متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

250- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ)؛ بكسر المُعجَمَة، محمَّد بن عبد الرَّحمن، القرشيُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام، (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا)؛ أَبرزتِ الضمير لتعطف عليه الظَّاهر [1] ؛ وهو قولها: (وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم)؛ فهو مرفوعٌ، ويجوز أن يكون مفعولًا معه، (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ)؛ بفتحتين، واحد الأقداح التي للشُّرب، (يُقَالُ لَهُ: الْفَرَقُ)؛ بفتح الفاء والرَّاء، قال النَّوويُّ: وهو الأفصح، وهو فيما قِيلَ [2] صاعان، والذي عليه الجماعة: أنَّه ثلاثة صوعٍ، ونقل أبو عُبيدٍ [3] الاتِّفاق عليه [4] كما عليه الجماهير [5] ، وقال ابن الأثير: «الفَرَق»؛ بالفتح: ستَّة عشر رطلًا، وبالإسكان: مئة وعشرون رطلًا، قال في «الفتح»: وهو غريبٌ، وقال الجوهريُّ: مكيالٌ معروفٌ بالمدينة: ستَّة عشر رطلًا، وكان من شَبَهٍ _بفتح الشِّين المُعجَمَة والمُوحَّدة _ كما عند الحاكم بلفظ: تَوْرٌ من شَبَهٍ؛ وهو نوعٌ من النُّحاس، و«من» في قوله: «من إناءٍ» ابتدائيَّةٌ، وفي قوله: «من قدحٍ»، بيانيَّةٌ.

وفي هذا الحديث: التَّحديث، والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، والنَّسائيُّ.

[1] في (د): «المُظهَر».
[2] «فيما قِيلَ»: مثبتٌ من (م).
[3] في (م): «عبيدة»، وهو تحريف.
[4] قوله: «والذي عليه الجماعة: أنَّه ثلاثة صوعٍ، ونقل أبو عبيدٍ الاتِّفاق عليه»، مثبتٌ من (م).
[5] «كما عليه الجماهير»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

250-. حدَّثنا آدَمُ بنُ أَبِي إِياسٍ، قالَ: حدَّثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ:

عن عائِشَةَ، قالتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنا والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِناءٍ واحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقالَ لَهُ: الفَرَقُ.

250- ( الْفَرقُ ) بفتح الراء وإسكانها لغتان، والفتح أفصح وأشهر، هو ثلاثة آصُع، حكاه مسلم عن سفيان.


250# (الْفَرَقُ) بفتح الراء وإسكانها، لغتان، والفتح أفصح وأشهر، هو [1] ثلاثةُ آصُعٍ [2] ، حكاه مسلم عن سفيان.

[1] ((هو)): ليست في (د) و(ج).
[2] في (ق): ((أصابع)).





250- قوله: (حدَّثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ): تقدَّم مرَّات أنَّه محمَّد بن عَبْد الرَّحمن بن المغيرة بن أبي ذئب العامريُّ، أحد الأعلام رحمه الله تَعَالَى.

قوله: (عن الزُّهْرِيِّ): تقدَّم مرارًا أنَّه محمَّد بن مُسْلِم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، العلم المشهور، شيخ الإسلام.

قوله: (أَنَا وَالنَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (النَّبيُّ) [1] : مرفوع، ويجوز نصبه على أنَّ الواو بمعنى (مع) ، والله أعلم.

قوله: (الفَرَقُ): هو بفتح الفاء والرَّاء، وفي «مسلم»: (قال سفيان -يعني: ابن عيينة-: والفرق: ثلاثة آصع) انتهى، قال الدِّمياطيُّ: (الفرق): بفتح الرَّاء وإسكانها، قال أبو عبيد: (الفرق): ثلاثة آصع، ستَّةَ عشرَ رطلًا، انتهى، وفي «النِّهاية» لابن الأثير: (الفرق؛ بالتحريك: مكيال يسع ستَّةَ عشرَ رطلًا، [وهي اثنا عشر مدًّا، وثلاثة آصع عند أهل الحجاز، وقيل: الفرق: خمسة أقساط، والقِسط: نصف صاع، وأمَّا [2] الفرْق -بالسُّكون-؛ فمئة [/ج1ص112/] وعشرون رطلًا) انتهى، ولفظ «الصِّحاح»: (والفَرْق: مكيال معروف بالمدينة، وهو ستَّةَ عشرَ رطلًا] [3] ، وقد يحرَّك) انتهى.

