متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

41- (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى)، وسقط لفظ: ((باب)) لأبي ذرٍّ، فـ: «قول الله» رُفعَ على ما لا يخفى: ({وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ}) وهو أعجميٌّ مُنِع الصَّرف؛ للتَّعريف والعجمة الشَّخصيَّة، أو عربيٌّ مشتقٌّ من اللُّقم، وهو حينئذٍ مُرتَجلٌ؛ لأنَّه لم يسبق له وضعٌ في النَّكرات، ومنعه حينئذٍ للتَّعريف وزيادة الألف والنُّون، قال ابن إسحاق: لقمان هو ابن باعوراء [1] بن ناحور بن تارح _وهو آزر_ وقال وهبٌ: كان ابن أخت أيُّوب، وقال الواقديُّ: كان قاضيًا في بني إسرائيل، ولم يكن نبيًّا؛ خلافًا لعكرمة، واتُّفِق على أنَّه كان حكيمًا، رُوِي: أنَّه كان نائمًا فنُودِي: هل لك أن يجعلك الله خليفةً في الأرض فتحكم بين النَّاس بالحقِّ؟ فأجاب الصَّوت وقال: إن خيَّرني [/ج5ص399/]

ربِّي [2] ؛ قبلت العافية [3] ، ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليَّ؛ فسمعًا وطاعةً، فإنِّي أعلم إن فعل بي ذلك؛ أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوتٍ لا يراهم: لِمَ يا لقمان؟ قال: لأنَّ الحاكم بأشدِّ المنازل وأكدرها، يغشاه الظُّلم من كلِّ مكانٍ، ومن يكون في الدُّنيا ذليلًا خيرٌ من أن يكون شريفًا، فتعجَّبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومةً فأُعطِي الحكمة، فانتبه وهو يتكلَّم بها، وكان عبدًا حبشيًّا، والحكمة _كما في «الأنوار»_: استكمال النَّفس الإنسانيَّة باقتباس العلوم النَّظريَّة، واكتساب الملكة التَّامَّة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقته [4] .

({أَنِ اشْكُرْ للهِ}) [لقمان: 12] «أن» المفسِّرة، فسَّر إيتاء الحكمة بقوله: {أن اشكر لله}، ثمَّ بيَّن أنَّ الشُّكر لا ينفع إلَّا الشَّاكر (إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ}) في مشيه ({فَخُورٍ}) [لقمان: 18] على النَّاس بنفسه، وسقط لأبي ذرٍّ: (({أن اشكر}...)) إلى آخره، وقال: ((إلى قوله: {عظيمٌ}))؛ يعني: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، ولأبي الوقت: (({يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} إلى قوله [5] : {فَخُورٍ})) [لقمان: 16] ، الضَّمير في {إنَّها} للخطيئة؛ وذلك أنَّ ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت؛ إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحدٌ؛ كيف يعلمها الله تعالى؟ فقال: {يا بنيَّ}...؛ الآية، والفاء في {فتكن} لإفادة الاجتماع؛ يعني: إن كانت صغيرةً، ومع صغرها تكون خفيَّةً في موضعٍ حريزٍ؛ كالصَّخرة لا تخفى على الله؛ لأنَّ الفاء للاتِّصال بالتَّعقيب.

({وَلَا تُصَعِّرْ}) بتشديد العين، وهي لغة تميمٍ، وقرأ نافعٌ وأبو عمرٍو وحمزة والكسائيُّ بالألف والتَّخفيف، وهي لغة الحجاز، وهما بمعنًى (الإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ) كما يفعله المتكبِّرون، وسقط لأبي ذرٍّ: (({ولا تصعِّر}...)) إلى آخره.

[1] في (د): «باعور».
[2] زيد في (ص): «وعصمني».
[3] في (م): «العاقبة»، وهو تصحيفٌ.
[4] في (ب) و(م): «طاقتها».
[5] «قوله»: ليس في (د).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(41) بابُ قَوْلِ [1] اللَّهِ تَعالَىَ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ [/ج4ص162/] أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ } إِلَىَ قَوْلِهِ: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } [لقمان: 12 - 18] [2]

و{ تُصَعِّرْ } [3] : الإِعْراضُ بِالْوَجْهِ.

