إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: {واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب}

          ░39▒ هذا(1) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: ({وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ}[ص:17]): ذا(2) القوَّة في العبادة، أو الملك ({إِنَّهُ أَوَّابٌ}) أي: رجّاع إلى مرضاة الله(3) ╡ (إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: ({وَفَصْلَ الْخِطَابِ}[ص:17-20] قَالَ مُجَاهِدٌ) {وَفَصْلَ الْخِطَابِ}: (الفَهْمَ فِي القَضَاءِ) ليفصل بين الخصوم، وهو طلب البيِّنة واليمين، قال الإمام فخر الدِّين: وهذا بعيدٌ، لأنَّ فصل الخطاب عبارةٌ عن كونه قادرًا على التَّعبير عن كلِّ ما يخطر بالبال ويحضر في الخيال؛ بحيث لا يخلط شيئًا بشيءٍ، وبحيث يفصل كلَّ مقامٍ عمَّا يخالفه. وهذا معنًى عامٌّ يتناول فَصْل الخصومات، ويتناول الدَّعوة إلى الدِّين الحقِّ، ويتناول جميع الأقسام. وعن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال: «أوَّل من قال: «أمَّا بعد»؛ داود ◙ وهو فَصْلُ الخطاب» رواه ابن أبي حاتمٍ، وقال في «الأنوار»: أو هو الكلام الملخَّص الَّذي ينبِّه المخاطب على المقصود من غير التباسٍ، يُراعى فيه مظانَّ الفصل والوصل، والعطف والاستئناف، والإضمار والإظهار، والحذف والتَّكرار ونحوها، وإنَّما سُمِّي به «أمَّا بعد» لأنَّه يفصل المقصود عمَّا سبق مقدِّمةً له من الحمد والصَّلاة، وقيل: هو الخطاب الفصل(4) الَّذي ليس فيه اختصارٌ مخلٌّ، ولا إشباعٌ مملٌّ، كما جاء في وصف كلام رسول الله صلعم : «فصلٌ لا نزرٌ ولا هذرٌ» ولأبي ذرٍّ: ”الفهمُ“ بالرَّفع، بتقدير: هو.
          ({وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ}) الخصم في الأصل: مصدرٌ، والمراد به هنا: الجمع، بدليل قوله تعالى: {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ} (إِلَى) قوله: ({وَلَا تُشْطِطْ}[ص:21-22]) أي: (لَا تُسْرِفْ) وإنَّما فكُّه على أحد الجائزين، كقوله: {وَمَن يَرْتَدِدْ}[البقرة:217] ولغير أبي ذرٍّ: ”في القضاء {وَلَا تُشْطِطْ}“.
          ({وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ}) أي: طريق الصَّواب ({إِنَّ هَذَا أَخِي}) على ديني وطريقتي ({لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: نَعْجَةٌ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: شَاةٌ. {وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ}) امرأةٌ واحدةٌ، والكناية والتَّمثيل فيما يُساق للتَّعريض أبلغ في المقصود (فَقَالَ: {أَكْفِلْنِيهَا} مِثْلُ: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}[آل عمران:37]) أي: (ضَمَّهَا)(5) إليه. وقال ابن عبَّاسٍ: أعطنيها ({وَعَزَّنِي}) أي: (غَلَبَنِي) في مخاطبته(6) إيَّاي محاجَّةً بأن جاء بحجاجٍ(7) لم أقدر على ردِّه حتَّى (صَارَ أَعَزَّ مِنِّي) أقوى (أَعْزَزْتُهُ: جَعَلْتُهُ عَزِيزًا. {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} يُقَالُ: المُحَاوَرَةُ) بالحاء المهملة‼.
          ({قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ}) {بِسُؤَالِ}(8) مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، والفاعل محذوفٌ، أي: بأن سأل(9) نعجتك، وضمَّن السُّؤال معنى الإضافة والانضمام، أي: بإضافة نعجتك على سبيل السُّؤال، ولذلك عُدِّي بـ «إلى»، وسقط عند أبي ذرٍّ «قال لقد ...» إلى آخره، ({وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء}) أي: (الشُّرَكَاءِ {لَيَبْغِي}) ليتعدَّى (إِلَى قَوْلِهِ: {أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أي(10): (اخْتَبَرْنَاهُ) وهذا وصله ابن جريرٍ (وَقَرَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ☺ : (▬فَتَّنَّاهُ↨ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ) ؛ للمبالغة. ({فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا}) أي: ساجدًا، وهذا يدلُّ على حصول الرُّكوع، وأمَّا السُّجود، فقد ثبت بالأخبار ({وَأَنَابَ}[ص:22-24] (11)) أي: رجع إلى الله تعالى بالتَّوبة. قال في «الأنوار»: وأقصى ما في هذه القصَّة(12) الإشعار بأنَّه ╕ ودَّ أن يكون له ما لغيره، وكان له أمثاله، فنبَّهه الله تعالى بهذه القصَّة، فاستغفر وأناب عنه، وأمَّا ما رُوِي أنَّه وقع بصره على امرأةٍ فعشقها... إلى آخره ممَّا ذكره بعض المفسِّرين والقُصَّاص ممَّا أكثره مأخوذٌ من الإسرائيليَّات؛ فكذبٌ وافتراءٌ لم يثبت عن / معصوم، ولذلك قال عليٌّ ☺ : من حدَّث بحديث داود على ما يرويه القُصَّاص جلدته مئةً وستِّين.


[1] «هذا»: ليس في (د).
[2] في (د): «في».
[3] في (د): «الرَّبِّ».
[4] في (د): «القصد».
[5] زيد في (د): «أي».
[6] في (د): «مخاصمته».
[7] في (م): «محاجًّا».
[8] في (ب) و(ص): «سؤال»، وليس في (د) و(م).
[9] في (د): «سألك».
[10] «أي»: ليس في (د).
[11] قال ابن كثير ☼ : الأولى أن يُقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله ╡، فإن القرآن حق وما تضمنت فهو حق أيضًا.
[12] في (م): «مافي هذا».