متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

254- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ)؛ أي: ابن معاوية، الجعفيُّ، (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ؛ بفتح السِّين، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ)؛ بضمِّ الصَّاد وفتح الرَّاء، آخره دالٌ مهمَلاتٌ، من أفاضل الصَّحابة، نزيل الكوفة، المُتوفَّى سنة خمسٍ وستِّين، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ)؛ بضمِّ الجيم، وكسر العَيْن، القرشيُّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين، له في «البخاريِّ» تسعة أحاديث، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا أَنَا) بفتح الهمزة، وتشديد الميم (فَأُفِيضُ) بضمِّ الهمزة (عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث أكفٍّ، وعند الإمام [1] أحمد: «فآخذ ملء كفِّي فأصبُّ على رأسي»، (وَأَشَارَ) عليه الصلاة والسلام (بِيَدَيْهِ) الثِّنتين؛ (كِلْتَيْهِمَا)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((كلاهما))؛ بالألف؛ بالنَّظر إلى اللَّفظ دون المعنى، وفي بعض الرِّوايات فيما حكاه ابن التِّين: ((كلتاهما))، وهو على لغة لزوم الألف عند إضافتها للضَّمير، كما في الظَّاهر، كما [2] قال: [مِنَ الرَّجز]

~ إنَّ أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها

وقسيم «أمَّا» محذوفٌ يدلُّ عليه السِّياق، ففي «مسلمٍ» من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق: أنَّ الصَّحابة تمارَوا في صفة الغسل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أماَّ أنا؛ فأفيض»؛ أي: وأمَّا غيري؛ فلا يفيض، أو فلا أعلم حاله، قاله الحافظ ابن حجرٍ كالكرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه لا يحتاج إلى تقدير شيءٍ من حديثٍ رُوِيَ من طريقٍ؛ لأجل حديثٍ آخر في بابه من طريقٍ آخر، وبأنَّ «أمَّا» هنا: حرف شرطٍ وتفصيلٍ وتوكيدٍ، وإذا كانت للتَّوكيد؛ فلا تحتاج إلى التَّقسيم، ولا أن يُقال: إنَّه محذوفٌ. انتهى.

وفي الحديث: أنَّ الإفاضة ثلاثًا باليدين على الرَّأس، وألحق به أصحابنا سائر الجسد؛ قياسًا على الرَّأس وعلى أعضاء الوضوء، وهو أَوْلى بالتَّثليث من الوضوء، فإنَّ الوضوء مبنيٌّ على التَّخفيف مع تكراره، ورواته الخمسة ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه.

[1] «الإمام»: ليس في (د) و(س).
[2] «كما»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

254-. حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قالَ: حدَّثنا زُهَيْرٌ، عن أَبِي إِسْحاقَ، قالَ: حدَّثني سُلَيْمانُ بنُ صُرَدَِ، قالَ:

حدَّثني جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا أَنا فَأُفِيضُ علىَ رَأسِي ثَلَاثًا». وَأَشارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِما [1] .

[1] في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «كلاهما». (ب، ص)





254- ( سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ ) بضم أوله وفتح ثانيه. [1]

( وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ) ويروى: «كلتاهما» على لغة من ألزم المثنى الألف مطلقًا.

[1] قال محب الدين البغدادي: صُرَدٍ: بصاد مهملة مضمومة وراء ودال، وهو مصروف في النسخ المعتمدة. وفي حاشية ابن حجر: أي: صُرَد.





254# (ابْنُ صُرَدٍ) بضم الصاد المهملة وفتح الراء وبدال مهملة.

(وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهمَا) قال الزركشي: ويروى: <كلتاهما> على لغة من ألزمَ المثنى الألفَ مطلقًا.


254- قوله: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ): هو ابن معاوية بن حُدَيج، كما تقدَّم أعلاه، وتقدَّم قبل ذلك بعض ترجمته.

قوله: (عن أَبِي إِسْحَاقَ): تقدَّم أعلاه أنَّه عَمرو بن عَبْد الله أبو إسحاق السَّبيعيُّ، وتقدَّم شيء من ترجمته.

قوله: (حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ): هو بضمِّ الصَّاد، وفتح الرَّاء، وبالدَّال المهملتين، وإنْ شئت؛ قلت: المهملات، مصروف، صحابيٌّ، ستأتي ترجمته [/ج1ص113/] رضي الله عنه في (الأذان) .

قوله: (كِلتَيْهِمَا): كذا في أصلنا، وإعرابها ظاهر، وفي بعض النُّسخ: (كلتاهما) على لغة بلحارثِ.