[1] في رواية أبي ذر: «قولُ» بالرفع لعدم وجود لفظة باب عنده.
[2] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «{ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ } إلىَ قوله:{ عَظِيمٌ }، { يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ } إِلىَ { فَخُورٍ }».
[3] في (و، ب، ص): «{وَلَا تُصَعِّرْ}» واتفقت الأصول علىَ أنَّ الواو ليست في رواية أبي ذر.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

قوله: ({وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان: 12] ): مقتضى إيراد البُخاريِّ له هنا: أنَّه عنده نبيٌّ، وسأذكر الخلاف فيه قريبًا، وقد قدَّمتُه، قال الثعلبيُّ: كان لقمان مملوكًا، وكان أهونَ مملوكِي سيِّده عليه، قال: وأوَّل ما ظهر من حكمته أنَّه كان مع مولاه، فدخل مولاه الخلاء، فأطال الجلوس، فناداه لقمان: إنَّ طول الجلوس على الحاجة يتَّجع منه الكبد، ويورث الباسور، ويُصعِد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هوينًا وقُم، فخرج مولاه وكتب حكمته على باب الخلاء، ورُويَ: أنَّه كان عبدًا حبشيًّا نجَّارًا، قال: وقال أبو هريرة: مرَّ رجلٌ بلقمان والناس مجتمعون عليه، فقال: ألستَ العبدَ الأسود الذي كُنتَ تُراعينا بموضع كذا؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أَرى؟ قال: صِدقُ الحديث، وأداءُ الأمانة، وتركُ ما لا يعنيني.

قال: وعن لقمان أنَّه قال: ضربُ الوالد ولدَه كالسماد للزرع، وقال لقمان لابنه: مَن يقارن قرين السوء؛ لا يَسْلَم، ومَن لا يملك لسانَه؛ يندم، يا بنيَّ؛ كن عبدًا للأخيار، يا بنيَّ؛ كن أمينًا؛ تكن غنيًّا، يا بنيَّ؛ جالسِ العلماء وزاحِمْهم بركبتيك، ولا تجادلهم، خذ منهم إذا أنالوك، والطف بهم في السؤال، ولا تُضجِرهم، إن تأدَّبت صغيرًا؛ انتفعت به كبيرًا [1] ، كن لأصحابك موافقًا في غير معصية، ولا تَحْقِرنَّ من الأمور صغارها، فإن الصِّغارَ غدًا تصير كِبارًا، إيَّاك وسوءَ الخُلُق والضجرَ وقلَّةَ الصبر، إن أردت غنى الدنيا؛ فاقطع طمعك عمَّا في أيدي الناس، وحِكَمُه كثيرةٌ مشهورةٌ.

واختُلِف في نبوَّته؛ فالجمهور: على أنَّه ليس بنبيٍّ، وذهب عكرمة من بين العلماء إلى أنَّه نبيٌّ، كذا قال النَّوويُّ، انتهى، ورأيته عن ابن المُسَيّب أيضًا، وسأذكر [2] بعض هذا في (التفسير) في سورته، وأذكر هناك أنَّ لهم لقمانَ آخرَ إن شاء الله تعالى.

وابنه اسمه: أنعم، ويقال: مَشْكُور، وفي كلام شيخنا: باذان، وفي كلام غيره: ماثان، وقال السُّهَيليُّ في «روضه»: ثاران، فيما ذكر الزَّجَّاج، وقيل في اسمه غير ذلك، انتهى.

[1] في (ب): (كثيرًا) .
[2] في (ب): (وذكر) . [/ج1ص895/]