[1] (النَّبيُّ): سقطت من (ب) .
[2] في (ج): (فأمَّا) .
[3] ما بين معقوفين سقط من (ب) .





250- (أَنَا وَالنَّبِيّ): يَحتملُ أنْ يكونَ مفعولًا معه، وأنْ يكونَ عطفًا على الضَّميرِ المرفوعِ المتَّصلِ.

فإِنْ قلتَ: كيفَ يكونُ عطفًا، ولا يصحُّ أن يُقال: (أغتسلُ النَّبيُّ) بصيغةِ المتكلِّم؟

قلتُ: يقدَّرُ مناسِبُه ممَّا يصحُّ؛ نحو فِعْلِ الماضي، وهو مِنْ بابِ تغليبِ المتكلِّمِ على الغائبِ؛ كما غُلِّبَ في قولِه تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ} [البقرة: 35، الأعراف: 19] المخاطبُ على الغائبِ، وتقديرُه: اُسْكُنْ أنتَ، وليَسْكُنْ زوجُكَ.

(مِنْ إِنَاءٍ): (مِنْ) ابتدائيَّةٌ.

(مِنْ قَدَحٍ): (مِنْ) بيانيَّةٌ، والأَولَى أَنْ يكونَ (قَدَحٍ) بَدَلٌ مِنْ (إِنَاءٍ) بتكرارِ حرفِ الجرِّ في البدلِ.


250- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ)؛ بكسر المُعجَمَة، محمَّد بن عبد الرَّحمن، القرشيُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام، (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا)؛ أَبرزتِ الضمير لتعطف عليه الظَّاهر [1] ؛ وهو قولها: (وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم)؛ فهو مرفوعٌ، ويجوز أن يكون مفعولًا معه، (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ)؛ بفتحتين، واحد الأقداح التي للشُّرب، (يُقَالُ لَهُ: الْفَرَقُ)؛ بفتح الفاء والرَّاء، قال النَّوويُّ: وهو الأفصح، وهو فيما قِيلَ [2] صاعان، والذي عليه الجماعة: أنَّه ثلاثة صوعٍ، ونقل أبو عُبيدٍ [3] الاتِّفاق عليه [4] كما عليه الجماهير [5] ، وقال ابن الأثير: «الفَرَق»؛ بالفتح: ستَّة عشر رطلًا، وبالإسكان: مئة وعشرون رطلًا، قال في «الفتح»: وهو غريبٌ، وقال الجوهريُّ: مكيالٌ معروفٌ بالمدينة: ستَّة عشر رطلًا، وكان من شَبَهٍ _بفتح الشِّين المُعجَمَة والمُوحَّدة _ كما عند الحاكم بلفظ: تَوْرٌ من شَبَهٍ؛ وهو نوعٌ من النُّحاس، و«من» في قوله: «من إناءٍ» ابتدائيَّةٌ، وفي قوله: «من قدحٍ»، بيانيَّةٌ.

وفي هذا الحديث: التَّحديث، والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، والنَّسائيُّ.

[1] في (د): «المُظهَر».
[2] «فيما قِيلَ»: مثبتٌ من (م).
[3] في (م): «عبيدة»، وهو تحريف.
[4] قوله: «والذي عليه الجماعة: أنَّه ثلاثة صوعٍ، ونقل أبو عبيدٍ الاتِّفاق عليه»، مثبتٌ من (م).
[5] «كما عليه الجماهير»: سقط من (م).





250- ( مِنْ قَدَحٍ ) بدل: ( من إناء ) بتكرير الجارِّ.

