متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

259- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ)؛ بضمِّ العين المُهمَلة في الأوَّل، وكسر المُعجمَة في الثَّالِث، وآخره مُثَلَّثةٌ، المُتوفَّى سنة ثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) هو حفص بن غياث بن طلقٍ، النَّخعيُّ الكوفيُّ، قاضي بغداد، المُتوفَّى سنة ستٍّ [1] وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ): هو ابن أبي الجعد، التَّابعيُّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف، مُصغَّرًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: حَدَّثَتْنَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد المُثلَّثة (مَيْمُونَةُ): أمُّ المؤمنين رضي الله عنها (قَالَتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غُسْلًا)؛ بضمِّ الغين؛ أي: ماءً للاغتسال (فَأَفْرَغَ) عليه الصلاة والسلام (بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ [/ج1ص320/] بِيَدِهِ الأَرْضَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: ((على الأرض))؛ أي: ضربها بيده (فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ غَسَلَهَا) بالماء، وأجرى القول مجرى الفعل مجازًا _كما مرَّ_ (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ قبل الميم، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((مضمض)) (وَاسْتَنْشَقَ) طلبًا للكمال المستلزم للثَّواب، وقد قال الحنفيَّة بفرضيَّتهما [2] في الغسل دون الوضوء؛ لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبًا فاطَّهروا} [المائدة: 6] ، قالوا: وهو أمرٌ بتطهير جميع البدن، إلَّا أنَّ ما يتعذَّر إيصال الماء إليه خارجٌ عن النَّصِّ؛ بخلاف الوضوء؛ لأنَّ الواجب [3] فيه [4] غسل الوجه، والمُواجَهة فيهما منعدمةٌ، وأيضًا مُواظَبته عليه الصلاة والسلام عليهما [5] ؛ بحيث لم يُنقَل عنه تركهما تدلُّ على الوجوب، لنا قوله عليه الصلاة والسلام: «عشرٌ من الفطرة»؛ أي: من السُّنَّة وذكرهما منها، (ثُمَّ غَسَلَ) عليه الصلاة والسلام (وَجْهَهُ وَأَفَاضَ)؛ أي: صبَّ الماء (عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ تَنَحَّى)؛ أي: تحوَّل إلى ناحيةٍ (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِمِنْدِيلٍ) بكسر الميم (فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا)؛ بضمِّ الفاء، وفي نسخةٍ: ((فلم ينتفض))؛ بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد النُّون، وأنَّث الضَّمير على معنى الخرقة؛ لأنَّ المنديل خرقةٌ مخصوصةٌ، زاد هنا في رواية كريمة: ((قال أبو عبد الله))؛ أي: المؤلِّف ((يعني: لم يتمسَّح به))؛ أي: بالمنديل من بلل الماء؛ لأنَّه أثر عبادةٍ، فكان تركه أَوْلى، قال التَّيميُّ [6] : ما أُتِي بالمنديل إلَّا أنَّه كان يتنشَّف به [7] ، وردَّه لنحو وسخٍ كان فيه. انتهى. وفي التَّنشُّف في الوضوء والغسل أوجهٌ؛ فقِيلَ: يُندَب تركه لِمَا ذُكِر، وقِيلَ: يُندَب فعله؛ ليسلم من غبار نجسٍ ونحوه، وقِيلَ: يُكرَه فعله فيهما، وإليه ذهب ابن عمر [8] . وقال ابن عبَّاسٍ: يُكرَه في الوضوء دون الغسل، وقِيلَ: تركه وفعله سواءٌ، قال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: وهذا هو الذي نختاره ونعمل به؛ لاحتياج المنع والاستحباب إلى دليلٍ، وقِيلَ: يُكرَه في الصَّيف دون الشِّتاء، قال في «المجموع»: وهذا كلُّه إذا لم يكن حاجةٌ؛ كبردٍ أو التصاق نجاسةٍ، فإن كان؛ فلا كراهة قطعًا، انتهى. قال في «الذَّخائر»: وإذا تنشَّف، فالأَوْلى ألَّا يكون بذيله وطرف ثوبه ونحوهما.

ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ وصحابيٍّ عن صحابيَّةٍ.