254- (كِلْتَيْهِمَا): وفي بعضِها: (كِلْتَاهُمَا) بالألف، وكونُ (كِلْتَا) عند إضافتِه إلى المضمرِ في الأحوالِ الثَّلاثِ بالألفِ لغةٌ.


254- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ)؛ أي: ابن معاوية، الجعفيُّ، (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ؛ بفتح السِّين، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ)؛ بضمِّ الصَّاد وفتح الرَّاء، آخره دالٌ مهمَلاتٌ، من أفاضل الصَّحابة، نزيل الكوفة، المُتوفَّى سنة خمسٍ وستِّين، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ)؛ بضمِّ الجيم، وكسر العَيْن، القرشيُّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين، له في «البخاريِّ» تسعة أحاديث، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا أَنَا) بفتح الهمزة، وتشديد الميم (فَأُفِيضُ) بضمِّ الهمزة (عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث أكفٍّ، وعند الإمام [1] أحمد: «فآخذ ملء كفِّي فأصبُّ على رأسي»، (وَأَشَارَ) عليه الصلاة والسلام (بِيَدَيْهِ) الثِّنتين؛ (كِلْتَيْهِمَا)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((كلاهما))؛ بالألف؛ بالنَّظر إلى اللَّفظ دون المعنى، وفي بعض الرِّوايات فيما حكاه ابن التِّين: ((كلتاهما))، وهو على لغة لزوم الألف عند إضافتها للضَّمير، كما في الظَّاهر، كما [2] قال: [مِنَ الرَّجز]

~ إنَّ أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها

وقسيم «أمَّا» محذوفٌ يدلُّ عليه السِّياق، ففي «مسلمٍ» من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق: أنَّ الصَّحابة تمارَوا في صفة الغسل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أماَّ أنا؛ فأفيض»؛ أي: وأمَّا غيري؛ فلا يفيض، أو فلا أعلم حاله، قاله الحافظ ابن حجرٍ كالكرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه لا يحتاج إلى تقدير شيءٍ من حديثٍ رُوِيَ من طريقٍ؛ لأجل حديثٍ آخر في بابه من طريقٍ آخر، وبأنَّ «أمَّا» هنا: حرف شرطٍ وتفصيلٍ وتوكيدٍ، وإذا كانت للتَّوكيد؛ فلا تحتاج إلى التَّقسيم، ولا أن يُقال: إنَّه محذوفٌ. انتهى.

وفي الحديث: أنَّ الإفاضة ثلاثًا باليدين على الرَّأس، وألحق به أصحابنا سائر الجسد؛ قياسًا على الرَّأس وعلى أعضاء الوضوء، وهو أَوْلى بالتَّثليث من الوضوء، فإنَّ الوضوء مبنيٌّ على التَّخفيف مع تكراره، ورواته الخمسة ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه.

[1] «الإمام»: ليس في (د) و(س).
[2] «كما»: سقط من (م).





254- ( سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ ): صحابيٌّ، وأبوه بضمِّ المهملة وفتح الرَّاء. [/ج1ص367/]

( أَمَّا أَنَا ) في الحديث حذف ثَبَتَ لمسلم، ولفظه: «تماروا في الغسل عند النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال بعض القوم: أمَّا أنا فأغسل رأسي بكذا وكذا».

( فَأُفِيضُ ): بضمِّ الهمزة.

( كِلْتَيْهِمَا ) للكُشْمِيهنيِّ: «كلاهما» بالرَّفع على القطع والتَّذكير.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

254- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا أبو نُعيم)) ؛ بضمِّ النون؛ هو الفضل بن دُكين؛ بالدال المهملة المضمومة ((قال: حدثنا زُهير)) ؛ بضمِّ الزاي؛ هو ابن معاوية الجعفي، ((عن أبي إسحاق)) : هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي ـ بفتح السين المهملة ـ الكوفي ((قال: حدثني)) بالإفراد ((سُليمان)) ؛ بضمِّ السين المهملة [/ص263/] ((ابن صُرَد)) ؛ بضمِّ الصاد المهملة، وفتح الراء، بعدها دال مهملات، من أفاضل الصحابة، الخزاعي الصحابي ابن الصحابي، سكن الكوفة أول ما نزل بها المسلمون، خرج أميرًا في أربعة آلاف يطالبون [1] بدم الحسين رضي الله عنه سموا: بالتوابيين، وهو أميرهم، فقتله عسكر عبيد الله بن زياد بالجزيرة سنة خمس وستين ((قال: حدثني)) بالإفراد ((جُبَيْر)) ؛ بضمِّ الجيم، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، آخره راء ((بن مُطعِم)) ؛ بلفظ الفاعل من الإطعام، القرشي النوفلي من سادات قريش، مات بالمدينة سنة أربع وخمسين ((قال)) أي: جبير ((قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أمَّا»)) ؛ بفتح الهمزة، وتشديد الميم، حرف شرط وتفصيل وتوكيد، والدليل على الشرط لزوم الفاعل بعدها؛ نحو قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 26] ، والتفصيل نحو قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الكهف: 79] ، {وَأَمَّا الغُلامُ} [الكهف: 80] ، {وَأَمَّا الجِدَارُ} [الكهف: 82] ، وأمَّا التوكيد؛ فقد ذكره جار الله الزمخشري، فإنَّه قال: (فائدة: «أمَّا» في الكلام للتوكيد، تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت ذلك، وأنَّه -لا محالة- ذاهب، وأنَّه بصدد الذهاب، وأنَّه منه عزيمة) .

قلت: أمَّا زيد؛ فذاهب، وههنا هي أيضًا للتأكيد، فإذا كانت للتأكيد؛ فلا يحتاج إلى التقسيم، ولا يحتاج أن يقال: إنَّه محذوف، كذا حققه في «عمدة القاري».

وزعم الكرماني: أنَّ (أمَّا) للتفصيل، فأين قسيمه؟

قلت: اقتضاء التقسيم غير واجب، ولئن سلمنا؛ فهو محذوف يدل عليه السياق، روى مسلم في «صحيحه»: أنَّ الصحابة تماروا في صفة الغسل عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أمَّا أنا؛ فأفيض»؛ أي: وأمَّا غيري؛ فلا يفيض، أو فلا أعلم حاله كيف يعمل.

ورده في «عمدة القاري» بأنَّه كلام من غير تحقيق، والتحقيق ما قدمناه، وأمَّا الذي رواه مسلم؛ فإنَّه من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق: تماروا في الغسل عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال بعض القوم: (أمَّا أنا؛ فاغسل رأسي بكذا وكذا...) ؛ فذكر الحديث.

وقال بعضهم: هذا هو القسيم المحذوف.

قلت: لا يحتاج إلى هذا؛ لأنَّ الواجب أن يعطى حق كل كلام بما يقتضيه الحال، فلا يحتاج إلى تقدير شيء من حديث روي من طريق لأجل حديث آخر في باب من طريق آخر) انتهى كلام «عمدة القاري».

والمراد بقوله: (بعضهم) : ابن حجر، فإنَّه تبع الكرماني في ذلك، ولا يخفى ما في كلامهما من عدم الاحتياج إليه؛ لأنَّه متعسف كما علمت ((أنا فأُفيض)) ؛ بضمِّ الهمزة من الإفاضة؛ وهي الإسالة ((على رأسي ثلاثًا)) ؛ أي: ثلاث أكف، وهكذا في رواية مسلم؛ والمعنى: ثلاث حفنات؛ كل واحدة منهن بملء الكفين، ويدل عليه ما رواه أحمد في «مسنده»: (فآخذ ملء كفي، فأصب على رأسي) .

وما رواه أيضًا عن أبي هريرة: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصب بيديه على رأسه ثلاثًا) ، وفي «معجم الإسماعيلي»: أنَّ وفد ثَقيف سألوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالوا: إنَّ أرضنا باردة، فكيف نفعل في الغسل؟ فقال: «أمَّا أنا؛ فأفرغ على رأسي ثلاثًا»، وفي «الأوسط» للطبراني مرفوعًا: «تفرغ بيمينك على شمالك، ثم تدخل يدك في الإناء، فتغسل فرجك، وما أصابك، ثم تتوضأ وضوءك للصلاة، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات تدلك رأسك كل مرة»، وقال الداودي: (الحفنة باليد الواحدة) ، وقال غيره: باليدين جميعًا، والحديث المذكور يدل عليه، والحفنة باليد الواحدة، وبما ذكرنا سقط قول بعضهم: إنَّ لفظة (ثلاثًا) محتملة للتكرار، ومحتملة أن تكون للتوزيع على جميع البدن، كذا قرره صاحب «عمدة القاري».

