متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

9- هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ) الذي فيه ماء الغسل (قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا) خارج الإناء (إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ)؛ بالذَّال المُعجَمة؛ أي: شيءٌ مستكرَهٌ من نجاسةٍ و [1] غيرها [/ج1ص321/] (غَيْرُ الْجَنَابَةِ؟ وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) رضي الله عنهم (يَدَهُ)؛ بالإفراد؛ أي: أدخل كلُّ واحدٍ [2] منهما يده (فِي الطَّهُورِ)؛ بفتح الطَّاء؛ وهو: الماء الذي يُتطهَّر به (وَلَمْ يَغْسِلْهَا) قبلُ (ثُمَّ تَوَضَّأَ) كلٌّ منهما، ولأبي الوقت: ((يديهما [3] ))؛ بالتَّثنية على الأصل، قال البرماويُّ كالكرمانيِّ: و [4] في بعض النُّسخ: ((يديهما ولم يغسلاهما ثمَّ توضَّآ))؛ بالتَّثنية في الكلِّ، وأثر ابن عمر وصله سعيد بن منصورٍ بمعناه، وأثر البراء وصله ابن أبي شيبة بلفظ: أنَّه أدخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها، واستُنبِط منه: جواز إدخال الجنب يده في إناء الماء الذي يتطهَّر به قبل أن يغسلها، إذا لم يكن على يده [5] نجاسةٌ، (وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهم (بَأْسًا بِمَا يَنْتَضِحُ)؛ أي: يترشرش (مِنْ) ماء (غُسْلِ الْجَنَابَةِ) في الإناء الذي يغتسل منه؛ لأنَّه يشقُّ الاحتراز عنه، قال الحسن البصريُّ فيما رواه ابن أبي شيبة: ومن يملك انتشار الماء؟! إنَّا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا، وأثر ابن عمر وصله عبد الرَّزَّاق بمعناه [6] ، وأثر ابن عبَّاسٍ وصله ابن أبي شيبة وعبد الرَّزَّاق.

[1] في (ب) و(س): «أو».
[2] «واحد»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[3] في غير (م): «توضَّآ».
[4] «و»: ليست في (م).
[5] في (د): «يديه».
[6] في غير (م): «هنا»، ولعلَّه تحريفٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(9) بابٌ [1] : هَلْ يُدْخِلُ الجُنُبُ يَدَهُ في الإِناءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَها، إذا لَمْ يَكُنْ علىَ يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرَ [2] الجَنابَةِ؟

وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ والْبَراءُ بنُ عازِبٍ يَدَهُ [3] في الطَّهُورِ وَلَمْ يَغْسِلْها، ثُمَّ تَوَضَّأَ.

وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبَّاسٍ بَأسًا بِما يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنابَةِ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«غَيْرُ».
[3] في رواية [ح] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «يديهما».






(9) [بَابٌ: هَلْ يُدْخِلُ الجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا، إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الجَنَابَةِ؟]


(بابٌ: هَل يُدْخلُ الجُنُبُ يَدَهُ في الإنَاءِ قَبْلَ أنْ يَغْسِلَهَا...) إلى آخر التَّبويب... إلى (بَاب مَنْ تَوَضَّأَ في الجنابة، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ...) إلى آخرها

سؤال: إن قلت: أين موضع التَّرجمة التي ذكرها البخاريُّ من الأحَادِيْث، وأكثرها لا ذكر فيه لغسل اليد، وإنَّما جاء ذكر اليد في حديث هشام عن أبيه عن عائشة؟

والجواب من وجوه؛ أحدها: أنَّ حديث هشام مفسِّر لمعنى [1] الباب، وذلك أنَّه حمل غسل اليد قبل إدخالها الإناء -الذي رواه هشام- إذا خشي أنْ يكون قد علق بها شيء من أذى الجنابة أو غيرها، وما لا ذكر فيه لغسلها من الأحاديث؛ حملها على تعيُّن طهارة اليد، فاستعمل من اختلاف الأحاديث فائدتين جمع بينهما بين [2] معانيها، وانتفى بذلك التَّعارض عنها، وقد روي هذا المعنى عنِ ابن عُمر.