[1] «ستًّا»: سقط من (م).
[2] في (ص): «بفرضيَّتها».
[3] في (ص): «الغالب».
[4] «فيه»: مثبتٌ من (م).
[5] «عليهما»: سقط من (م).
[6] في غير (د): «ابن التِّين»، وليس بصحيحٍ.
[7] «به»: سقط من غير (ب) و(س).
[8] في (د): «ابن بكيرٍ».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

259-. حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ، قالَ: حدَّثنا أَبِي، قالَ: حدَّثنا الأَعْمَشُ، قالَ: حدَّثني سالِمٌ، عن كُرَيْبٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قالَ:

حَدَّثَتْنا مَيْمُونَةُ، قالتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ علىَ يَسارِهِ فَغَسَلَهُما، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ [1] فَمَسَحَها بِالتُّرابِ، ثُمَّ غَسَلَها، ثُمَّ مَضْمَضَ [2] واسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفاضَ علىَ رَأسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّىَ، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَنْفُضْ بِها [3] .

[1] في رواية أبي ذر وابن عساكر: «على الأرضِ».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «تمضمض».
[3] بهامش اليونينية بدون رقم زيادة: «قال أبو عبد الله: يعني لم يتمسَّح به». كتبت بالحمرة.





259- ( صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا ) بضم الغين: اسم للماء، وإن أريد المصدر جاز فيه الضم والفتح في المشهور، قاله النووي، قلت [ب:20] : ويدل للأول قوله في باب تفريق الغسل: [/ج1ص112/]

«وضعت له ماء يغتسل به».

( ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ ) هو على ما سبق، ويفسره رواية أبي داود: «ضرب بيده». [1]

( ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا ) كان الأصل: «به» كما في رواية مسلم: «فرده»، ولكن رجع الضمير مؤنثًا على تأويل المنديل بالخرقة، قال البخاري: يعني لم يتمسَّح به.

( بِمَا يُنْتَضحُ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ ) أي: بالماء الذي يغتسل به.

[1] قال محب الدين البغدادي: قوله: ( ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ ). أي: ضرب بيده.





259# (صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غُسْلًا) بضم الغين؛ أي: ماء يغتسل [1] به؛ كما جاء بعد هذا في باب: تفريق الغُسل.

(ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ) أي: ضربَ بيده [2] ؛ كما جاء في أبي داود، ففيه إطلاقُ القول على الفعل مجازًا، كما مرَّ.

(ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا) أعاد الضمير مؤنثًا على تأويل المنديل بالخِرْقة؛ نحو: أَتَتْه كتابي، فاحتقرها [3] ؛ أي: صحيفتي.

قال البخاري:

@%ج1ص149%

((يعني: لم يتمسَّحْ به)) وسيأتي الكلام فيه في باب: نفض اليدين من غسل الجنابة [4] .

[1] في (ق): ((ماء يغسل به)).
[2] في (ق): ((به)).
[3] في (د): ((فاحتفرها)).
[4] في (ج): ((اليدين)).





259- قوله [1] : (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ): هو بالغين المعجمة المكسورة، ثُمَّ مثنَّاة تحت مخفَّفة، وفي آخره ثاء مثلَّثة، مشهور التَّرجمة، تقدَّم.

قوله: (حَدَّثَنَا [2] الأَعْمَشُ): تقدَّم مرارًا أنَّه سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ أبو محمَّد الكاهليُّ، الإمام، مشهور التَّرجمة، وقد تقدَّم بعضها.

قوله: (حَدَّثَنِي سَالِمٌ): هو ابن أبي الجعد الأشجعيُّ مولاهم، الكوفيُّ، عن عمر وعائشة مرسلًا، وعن ابن عبَّاس، وابن عمر، وعنه: منصور، والأعمش، توفِّي سنة (100 هـ ) ، ثقةٌ، أخرج له الجماعة، لكنَّه له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه.

قوله: (غُسْلًا): هو بضمِّ الغين: الماء، وكذا هو مضبوط في أصلنا، ويجوز الفتح، وهو لغة في الماء، كما أنَّ الضَّم لغة في الفعل.

قوله: (على يَسَارِهِ): هو بفتح الياء، وتكسر على لغة، قال ابن عزيز في «غريبه»: (ليس في العربيَّة كلمة أوَّلها ياء مكسورة إلَّا «يِسار» لغة في اليد) انتهى، واستُدرك عليه: يِساف.

