متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

256- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى) بفتح الميمين، وسكون العين في أكثر الرِّوايات، وجزم به المِزِّيُّ، وللقابسيِّ: ((مُعَمَّر))؛ بضمِّ الميم الأولى، وتشديد الثَّانية، على وزن مُحمَّد، وجزم به الحاكم، وجوَّز الغسَّانيُّ الوجهين، (بْنِ سَامٍ)؛ بالمُهمَلة وتخفيف الميم، قَالَ: (حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (أَبُو جَعْفَرٍ) محمَّد بن عليٍّ الباقر، (قَالَ: قَالَ لِي جَابِرٌ) الصَّحابيُّ، زاد الأَصيليُّ [1] : ((ابن عبد الله))، (أَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ) زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((واو)) قبل ابن عمِّك [2] ؛ أي: ابن عمِّ أبيك، ففيه تجوُّزٌ؛ لأنَّه ابن عمِّ [3] والده عليُّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، حال كونه؛ أي: جابرٌ (يُعَرِّضُ بِالْحَسَنِ)، ولابن عساكر: ((يعرِّض الحسن)) [4] (بْنِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ) زوج عليٍّ تزوَّجها بعد فاطمة الزَّهراء، فولدت له محمَّدًا هذا، فاشتُهِر بها، و«التَّعريض»: غير التَّصريح، وفي الاصطلاح: هو كنايةٌ سيقت [5] لموصوفٍ غير مذكورٍ، وفي «الكشَّاف»: أن تذكر شيئًا تدلُّ به على شيءٍ لم تذكره، وسقطت المُوحَّدة من قوله: «بالحسن» لابن عساكر [6] ، (قَالَ)؛ أي: الحسن: (كَيْفَ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ؟) فيه إشعارٌ بأنَّ سؤاله كان في غيبة أبي جعفرٍ، فهو غير سؤال أبي جعفرٍ السَّابق، قال جابرٌ: (فَقُلْتُ) له: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ)، كذا في رواية كريمة؛ بالتَّاء، ولغيرها: ((ثلاث أكفٍّ))، جمع: كفٍّ، يُذكَّر ويُؤنَّث، فيجوز دخول التَّاء وتركه، والمُراد به: يأخذ كلَّ مرَّةٍ كفَّين؛ لأنَّ الكفَّ اسم جنسٍ، فيجوز حمله على الاثنين، ويدلُّ له رواية إسحاق السَّابقة، وأشار بيديه [7] ، فيُحمَل اللَّاحق على السَّابق، (وَيُفِيضُهَا)؛ بالواو، أي: ثلاثة الأكفِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: ((فيفيضها)) (عَلَى رَأْسِهِ) وسقط لأبي ذَرٍّ: ((على رأسه)) [8] ، وفي قوله: «كان» الدَّالَّة على الاستمرار، ملازمته عليه الصلاة والسلام على ثلاثة أكفٍّ في غسل الرَّأس، وأنَّه يجزئ وإن كان كثير الشَّعر، (ثُمَّ يُفِيضُ) الماء بعد رأسه (عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ) فمفعوله محذوفٌ، ولا يعود إلى ما سبق في المعطوف عليه وهو: «ثلاثة أكفٍّ»، ويكون قرينته العطف؛ لأنَّ الثلَّاثة [9] لا تكفي الجسد غالبًا [10] ، قال جابرٌ: (فَقَالَ لِي الْحَسَنُ) بن محمَّد بن الحنفيَّة: (إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ)؛ أي: لا يكفيني الثَّلاث، قال جابرٌ: (فَقُلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا) وقد كفاه ذلك، فالزِّيادة على ما كفاه عليه الصلاة والسلام تنطُّعٌ، وقد يكون مثاره الوسواس مِنَ الشَّيطان، فلا يُلتفَت إليه، فإن قلت: السُّؤال هنا وقع عنِ الكيفيَّة؛ لقوله: «كيف الغسل»؟ كما هو في الحديث السَّابق، أجاب في «الفتح»: بأنَّه عنِ الكميَّة كما أشعر به قوله في الجواب: «يكفيك صاعٌ»، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ لفظة: «كيف» في السُّؤال السَّابق مطويَّةٌ اختصارًا؛ لأنَّ السُّؤال في الموضعين عن حالة الغسل وصفته، والجواب في الموضعين بالكميَّة؛ لأنَّ هناك قال: «يكفيك صاعٌ»، وهنا قال: «ثلاثة أكفٍّ»، وكلٌّ منهما كمٌّ.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث بالجمع والإفراد والقول.