وجواب آخر أجاب به ابن المُنَيِّر: لمَّا علم أنَّ الغسل إمَّا لحدث حكميٍّ أو لحادث عينيٍّ، وقد فرض الكلام فيمن ليس في يده حادث نجاسة ولا قذر؛ بقي [3] أنْ يكون بيده حدث حكميٌّ يمنع إدخالها الإناء [4] ، لكنَّ الحدث ليس بمانع؛ لأنَّ الجنابة لو كانت تتَّصل بالماء؛ لما جاز للجنب أنْ يُدخل يده في الإناء حتَّى يكمِّل طهارته ويزول حدث الجنابة عنه، فلمَّا تحقَّق جواز إدخالها في الإناء في ابتداء الغسل؛ عُلِم أنَّ الجنابة ليست تؤثِّر في منع مباشرة الماء باليد، فلا مانع إذًا في إدخالها أوَّلًا؛ كإدخالها وسطًا، وحقَّق [5] ذلك أنَّ الذِي ينتضح من بدن الجنابة طاهر لا تضرُّ [6] مخالطته لماء الغسل؛ فتفهَّمه، واعلم أن الشَّارح -يعني: ابن بطَّال- أبعد عن مقصوده، والله أعلم.

الثَّالث: أنَّ الحديث الثَّاني ظاهر فيه، وأمَّا الأول؛ فقولها: (تختلف أيدينا فيه) ؛ إذ لو غسلا أيديهما قبل إدخالها [7] الإناء؛ لقالت: (تختلف أيدينا منه) ، أو [8] بيَّنت أنَّ في البعض: (تختلف أيدينا فيه) ، والبعض: (تختلف أيدينا مِنْهُ) ، وباقي الباب مستطرد لبقيَّة أسانيد الحديث.

الرَّابع: أنَّه يحتمل أنَّه لمَّا ذكر جلَّ الأحاديث بدون غسل اليد؛ علم أنَّ تركه كافٍ في الغسل؛ إذ لو لَمْ يكن كافيًا؛ لذكره في كلِّها.

ويحتمل خامسًا: وهو أنَّ البخاريَّ لمَّا ذكر في بعض طرق حديث عائشة غسل اليد ولم يذكرها [9] في الباقي؛ جريًا على عادته في ذكر أصل الحديث، وترك اللَّفظ المستنبَط منه المعنى المحتاج إليه فيه، ويكون مراده تبحُّر [10] المستنبِط مِنْ طرق الأحاديث واستخراج المقصود مِنْهُ، وقد روى مُسْلِم من حديث أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا اغتسل؛ بدأ بيمينه، فصبَّ عليها الماء فغسلها) ، وفي آخره: (وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد) ، ذكر ذلك شيخنا الشَّارح برمَّته، غير أنَّ كلام ابن المُنَيِّر لَمْ أنقله من الشَّرح وهو فيه، وإنَّما ذكرته من «تراجم ابن المُنَيِّر» رحمهما الله تَعَالَى.

قوله في التَّبويب: (غَيْرُ الجَنَابَةِ): (غيرُ): بالرفع، وهذا ظاهر.

قوله: (وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ وَالبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ): أي: أدخل كلُّ واحد منهما يده.

قوله: (مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ): هو بضمِّ الغين: الماء، ويجوز فتحها، وبهما ضُبِط في أصلنا.

[1] في (ج): (بمعنى) .
[2] في (ب): (من) .
[3] في (ج): (نفى) .
[4] في (ب): (الآن) .
[5] في (ب): (وتحقق) ، وفي (ج): (وحقيق) .
[6] في (ب): (يضر) .
[7] في (ج): (إدخالهما) .
[8] في (ب): (و) .
[9] في (ج): (يذكر هنا) .
[10] في (ج): (بتخير) .






9- هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ) الذي فيه ماء الغسل (قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا) خارج الإناء (إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ)؛ بالذَّال المُعجَمة؛ أي: شيءٌ مستكرَهٌ من نجاسةٍ و [1] غيرها [/ج1ص321/] (غَيْرُ الْجَنَابَةِ؟ وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) رضي الله عنهم (يَدَهُ)؛ بالإفراد؛ أي: أدخل كلُّ واحدٍ [2] منهما يده (فِي الطَّهُورِ)؛ بفتح الطَّاء؛ وهو: الماء الذي يُتطهَّر به (وَلَمْ يَغْسِلْهَا) قبلُ (ثُمَّ تَوَضَّأَ) كلٌّ منهما، ولأبي الوقت: ((يديهما [3] ))؛ بالتَّثنية على الأصل، قال البرماويُّ كالكرمانيِّ: و [4] في بعض النُّسخ: ((يديهما ولم يغسلاهما ثمَّ توضَّآ))؛ بالتَّثنية في الكلِّ، وأثر ابن عمر وصله سعيد بن منصورٍ بمعناه، وأثر البراء وصله ابن أبي شيبة بلفظ: أنَّه أدخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها، واستُنبِط منه: جواز إدخال الجنب يده في إناء الماء الذي يتطهَّر به قبل أن يغسلها، إذا لم يكن على يده [5] نجاسةٌ، (وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهم (بَأْسًا بِمَا يَنْتَضِحُ)؛ أي: يترشرش (مِنْ) ماء (غُسْلِ الْجَنَابَةِ) في الإناء الذي يغتسل منه؛ لأنَّه يشقُّ الاحتراز عنه، قال الحسن البصريُّ فيما رواه ابن أبي شيبة: ومن يملك انتشار الماء؟! إنَّا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا، وأثر ابن عمر وصله عبد الرَّزَّاق بمعناه [6] ، وأثر ابن عبَّاسٍ وصله ابن أبي شيبة وعبد الرَّزَّاق.

[1] في (ب) و(س): «أو».
[2] «واحد»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[3] في غير (م): «توضَّآ».
[4] «و»: ليست في (م).
[5] في (د): «يديه».
[6] في غير (م): «هنا»، ولعلَّه تحريفٌ.





( وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ وَالْبَرَاءُ يَدَهُ ) لأبي الوقت: «يديهما».

( فِي الطَّهُورِ ) بفتح أوَّله: الماء المُعَدِّ للغُسل.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

هذا ((بابٌ)) ؛ بالتنوين: ((هل يُدخل)) ؛ بضمِّ التحتية ((الجنب يده في الإناء)) أي: الذي فيه الماء المطلق لأجل الاغتسال ((قبل أن يغسلها)) ؛ أي: اليد بماء خارج الإناء؛ لترتفع جنابتها، ((إذا لم يكن على يده قَذَر)) ؛ بالقاف والذال المفتوحتين؛ أي: شيء مستقذر ومستكره، وهو النجس؛ كالمني ونحوه ((غير الجنابة)) ؛ أي: المعنوية، أمَّا الحسية التي هي المني، والبول، وغيرهما؛ فإنَّها يجب غسلها من الجنب وغيره قبل أن يدخلها في الإناء حتى لا ينجس الماء بذلك، وقد أشار المؤلف في هذه الترجمة إلى شيئين؛ أحدهما: نجاسة المني، والثاني: نجاسة الماء المستعمل، فإنَّه استنبط من الأثرين المذكورين والأحاديث الأربعة المذكورة هذا الحكم، وظاهره أنَّ هذا هو مذهب المؤلف رحمه الله تعالى.

وقال صاحب «عمدة القاري»: (يشعر قوله: «غير الجنابة» بأن الجنابة نجس وليس كذلك؛ لأنَّ المؤمن لا ينجس، كما ثبت ذلك في «الصحيح») انتهى؛ يعني: أنَّ يد الجنب إذا كانت نظيفة من المني وغيره؛ يجوز له إدخال الإناء لأجل الاغتراف قبل أن يغسلها؛ لأنَّه ليس شيء من أعضائه نجسًا بسبب كونه جنبًا؛ لقوله عليه السلام: «سبحان الله! إنَّ المؤمن لا ينجس».