قوله: (ثُمَّ أُتِيَ): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، الذي أتى به هو ميمونة، وسيأتي من حديثها: (فَنَاوَلْتُه خُرْقَةً) [خ¦266] .

قوله: (بِمِنْدِيلٍ): هو بكسر الميم، معروف.

قوله: (فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا): أنَّث على إرادة الخرقة، وكان الأصل (به) ، كما في رواية مُسْلِم: (فردَّه) ، ولكن أتى به مؤنَّثا على إرادة الخرقة؛ كما ذكرنا.

[1] (قوله): سقطت من (أ) .
[2] (حدثنا): ليس في (ب) .





لا تتوفر معاينة

259- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ)؛ بضمِّ العين المُهمَلة في الأوَّل، وكسر المُعجمَة في الثَّالِث، وآخره مُثَلَّثةٌ، المُتوفَّى سنة ثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) هو حفص بن غياث بن طلقٍ، النَّخعيُّ الكوفيُّ، قاضي بغداد، المُتوفَّى سنة ستٍّ [1] وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ): هو ابن أبي الجعد، التَّابعيُّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف، مُصغَّرًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: حَدَّثَتْنَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد المُثلَّثة (مَيْمُونَةُ): أمُّ المؤمنين رضي الله عنها (قَالَتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غُسْلًا)؛ بضمِّ الغين؛ أي: ماءً للاغتسال (فَأَفْرَغَ) عليه الصلاة والسلام (بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ [/ج1ص320/] بِيَدِهِ الأَرْضَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: ((على الأرض))؛ أي: ضربها بيده (فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ غَسَلَهَا) بالماء، وأجرى القول مجرى الفعل مجازًا _كما مرَّ_ (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ قبل الميم، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((مضمض)) (وَاسْتَنْشَقَ) طلبًا للكمال المستلزم للثَّواب، وقد قال الحنفيَّة بفرضيَّتهما [2] في الغسل دون الوضوء؛ لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبًا فاطَّهروا} [المائدة: 6] ، قالوا: وهو أمرٌ بتطهير جميع البدن، إلَّا أنَّ ما يتعذَّر إيصال الماء إليه خارجٌ عن النَّصِّ؛ بخلاف الوضوء؛ لأنَّ الواجب [3] فيه [4] غسل الوجه، والمُواجَهة فيهما منعدمةٌ، وأيضًا مُواظَبته عليه الصلاة والسلام عليهما [5] ؛ بحيث لم يُنقَل عنه تركهما تدلُّ على الوجوب، لنا قوله عليه الصلاة والسلام: «عشرٌ من الفطرة»؛ أي: من السُّنَّة وذكرهما منها، (ثُمَّ غَسَلَ) عليه الصلاة والسلام (وَجْهَهُ وَأَفَاضَ)؛ أي: صبَّ الماء (عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ تَنَحَّى)؛ أي: تحوَّل إلى ناحيةٍ (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِمِنْدِيلٍ) بكسر الميم (فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا)؛ بضمِّ الفاء، وفي نسخةٍ: ((فلم ينتفض))؛ بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد النُّون، وأنَّث الضَّمير على معنى الخرقة؛ لأنَّ المنديل خرقةٌ مخصوصةٌ، زاد هنا في رواية كريمة: ((قال أبو عبد الله))؛ أي: المؤلِّف ((يعني: لم يتمسَّح به))؛ أي: بالمنديل من بلل الماء؛ لأنَّه أثر عبادةٍ، فكان تركه أَوْلى، قال التَّيميُّ [6] : ما أُتِي بالمنديل إلَّا أنَّه كان يتنشَّف به [7] ، وردَّه لنحو وسخٍ كان فيه. انتهى. وفي التَّنشُّف في الوضوء والغسل أوجهٌ؛ فقِيلَ: يُندَب تركه لِمَا ذُكِر، وقِيلَ: يُندَب فعله؛ ليسلم من غبار نجسٍ ونحوه، وقِيلَ: يُكرَه فعله فيهما، وإليه ذهب ابن عمر [8] . وقال ابن عبَّاسٍ: يُكرَه في الوضوء دون الغسل، وقِيلَ: تركه وفعله سواءٌ، قال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: وهذا هو الذي نختاره ونعمل به؛ لاحتياج المنع والاستحباب إلى دليلٍ، وقِيلَ: يُكرَه في الصَّيف دون الشِّتاء، قال في «المجموع»: وهذا كلُّه إذا لم يكن حاجةٌ؛ كبردٍ أو التصاق نجاسةٍ، فإن كان؛ فلا كراهة قطعًا، انتهى. قال في «الذَّخائر»: وإذا تنشَّف، فالأَوْلى ألَّا يكون بذيله وطرف ثوبه ونحوهما.

ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ وصحابيٍّ عن صحابيَّةٍ.

[1] «ستًّا»: سقط من (م).
[2] في (ص): «بفرضيَّتها».
[3] في (ص): «الغالب».
[4] «فيه»: مثبتٌ من (م).
[5] «عليهما»: سقط من (م).
[6] في غير (د): «ابن التِّين»، وليس بصحيحٍ.
[7] «به»: سقط من غير (ب) و(س).
[8] في (د): «ابن بكيرٍ».





259- ( عُمَرُ بْنُ حَفْصِ ) زاد الأَصِيلي: «ابن غياث».

( غُسْلًا ): بضمِّ أوَّله، أي: ماء للاغتسال.

( ثمَّ قَالَ: بِيَدِهِ على الأَرْضَ ) لأبي ذرٍّ بإسقاط «على»، وفيه إطلاق القول على الفعل.

( بِمِنْدِيلٍ ): بكسر الميم.

( فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا ) زادت كريمة: «قال أبو عبد الله: يعني لم يتمسَّح» وأُنِّث الضَّمير على إرادة الخرقة؛ لأنَّ المنديل: خرقة مخصوصة.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

259- وبه قال: ((حدثنا عُمر)) ؛ بضمِّ العين المهملة ((بن حفص بن غِياث)) ؛ بكسر الغين المعجمة، آخره مثلثة، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا أبي)) : هو حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي، وُلِّي القضاء ببغداد، أوثق أصحاب الأعمش، ثقة، فقيه، عفيف، حافظ، مات سنة ست وتسعين ومئة ((قال: حدثنا الأعمش)) : هو سليمان بن مهران ((قال: حدثني)) بالإفراد ((سالم)) ؛ بالسين المهملة: هو ابن أبي الجعد، التابعي، ((عن كُريب)) ؛ بضمِّ الكاف؛ مصغرًا: مولى ابن عباس، ((عن ابن عباس)) : عبد الله رضي الله عنهما قال: ((حدثتنا)) ؛ بتاء التأنيث بعد المثلثة ((مَيمُونة)) ؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية: بنت الحارث زوج النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وخالة ابن عباس رضي الله عنها أنَّها ((قالت: صببت للنبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم غُسلًا)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: ماء للاغتسال من الجنابة، ((فأفرغ)) : من الإفراغ؛ أي: صب النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((بيمينه على يساره)) ؛ أي: صب الماء الذي طلبه أولًا في يمينه من الإناء، أو أخذه بها، فيكون هذا على وفق عادته عليه السلام؛ لأنَّ عادته عليه السلام غالبًا الإفراغ بشماله على يمينه؛ لما رواه مسلم من حديث أبي سَلَمَة عن عائشة قالت: (كان النبي عليه السلام إذا اغتسل بدأ بيمينه، فصب عليها من الماء فغسلها) ، وقد يقال: إنَّما أفرغ بيمينه على يساره لما كان فيها من المني وغيره؛ ليكون متناولًا الماء بيديه الطاهرتين، وهذا معنًى صحيح؛ فليحفظ، ((فغسلهما)) ؛ أي: اليمين واليسار معًا بعد أن غسل اليسار أولًا، ثم جعل الماء فيهما فغسلهما معًا هذا هو الظاهر؛ فافهم، ((ثم غسل فرجه)) ؛ أي: مذاكيره القبل والدبر وما حولهما بعد أن أفرغ بيمينه على شماله، ((ثم قال بيده)) ؛ أي: اليسار التي استنجى بها ((الأرض)) ؛ أي: ضرب بيده الأرض، فإنَّ العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام، كما ذكرناه عن قريب، وسيجيء في رواية في هذا الموضع: (فضرب بيديه الأرض) ؛ بالتثنية، كذا في «عمدة القاري»، وفي رواية أبي ذر، وابن عساكر: (على الأرض) ؛ أي: ضرب بيده عليها، أو يقال: مسح بيده على الأرض، فإنَّ [/ص269/] المراد بـ (قال) إمَّا ضرب أو مسح، قال ابن بطال: سمى الفعل في (ثم قال بيده الأرض) : قولًا، كما سمى القول فعلًا في حديث: «لا حسد إلا في اثنتين» حيث قال في الذي يتلو القرآن: «لو أوتيت مثل ما أوتي؛ لفعلت مثل ما فعل») انتهى؛ فتأمل، ((فمسحها)) أي: اليد ((بالتراب)) لما أنَّه أصابها شيء من المني، أو المذي، أو غيرهما وهذا لزج لا يخرجه إلا الدلك، فلهذا احتاج إلى مسحها بالتراب.