[1] في (م): «وللأصيليِّ»، وليس فيها «زاد».
[2] قوله: «زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ... «واو» قبل ابن عمِّك»، مثبتٌ من (م).
[3] في (ب) و(س): «أخي»، وهو خطأٌ.
[4] قوله: «ولابن عساكر: «يعرِّض الحسن»»، مثبتٌ من (م).
[5] في (م): «سبقت».
[6] قوله: «وسقطت المُوحَّدة من قوله: «بالحسن» لابن عساكر»، سقط من (د).
[7] في (د): «بكفَّيه».
[8] قوله: «وسقط لأبي ذَرٍّ: «على رأسه»»، سقط من (د).
[9] في (م): «الثَّلاث».
[10] إلى هنا انتهى النقص من (ص) وابتدأ مع الحديث: 236.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

256-. حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قالَ: حدَّثنا مَعْمَرُ [1] بنُ يَحْيَىَ بنِ سامٍ: حدَّثني [2] أبو جَعْفَرٍ، قالَ:

قالَ لِي جابِرٌ [3] : وَأتانِي [4] ابْنُ عَمِّكَ _ يُعَرِّضُ بِالْحَسَنِ بنِ [5] مُحَمَّدٍ ابنِ الحَنَفِيَّةِ _ قالَ: كَيْفَ الغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ؟ فَقُلْتُ: كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ، وَيُفِيضُها [6] علىَ رَأسِهِ [7] ، ثُمَّ يُفِيضُ علىَ سائِرِ جَسَدِهِ، فقالَ لِي الحَسَنُ: إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ. فَقُلْتُ: كان النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا.

[1] في رواية ابن عساكر: «مُعَمَّر» بضم الميم الأولىَ وتشديد الثانية؛ علىَ وَزْن «مُحمَّد».
[2] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «بن عبد الله».
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أتاني».
[5] هكذا في رواية ابن عساكر عن أبي ذر أيضًا (ب، ص)، وفي رواية [عط] ورواية ابن عساكر: «يُعرِّض الحَسنَ بنَ».
[6] في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ والأصيلي و [عط] : «فيُفيضها».
[7] قوله: «علىَ رأسه» ليس في رواية أبي ذر (ص)، وهو موافق لما في الإرشاد ونسخة الزاهدي.





256- ( مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى ) بإسكان ثانيه، وعند القابسي مشدَّد، وكذا قيَّده الحاكم. [1]

[1] قال محب الدين البغدادي: وصحَّح الذهبي فيه الضم والتثقيل؛ أي: التشديد. اهـ. قال ابن حجر رحمه الله: وجزم المزي بأنه بالتخفيف.





256# (مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة، وعند القابسي: بميم مضمومة وميم مشددة بعد العين مفتوحة: اسمُ مفعول من التَّعمير، وكذا قيَّده الحاكم، وليس له في «الصحيح» غير هذا الحديث.


256- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ): تقدَّم مرارًا أنَّه الفضل بن دُكَين، الحافظ، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَامٍ): هذا الرَّجل في أصلنا: بفتح الميم، وسكون العين، انتهى، وقد اختلف فيه؛ فقيَّده البخاريُّ في «تاريخه»، وكذا غير البخاريِّ: بإسكان العين، وقيل: معمَّر؛ بالتشديد، وعن الحاكم أنَّه قيَّده به، وقد ذكره ابن ماكولا في المختلف فيه بعد (المُشَدَّد) ، فقال: (ومُعمَّر بن يحيى بن سام، وله أخ يقال له: أبان، حدَّث عنه، كذاك يقوله غير واحد، وجعله البخاريُّ في باب مَعمر؛ بفتح العين) انتهى، وأمَّا أبو عليٍّ الغسانيُّ؛ فإنَّه ذكره، وقال: (يقال فيه: معْمر ومعمَّر؛ بالتخفيف والتشديد، وكذا فعل [1] بعض الحفَّاظ؛ ذكره بالتخفيف، ثُمَّ قال: وقيل: معمَّر) انتهى، وهو معمَّر بن يحيى بن سام الضَّبِّيُّ، عن فاطمة بنت عليٍّ، والباقر، وعنه: وكيع، وأبو نعيم، وأبو أسامة، وثَّقه أبو زرعة، انفرد [2] البخاريُّ بالإخراج له، قال الدِّمياطيُّ: وليس له في كتابه غيره، انتهى، وصدق، لَم [3] نَذْكُر أنَّه ذكره إلَّا هنا، والله أعلم.