وزعم ابن حجر أنَّ قوله: (غير الجنابة) ؛ أي: حكمها؛ لأنَّ أثرها مختلف فيه فدخل في قوله: (قذر) .

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: لم تدخل الجنابة في القذر أصلًا؛ لأنَّها أمر معنوي لا يوصف بالقذر حقيقة، فما مراد هذا القائل من قوله: أي حكمها؟ فإن كان الاغتسال؛ فلا دخل له ههنا، وإن كان النجاسة؛ فقد قلنا: إنَّ المؤمن لا ينجس، وكذا إن كان مراده من قوله: لأنَّ أثرها؛ أي: المني، فهو طاهر في زعمه) انتهى.

وزعم العجلوني فقال: وصف الجنابة بالنجاسة الحكمية وبالقذر مجازًا لا مانع منه، ولم يدَّعِ ابن حجر الحقيقة؛ ليردها، على أنَّه لا مانع أيضًا من جعل الاستثناء منقطعًا، وأثر الجنابة ما ينشأ عنها من كون مائها المستعمل في رفعها غير طهور أو نجس، فلا يدخل الجنب يده في الماء القليل؛ لئلا ينجس، وهذا المعنى صحيح، وإن أريد بالأثر المني؛ فكذلك؛ لأنَّه وإن كان طاهرًا عند الشافعي، لكنه فيه خلاف، فقيل بنجاسته، فلعل البخاري يرى ذلك، أو لأنَّه لا يلزم من طهارته أنَّه لا يغسل؛ لاستقذاره، فلذا قال: (غير الجنابة) ، والشارح يشرح على مقتضى اللفظ الذي يشرحه، ثم يبين مذهبه إن شاء، سواء وافق ما تقتضيه العبارة أو لا؛ فتأمل.

قلت: وهذا ممنوع، فلذا أَمر بالتأمل، فإنَّ قوله: (وصف الجنابة...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه لا يجوز حمل الكلام على المجاز إلا عند تعذُّر الحقيقة، وهنا هو ممكن؛ لأنَّ المراد بالجنابة المعنوية وهي نجاسة حكمية حقيقة، وأنَّ المراد بالقذر المني، وهو نجاسة حقيقية حقيقة، فإذا كانا كذلك؛ لا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز، وهذا دأبهم يحملون الكلام على المجاز وهو لا يجوز إلا عند تعذر الحقيقة، وهذا هو المانع.

وقوله: (ولم يدع ابن حجر...) إلخ ممنوع؛ فإنَّه قد ادَّعاها بدليل أنَّه فسرها بالحكم، وأدخلها تحت القذر.

ولا ريب أنَّ زعمه الحقيقة، وقوله: (على أنَّه لا مانع...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه إذا أريد بالجنابة أثرها ـ وهو المني ـ؛ فلا ريب أنَّ الاستثناء يكون متصلًا، وإذا أمكن أن يكون متصلًا؛ لا يجوز العدول عنه إلى المنقطع.

وقوله: (وأثر الجنابة...) إلخ هذا يؤيد كون الاستثناء متصلًا؛ لأنَّ قوله: (وأثر الجنابة...) إلخ دليل على أنَّ أثر الجنابة نجس حقيقة؛ لأنَّ قوله: (غير طهور) هو النجس من حيث إنَّه لا يجوز الوضوء والغسل به.

وقوله: (أو نجس) هو الحقيقي، على أنَّه لا دخل لهذا الكلام هنا؛ لأنَّ المراد بالأثر السبب، وهو المني، وما ينشأ عن الجنابة من مائها إنَّما هو أثر الغسل لا أثر الجنابة، ألا ترى إذا سئلت عن هذا الماء ما تجيب؟ ولا يسع أحدًا أن يجيب إلا بماء الاغتسال، كما هو ظاهر، ووصفه بأنَّه غير طهور أو نجس أمرٌ آخر لا دخل له هنا؛ لأنَّ المراد أنَّ يد الجنب إذا كانت نظيفة؛ جاز له إدخالها الإناء، ولا يوصف بالاستعمال، كما قررناه.