وقال ابن الملقن: (لعله لأذًى كان فيها، وإلا؛ لكان يكتفي بالماء وحده) انتهى.

قلت: نعم؛ قد كان فيها أذًى من مني أو غيره، كما قلنا.

((ثم غسلها)) ؛ أي: اليد بالماء؛ لأجل الغسل من الجنابة بدليل قوله: ((ثم مضمض)) وفي رواية: (ثم تمضمض) ؛ بزيادة مثناة فوقية أوله، ((واستنشق)) فإنَّهما فرضان في الغسل بدليل أنَّه لم يذكر غسل اليدين، ولا مسح الرأس، وبه ظهر فساد ما زعمه العجلوني (من أنَّه غسلها لأجل الوضوء المسنون، فيكون فيه حذف غسل اليدين، ومسح الرأس) انتهى؛ لأنَّه إنَّما قال ذلك تعصبًا وترويجًا لما ذهب إليه إمامه من سنيتهما، وهو مردود، فإنَّ هذا الحديث وغيره يدل على وجوبهما؛ لأنَّ قوله: (ثم غسلها) ظاهر في أنَّه لأجل الغسل لا للوضوء.

وقوله: (ثم مضمض) ؛ أي: ابتدأ بفروض الغسل، وهكذا فليس فيه وضوء؛ لأنَّه لو كان فيه وضوء؛ لما ترك غسل اليدين ومسح الرأس.

وقوله: (وفيه حذف...) إلخ؛ ممنوع، فأي دليل دله على الحذف وما هو إلا مجرد دعوى بلا دليل، وتعصب لا يشفي العليل؛ فافهم.

((ثم غسل)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((وجهه)) الشريف؛ أي: ولحيته الشريفة، ((وأفاض)) أي: صب الماء ((على رأسه)) ؛ أي: وغسل باقي جسده ثلاثًا يستوعب الجسد بكل واحدة منها، وعطف (وأفاض على رأسه) بـ (الواو) يصدق بتقديمه على غسل الوجه، وبتأخيره عنه؛ لأنَّ الواو لمطلق الجمع على التحقيق، وهو يدل على أنَّ هذا ليس بوضوء، كما زعمه، بل غسل؛ فليحفظ، ((ثم تَنَحَّى)) ؛ بمثناة فوقية، بعدها نون، ثم حاء مهملة مشددة المفتوحات؛ أي: تحول وتباعد عن مكانه الذي اغتسل فيه إلى مكان آخر، ((فغسل قدميه)) ؛ أي: رجليه؛ تنظيفًا لهما عن الماء المستعمل، وتتميمًا للغسل؛ ليكون البدء والختم بأعضاء الوضوء، ((ثم أُتي)) ؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((بمِنديل)) ؛ بكسر الميم، واشتقاقه من الندل؛ وهو الوسخ؛ لأنَّه يندل به، ويقال: تندلت بالمنديل، قال الجوهري: (ويقال أيضًا: تمندلت) ، وأنكرها الكسائي، ويقال: تمدلت، وهو لغة فيه، كذا في «عمدة القاري».

قلت: ففيه ثلاث لغات، وهو معروف لا يخفى.