قوله: (حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ): قال الدِّمياطيُّ: محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، انتهى، هذا الباقر، يروي عن أبويه، وجَابِر، وابن عُمر، وطائفة، وعنه: ابنه جعفر الصَّادق، والزُّهْرِيُّ، وابن جريج، والأوزاعيُّ، وآخرون، ولد سنة ستٍّ وخمسين، ومات سنة (118 هـ ) على الأصحِّ، أخرج له الجماعة، قال ابن سعد: ثقةٌ كَثِير الحديث، وقد تقدَّم، قال سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر محمَّد بن عليٍّ عن أبي بكر وعمر، فقال: (أتولَّاهما، وأبرأ إلى الله من عدوِّهما، فإنَّهما كانا إمامي هدًى) ، وقال بسَّام الصَّيرفيُّ: سألت أبا جعفر عن أبي بكر وعمر، فقال: (والله إنِّي لأتولَّاهما، وأستغفر لهما) ، كان سيِّد بني هاشم [4] في زمانه علمًا وفضلًا وسؤددًا ونبلًا، والباقر من قولهم: (بقر العِلم) ؛ أي: شقَّه، فعرف أصله وخفيَّه، توفَّانا الله على حبِّ أهل البيت وجميع الصَّحابة.

قوله: (كَيْفَ الغَسْلُ): تقدَّم أنَّه بالفتح، والمراد به: الفعل، وأنَّ الماء: بالضَّمِّ، وهو هنا في أصلنا مضموم الغين.

قوله: (وَيُفيضُهَا): تقدَّم قريبًا أنَّه مضموم الأوَّل، رباعيٌّ.

[1] في (ب): (نقل) .
[2] زيد في (ج): (به) .
[3] في (ب): (ولم) .
[4] زيد في (ج): (ثم) .





256- (ثُمَّ يُفِيضُ): مفعولُه محذوفٌ؛ أي: الماءَ.


256- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى) بفتح الميمين، وسكون العين في أكثر الرِّوايات، وجزم به المِزِّيُّ، وللقابسيِّ: ((مُعَمَّر))؛ بضمِّ الميم الأولى، وتشديد الثَّانية، على وزن مُحمَّد، وجزم به الحاكم، وجوَّز الغسَّانيُّ الوجهين، (بْنِ سَامٍ)؛ بالمُهمَلة وتخفيف الميم، قَالَ: (حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (أَبُو جَعْفَرٍ) محمَّد بن عليٍّ الباقر، (قَالَ: قَالَ لِي جَابِرٌ) الصَّحابيُّ، زاد الأَصيليُّ [1] : ((ابن عبد الله))، (أَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ) زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((واو)) قبل ابن عمِّك [2] ؛ أي: ابن عمِّ أبيك، ففيه تجوُّزٌ؛ لأنَّه ابن عمِّ [3] والده عليُّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، حال كونه؛ أي: جابرٌ (يُعَرِّضُ بِالْحَسَنِ)، ولابن عساكر: ((يعرِّض الحسن)) [4] (بْنِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ) زوج عليٍّ تزوَّجها بعد فاطمة الزَّهراء، فولدت له محمَّدًا هذا، فاشتُهِر بها، و«التَّعريض»: غير التَّصريح، وفي الاصطلاح: هو كنايةٌ سيقت [5] لموصوفٍ غير مذكورٍ، وفي «الكشَّاف»: أن تذكر شيئًا تدلُّ به على شيءٍ لم تذكره، وسقطت المُوحَّدة من قوله: «بالحسن» لابن عساكر [6] ، (قَالَ)؛ أي: الحسن: (كَيْفَ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ؟) فيه إشعارٌ بأنَّ سؤاله كان في غيبة أبي جعفرٍ، فهو غير سؤال أبي جعفرٍ السَّابق، قال جابرٌ: (فَقُلْتُ) له: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ)، كذا في رواية كريمة؛ بالتَّاء، ولغيرها: ((ثلاث أكفٍّ))، جمع: كفٍّ، يُذكَّر ويُؤنَّث، فيجوز دخول التَّاء وتركه، والمُراد به: يأخذ كلَّ مرَّةٍ كفَّين؛ لأنَّ الكفَّ اسم جنسٍ، فيجوز حمله على الاثنين، ويدلُّ له رواية إسحاق السَّابقة، وأشار بيديه [7] ، فيُحمَل اللَّاحق على السَّابق، (وَيُفِيضُهَا)؛ بالواو، أي: ثلاثة الأكفِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: ((فيفيضها)) (عَلَى رَأْسِهِ) وسقط لأبي ذَرٍّ: ((على رأسه)) [8] ، وفي قوله: «كان» الدَّالَّة على الاستمرار، ملازمته عليه الصلاة والسلام على ثلاثة أكفٍّ في غسل الرَّأس، وأنَّه يجزئ وإن كان كثير الشَّعر، (ثُمَّ يُفِيضُ) الماء بعد رأسه (عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ) فمفعوله محذوفٌ، ولا يعود إلى ما سبق في المعطوف عليه وهو: «ثلاثة أكفٍّ»، ويكون قرينته العطف؛ لأنَّ الثلَّاثة [9] لا تكفي الجسد غالبًا [10] ، قال جابرٌ: (فَقَالَ لِي الْحَسَنُ) بن محمَّد بن الحنفيَّة: (إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ)؛ أي: لا يكفيني الثَّلاث، قال جابرٌ: (فَقُلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا) وقد كفاه ذلك، فالزِّيادة على ما كفاه عليه الصلاة والسلام تنطُّعٌ، وقد يكون مثاره الوسواس مِنَ الشَّيطان، فلا يُلتفَت إليه، فإن قلت: السُّؤال هنا وقع عنِ الكيفيَّة؛ لقوله: «كيف الغسل»؟ كما هو في الحديث السَّابق، أجاب في «الفتح»: بأنَّه عنِ الكميَّة كما أشعر به قوله في الجواب: «يكفيك صاعٌ»، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ لفظة: «كيف» في السُّؤال السَّابق مطويَّةٌ اختصارًا؛ لأنَّ السُّؤال في الموضعين عن حالة الغسل وصفته، والجواب في الموضعين بالكميَّة؛ لأنَّ هناك قال: «يكفيك صاعٌ»، وهنا قال: «ثلاثة أكفٍّ»، وكلٌّ منهما كمٌّ.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث بالجمع والإفراد والقول.