( الْفَرَقُ ) بالفتح والسُّكون لغتان، والفتح أشهر وأفصح: ثلاثة آصع، وقيل: صاعان.

فائدة: استدلَّ الدَّاوديُّ بهذا الحديث على جواز نظر الرَّجل إلى عورة امرأته وعكسه.

قال ابن حجر: ويؤيِّده ما روى ابن حبَّان عن سليمان بن موسى أنَّه سئل عن الرَّجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألتُ عطاء فقال: سألت عائشة رضي الله عنها فذكرت هذا الحديث وهو نصٌّ في المسألة. [/ج1ص365/]


69/250# قال أبو عبد الله: حدَّثنا آدَمُ بنُ أَبِي [1] إِياسٍ، قالَ: حدَّثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ:

عن عائشة رضي الله عنها ، قالتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنا والنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِناءٍ واحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقالَ لَهُ: الفَرَقُ.

قلت: فيه دليلٌ على أنَّ فضل وضوء المرأة طاهرٌ، وأنَّ الوضوء به جائزٌ، وأنَّ النهي في ذلك منسوخٌ، على أنَّ أهل المعرفة بالحديث لم يَرتَضُوا [2] طُرُقَ [3] أسانيده، فأمَّا حديثُ الحكم [4] بن عَمرو الغِفاريِّ من رواية عاصم، عن أبي حاجب عنه، فقد اضطربُوا في لفظه [5] ، فقال بعضهم: نهى عن سُؤرِ المرأة. وقال عاصم: لا أدري أَفَضْلَ شرابها، أمْ فَضْلَ طَهُورِها. هكذا رواه شعبة عن عاصم [6] .

قال [7] محمَّد بن إسحاق بن خُزيمة: وأمَّا عبد العزيز بن المختار فجاء بطامَّة في هذا الإسناد، فروى عن عاصم الأحول [8] ، عن عبد الله بن سرجس أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم «نهى أن يغتسلَ الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفَضل الرجل، ولكن يُشرِّعان [9] جميعاً» [10] .

قال: وهذا خبرٌ خطأ الإسناد والمتن [11] ، وشعبة أحفَظُ من مائتين مثل عبد العزيز [12] بن المُختار.

قال: وعاصم، عن عبد الله بن سَرْجِس من الجِنس الذي كان الشافعيُّ يقول: أَخَذَ طريق المَجَرَّة.

و (الفَرَقُ) [13] : إناء يَسَع سِتَّةَ عَشَرَ رِطلاً.

[1] (أبي) سقطت من (ط)
[2] في (أ): (لم يرضوا) وفي (ر): (لم يربطوا).
[3] (طرق) سقط من (ط).
[4] في (ط): (حكم).
[5] انظر: السنن لأبي داود رقم (82) والترمذي رقم (63)
[6] أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/24)
[7] في (ف): (قاله).
[8] قوله (قال محمد..الأحول) سقط من (م) واتصل الكلام واختل المعنى.
[9] في (ر) و (م): (يسرعان).
[10] انظر: صحيح ابن خزيمة رقم (239) والسنن لابن ماجة رقم (374)
[11] انظر: معالم السنن للخطَّابي 1/63.
[12] في (ط): (مثل عزيز).
[13] في (ر) و (ف): (قال الفرق).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

250# (الْفَرَقُ): مكيال يسع ستَّة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًّا.


250- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا آدم)) بفتح الهمزة الممدودة ((بن أبي إِياس)) ؛ بكسر الهمزة، وتخفيف التحتية ((قال: حدثنا ابن أبي ذِئب)) ؛ بكسر الذال المعجمة: هو محمَّد بن عبد الرحمن القرشي، ((عن الزُّهري)) هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب، ((عن عُروة)) ؛ بضمِّ العين المهملة، هو ابن الزُّبير-بضمِّ الزاي- ابن العَوَّام؛ بفتح المهملة، وتشديد الواو، ((عن عائشة)) ؛ أم المؤمنين رضي الله عنها ((قالت)) ؛ أي: السيدة عائشة: ((كنت أغتسل أنا)) أبرزت المضمر؛ لتعطف عليه المُظهَر، وهو قولها: ((والنبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) فهو مرفوع، ويجوز فيه النصب مفعولًا معه.

