متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

266- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين، الوضَّاح اليشكريُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) بسكون العين (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت: ((ابنة)) (الْحَارِثِ) رضي الله عنها [1] ، (قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ [2] اللهِ صلى الله عليه وسلم غُسْلًا) هو: الماء الذي يُغتَسَل به، وبالفتح: المصدر، وبالكسر: اسم ما يغتسل به، كالسِّدر ونحوه (وَسَتَرْتُهُ) «بثوبٍ» كما في الحديث الآتي _إن شاء الله تعالى_ في باب «نفض اليدين من الغسل من الجنابة» [خ¦276] ؛ أي: غطَّيت رأسه، فأراد صلى الله عليه وسلم الغسل فكشف رأسه فأخذ الماء (فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ) منه (فَغَسَلَهَا [3] مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) شكٌّ مِنَ الرَّاوي، والمُراد بـ: «اليد»: الجنس، فتصحُّ [4] إرادة كلتيهما، وفاءُ «فصبَّ» عَطْفٌ [5] على محذوفٍ _كما مرَّ_، قال أبو عَوانة: (قَالَ سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش: (لَا أَدْرِي أَذَكَرَ) أي: سالم بن أبي الجعد (الثَّالِثَةَ [6] أَمْ لَا؟) نعم؛ في رواية عبد الواحد عن الأعمش السَّابقة [خ¦257] : «فغسل يديه مرَّتين أو ثلاثًا»، فإن قلت: وقع في رواية ابن فُضَيْلٍ عنِ الأعمش فيما أخرجه أبو عَوانة في «مُستخرَجه»: «فصبَّ على يديه ثلاثًا»، فلم يشكَّ، فكيف الجمع بينهما؟ أُجيب: باحتمال أنَّ الأعمش كان يشكُّ فيه ثمَّ تذكَّر فجزم؛ لأنَّ سماع ابن فُضيلٍ منه متأخِّرٌ، (ثُمَّ أَفْرَغَ) عليه الصلاة والسلام (بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالْحَائِطِ) شكٌّ مِنَ [7] الرَّاوي، وهو محمولٌ على أنَّه [8] كان في يده أذًى؛ فلذلك دلك يده بالأرض وغسلها قبل إدخالها، وفيه: أنَّ تقديم الاستنجاء أَوْلى، وإن جاز [9] تعذَّر [10] تأخُّره [11] ؛ لأنَّهما طهارتان مختلفتان (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) بالتَّاء أوَّله، وللأَصيليِّ: ((مضمض)) (وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى) من مكانه (فَغَسَلَ) بالفاء للأكثر، ولأبي ذَرٍّ: ((وغسل)) (قَدَمَيْهِ)، قالت ميمونة: (فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً) لينشِّف بها جسده الشَّريف (فَقَالَ)؛ أي: أشار عليه الصلاة والسلام (بِيَدِهِ هَكَذَا)؛ أي: لا أتناولها (وَلَمْ يُرِدْهَا) بضمِّ أوَّله وسكون ثالثه، مِنَ الإرادة، مجزومٌ بحذف الياء [12] ، وما حكاه في «المطالع» مبهِمًا ناقله من فتح أوَّله وتشديد ثالثه عن [13] رواية القابسيِّ؛ فتصحيفٌ يفسد المعنى، وعند الإمام أحمد من حديث أبي عَوانة: فقال: بيده [14] هكذا؛ أي: لا أريدها، وقد تقدَّم في باب «المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة» ما في التَّنشيف [خ¦259] ، فليُراجَع من ثَمَّ.

[1] في هامش (ص): « رضي الله عنهم ».
[2] في (د): «النبيِّ».
[3] في (د): «عَلَى يَدِيهِ منه فغسلهما».
[4] في (د) و(م): «فيصح».
[5] في (د) و(ص): «معطوف».
[6] في (د): «أو».
[7] «من»: سقط من (م).
[8] في (د): «على ما إذا».
[9] «جاز»: مثبتٌ من (د) و(م).
[10] «تعذَّر»: سقط من (د).
[11] في (ص): «تأخيره».
[12] في هامش (ص): «قوله: «مجزومٌ بحذف الياء»: فيه نظرٌ ظاهرٌ؛ لأنَّه صحيح الآخر لا مُعتلُّه، وقد يُقال: «الباء» بمعنى: مع؛ أي: إنَّه مجزومٌ بالسُّكون مع حذف الياء؛ لالتقاء السَّاكنين. انتهى. شيخ علي أجهوري».
[13] في (ص): «من».
[14] في (د): «بيديه».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