لا تتوفر معاينة

41- (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى)، وسقط لفظ: ((باب)) لأبي ذرٍّ، فـ: «قول الله» رُفعَ على ما لا يخفى: ({وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ}) وهو أعجميٌّ مُنِع الصَّرف؛ للتَّعريف والعجمة الشَّخصيَّة، أو عربيٌّ مشتقٌّ من اللُّقم، وهو حينئذٍ مُرتَجلٌ؛ لأنَّه لم يسبق له وضعٌ في النَّكرات، ومنعه حينئذٍ للتَّعريف وزيادة الألف والنُّون، قال ابن إسحاق: لقمان هو ابن باعوراء [1] بن ناحور بن تارح _وهو آزر_ وقال وهبٌ: كان ابن أخت أيُّوب، وقال الواقديُّ: كان قاضيًا في بني إسرائيل، ولم يكن نبيًّا؛ خلافًا لعكرمة، واتُّفِق على أنَّه كان حكيمًا، رُوِي: أنَّه كان نائمًا فنُودِي: هل لك أن يجعلك الله خليفةً في الأرض فتحكم بين النَّاس بالحقِّ؟ فأجاب الصَّوت وقال: إن خيَّرني [/ج5ص399/]

ربِّي [2] ؛ قبلت العافية [3] ، ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليَّ؛ فسمعًا وطاعةً، فإنِّي أعلم إن فعل بي ذلك؛ أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوتٍ لا يراهم: لِمَ يا لقمان؟ قال: لأنَّ الحاكم بأشدِّ المنازل وأكدرها، يغشاه الظُّلم من كلِّ مكانٍ، ومن يكون في الدُّنيا ذليلًا خيرٌ من أن يكون شريفًا، فتعجَّبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومةً فأُعطِي الحكمة، فانتبه وهو يتكلَّم بها، وكان عبدًا حبشيًّا، والحكمة _كما في «الأنوار»_: استكمال النَّفس الإنسانيَّة باقتباس العلوم النَّظريَّة، واكتساب الملكة التَّامَّة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقته [4] .

({أَنِ اشْكُرْ للهِ}) [لقمان: 12] «أن» المفسِّرة، فسَّر إيتاء الحكمة بقوله: {أن اشكر لله}، ثمَّ بيَّن أنَّ الشُّكر لا ينفع إلَّا الشَّاكر (إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ}) في مشيه ({فَخُورٍ}) [لقمان: 18] على النَّاس بنفسه، وسقط لأبي ذرٍّ: (({أن اشكر}...)) إلى آخره، وقال: ((إلى قوله: {عظيمٌ}))؛ يعني: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، ولأبي الوقت: (({يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} إلى قوله [5] : {فَخُورٍ})) [لقمان: 16] ، الضَّمير في {إنَّها} للخطيئة؛ وذلك أنَّ ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت؛ إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحدٌ؛ كيف يعلمها الله تعالى؟ فقال: {يا بنيَّ}...؛ الآية، والفاء في {فتكن} لإفادة الاجتماع؛ يعني: إن كانت صغيرةً، ومع صغرها تكون خفيَّةً في موضعٍ حريزٍ؛ كالصَّخرة لا تخفى على الله؛ لأنَّ الفاء للاتِّصال بالتَّعقيب.

({وَلَا تُصَعِّرْ}) بتشديد العين، وهي لغة تميمٍ، وقرأ نافعٌ وأبو عمرٍو وحمزة والكسائيُّ بالألف والتَّخفيف، وهي لغة الحجاز، وهما بمعنًى (الإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ) كما يفعله المتكبِّرون، وسقط لأبي ذرٍّ: (({ولا تصعِّر}...)) إلى آخره.

[1] في (د): «باعور».
[2] زيد في (ص): «وعصمني».
[3] في (م): «العاقبة»، وهو تصحيفٌ.
[4] في (ب) و(م): «طاقتها».
[5] «قوله»: ليس في (د).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

(41) (بَابٌ: قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان:12] ؛ الآية).

(لقمان): هو ابن باعور بن تاحر بن تارخ [1] وهو آزر [2] أبو إبراهيم، قال السُّهيليُّ: عاش [3] ألف سنة، وأدرك داودَ وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، واختلف في نبوَّته قيل: كان من سودان مصر وكان نبيًّا، وقيل: كان عبدًا صالحًا، قيل: كان عبدًا أسود عظيم الشفتين مشقَّق القدمين، وقيل: كان عبدًا حبشيًّا نجَّارًا، وفيه أقوال كثيرة، واسم ابنه داران.

[1] في (ب): (تار).
[2] في (ب): (آزار).
[3] في النسختين: (على).





لا تتوفر معاينة