدثنا ابن أبي عدي)) : هو محمَّد بن إبراهيم، مات بالبصرة سنة أربع وتسعين ومئة ((ويحيى بن سَعِيْد)) ؛ بكسر العين المهملة، بعدها تحتية: هو القطان؛ كلاهما يروي ((عن شعبة)) : هو ابن الحجاج، قال في «عمدة القاري»: ((وفيه بين قوله: (ويحيى بن سَعِيْد) وبين (شعبة) لفظة (كلاهما) مقدرة؛ لأنَّ كلًّا من ابن أبي عدي ويحيى روى عن شعبة هذا الحديث، وحذفت من الكتابة؛ للاصطلاح ولكن عند القراءة ينبغي أن تثبت)) انتهى؛ فافهم، ((عن إبراهيم بن محمَّد بن المُنْتَشِر)) ؛ بضمِّ الميم، وسكون النون، وفتح المثناة الفوقية، وكسر الشين المعجمة، ((عن أبيه)) : هو محمَّد المذكور بن أبي مسروق الكوفي الوداعي ((قال: ذكرته)) ؛ أي: ذكرت قول ابن عمر ((لعائشة)) رضي الله عنها، ولفظه في حديثه الآخر الذي يأتي: (سألت عائشة رضي الله عنها) ، وذكر لها قول ابن عمر: (ما أحب أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا) ، فقالت عائشة: (أنا طيبت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم...) ؛ الحديث.

وقد بيَّن مسلم أيضًا في روايته عن محمَّد بن المنكدر قال: (سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب، ثم يصبح محرمًا...) ؛ فذكره، وزاد: قال ابن عمر: (لأن أطلى بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك) ، وكذا ساقه الإسماعيلي بتمامه عن الحسن بن سفيان، عن محمَّد بن بشار، كذا قاله في «عمدة القاري».

وزعم الكرماني وتبعه ابن حجر أنَّ قوله: (ذكرته) ـ أي: قول ابن عمر: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا ـ وكنى بالضمير عنه؛ لأنَّه معلوم عند أهل هذا الشأن.

ورده إمام الشارحين في «عمدة القاري» قال: قلت: هذا كلام عجيب، فالوقوف على مثل هذا مختص بأهل هذا الشأن، فإذا وقف أحد من غير أهل هذا الشأن على هذا الحديث؛ يتحير، فلا يدري أي شيء يرجع إليه الضمير في قوله: (وذكرته) ، وكان ينبغي للبخاري بل كان المتعين عليه أن يقدم رواية أبي النعمان هذا الحديث على رواية محمَّد بن بشار؛ لأنَّ رواية أبي النعمان ظاهرة، والذي يقف على رواية ابن بشار بعد وقوفه على رواية أبي النعمان لا يتوقف في مرجع الضمير، ويعلم أنَّه يرجع إلى قول ابن عمر رضي الله عنهما.

وزعم ابن حجر والكرماني أيضًا (فكأنَّ المصنف اختصره؛ لكون المحذوف معلومًا عند أهل الحديث في هذه القضية) .

ورده إمام الشارحين فقال: (قلت: فعلى هذا؛ كان يتعين ذكره بعد ذكر رواية أبي النعمان، كما ذكرنا) انتهى.

وزعم العجلوني فقال: (المراد في هذا على أهل هذا الشأن، فإنَّهم المرجوع إليهم في مثله في كل أوان؛ فليندفع جميع ما أورده وكثيرًا ما يحيل العلماء في كل فن على توقيف أربابه) .

قلت: وهذا مردود، فإنَّه ليس كما قال، فإنَّ أهل هذا الشأن يجب عليهم بيان المعاني والضمائر لهذه المتون وأين مرجعها ومعاني اللغة وغير ذلك، ولهذا وضع العلماء الشروح على المتون، ووضعوا عليها حواشي وعلى الحواشي حواشي، وما هذا إلا لأجل فهم المعاني ومرجع الضمائر وغير ذلك، فلو لم يكن ذلك؛ لوقع الناس والطلبة والعلماء أيضًا في الحيرة والخبط والخلط، فكيف يقول هذا القائل: (المراد في هذا على أهل هذا الشأن) وما هذا إلا كلام من ليس له ذوق في علم التعليم؟

وقوله: (فإنهم المرجوع إليهم...) إلخ ليس كذلك؛ لأنَّ علم الحديث ليس هو علم فتوى، ولا علم فرائض، ولا غيره حتى يرجع إلى أهله، وإنَّما المرجوع إليهم أهل الفقه والفرائض؛ لأجل بيان أحكام الله عز وجل، ألا ترى أنَّه لو سئل سائل عن حكم؛ لا يجوز لأحد من الناس أن يستنبط من الحديث هذا الحكم ويجيبه فيه؛ لأنَّ هذا مخصوص بالمجتهد، وهو مفقود في هذه الأزمان، بل الموجود الأحكام التي استنبطها المجتهد الموافقة للصواب.