266-. حدَّثنا مُوسَىَ بنُ إِسْماعِيلَ [1] ، قالَ: حدَّثنا أبو عَوانَةَ: حدَّثنا الأَعْمَشُ، عن سالِمِ بنِ أَبِي الجَعْدِ، عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ:

عن مَيْمُونَةَ بِنْتِ [2] الحارِثِ، قالتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا وَسَتَرْتُهُ، فَصَبَّ علىَ يَدِهِ، فَغَسَلَها مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ _ قالَ سُلَيْمانُ: لَا أَدْرِي، أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لا_ ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ علىَ شِمالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ _أَوْ: بِالْحائِطِ_ ثُمَّ تَمَضْمَضَ [3] واسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأسَهُ، ثُمَّ صَبَّ علىَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّىَ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَناوَلْتُهُ خِرْقَةً، فقالَ بِيَدِهِ هَكَذا، وَلَمْ يُرِدْها.

[1] قوله: «بن إسماعيل» ليس في رواية ابن عساكر.
[2] في رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ابنةِ».
[3] في رواية الأصيلي: «مَضْمَضَ».





266- ( ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ [1] ) هذا موضع استدلال [البخاري] [2] على عدم الموالاة، ولكنه إلى موضع قريب، ولا يخالف فيه أحد [3] . [/ج1ص113/]

[1] في متن (ب): (مكانه)، وأشار بالهامش إلى أن المثبت هو في نسخة.
[2] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .
[3] قال ابن حجر رحمه الله: بل نقله ابن المنذر عن الليث، ورواية عن مالك.





266# (وَلَمْ يُرِدْهَا) من الإرادة، لا من الردِّ [1] ، وقد صحَّفه بعضهم، فشدَّد على أنه من الردِّ، فغير المعنى. وفي «سنن الدارقطني»: ((فردَّها))، وهو صريحٌ.

[1] ((لا من الرد)): ليست في (ق).





266- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ): هو الوضَّاح بن عَبْد الله الحافظ اليشكريُّ، تقدَّم بعض ترجمته، وأنَّه مُتقِن لكتابه.

قوله: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ): تقدَّم أنَّه سُلَيْمَان بْنُ مِهْرَانَ، الإمام مرارًا قريبًا وبعيدًا.

قوله: (غُسْلًا): هذا [1] بضمِّ الغين: الماء، ويجوز فتحها، وقد تقدَّم مرارًا.

قوله: (قال سُلَيْمَانُ): هذا هو الأعمش المذكور في السَّند بلقبه.

[1] في (ج): (هو) .





لا تتوفر معاينة

266- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين، الوضَّاح اليشكريُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) بسكون العين (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت: ((ابنة)) (الْحَارِثِ) رضي الله عنها [1] ، (قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ [2] اللهِ صلى الله عليه وسلم غُسْلًا) هو: الماء الذي يُغتَسَل به، وبالفتح: المصدر، وبالكسر: اسم ما يغتسل به، كالسِّدر ونحوه (وَسَتَرْتُهُ) «بثوبٍ» كما في الحديث الآتي _إن شاء الله تعالى_ في باب «نفض اليدين من الغسل من الجنابة» [خ¦276] ؛ أي: غطَّيت رأسه، فأراد صلى الله عليه وسلم الغسل فكشف رأسه فأخذ الماء (فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ) منه (فَغَسَلَهَا [3] مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) شكٌّ مِنَ الرَّاوي، والمُراد بـ: «اليد»: الجنس، فتصحُّ [4] إرادة كلتيهما، وفاءُ «فصبَّ» عَطْفٌ [5] على محذوفٍ _كما مرَّ_، قال أبو عَوانة: (قَالَ سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش: (لَا أَدْرِي أَذَكَرَ) أي: سالم بن أبي الجعد (الثَّالِثَةَ [6] أَمْ لَا؟) نعم؛ في رواية عبد الواحد عن الأعمش السَّابقة [خ¦257] : «فغسل يديه مرَّتين أو ثلاثًا»، فإن قلت: وقع في رواية ابن فُضَيْلٍ عنِ الأعمش فيما أخرجه أبو عَوانة في «مُستخرَجه»: «فصبَّ على يديه ثلاثًا»، فلم يشكَّ، فكيف الجمع بينهما؟ أُجيب: باحتمال أنَّ الأعمش كان يشكُّ فيه ثمَّ تذكَّر فجزم؛ لأنَّ سماع ابن فُضيلٍ منه متأخِّرٌ، (ثُمَّ أَفْرَغَ) عليه الصلاة والسلام (بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالْحَائِطِ) شكٌّ مِنَ [7] الرَّاوي، وهو محمولٌ على أنَّه [8] كان في يده أذًى؛ فلذلك دلك يده بالأرض وغسلها قبل إدخالها، وفيه: أنَّ تقديم الاستنجاء أَوْلى، وإن جاز [9] تعذَّر [10] تأخُّره [11] ؛ لأنَّهما طهارتان مختلفتان (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) بالتَّاء أوَّله، وللأَصيليِّ: ((مضمض)) (وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى) من مكانه (فَغَسَلَ) بالفاء للأكثر، ولأبي ذَرٍّ: ((وغسل)) (قَدَمَيْهِ)، قالت ميمونة: (فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً) لينشِّف بها جسده الشَّريف (فَقَالَ)؛ أي: أشار عليه الصلاة والسلام (بِيَدِهِ هَكَذَا)؛ أي: لا أتناولها (وَلَمْ يُرِدْهَا) بضمِّ أوَّله وسكون ثالثه، مِنَ الإرادة، مجزومٌ بحذف الياء [12] ، وما حكاه في «المطالع» مبهِمًا ناقله من فتح أوَّله وتشديد ثالثه عن [13] رواية القابسيِّ؛ فتصحيفٌ يفسد المعنى، وعند الإمام أحمد من حديث أبي عَوانة: فقال: بيده [14] هكذا؛ أي: لا أريدها، وقد تقدَّم في باب «المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة» ما في التَّنشيف [خ¦259] ، فليُراجَع من ثَمَّ.