قلت: وقوله: (بعضهم) : المراد به: ابن حجر، فإنَّه ذكر في «شرحه» الاحتمالين، والذي دلت عليه الأحاديث إنَّما هو التكرار لا التوزيع، فإنَّ حديث الطبراني المتقدم صريح في الدلالة على التكرار فقط، فاحتمال التوزيع بعيد جدًّا، كما لا يخفى.

وزعم العجلوني (أنَّ السياق أشعر أنَّه عليه السلام لا يفيض إلَّا ثلاثًا، وأنَّ غيره المذكور كان يفيض أكثر منها أو أقل) انتهى.

قلت: وليس كذلك، فإنَّ السياق مشعر بأنَّه عليه السلام كان يفيض ثلاثًا فقط، وقوله: (وإنَّ غيره...) إلخ هذا ليس يفهم من الحديث أصلًا، فإنَّ معنى (أمَّا) التأكيد، كما علمت، ويدل لهذا ما تقدم عند أحمد، والإسماعيلي، والطبراني، فإنَّه يدل على أنَّه لا يشعر الحديث بما ادَّعاه، ورواية مسلم السابقة لا تدل على ما ادَّعاه أيضًا؛ لأنَّ المراد من قول بعض القوم (أمَّا أنا...) إلخ غسل الرأس فقط بدون إفاضة عليه وعلى جميع البدن، فهو خاص بالرأس، فعمَّم لهم عليه السلام بأنَّه يفيض على رأسه ثلاثًا وعلى سائر بدنه وهذا ظاهر، كما لا يخفى.

وقوله: ((وأشار)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((بيديه)) الشريفتين بلفظ التثنية ((كلتيهما)) من كلام جبير بن مطعم، وفي رواية الكشميهني: (كلاهما) ، وحكى ابن التين في بعض الروايات: (كلتاهما) ، والأولى رواية الأكثرين.

قال صاحب «عمدة القاري»: (كون كلتا وكلا عند إضافتهما إلى المضمر في الأحوال الثلاثة بالألف لغة من يراها تثنية، وأنَّ التثنية لا تتعين، كما في قول الشاعر:

~إنَّ أباها وأبا أباها .....

وأمَّا وجه رواية الكشمهني: (كلاهما) ؛ بدون الياء؛ فبالنظر إلى اللفظ دون المعنى) ؛ انتهى.

وزعم ابن حجر: أنَّه يجوز الرفع فيها على القطع.

قلت: وهو فاسد، فإنَّ النحاة صرَّحوا بأنَّ ألفاظ التوكيد لا يجوز قطعها، بخلاف النعوت، فإنَّها يجوز فيها القطع إذا علم المنعوت، وهنا ليس كذلك؛ فافهم، وتمامه في «إيضاح المرام» فيما وقع في «الفتح» من الأوهام؛ فيراجع.

قال في «عمدة القاري»: (ويستنبط من الحديث: أنَّه يكون الغسل ثلاث مرات، وعليه إجماع العلماء، وأمَّا الفرض فيه؛ فغسل سائر البدن بالإجماع، وفي المضمضة والاستنشاق خلاف، والجمهور على أنَّهما فرضان) ، وقال النووي: (لا نعلم خلافًا في استحباب التكرار في الغسل إلا ما تفرد به الماوردي، وهو شاذٌّ، ورد عليه: بأنَّ أبا علي السنجي قاله أيضًا، ذكره في «شرح الفروع»، فلم يتفرد به، وتمامه فيه) .

قلت: وقال علماؤنا: ثم يفيض الماء باديًا بالصبِّ على رأسه ثلاثًا مستوعبات، ويفيض الماء على سائر بدنه ثلاثًا يستوعب الجسد بكل واحدة منها، وهو سنة؛ للحديث، فإن لم يستوعب في كل واحدة؛ لم تحصل سنة التثليث، والأولى فرض، والثنتان بعدها سنتان على الصحيح كما في «الهندية»، و«السراج».

وقال في «الجوهرة»: (الثنتان سنة على الصحيح حتى لو لم يحصل بالثلاث استيعاب؛ يجب أن يغسل مرة بعد أخرى حتى يحصل، وإلا؛ فلم يخرج عن الجنابة، كما في «مجمع الأنَهر»، وما علمت من أنَّه يبتدأ بالرأس هو ما مشى عليه الإمام أبو الحسن القدوري، وهو ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وهو الأصح؛ كما في أكثر المعتبرات، وهو ظاهر الأحاديث الصحيحة، وتمامه في «منهل الطلاب»، والله تعالى يلهمنا الصواب) .

[1] في الأصل: (يطلبون)، ولعل المثبت هو الصواب.