وقوله: (فليندفع جميع ما أورده) ليس كذلك، بل جميع ما أورده هذا الإمام هو الصواب.

وقوله: (وكثيرًا ما يحيل...) إلخ ليس كذلك، فإنَّ القليل من العلماء لا يحيل أصلًا، بل يبين المعاني بأتم مرام، فكيف الكثير؟ فإنَّهم أحق بالبيان، بل الواجب عليهم ذلك، وإذا سكت عن معنًى ولم يسأل عنه ومات على ذلك؛ فيدخل تحت الوعيد المذكور في الحديث، كما لا يخفى؛ فافهم.

((فقالت)) أي: عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما: ((يرحم الله أبا عبد الرحمن)) ؛ تعني: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وترحمت له؛ إشعارًا بأنَّه سهى فيما قاله من عدم محبته أن يصبح ينضخ طيبًا، وقد غفل عن فعل النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّه لو استحضره؛ لما قال ما قال، ومقول فقالت: ((كنت أطيب النبيَّ)) الأعظم، وفي أكثر الروايات: (رسول الله) ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ أي: لأجل الإحرام أو للنساء كما يأتي، وجملة (يرحم الله أبا عبد الرحمن) معترضة، ويحتمل أن تكون مقولة لها أيضًا (فقالت) وتركت العاطف في الثاني؛ لإرادة التعداد أو لتقديره، ((فيطوف)) أي: فيدور النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((على نسائه)) الطاهرات؛ أي: يقضي معهن حاجته من جماعهن جميعًا بغسل واحد، ولهذا قال في «عمدة القاري»: (القرينة دلت على أنَّ المراد هو الجماع، والدليل عليه قوله في حديث أنس الذي يأتي: (كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار) انتهى.

ثم قال: ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: «فيطوف على نسائه»، وقال الإسماعيلي: يحتمل أن يراد به الجماع، ويحتمل أن يراد به تجديد العهد بهن.

قال في «عمدة القاري»: قلت: الاحتمال الثاني بعيد، والمراد به: الجماع،[/ص278/] يدل عليه الحديث الثاني الذي يليه، فإنه ذكر فيه أنه أعطي قوة ثلاثين، واعلم أن نسخ البخاري مختلفة في تقديم حديث أنس على حديث عائشة وعكسه، ومشى الداودي على تقديم حديث عائشة، وكذا ابن بطال في «شرحه»، انتهى.

قلت: ومشى على هذا إمام الشارحين بدر الدين شيخ الإسلام في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر والقسطلاني والعجلوني، وتبعهم العبد الضعيف جامع هذه الأوراق.

((ثم يصبح محرمًا يَنْضَخ)) ؛ بفتح التحتية أوله، بعدها نون ساكنة، وفتح الضاد المعجمة، بعدها خاء معجمة؛ أي: يفور، ومنه قوله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: 66] ، وهذا هو المشهور، وضبطه بعضهم بالحاء المهملة، قال الإسماعيلي: وكذا ضبطه عامة من حدثنا وهما متقاربان في المعنى، وقال ابن الأثير: وقد اختلف في أيهما أكثر، والأكثر بالمعجمة، والأقل بالمهملة، وقيل: المعجمة: الأثر يبقى في الثوب والجسد، وبالمهملة: الفعل نفسه، وقيل: بالمعجمة: ما قيل متعمدًا، وبالمهملة من غير تعمُّد، وذكر صاحب «المطالع» عن ابن كيسان أنَّه بالمهملة: لما رق؛ كالماء، وبالمعجمة: ما ثخن؛ كالطيب.

وقال النووي: هو بالمعجمة أكثر من المهملة، وقيل: عكسه.