فإن قلت: كيف يستقيم العطف؛ إذ لا يقال: أغتسل والنبي صلَّى الله عليه وسلَّم؟

قلت: هو على تغليب المتكلم على الغائب كما غلَّب المخاطب على الغائب في قوله تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ} [الأعراف: 19] فعطف {زَوْجُكَ} على {أَنْتَ}.

فإن قلت: الفائدة في تغليب {اسْكُنْ} هي أن آدم كان أصلًا في سكنى الجنة وحواء تابعة له عليه السلام، فما الفائدة فيما نحن فيه؟

قلت: الإيذان بأن النساء محل الشهوات وحاملات للاغتسال، فكن أصلًا فيه، كذا قرره صاحب «عمدة القاري».

((من إناء واحد من قَدَح)) ؛ بفتحتين: واحد الأقداح التي للشرب، والقِدْحُ؛ بكسر القاف، وسكون الدال: السهم قبل أن يراش ويركَّب نصله، وبفتح القاف، وسكون الدال: خلاف التعديل، وهو القول المذموم في الشخص من عرضه ودينه، و (مِن) الأولى: ابتدائية، والثانية: بيانية، وزعم الكرماني أن الأولى أن يكون (من قدح) بدلًا (من إناء واحد) ، بتكرار حرف الجر في البدل، و (من) فيهما ابتدائية، وارتضاه إمام الشارحين.

وإنما لا يجوز أن يكون التقدير: أغتسل أنا ورسول الله عليه السلام [/ص260/] من إناء مشترك بيني وبينه، فيبادرني ويغتسل ببعضه، ويترك ما بقي فأغتسل أنا منه؛ لأنَّه يخالفه الحديث الآخر، وهو: أنه عليه السلام نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وكذا عكسه أيضًا على ما تقدم فيما مضى، كذا قرره في «عمدة القاري».

قلت: ولأنَّه خلاف الظاهر من قولها، بل الظاهر المتبادر من قولها: (كنت أغتسل...) إلخ: أن يكون ذلك في وقت واحد لا سيما إذا جعل لفظ (والنبي) مفعولًا معه، ويدل لهذا ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى: أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألت عطاء، فقال: سألت عائشة؛ فذكرت هذا الحديث، فهو نص في المقصود؛ فافهم.

قال في «عمدة القاري»: (ثم هذا الإناء المذكور كان من شَبَه، يدل عليه ما رواه الحاكم من طريق حمَّاد بن سَلَمَة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، ولفظه: «من تور من شَبَه»؛ بفتح الشين المعجمة، وفتح الموحدة: نوع من النحاس، يقال: كوز شَبَه وشِبَه بمعنًى) انتهى.

((يقال له)) ؛ أي: لذلك القدح، وزعم العجلوني: أن الضمير يرجع إلى الإناء.

قلت: وهو فاسد؛ لأنَّه خلاف الظاهر، ويدل له أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، فالصواب أنه يرجع إلى القدح، كما قلنا؛ فافهم: ((الفَرَق)) ؛ بفتح الفاء، وفتح الراء، قاله العتبي وغيره وهو الأفصح، كما قاله النووي، وقال ابن التين: بتسكين الراء، وحكي ذلك عن أبي زيد، وابن دريد، وغيرهما من أهل اللغة، وزعم الباجي أن الفتح هو الصواب، قال النووي: وليس كما قال، بل هما لغتان.