وقوله: (فلا يدخل...) إلخ هو رد لكلامه الأول، فقد اعترف بما منع.

وقوله: (وإن أريد بالأثر...) إلخ ظاهر، إلا أنَّ قوله: (لأنَّه وإن كان...) إلخ ممنوع؛ لأنَّ كون المني طاهرًا في زعمه يمنع تفسير الجنابة بالحكم وإدخالها تحت القذر، وما هذا إلا تناقض من ابن حجر، فإنَّه قد خبط وخلط.

وقوله: (فقيل بنجاسته...) إلخ هذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين.

وقوله: (فلعل...) إلخ ظاهر؛ فإنَّه قد علم ذلك من الترجمة والاستدلال أنَّ مذهب المؤلف نجاسة المني، كما هو قول الجمهور.

وقوله: (أو لأنَّه لا يلزم...) إلخ ممنوع، فإنَّه إذا وجب غسل الشيء لما أصابه يلزم أن يكون الذي أصابه نجسًا؛ لأنَّه لو لم يصبه لم يجب غسله، ألا ترى أنَّ البول يجب غسله؛ لأنَّه نجس، والبزاق لا يجب غسله؛ لأنَّه طاهر، فالغسل الواجب المراد به هنا لا يجب إلا للنجس، فيلزم القول بطهارته أنَّه لا يجب غسله، مع أنَّه صرح في الترجمة بأنَّه يغسل المني؛ لأنَّه نجس؛ لأنَّ المراد بالجنابة: الأثر، كما فسره، وما هذا إلا تناقض ظاهر.

وقوله: (والشارح يشرح...) إلخ ممنوع؛ فإنَّ الواجب على الشارح أن يبين الحق الصحيح، لا يقتصر على بيان ما ذهب إليه إمامه ترويجًا له، على أنَّ مقتضى اللفظ يخالف ما فسره ابن حجر، كما علمت، وهو غير موافق لما ذهب إليه إمامه فقد خبط وخلط؛ لأنَّ كلامه لا يوافق ما ذهب إليه المؤلف، ولا ما ذهب إليه إمامه، وكان مراده موافقة مذهبه، لكنه اختلط عليه الشرح، فلا يدري ما تكلم، وهذا من هفواته، كما بينه في «إيضاح المرام».

((وأدخل)) هذه الواو تسمى واو الاستفتاح يستفتح بها كلامه، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» ((ابن عمر)) : هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ((والبَرَاء)) ؛ بفتح الباء الموحدة، والراء المخففة ((بن عازب)) رضي الله تعالى عنهم ((يداه)) ؛ بالتثنية، وفي رواية: (يده) ؛ بالإفراد؛ أي: أدخل كل واحد منهما يده ((في الطَّهور)) ؛ بفتح الطاء: وهو الماء الذي يتطهر به في الوضوء والاغتسال، ((ولم يغسلاها)) ؛ بالتثنية أيضًا، وفي رواية: (ولم يغسلها) ؛ بالإفراد؛ أي: اليد كل واحد منهما، ((ثم توضَّأا)) ؛ بالتثنية أيضًا، وفي رواية بالإفراد؛ أي: كل واحد منهما.

قال في «عمدة القاري»: (وهذا الأثر غير مطابق للترجمة على الكمال؛ لأنَّ الترجمة مقيَّدة، والأثر مطلق، أمَّا أثر ابن عمر رضي الله عنهما؛ فقد وصله سَعِيْد بن منصور بمعناه، وأمَّا أثر البَرَاء؛ فقد وصله ابن أبي شيبة بلفظ: (أنَّه أدخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها) .

فإن قلت: روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (من اغترف من ماء وهو جنب؛ فما بقي نجس) ، وهذا يعارض ما ذكره البخاري، قلت: حملوا هذا على ما إذا كان بيده قذر توفيقًا بين الأثرين) انتهى.

قلت: والقذر كالمني، والبول، وغيرهما.