[1] في هامش (ص): « رضي الله عنهم ».
[2] في (د): «النبيِّ».
[3] في (د): «عَلَى يَدِيهِ منه فغسلهما».
[4] في (د) و(م): «فيصح».
[5] في (د) و(ص): «معطوف».
[6] في (د): «أو».
[7] «من»: سقط من (م).
[8] في (د): «على ما إذا».
[9] «جاز»: مثبتٌ من (د) و(م).
[10] «تعذَّر»: سقط من (د).
[11] في (ص): «تأخيره».
[12] في هامش (ص): «قوله: «مجزومٌ بحذف الياء»: فيه نظرٌ ظاهرٌ؛ لأنَّه صحيح الآخر لا مُعتلُّه، وقد يُقال: «الباء» بمعنى: مع؛ أي: إنَّه مجزومٌ بالسُّكون مع حذف الياء؛ لالتقاء السَّاكنين. انتهى. شيخ علي أجهوري».
[13] في (ص): «من».
[14] في (د): «بيديه».





لا تتوفر معاينة

71/266# قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُوسَىَ بنُ إِسْماعِيلَ: حدَّثنا أبو عَوانَةَ، قال: حدَّثنا الأَعْمَشُ، عن سالِمِ بنِ أَبِي الجَعْدِ، عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ:

عن مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ، قالتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم غُسْلاً وَسَتَرْتُهُ، فَصَبَّ علىَ يَدِهِ، فَغَسَلَها، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ علىَ شِمالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ _أَوْ بِالْحايطِ_ ثُمَّ تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ علىَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّىَ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَناوَلْتُهُ خِرْقَةً، فقالَ بِيَدِهِ هَكَذا، وَلَمْ يُرِدْها.

قلت: أمَّا [1] صَبُّه الماء بيمينه على شماله في الاسْتِنْجاء فهو ذو وَجهٍ واحد لا يجوز غيرهُ.

وأمَّا في [2] غَسْل الأطراف فإنَّه يُنظَر، فإن كان الإناء الذي يُتوضَّأ منه إناءً واسعاً فإنَّه يضعُه عن يمينه، ثمَّ أخذ منه الماء بيُمناه وجعله على يُسراه، وإن كان [3] الإناءُ ضَيِّقَ الفم كالقماقم ونحوها فإنَّه يضعه عن يساره وَصبَّ الماءَ منه على يمينه.

وأما رَدُّه الخِرقة لم يتمسَّح بها فلا دلالة فيه [4] على أنَّه غير مباحٍ، فقد رُوي عن قيس بن سعد [5] أنَّه قال: اغْتَسَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فأتيناه بملحفة فالتحفَ بها. [6]

ورَخَّص فيه الحَسَنُ وابن سيرين [7] ، وكان مالكٌ والثَّوريُ وأصحاب [8] الرأي وأحمدُ لا يرون به بأساً، وروي عن ابن عبَّاس أنَّه كان يَكرَه ذلك في الوُضوء، ولم يكرهْه في الاغتسال من الجنابة [9] .

