إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: صببت للنبي غسلًا فأفرغ بيمينه

259- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بضمِّ العين المُهمَلة في الأوَّل، وكسر المُعجمَة في الثَّالِث وآخره مُثَلَّثةٌ، المُتوفَّى سنة ثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) هو حفص بن غياث بن طلقٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ، قاضي بغداد، المُتوفَّى سنة ستٍّ [1] وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ): هو ابن أبي الجعد، التَّابعيُّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف مُصغَّرًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: حَدَّثَتْنَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد المُثلَّثة (مَيْمُونَةُ): أمُّ المؤمنين رضي الله عنها (قَالَتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم غُسْلًا) بضمِّ الغين، أي: ماءً للاغتسال (فَأَفْرَغَ) عليه الصلاة والسلام (بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ
ج1ص320
بِيَدِهِ الأَرْضَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: ((على الأرض)) أي: ضربها بيده (فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ غَسَلَهَا) بالماء، وأجرى القول مجرى الفعل مجازًا، كما مرَّ (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ قبل الميم، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((مضمض)) (وَاسْتَنْشَقَ) طلبًا للكمال المستلزم للثَّواب، وقد قال الحنفيَّة بفرضيَّتهما [2] في الغسل دون الوضوء لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] قالوا: وهو أمرٌ بتطهير جميع البدن، إلَّا أنَّ ما يتعذَّر إيصال الماء إليه خارجٌ عن النَّصِّ، بخلاف الوضوء لأنَّ الواجب [3] فيه [4] غسل الوجه، والمُواجَهة فيهما منعدمةٌ، وأيضًا مُواظَبته عليه الصلاة والسلام عليهما [5] بحيث لم يُنقَل عنه تركهما تدلُّ على الوجوب، لنا قوله عليه الصلاة والسلام: «عشرٌ من الفطرة» أي: من السُّنَّة وذكرهما منها (ثُمَّ غَسَلَ) عليه الصلاة والسلام (وَجْهَهُ وَأَفَاضَ) أي: صبَّ الماء (عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ تَنَحَّى) أي: تحوَّل إلى ناحيةٍ (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِمِنْدِيلٍ) بكسر الميم (فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا) بضمِّ الفاء، وفي نسخةٍ: ((فلم ينتفض)) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد النُّون، وأنَّث الضَّمير على معنى الخرقة لأنَّ المنديل خرقةٌ مخصوصةٌ، زاد هنا في رواية كريمة: ((قال أبو عبد الله)) أي: المؤلِّف ((يعني: لم يتمسَّح به)) أي: بالمنديل من بلل الماء لأنَّه أثر عبادةٍ، فكان تركه أَوْلى، قال التَّيميُّ [6]: ما أُتِي بالمنديل إلَّا أنَّه كان يتنشَّف به [7]، وردَّه لنحو وسخٍ كان فيه. انتهى. وفي التَّنشُّف في الوضوء والغسل أوجهٌ؛ فقِيلَ: يُندَب تركه لِمَا ذُكِر، وقِيلَ: يُندَب فعله ليسلم من غبار نجسٍ ونحوه، وقِيلَ: يُكرَه فعله فيهما، وإليه ذهب ابن عمر [8]. وقال ابن عبَّاسٍ: يُكرَه في الوضوء دون الغسل، وقِيلَ: تركه وفعله سواءٌ، قال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: وهذا هو الذي نختاره ونعمل به لاحتياج المنع والاستحباب إلى دليلٍ، وقِيلَ: يُكرَه في الصَّيف دون الشِّتاء، قال في «المجموع»: وهذا كلُّه إذا لم يكن حاجةٌ؛ كبردٍ أو التصاق نجاسةٍ، فإن كان فلا كراهة قطعًا. انتهى. قال في «الذَّخائر»: وإذا تنشَّف فالأَوْلى ألَّا يكون بذيله وطرف ثوبه ونحوهما.
ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيَّةٍ.
ج1ص321


[1] «ستًّا»: سقط من (م).
[2] في (ص): «بفرضيَّتها».
[3] في (ص): «الغالب».
[4] «فيه»: مثبتٌ من (م).
[5] «عليهما»: سقط من (م).
[6] في غير (د): «ابن التِّين»، وليس بصحيحٍ.
[7] «به»: سقط من غير (ب) و(س).
[8] في (د): «ابن بكيرٍ».