قلت: ولعله اشتبه عليه ما نقله صاحب «عمدة القاري» عن ثعلب: (الفرَق) ؛ بالفتح، والمحدثون يسكنونه، وكلام العرب بالفتح، فتوهم أن الإسكان خطأ، وليس كذلك، بل هما لغتان؛ فليحفظ، ويدل لذلك: ما نقله صاحب «عمدة القاري» عن أبي زيد الأنصاري: أن إسكان الراء جائز، وهو لغة فيه، واختلفوا في مقداره؛ ففي «الصحاح»: الفرق: مكيال معروف بالمدينة، وهو ستة عشر رطلًا، وقال أبو زيد: مقداره ثلاثة أصوع ستة عشر رطلًا، وقال ابن الأثير: الفرَق؛ بالفتح ستة عشر رطلًا، وبالإسكان مئة وعشرون رطلًا.

قلت: وإطلاق أهل اللغة يدل على أن الفرق ستة عشر رطلًا من غير فرق بين مفتوح ومكسور، وحكى أبو عبيد الاتفاق على ذلك، وهذا يدل على أن الفرق صاعان، قال القسطلاني كما عليه الجماهير، ويدل لذلك ما قاله ابن عبد البر في «شرح موطأ مالك» عن ابن وهب: الفرق: مكيال من خشب، كان ابن شهاب يقول: إنه يسع خمسة أقساط بأقساط بني أمية.

قلت: والقِسط؛ بكسر القاف: نصف صاع وزيادة، فيكون الفرق: صاعين، كما لا يخفى، فصح أن الصاع: ثمانية أرطال بالبغدادي على الصواب، وهو قول رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، وإليه ذهب إبراهيم النخعي، والحجاج بن أرطاة، والحكم بن عيينة، وأحمد ابن حنبل في رواية، وبعض أصحاب الشافعي لما أخرجه النسائي عن موسى الجهني، قال: أُتي مُجَاهِد بقدح فقال: حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يغتسل بمثل هذا، وقد أخرجه أيضًا الحافظ أبو جعفر الطحاوي عن موسى الجهني، عن مُجَاهِد، قال: (دخلنا على عائشة رضي الله عنها، فاستسقى بعضنا، فأُتي بقس؛ أي: قدح، قالت عائشة: كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يغتسل بمثل هذا) ، قال مُجَاهِد: (فحزرته ثمانية أرطال، أو تسعة أرطال، أو عشرة أرطال) ، ورجال الحديث كلهم ثقات رجال مسلم، وأصحاب السنن، والمراد بقوله: (حزرته) ؛ أي: قدَّرته، فمُجَاهِد لم يشك في الثمانية في هذا الحديث، وإنما شك فيما فوقها؛ فثبتت الثمانية بهذا الحديث، وانتفى ما فوقها، والدليل على عدم شكه في الثمانية: رواية النسائي المتقدمة؛ فإنها نص في ذلك، وقال الإمام أبو يوسف، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية: الفرق ثلاثة أصوع؛ لما في مسلم قال ابن عيينة: (الفرق: ثلاثة آصع) ، ولما حكاه أبو عبيد من الاتفاق على ذلك، ولما رواه ابن حبان من طريق عطاء، عن عائشة، ولفظه: (قدر ستة أقساط) ، والقسط: نصف صاع، فيكون الصاع على هذا: خمسة أرطال وثلث بالبغدادي.

قال ابن حجر: (وهذا هو الصحيح، فإن الحزر لا يعارض التحديد، ومُجَاهِد لم يصرح بأن الإناء المذكور صاع، فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها) .

قلت: وهذا مردود، فإن قول ابن عيينة: (الفرق: ثلاثة آصع) حزر وتخمين في المقدار، لا من نص عائشة، وهو لا يعارض تقدير مُجَاهِد؛ لأنَّ تقدير مُجَاهِد أرجح وأثبت؛ لأنَّه كان ذلك بحضرة عائشة، حيث أشارت إليه بحضرتهم، فهو عن مشاهدة منها، فلا ريب أنه أرجح وأثبت.

وقوله: (ولما حكاه أبو عبيد...) إلخ مردود أيضًا، فإن النووي قال: (الفرق: ثلاثة آصع، وقيل: صاعان، وعليه الجماهير) ، هكذا عبارة النووي الصحيحة، فعلم بها أن في ذلك خلافًا، فبطلت دعوى الاتفاق.