((فلم ينفُض بها)) ؛ بضمِّ الفاء، وفي بعض النسخ: (فلم ينتفض بها) ؛ بزيادة فوقية مفتوحة بعد النون، قال الجوهري: (النفض: التنشف؛ أي: لم يتنشف، وإنَّما أنَّث الضمير؛ لأنَّ المنديل في معنى الخرقة، وعن عائشة رضي الله عنها: (أنَّه عليه السلام كانت له خرقة يتنشف بها) ، كذا في «عمدة القاري»، قال: زاد في رواية: (كريمة) : ((قال أبو عبد الله)) ؛ أي: المؤلف: ((يعني)) ؛ أي: يقصد، ويريد أنَّه ((لم يتمسح به)) ؛ أي: بالمنديل، وفي نسخة: (بها) ؛ أي: بالخرقة، كما مر؛ أي: من بلل ماء الغسل، وأراد النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بتركه المنديل إبقاء بركة الماء -لأنَّه أثر عبادة- والتواضع؛ لأنَّ فعله عادة المتكبرين المترفهين، مع أنَّه يحتمل أن يكون تركه لشيء رآه فيه، أو لاستعجاله إلى الصَّلاة، أو لأنَّه عنده خرقة مخصوصة بنفسه، كما روت عنه عائشة؛ لأنَّ ظاهر الحديث يدل على أنَّه عليه السلام كان يتنشف، ولولا ذلك؛ لم تأته بالمنديل، ففيه: دليل على أنَّه لا بأس بالتمسح بالمنديل للمتوضئ والمغتسل، إلا أنَّه ينبغي ألَّا يبالغ، ويستقصي فيبقي أثر الوضوء على أعضائه، كما صرح به في «معراج الدراية»، وصرح في «المنية» باستحباب التمسح بالمنديل بعد الغسل، والصحيح أنَّه لا يكره استعمال الخرقة؛ لتمسح العرق، ولإلقاء النخامة والمخاط،كما في «الكافي»، و«شرح الوقاية»، وقال النووي: (واختلف فيه في الوضوء والغسل، والأظهر أنَّ المستحب تركه، وقيل: مكروه) انتهى.

فما يفعله بعض الناس في زماننا من تعليق الخرقة أو المنديل بعد التمسح به في الأواسط مكروه؛ لأنَّ فيه إظهار الزينة والتكبر، وأنَّه قد صلى في المسجد الجامع مع الجماعة، وأنَّه من الورعين الصالحين، ويمر على أرباب الدكاكين، وهم قعود ولسان حاله يقول: إنَّ هؤلاء الجماعة مقصرون في العبادة ومقبلون على الدنيا، والحال يحتمل أنَّه من المنافقين المرائين الذين يستحقون حبلًا، وطبلًا، وشيحًا، وكبريتًا، ورجوعًا إلى القهقرى، والله أعلم، هذا وقد أخذ المنديل عثمان بن عفان، والحسن بن علي، وأنس، وبشير بن أبي مسعود، ورخص فيه الحسن، وابن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك، وكان الإمام الأعظم، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق لا يرون به بأسًا، وكرهه ابن أبي ليلى، والنخعي، وابن المسيب، ومُجَاهِد، وأبو العالية، وفي الحديث أيضًا دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل؛ لقولها في بيان غسله عليه السلام: (ثم تمضمض واستنشق) ، وبهذا تحصل المطابقة للترجمة، وممن قال بوجوبهما: رأس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وإسحاق، وأحمد ابن حنبل، وبعض أصحاب الشافعي، وبعض أصحاب مالك.

وقال في «المنتهى الحنبلي»: (ويصح أن يسميا فرضين في أصح الروايتين، وهما واجبان في الوضوء والغسل، فلا يسقط واحد منهما سواء على المشهور) .

وعن أحمد: (أنَّ الاستنشاق وحده واجب في الطهارتين) انتهى.

وممن قال بوجوبهما أيضًا: حمَّاد بن سليمان، والزُّهري، وعطاء، وبعض أصحاب داود، وأبو ثور، وأبو عبيد، وغيرهم، ففي الحديث الصحيح قوله عليه السلام: «تحت كل شعرة جنابة؛ فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة...»؛ إلى آخر الدلائل الواضحة التي قدمناها الدالة على وجوبهما في الغسل.

وقال مالك، والشافعي، والأوزاعي، والطبري، والليث، والحكم، وقتادة: إنَّهما سنة في الغسل؛ كالوضوء.

قال في «المنهاج» و«شرحه»: (ولا يجب مضمضة واستنشاق لأمرين؛ أحدهما: القياس على الوضوء، وعلى غسل الميت، والثاني: ما رواه أحمد أنَّه ذكر عند النبيِّ عليه السلام الغسل من الجنابة، فقال: (أمَّا أنا؛ فآخذ ملء كفي ثلاثًا، فأصبه على رأسي، ثم أفيض بعده على سائر جسدي) انتهى.