وزعم ابن حجر: [/ص272/] بأن يحمل الغسل على الندب، والترك على الجواز، ورده صاحب «عمدة القاري»، فقال: قلت: (كيف يكون تركه للجواز إذا كان بيده قذر، وإن لم يكن؛ فلا يضر، فلم يحصل التوفيق بينهما بما ذكره هذا القائل، وهذا الأثر من أقوى الدلائل لمن ذهب من الأئمَّة الحنفية إلى نجاسة الماء المستعمل؛ فافهم) انتهى.

وزعم العجلوني على الأول أنَّه ليس في قول ابن حجر: (أو غسل للندب، وترك للجواز) ما يدل على أنَّ القذر لو وجد؛ كان نجسًا، ولو لم يوجد قذر؛ جاز أن يغسلهما لأمر آخر لمزيد النظافة.

قلت: وهو ممنوع ومردود، فإنَّ ما زعمه ابن حجر من أنَّه غسل للندب وترك للجواز يدل على أنَّه كان بيده قذر، والقذر نجس وهو ينجس الماء، وهو صريح لفظ الأثر، فإنَّ لفظه: (فما بقي منه نجس) ، وإنَّما ينجس الماء القذر النجس، وإن لم يوجد على يده قذر؛ فلا يضر الغسل، وهذا ظاهر من لفظ الأثر صريحًا، فقول العجلوني: (ليس...) إلخ مردود على أنَّ قوله: (ولو لم يوجد...) إلخ مردود؛ لأنَّه إمَّا أن يظن أو يتيقن، فإن أراد الأول؛ فليس بشيء؛ لأنَّه وهم، والأحكام لا تبنى عليه، وإن كان الثاني؛ فإنَّه يرجع إلى الأول.

وقوله: (لأمر آخر...) إلخ مردود؛ فإنَّ الغسل لمزيد النظافة لا يكون الماء الباقي نجسًا، وقد صرح في الأثر (باب ما بقي منه نجس) ، وعلى كلٍّ؛ فلم يوجد التوفيق، فكيف قال العجلوني ما قال؟ فليحفظ.

وزعم العجلوني على الثاني، فقال بعد ثبوته _أي: الأثر_: علمت الجواب عنه؛ أي: وهو أنَّه محمول على أنَّه كان في يده قذر؛ كما قدمناه.

قلت: وهذا تعصب وتعنت، فإنَّ الأثر ثابت لا محالة؛ لأنَّه رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن محمَّد بن فضيل، عن أبي سنان ضرار، عن محارب، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو يدل على أنَّ الماء المستعمل نجس، والجواب المذكور ممنوع؛ لأنَّه تأويل غير صحيح، فأي دليل جاء على أنَّه كان في يده قذر؟ وما هي إلا دعوى باطلة، مع أنَّ الأصل عدم القذر ومدعيها مطالب بالدليل، ولم يوجد هذا، وقد روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن عمر: (أنَّه كان يغسل يده قبل التطهُّر) ، وهو عام يشمل الجنابة والحدث الأصغر، وهو أيضًا يدل على أنَّ الماء المستعمل نجس، فاحتمال وجود القذر عليها بعيد جدًّا؛ لأنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان؛ فليحفظ.

وقال في «عمدة القاري»: (وفي الأثر المذكور جواز إدخال الجنب يده في إناء الماء قبل أن يغسلها إذا لم يكن عليها نجاسة حقيقية، وقال الشَّعبي: «كان الصحابة يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها، وهم جنب، وكذا النساء ولا يفسد ذلك بعضهم على بعض»، ورُوِيَ نحوه عن ابن سيرين، وعطاء، وسالم، وسعد بن أبي وقاص، وسَعِيْد بن جبير، وابن المسيب) انتهى.

قلت: والظاهر: أنَّ إدخال أيديهم كانت لأجل الاغتراف لا مطلقًا، كما زعمه العجلوني، فإنَّ الآثار التي عن ابن عمر والبَرَاء صريحة في أنَّ الإدخال إنَّما كان لأجل الاغتراف، وهي أقوى وأرجح من نقل الشعبي؛ فليحفظ.