وقال ابن بطال: من رواه بالخاء المعجمة؛ كالنضخ عند العرب؛ كاللطخ، يقال: نضخ ثوبه بالطيب، هذا قول الخليل، وفي كتاب «الأفعال»: (نضخت العين بالماء نضخًا –بالمعجمة-؛ إذا فارت، واحتج بقوله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَان}، ومن رواه بالحاء المهملة؛ فقال صاحب «العين»: نَضحتِ العينُ بالماء؛ إذا رأيتها تفور، وكذلك العين الناظرة إذا رأيتها معروفة، كذا في «عمدة القاري»، وقيل: النضخ؛ بالإعجام: الرش، مثل النضح؛ بالإهمال.

قلت: وهو قليل نادر في اللغة، ولهذا قال الأصمعي: (النضخ: بالمعجمة أكثر من النضح بالمهملة؛ فافهم) ، والله أعلم.

وقوله: ((طيبًا)) ؛ بالنصب على التمييز؛ ومعناه: يفور طيبًا، قال في «عمدة القاري»: (ففيه: دلالة على استحباب الطيب عند الإحرام، وأنه لا بأس به إذا استدام بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداره في الإحرام، وهذا مذهب الإمام أبي يوسف، والثوري، والشافعي، وأحمد ابن حنبل، وداود، وغيرهم، وبه قال جماعة من الصحابة، والتابعين، وجماهير المحدثين، والفقهاء، فمن الصحابة: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة رضي الله عنهم أجمعين، وقال آخرون بمنعه؛ منهم: الإمام محمَّد بن الحسن، والزُّهري، ومالك، وحكي عن جماعة من الصحابة، والتابعين، وادَّعى بعضهم أن هذا التطيُّب كان للنساء لا للإحرام، وادعى أن في هذه الرواية تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: فيطوف على نسائه ينضح طيبًا؛ ثم يصبح محرمًا، وجاء ذلك في بعض الروايات، والطيب يزول بالغسل لا سيما أنه ورد أنه كان يغتسل عند كل واحدة منهن، وكان هذا الطيب ذريرة، كما أخرجه البخاري في (اللباس) ، وهو ما يذهبه الغسل، ويقويه رواية البخاري الآتية قريبًا: (طيبت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا) ، وروايته الآتية: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرقه وهو محرم) ، وفي بعض الروايات: (بعد ثلاث) ، وقال القرطبي: هذا الطيب كان دهنًا، له أثر فيه مسك، فزال وبقيت رائحته، وادَّعى بعضهم خصوصيته ذلك بالشارع، فإنه أمر صاحب الجبة بغسله.

قلت: وأجيب بأن الأصل عدم الخصوصية، ولعله أمره لمن ذكر بالغسل؛ مخافة أن ينزعها، ثم يلبسها، أو لأنَّه لا يسن له تطيب الثوب والبدن قبل الإحرام، كما سيأتي في محله.

وقال المهلب: (السنة اتخاذ الطيب للنساء والرجال عند الجماع، فكان عليه السلام أملك لإربه من سائر أمته، فلذلك كان لا يتجنب الطيب على الإحرام، ونهانا عنه؛ لتعففنا عن ملك الشهوات؛ إذ الطيب من أسباب الجماع.

وفيه: الاحتجاج لمن لا يوجب الدلك في الغُسل؛ لأنَّه لو كان ذلك لم ينضخ منه الطيب، ورده في «عمدة القاري» فقال: (قلت: يجوز أن يكون دلكه، لكنه بقي وبيصه، والطيب إذا كان كثيرًا ربما غسله، فيذهب، ويبقى وبيصه.

وفيه: عدم كراهة كثرة الجماع عند النظافة، وفيه: عدم كراهة التزوج بأكثر من واحدة إلى أربع.

وفيه: أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق على الإنسان عند القيام إلى الصَّلاة، وهذا بالإجماع، والسبب في وجوب الغسل: الجنابة مع إرادة القيام إلى الصَّلاة، كما أن سبب الوضوء: الحدث مع إرادة القيام إلى الصَّلاة، وليس الجنابة وحدها، كما زعمه بعض الشافعية، وإلا؛ يلزم أن يجب الغسل عقيب الجماع، والحديث ينافي هذا، ولا مجرد إرادة الصَّلاة، وإلا؛ يلزم أن يجب الغسل بدون الجنابة [1] ، انتهى، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (الغسل)، ولعل المثبت هو الصواب.