[1] في (م): «وللأصيليِّ»، وليس فيها «زاد».
[2] قوله: «زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ... «واو» قبل ابن عمِّك»، مثبتٌ من (م).
[3] في (ب) و(س): «أخي»، وهو خطأٌ.
[4] قوله: «ولابن عساكر: «يعرِّض الحسن»»، مثبتٌ من (م).
[5] في (م): «سبقت».
[6] قوله: «وسقطت المُوحَّدة من قوله: «بالحسن» لابن عساكر»، سقط من (د).
[7] في (د): «بكفَّيه».
[8] قوله: «وسقط لأبي ذَرٍّ: «على رأسه»»، سقط من (د).
[9] في (م): «الثَّلاث».
[10] إلى هنا انتهى النقص من (ص) وابتدأ مع الحديث: 236.





256- ( مَعْمَرُ ): بإسكان العين، وللقابسيِّ بوزن محمَّد، وليس له في «الصَّحيح» غير هذا الحديث.

( سَامٍ ): بالمهملة وتخفيف الميم.

( ثَلاَثَ أَكُفٍّ ) لكريمة: «ثلاثة» جمع كفٍّ، يذكَّر ويؤنَّث. [/ج1ص368/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

256- وبه قال: ((حدثنا أبو نُعيم)) ؛ بضمِّ النون: هو الفضل بن دكين؛ بالدال المهملة ((قال: حدثنا مَعْمَر)) ؛ بفتح الميم، وسكون العين المهملة في أكثر الروايات، وبه جزم الحافظ المزِّيُّ، وفي رواية القابسي: بضمِّ الميم الأولى، وتشديد الميم الثانية على وزن (مُحَمَّد) ، وبه جزم الحاكم ((بن يحيى بن سام)) ؛ بالسين المهملة، وتخفيف الميم، وقد ينسب إلى جده، فيقال: معمر ابن سام، وليس له في «البخاري» إلا هذا الحديث، وقول القسطلاني والعجلوني: وجوَّز الغساني الوجهين؛ لا معنى له بعد ثبوت رواية الأكثرين ورواية القابسي، فإذا كانت الروايتان ثابتتين؛ فما معنى جواز الوجهين، فإنَّ الحافظ المزِّيَّ لا ينكر رواية القابسي؛ بل يسلمها، لكن رواية الأكثرين عنده أرجح، وكذلك الحاكم لا ينكر الرواية الأولى، ولكن عنده الثانية أرجح؛ فافهم.