[1] (أما) سقطت من (ط).
[2] قوله: (في) زيادة من (ط).
[3] في (ط): (كانت).
[4] (فيه) سقطت من (ط) وفي الفروع: (فلا يدل).
[5] في (ط): (قيس بن سعيد).
[6] انظر: السنن لابن ماجة رقم (466).
[7] انظر: المصنف لابن أبي شَيبَة 1/148.
[8] في النسخ الفروع: (وأهل).
[9] انظر: المصنف لابن أبي شَيبَة 1/150.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

266- وبالسَّند قال: ((حدثنا موسى بن إسماعيل)) : هو التبوذكي ((قال: حدثنا أبو عَوانة)) ؛ بفتح العين المهملة، وتخفيف الواو: هو اسمه الوضاح ـ بالمهملة آخره ـ اليشكري ((قال: حدثنا الأعمش)) : هو سليمان بن مهران، ((عن سالم)) ؛ بالسين المهملة ((بن أبي الجَعْد)) ؛ بفتح الجيم، وسكون المهملة، ((عن كُريب)) ؛ بضمِّ الكاف ((مولى ابن عباس، عن ابن عباس)) رضي الله عنهما ((عن)) خالته ((مَيمُونة)) ؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية ((بنت الحارث)) : الهلالية زوج النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وسقط (بنت الحارث) في رواية، وهذا الحديث تقدم من رواية موسى بن إسماعيل المذكور أيضًا في باب (الغسل مرة) ، لكن شيخه هناك عبد الواحد، وهنا أبو عَوانة، وفي ألفاظهما اختلاف كما ترى؛ فافهم، ((قالت: وضعت لرسول الله)) وهناك: (للنبيِّ) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم غُسلًا)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ هو ما يغتسل به، وبالفتح مصدر، وبالكسر اسم ما يغتسل به؛ كالسدر ونحوه، والمراد الأول، ويحتمل أنَّها ضمت إليه الثالث؛ لأجل التنظيف من الجنابة، ((وسترته)) ؛ بضمير المتكلم، وهذا معطوف على قولها (وضعت) ، كما هو ظاهر، زاد ابن فضيل عن الأعمش: (بثوب) ؛ أي: غطيت رأسه، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، وتبعه الشراح، فالضمير في (سترته) يعود على الماء بمعنى الإناء الذي فيه الماء، وإنَّما أرجعوه إليه؛ لقرب المرجع، كما هو القاعدة، والحامل لها على ستره خوف وقوع قذر أو غيره في الماء من ريح أو غيره فينجس الماء أو يستقذر، ويحتمل أن يعود الضمير على النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فيكون المعنى: وضعت بيني وبينه ثوبًا ساترًا؛ مخافة أن ترى عورته، وأيد هذا الاحتمال العجلوني بما سيأتي في باب (نفض اليدين في الغسل) ، فإنَّه قد صرح بالنبيِّ عليه السلام.

قلت: وهذا ليس يؤيد هذا الاحتمال؛ لأنَّ القصة مختلفة على أنَّ الحاجة لوضع الثوب ستر العورة، والنبيُّ عليه السلام كان في حجرتها، وليس عنده غيرها، فاحتمال أن ترى عورته بعيد، بل الاحتياج إلى ستر الماء أشد لاحتمال وقوع فأرة فيه ونحوها مما يفسد الماء.

وزعم ابن حجر أنَّ الواو في (وسترته) حالية، ورده صاحب «عمدة القاري» بأنَّه ليس كذلك، بل هي عاطفة، فهو معطوف على (وضعت) انتهى.

وزعم العجلوني: أنَّه لا يتعين العطف، بل يجوز الوجهان.

قلت: بل يتعيَّن أن تكون الواو عاطفة؛ لصحة المعنى، وظهوره بخلاف الحالية، فإنَّها بعيدة المعنى مع خفائه؛ فليحفظ.

((فصب)) معطوف على محذوف؛ أي: فأراد النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم الغسل، فكشف رأسه، فأخذه فصب ((على يده)) ؛ بالإفراد، وفي رواية بالتثنية، والمراد من اليد الجنس، فصح إرادة كلتيهما منه.