((ولم ير)) من الرؤية، وهي الاعتقاد ((ابن عمر)) : هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ((وابن عباس)) : هو عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ((بأسًا)) أي: مشقة ((بما ينتضح)) ؛ أي: يرتش ((من غُسل الجنابة)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: حال الاغتسال.

قال في «عمدة القاري»: (وجه مطابقة هذا الأثر بالتعسف يأتي، وهو من حيث إنَّ الماء الذي يدخل الجنب يده فيه لا ينجسه إذا كانت طاهرة، فكذلك انتشار الماء الذي يغتسل به الجنب في إنائه؛ لأنَّ في تنجسه مشقة؛ أي: فإنَّه مما يشق الاحتراز عنه، فكان معفوًّا عنه، ألا ترى كيف قال الحسن البصري: ومن يملك انتشار الماء؛ فإنَّا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا.

أمَّا أثر ابن عمر؛ فوصله عبد الرزاق بمعناه.

وأمَّا أثر ابن عباس؛ فرواه ابن أبي شيبة عن حفص، عن العلاء بن المسيب، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن ابن عباس في الرجل يغتسل من الجنابة، فينتضح في إنائه من غسله، فقال: (لا بأس به) ، وهو منقطع فيما بين إبراهيم وابن عباس، روي مثله عن أبي هريرة، وابن سيرين، والنخعي، والحسن فيما حكاه ابن بطال عنهم، ويقرب من ذلك ما روي عن الإمام أبي يوسف رحمة الله عليه فيمن كان يصلي فانتضح عليه البول أكثر من قدر الدرهم؛ فإنَّه لا يفسد صلاته، بل ينصرف ويغسل ذلك ويبني على صلاته) انتهى كلام «عمدة القاري».

قلت: وفي هذا الأثر أنَّ ما يصيب الإنسان من الرشاش من غُسله حال الجنابة معفوٌّ عنه؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه، وفيه: دليل لمن ذهب من الأئمَّة الحنفية إلى أنَّ الماء المستعمل نجس؛ لأنَّه إنَّما عفي عن الرشاش؛ لعدم الاحتراز عنه، أمَّا الذي أمكن الاحتراز عنه؛ فليس هو من المعفوِّ عنه، فيكون نجسًا، على أنَّ قوله: (ولم ير بأسًا) يفيد أنَّ الاحتراز عن الرشاش أحسن وأولى؛ لأنَّه إنَّما عفي عنه؛ للضرورة، وإذا لم يكن ضرورة؛ فلا عفوًا، وهذا ظاهر.

ونقل ابن التين عن الحسن أنَّه قال: (إن كانت جنابته من وطء، ويده نظيفة؛ فلا بأس بها، وإن كانت من احتلام هراقه ليلًا؛ فإنَّه لا يدري أين باتت يده، فيصيبه، فأفاد بقوله: (فلا بأس أنَّ المعفو عنه الاغتراف للضرورة الداعية لتناول الماء) ؛ يعني: وإذا لم يكن ضرورة؛ فلا يعفى عنه، فظاهره أنَّه ينجس الماء) .

وأفاد بقوله: (وإن كانت من احتلام...) إلخ إلى أنَّه ينجس الماء، وبه صرح ابن حبيب، فقال: من أدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها ساهيًا، أو عامدًا؛ فلا شيء عليه، إلا أن يكون بات جنبًا؛ فلا يدري ما أصاب يده من جنابته، فإن أدخلها قبل الغسل؛ نجس الماء.

فإنَّ قوله: (فلا شيء عليه) ؛ يعني: فيما إذا كان لأجل الاغتراف.

وقوله: (إلا أن يكون...) إلخ ظاهره يدل على نجاسة المستعمل، وفيه: دليل ظاهر على نجاسة المني؛ حيث لا يصيب الإنسان من جنابته إلا المني، ورطوبة الفرج، وهذا ظاهر، وعلى كل حال؛ فهذه الآثار تدل على نجاسة المستعمل، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.