وما رواه مسلم: («عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، [/ص270/] وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاض الماء»، قال وكيع: يعني: الاستنجاء، قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) انتهى.

قلت: وهذا مرود؛ لأنَّ قوله: (القياس على الوضوء...) إلخ غير ظاهر؛ لأنَّ الله تعالى بيَّن فرائض الوضوء في كتابه العزيز، وبيَّن أنَّ الفرض غسل الوجه، وهو ما يواجه به الإنسان، والمواجهة في الفم والأنف منعدمة غير حاصلة، فلا يتناولها افتراض غسل الوجه، فتثبت سنيتهما في الوضوء، أمَّا الغسل؛ فإنَّه لما أمر سبحانه بقوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ؛ ومعناه: طهروا أبدانكم، وهو يشملها؛ لأنَّهما من البدن؛ علم منه افتراضهما في الغسل؛ لأنَّ المراد افتراض غسل كل ما يمكن غسله من البدن من غير حرج، وغسلهما ممكن، فثبتت فرضيتهما، فالقياس على الوضوء غير صحيح، كما لا يخفى.

وقوله: (والثاني ما رواه أحمد...) إلخ هذا أيضًا مردود؛ لأنَّ هذا الحديث قد ورد في وفد ثقيف، ففي «مسلم»: أنَّ الصحابة تماروا في الغسل عند النبيِّ عليه السلام، فقال بعض القوم: أمَّا أنا؛ فأغسل رأسي بكذا وكذا، فقال النبيُّ عليه السلام: «أمَّا أنا؛ فأفيض ثلاثًا»، انتهى.

فعلم أنَّ السؤال وقع عن غسل الرأس بمرة، أو مرتين، أو أكثر لا عن بيان فرض الغسل بدليل أنَّ بعض القوم قال: (أمَّا أنا؛ فأغسل رأسي بكذا وكذا) ؛ أي: مرات، فأجابهم النبيُّ عليه السلام بأنَّ الإفاضة ثلاث أكف، فوقع الجواب طبق السؤال، فليس فيه دليل على عدم افتراضهما، بل فيه دليل على وجوبهما، ويدل لهذا ما في «أوسط الطبراني» مرفوعًا: «تفرغ بيمينك على شمالك، ثم تدخل يدك في الإناء، فتغسل فرجك، وما أصابك، ثم تتوضأ وضوءك للصلاة، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات تدلك رأسك كل مرة»، فعلم بهذا أنَّ ما رواه أحمد فيه طيٌّ، فحذف منه هذه الجملة؛ لأنَّه وقع جوابًا للسؤال، والمضمضة والاستنشاق إذا وقعا في ضمن الوضوء الذي للغسل يكفي عن الإتيان بهما مرة أخرى؛ لأنَّ الفرض التعميم، وقد حصل؛ فافهم.

وقوله: (وما رواه مسلم: «عشر من الفطرة...») إلخ هذا مردود أيضًا؛ لأنَّ الفطرة الإسلام، ومنه قوله تعالى: {فِطْرَةَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ، وقوله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة»؛ والمعنى: عشر من الإسلام؛ أي: فرائض الإسلام، إلا أنَّ بعضها خرج عن الفرضية بدلائل أخر وبقي على السنية؛ كالاستنجاء ونحوه، وبعضها بقي على أصله؛ كاللحية، فإنَّها إذا طالت عن مقدار القبضة؛ يجب أخذ الزائد عليها، وبعضها بقي على أصله، وهو الوجوب؛ كالمضمضة والاستنشاق في الغسل مع ما ضم إلى ذلك من الدلائل المفيدة للوجوب، على أنَّ قول مصعب: (ونسيت العاشرة) يحتمل أن تكون غير المضمضة، وأن يكون المراد بـ (الاستنشاق) ؛ أي: حال الوضوء؛ لذكره (السواك) ، وهو من سنن الوضوء، (ونتف الإبط، وحلق العانة) يكون حال الجنابة، كما ورد ذلك في حديث،فالذي ترجح أنَّ المضمضة والاستنشاق في الغسل واجبان، وفي الوضوء سنتان، وهو الحق الذي لا يعدل عنه، وأدين اللهَ على ذلك، والله أعلم.