وزعم ابن حجر أنَّ (فصب) عطف على (وضعت) ؛ المعنى: وضعت له ماء فشرع في الغسل، ورده صاحب «عمدة القاري»: (بأنَّ هذا تصرف من ليس له ذوق من معاني التركيب، وكيف يكون الصب معقبًا بالوضع وبينهما أفعال أخرى؟ ولا يجوز تفسير «صب» بمعنى شرع) انتهى.

واعترضه العجلوني فزعم أن لا وجه لإنكاره ما قاله، فإنَّه إذا فرض أنَّ الإدارة والكشف وقعا قبل الوضع؛ جاز كون الصب معقبًا عليه من غير واسطة أفعال أخرى، ولا مانع من تفسير (صب) بمعنى شرع؛ لأنَّ من شرع في إفراغ ماء مثلًا؛ جاز أن يقال فيه: صبه، نعم؛ في قول ابن حجر: (والكشف يمكن كونه وقع قبل الوضع) مؤاخذة؛ لأنَّ المراد به كشف رأس الإناء، وكأنَّ ابن حجر ظن أنَّه رأس النبيِّ عليه السلام، وكذا في قوله: (والأخذ عين الصب) فيه ما فيه؛ لأنَّ الصب ينشأ عن الأخذ لا عينه، ولا داعي إلى التجوُّز بجعله عينه؛ فتأمل.

قلت: تأملت قوله: (أن لا وجه لإنكاره) ، فرأيته له وجه وجيه.

وقوله: (فإنَّه إذا فرض...) إلخ هذا كلام من لم يشمَّ شيئًا من رائحة العلم، فإنَّ المعاني والأحكام لا تبنى على الفرض والتقدير، كيف وقد ثبت في الحديث وجود الواسطة بين الوضع والصب، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، ولا ينكر هذا إلا كل متعنت خال الفهم؟

وقوله: (ولا مانع من تفسير...) إلخ، بل المانع [/ص276/] فيه ظاهر، وهو عدم صحة المعنى؛ لأنَّ الشروع في إفراغ الماء لأجل الغسل كما هنا، أو غيره التهيُّؤ لذلك من خلع الثياب ونحوها، والصب: كفاء الماء من الإناء، فلا يجوز لمن شرع في إفراغ الماء أن يقال فيه: صبه؛ لاختلاف المعنى، وهذا ظاهر، كما لا يخفى.

وقوله: (نعم ؛ في قول ابن حجر ....) إلخ هذا اعتراض من العجلوني عليه؛ لأنَّ هذه العبارة المفقودة الغائرة ذكرها في شرحه، لكنها غير صحيحة، وكيف يكون وقع الكشف قبل الوضع مؤاخذة مع أنَّه صرحت في الحديث أنَّ الوضع قبل الكشف، فكلامه مصادم للحديث، ولا وجه له أصلًا وعلى كلامه، فالكشف على من وقع وأين الماء الموضوع؟ وما هو إلا لقلقة لسان.

وقوله: (وكأنَّ ابن حجر...) إلخ؛ فإنَّه قد اعترض على الكرماني، واختلط عليه الكلام في عود الضمير إمَّا على الماء، أو على النبيِّ عليه السلام مع أنَّه في أول كلامه جزم بأنَّه يعود على الماء، فخبط هذا الخبط.

وقوله: (وكذا قوله والأخذ...) إلخ هذا كلام من لم يدر شيئًا من معاني التركيب، فكيف يكون الأخذ عين الصب وبينهما فرق ظاهر لا يخفى؟ وما هذا إلا معنًى فاسد.

وقوله: (لأنَّ الصب...) إلخ، فإنَّه إذا أراد الصب؛ أخذ الإناء وكفئه، فالصب غير الأخذ لا عينه لا محالة.

وقوله: (لا داعي...) إلخ، بل هو ممنوع؛ لأنَّه لا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، وهذا غير متعذر، فيتعين الكلام على الحقيقة، وهذا دأب ابن حجر وضع الكلام في شرحه بلا معنًى ولا فائدة، وقد بين ذلك في «إيضاح المرام»، ولو ذكرناه؛ لطال المقام؛ فيراجع.