((قال: حدثني)) ؛ بالإفراد، وللأَصيلي: بالجمع ((أبو جعفر)) : هو محمَّد بن علي الباقر، ((قال)) أي: أبو جعفر ((قال لي جابر)) زاد الأَصيلي: ((ابن عبد الله)) : ((أتاني ابن عمك)) ؛ أي: ابن عم أبيك علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ففيه مسامحة؛ لأنَّ الحسن هو ابن عم أبيه لابن عمه؛ فافهم.

((يعرِّض)) : جملة وقعت حالًا من (جابر) ، والتعريض خلاف التصريح من حيث اللغة، ومن حيث الاصطلاح: هو عبارة عن كناية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور، وقال في «الكشاف»: (التعريض أن يذكر شيئًا يدل به على شيء لم يذكره) ، كذا في «عمدة القاري» ((بالحسن)) : وسقطت الموحدة من أوله لابن عساكر ((بن محمَّد ابن الحَنفية)) ؛ بالحاء المهملة، واسمها: خولة بنت جعفر، تزوجها علي بن أبي طالب بعد فاطمة الزهراء، فولدت له محمَّدًا هذا، فاشتُهر بها رضي الله عنه ((قال)) أي: الحسن بن محمَّد: ((كيف الغُسل)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة ((من الجنابة؟)) ؛ أي: على أي كيفية يغتسل الجنب، قال في «عمدة القاري»: (وههنا سؤال الحسن بن محمَّد عن جابر بن عبد الله عن كيفية الغسل من الجنابة، وفي الحديث المذكور قبل هذا الباب السؤال وقع عن جماعة بغير لفظ: «كيف»، ووقع جوابه هناك بقوله: «يكفيك صاع»، وههنا جوابه بقوله: «كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يأخذ ثلاث أكف...» إلى آخره، والسؤال في الموضعين عن الكيفية غير أنه لم يذكر لفظ «كيف» هناك؛ اختصارًا، والجواب في الموضعين بالكمية؛ لأنَّ هناك قال: «يكفيك صاع»، وههنا قال: «ثلاثة أكف»، وكل منهما «كم»، وقول بعضهم: السؤال في الأول عن الكمية أشعر بذلك، قوله في الجواب: «يكفيك صاع» ليس كذلك؛ لأنَّه اغتر بظاهر قوله: «يكفيك الغسل»، وقد ذكرنا أن لفظة: «كيف» هناك مطوية؛ لأنَّ السؤال في الموضعين عن حالة الغسل وصفته بلفظ «كيف»؛ لأنَّها تدل على الحالة، فإن قلت: كيف يقول السؤال في الحالتين عن كيفية الغسل والجواب بالكمية؟قلت: الحالة هي الكيفية، وللغسل حقيقة وحالة، فحقيقته: إسالة الماء على سائر البدن، وحالته: استعمال ماء نحو صاع أو ثلاثة أكف منه، ولم يكن السؤال عن حقيقة الغسل، وإنما كان عن حالة، فوقع الجواب بالكم في الموضعين؛ لأنَّ (كيف) و (كم) من العوارض المنحصرة في المقولات التسع، فطابق الجواب السؤال والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ما بعث لبيان الحقائق، وإنما بعث لبيان الأحكام، والأحكام من عوارض الحقائق) انتهى كلامه رحمه الله تعالى، ((فقلت)) هذا من كلام جابر للحسن المذكور: ((كان النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم يأخذ ثلاثة أكف)) : هي رواية كريمة بالتاء، وفي رواية غيرها: (ثلاث أكف) ؛ بغير التاء، و (أكف) : جمع كف، والكف يذكر ويؤنث، فيجوز دخول التاء وتركها على الاعتبارين، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».

وزعم الكرماني: فإن قلت: الكف مؤنث، فلم دخلت التاء في الـ (ثلاثة) ؟

قلت: المراد من الكف: قدر الكف وما فيها، فباعتباره دخلت أو باعتبار العضو، ورده في «عمدة القاري» فقال: (قلت: في الجواب الأول نظر، والثاني لا بأس به، والأحسن أن يقول...) إلى آخر ما علمت، ثم قال إمام الشارحين: (والمراد أن يأخذ في كل مرة كفين؛ لأنَّ الكف اسم جنس فيجوز حمله على الاثنين، والدليل عليه رواية إسحاق ابن راهويه من طريق حسن بن صالح، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه قال في آخر الحديث: «وبسط يديه»، ويؤيده حديث جبير بن مطعم الذي في أول الباب) انتهى؛ أي: فإنه أشار بيديه، فهو مقيد باليدين، فيحمل هذا المطلق على المقيد.

وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن تكون هذه الغرفات الثلاث؛ للتكرار، ويحتمل أن تكون لكل جهة من الرأس غرفة؛ كما في حديث القاسم بن محمَّد الآتي.

قلت: إن أراد بقوله هذه الغرفات... إلى آخره أنه يأخذ في كل مرة كفًّا واحدًا؛ فممنوع؛ لأنَّه غير مفهوم من الحديث مع ما يدل على ذلك من رواية إسحاق وحديث جبير المتقدم، ويلزم من ذلك تفريق بين اليدين في الفرق، وهو ينافي قوله ويفيضها، فإن الإفاضة: الإسالة، وإذا رفع يده إلى رأسه؛ لا يبقى فيها شيء من الماء، ولا يحصل التعميم، كما لا يخفى، وإن أراد أنه يأخذ في كل مرة كفين كما قاله إمام الشارحين؛ فمسلَّمٌ، وإن أراد غير ذلك؛ فجوابه على الله تعالى.

وقوله: (ويحتمل أن تكون...) إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّ ظاهر قوله: (ويفيضها) يقتضي أن يصبها على رأسه من غير ملاحظة جهة من الجهات؛ لأنَّ المراد التعميم، وبما ادَّعاه لا يحصل، فإن الصب في وسط الرأس هو الذي يحصل منه التعميم، كما لا يخفى.

وقوله: (كما في حديث القاسم...) إلى آخره: هذا لا يدل على ما ادَّعاه؛ لأنَّ لفظه أنَّه (فأخذ [1] بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن...) إلى آخر الحديث، فهو صريح في أنه أخذ بكفٍّ واحد، وهنا ليس كذلك، فكيف يدل على ما ادعاه؟ وكأنه أخذ الاحتمال الأول من هذا الحديث، وهو غير ظاهر كما لا يخفى، وما مثله إلَّا كمثل مَن غرق في بحر عظيم ولم يجد مسلكًا فتعلق بحبال العرمط وهي شرش شجر الصفصاف، ضعيف الحال، لا ينهض الضعيف وينقطع حالًا، والله يحسن الأحوال.

((فيفيضها)) ؛ بالفاء؛ أي: ثلاثة الأكف، وفي رواية بالواو؛ أي: يصب الماء ((على رأسه)) وفي بعض النسخ: بدون (على) ، كذا في «عمدة القاري»، وكأنه لتضمنه معنى يوصل، ((ثم يفيض)) ؛ أي: الماء بعد أن أفاض على رأسه.

فإن قلت: لم لا يكون مفعوله المحذوف: ثلاثة أكف، بقرينة عطفه عليه؟

قلت: لأنَّ [/ص265/] الثلاثة الأكف لا تكفي لسائر الجسد عادة، كذا في «عمدة القاري» ((على سائر جسده)) ؛ أي: باقيه، فـ (سائر) بمعنى: باقٍ؛ لأنَّ الرأس من الجسد، قال جابر بن عبد الله: ((فقال لي الحسن)) ؛ أي: ابن محمَّد المذكور: ((إنَّي رجل كثير الشَّعَر)) ؛ بالتحريك؛ أي: كثير شعر الرأس، فلا يكفيني هذا القدر من الماء، ((فقلت)) من كلام جابر للحسن: ((كان النَّبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم أكثر منك شعَرًا)) ؛ بفتح العين المهملة، أفصح من سكونها؛ يعني: وقد كفاه هذا القدر من الماء، فالزيادة على ذلك خلاف السنة، ومنشؤه وسوسة الشيطان، فلا يلتفت إليه.

قال في «عمدة القاري»: (ومما يستنبط من الحديث جواز الاكتفاء بثلاث غرف على الرأس وإن كان كثير الشعر، وفيه: تقديم ذلك على إفاضة الماء على جسده، وفيه: الحث على السؤال في أمر الدين من العلماء، وفيه: وجوب الجواب عند العلم به، وفيه: دلالة على ملازمة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على ثلاث أكف في الغسل؛ لأنَّ لفظة «كان» تدل على الاستمرار، والله أعلم) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

[1] في الأصل: (أخذ)، والمثبت موافق لما في «الصحيح».