وزعم العجلوني أن قوله: (وعليه الجماهير) يرجع إلى قوله: (ثلاثة أصوع) وهو باطل، فإنه يرجع إلى قوله: (وقيل: صاعان) ، كما لا يخفى؛ لأنَّ الضمير يعود على أقرب مذكور، فقد غفل وذهل عن هذا، وقد تنبه القسطلاني لهذا، فقال: (وهو صاعان كما عليه الجماهير) ، ولم يذكر غيره؛ فافهم.

وقوله: (ولما رواه ابن حبان...) إلخ هذا مردود أيضًا؛ لأنَّه حزر وتخمين، بدليل قوله: (قدر...) إلخ، ويدل له أيضًا قول ابن شهاب: (يسع خمسة أقساط) ، فعلى هذا؛ يقع الخلاف في مقدار القسط، وهو يدل على أنه حزر وتخمين، وقد اتفق أهل اللغة على أن الفرق: ستة عشر رطلًا، ودعوى الاتفاق على أن القسط نصف صاع مردود بقول ابن شهاب، فإنه لم يبلغ نصف صاع، كما لا يخفى، وما زعمه ابن حجر رده في «عمدة القاري» فقال: (ثم قول هذا القائل: هو الصحيح، غير صحيح؛ لأنَّ فيه ذكر الفرق وهو كما ترى فيه أقوال، فكيف يقول: الحزر لا يعارض به التحديد؟ ففي أي موضع التحديد المعين؟ وأما حديث عائشة؛ فالمذكور فيه الفرق الذي كان يغتسل منه النبيُّ عليه السلام، ولم يذكر مقدار الماء الذي كان فيه، هل ملؤه أو أقل من ذلك) انتهى.

قلت: أي: فبطل دعوى التحديد، وما زعمه ابن حجر من قوله: (ومُجَاهِد...) إلخ باطل؛ لأنَّ تصريح عائشة بأن الإناء المذكور: هو الذي كان النبيُّ عليه السلام يغتسل بمثله وهو صاع لم يحتج مُجَاهِد للتصريح بأن الإناء صاع؛ لأنَّ من المعلوم أنه عليه السلام كان يغتسل بالصاع.

وقوله: (فيحمل...) إلخ هذا الحمل باطل بعد تصريح عائشة به، وتقدير مُجَاهِد له بحضرتها عن مشاهدة وعيان، وإذا سلم الاختلاف في الأواني مع تقاربها؛ يلزمه التسليم لتقدير مُجَاهِد، وأنه الصحيح فقد اعترف بما منع، والحق أحق أن يتبع؛ فليحفظ.

قال في «عمدة القاري»: (وفي الحديث جواز اغتسال [1] الرجل والمرأة من إناء واحد، وكذلك الوضوء، وهذا بالإجماع، وفيه تطهير المرأة بفضل الرجل، وأما بالعكس؛ فجائز عند الجمهور سواء خلت المرأة بالماء أو لم تخل، وذهب الإمام أحمد إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته؛ لا يجوز للرجل استعمال فضلها.

فإن قلت: ذكر ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أنه: كان ينهى أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد؟

قلت: غاب عنه الحديث المذكور، والسنة قاضية عليه.

فإن قلت: ورد نهي النبيِّ عليه السلام أن يغتسل الرجل بفضل المرأة؟

قلت: أهل المعرفة بالحديث [/ص261/] لم يرفعوا طرق أسانيد هذا الحديث، ولو ثبت؛ فهو منسوخ، وقد استقصينا الكلام في باب (وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد) ، وفيه: طهارة فضل الجنب والحائض، وقال الداودي: وفيه: جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه، قال في «عمدة القاري»: (ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى: أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألتُ عائشةَ، فذكرت هذا الحديث، وهو نص في المقصود) انتهى والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (الاغتسال)، وليس بصحيح.