وقوله: ((مرة أو مرتين)) متعلق بـ (غسلها) ، والشك فيه من أبي عوانة، وهو القائل: ((قال سليمان)) هو ابن مهران الأعمش: ((لا أدري أذكر)) ؛ أي: سالم بن أبي الجَعْد شيخ الأعمش ((الثالثة)) ؛ أي: الغسلة الثالثة ((أم لا؟)) ، وقد مر في رواية عبد الواحد، عن الأعمش: (فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا) ، ولابن فضيل عن الأعمش: (فصب على يديه ثلاثًا) ولم يشكَّ، أخرجه أبو عَوانة في «مستخرجه»، فكأن الأعمش كان يشك فيه، ثم ذكر فجزم؛ لأنَّ سماع ابن فضيل منه متأخر، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»، ((ثم أفرغ)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم الماء ((بيمينه على شماله)) ففيه المطابقة للترجمة، كما لا يخفى، ((فغسل فرجه)) المراد به: القبل والدبر، ((ثم دلك يده)) ؛ بالإفراد، وهي التي استنجى بها ((بالأرض أو بالحائط)) الظاهر: أنَّ الشك فيه من ميمونة، ويحتمل غيرها، وهناك: (فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض) من غير شك، وذلك لأذًى من مني ونحوه عليها، وهناك: (ثم غسلها) ؛ أي: اليد بالماء؛ ليكون الغسل أطهر وأنقى؛ لأنَّ المني لزج، فيحتمل لصوق شيء منه، ((ثم تمضمض)) ؛ بفوقية أوله لغير الأَصيلي، وله بحذفها، كما هناك ((واستنشق)) ؛ لأنَّهما من تمام غسل البدن، ((وغسل وجهه)) وأصول لحيته، ((ويديه)) ؛ أي: الذراعين، ((وغسل رأسه)) وأصول شعره، وأتى بـ (الواو) للإشارة إلى عدم وجوب الترتيب؛ لأنَّ الواو لمطلق الجمع عند أهل اللغة، فهذا يعم التقديم والتأخير، وفيه: دليل واضح إلى أنَّ الترتيب في الوضوء غير شرط، وهو مذهب الجمهور خلافًا لطائفة، ((ثم صب)) أي: الماء ((على جسده)) ؛ أي: كله وقدم أعضاء الوضوء؛ ليتفقد ما فيها مما يمنع وصول الماء إلى الجسد خصوصًا المضمضة والاستنشاق، ولشرفها، وهناك: (ثم أفاض على جسده) ، ((ثم تَنَحَّى)) ؛ بفوقية أوله، بعدها نون مفتوحتين، آخره مهملة، وهناك: (ثم تحول من مكانه) ؛ أي: تباعد عن المكان الذي اغتسل فيه إلى مكان آخر، ((فغسل)) ؛ بالفاء للأكثر، ولأبي ذر بالواو ((قدميه)) ؛ أي: رجليه؛ تحرُّزًا عن الماء المستعمل، قالت ميمونة: ((فناولته خِرقة)) ؛ بكسر الخاء المعجمة، واحدة الخروق، وذلك لأجل أن يتنشف بها، ((فقال)) أي: أشار من إطلاق القول على الفعل، كما قدمناه ((بيده)) ؛ بالإفراد ((هكذا)) ؛ أي: لا أتناولها؛ لما رأى عليها من وسخ، أو لاستعجاله إلى القيام إلى الصَّلاة، أو لأجل بقاء أثر العبادة أو غير ذلك، فقولها: ((ولم يُرِدْها)) ؛ بضمِّ المثناة التحتية، من الإرادة لا من الرد، فهو تأكيد وهو مجزوم بالسكون، وحذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين لا مجزوم بحذف الياء، كما توهمه القسطلاني.

قال إمام الشارحين: (وحكى «المطالع»: أن «لم يردَّها» بالتشديد رواية ابن السكن، ثم قال: وهو وهم؛ لأنَّ المعنى يفسد حينئذ، وقد رواه الإمام أحمد عن عفان، عن أبي عَوانة بهذا الإسناد، وقال في آخره: «فقال هكذا، وأشار بيده أن لا أريدها»، وفي رواية أبي حمزة، عن الأعمش: «فناولته ثوبًا، فلم يأخذه») انتهى كلام «عمدة القاري».

قلت: وفي الحديث: دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل، وفيه: دليل على أنَّ الماء المستعمل نجس، وفيه: جواز خدمة الزوجات للأزواج، وفيه: استحباب تغطية الماء، وفيه: تقديم الاستنجاء، وفيه: رد المنديل لمانع مما سبق، فقد ورد عن قَيْس بن سعد: (أنَّ النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم اغتسل، فأتيناه بملحفة، فالتحف بها) .

قلت: والظاهر: أنَّ الملحفة هو الحرام الذي يلتحف به لا المنديل؛ فافهم، والله أعلم.