متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

247- وبه قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ)؛ بضمِّ الميم، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ اللهِ) بن المُبَارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّورُّي، (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، وقِيلَ: سفيان هو ابن عُيَيْنَةَ؛ لأنَّ ابن المُبَارك يروي عنهما وهما عن منصورٍ، لكنَّ الثَّوريَّ أثبتُ النَّاس في منصورٍ، فترجح إرادته، (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ)؛ بضمِّ العين في الثَّاني، وسكونها في الأوَّل، أبي حمزة _بالزَّاي_ الكوفيِّ، المُتوفَّى في ولاية ابن هُبيرةَ على الكوفة، (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ لي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِذَا أَتَيْتَ)؛ أي: إذا أردت أن تأتيَ (مَضْجَعَكَ)؛ بفتح الجيم، من باب: «منَع يمنَع»، وفي «الفرع»: بكسرها [1] ، (فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ)؛ أي: إن كنت على غير وضوءٍ، و«الفاء»: جواب الشَّرط، وإنَّما نُدِبَ الوضوء عند النَّوم؛ لأنَّه قد تُقبَض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء، وليكونَ أصدقَ لرؤياه وأبعد من [2] تلاعب الشَّيطان به في منامه، وليس ذكر الوضوء في هذا الحديث عند الشَّيخين إلَّا في هذه الرِّواية، (ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ)؛ لأنَّه يمنع الاستغراق في النَّوم لقلق [3] القلب، فيسرع الإفاقة [4] ؛ ليتهجَّد أو ليذكر الله تعالى؛ بخلاف الاضطجاع على الشِّقِّ الأيسر، (ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي): ذاتي (إِلَيْكَ)، طائعةً لحكمك، فأنا مُنقادٌ لك في أوامرك ونواهيك، وفي روايةٍ: ((أسلمت نفسي))، ومعنى «أسلمت»: استسلمت؛ أي: سلَّمتها لك [5] ؛ إذ لا قدرةَ لي ولا تدبيرَ على جلب نفعٍ ولا دفعِ ضرٍّ، فأمرُها مُفوَّضٌ إليك تفعل بها ما تريد، واستسلمت لِمَا تفعل فلا اعتراض عليك فيه، ومعنى «الوجه»: القصد والعمل الصالح؛ ولذا جاء في روايةٍ: ((أسلمت نفسي إليك، ووجَّهت وجهي إليك))، فجمع بينهما، فدلَّ على تغايرهما، (وَفَوَّضْتُ): من التَّفويض؛ أي: رددت (أَمْرِي إِلَيْكَ)، وبرئت من الحول والقوَّة إلَّا بك، فاكفني همَّه، (وَأَلْجَأْتُ)؛ أي: أسندتُ (ظَهْرِي إِلَيْكَ)؛ أي: اعتمدت عليك كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده إليه؛ (رَغْبَةً)؛ أي: طمعًا في ثوابك، (وَرَهْبَةً إِلَيْكَ): الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ [6] بـ: «رغبةً» «ورهبةً» وإن تعدَّى الثَّاني بـ: «من»، لكنَّه أُجرِي مجرى «رغبةً»؛ تغليبًا؛ كقوله: [من مجزوء الكامل]

~ ورأيت بعلك في الوغى متقلِّدًا سيفًا ورمحًا

والرُّمح لا يُتقلَّد، ونحوه: [مِنَ الرَّجز]

~ علفتها تبنًا وماءً باردا

أي: خوفًا من عقابك، وهما منصوبان على المفعول له على طريق اللَّفِّ والنَّشر؛ أي: فوَّضت أمري إليك رغبةً، وألجأت ظهري إليك رهبةً من المكاره والشَّدائد؛ لأنَّه [7] (لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ)؛ بالهمزة في الأوَّل، وربما خُفِّف، وتركه في الثَّاني؛ كعصًا، ويجوز هنا تنوينه إن قدِّر منصوبًا؛ لأنَّ هذا التَّركيب مثل: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، فتجري فيه الأوجه الخمسة [8] المشهورة؛ وهي: فتح الأوَّل والثَّاني، وفتح الأوَّل ونصب الثَّاني، وفتح الأوَّل ورفع الثَّاني، ورفع الأوَّل وفتح الثَّاني، ورفع الأوَّل والثَّاني، ومعَ التَّنوين تسقط الألف، وقوله: «منك» إن قدِّر «ملجأ» و«منجى» مصدرين؛ فيتنازعان فيه، وإن كانا مكانين؛ فلا، والتَّقدير: لا ملجأَ منك إلى أحدٍ إلَّا إليك، ولا منجى إلَّا إليك، (اللَّهُمَّ آمَنْتُ)؛ أي: صدَّقت (بِكِتَابِكَ) القرآن (الَّذِي أَنْزَلْتَ)؛ أي: أنزلته [/ج1ص312/]

على رسولك محمَّد [9] صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالقرآن يتضمَّن الإيمان بجميع كتب الله المُنزَّلة، ويحتمل أن [10] يعمَّ الكلَّ؛ لإضافته إلى الضَّمير؛ لأنَّ المُعرَّف بالإضافة كالمُعرَّف باللَّام في احتمال [11] الجنس والاستغراق والعهد، بل جميع المعارف كذلك، قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ في «الكشَّاف» في قوله تعالى: {إنَّ الذين كفروا سواءٌ عليهم} [البقرة: 6] أوَّل «البقرة»، وتعريف الموصول إمَّا للعهد؛ فالمُراد به: ناسٌ بأعيانهم؛ كأبي لهبٍ وأبي جهلٍ والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، أو الجنس؛ متناولًا من صَمِّم على الكفر وغيرهم، فخصَّ منهم غير المُصِرِّين بما أُسنِد إليه (وَ) آمنت (بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)؛ بحذِف ضمير المفعول؛ أي: أرسلته (فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ؛ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، أو الدِّين القويم، ملَّة إبراهيم، (وَاجْعَلْهُنَّ)؛ أي: هذه الكلمات (آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ) ولابن عساكر: ((ما تَكَلَّمُ به))؛ بحذف إحدى التَّاءين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((من آخر ما تتكلَّم [12] به))، ولا يمتنع أن يقول بعدهنَّ شيئًا ممَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكر عند النَّوم، والفقهاء لا يعدُّون الذِّكر كلامًا في باب الإيمان، وإن كان هو [13] كلامًا في اللُّغة.

(قَالَ) البَرَاءُ: (فَرَدَّدْتُهَا)؛ بتشديد الأولى وتسكين الثَّانية؛ أي: الكلمات (عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) لأحفظهنَّ، (فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ: وَرَسُولِكَ)، زاد الأَصيليُّ: ((الذي أرسلت))، (قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا)؛ أي: لا تقل: «ورسولك»، بل قل: (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)؛ وجه المنع؛ لأنَّه لو قال: «ورسولك»؛ لكان تكرارًا مع قوله: أرسلت، فلمَّا كان نبيًّا قبل أن يُرسَل؛ صرَّح بالنُّبوَّة للجمع بينها وبين الرِّسالة، وإن كان وصف الرِّسالة مستلزمًا وصف النُّبوَّة، مع ما فيه من تعديد النِّعم وتعظيم المنَّة في الحالين، أو احتُرِز به: ممَّن أُرسِل من غير نُبوَّةٍ؛ كجبريل وغيره من الملائكة؛ لأنَّهم رسلٌ لا أنبياء، فلعلَّه أراد تخليص الكلام من اللَّبس، أو لأنَّ لفظ: «النَّبيِّ» أمدحُ من لفظ «الرَّسول»؛ لأنَّه مشتركٌ في الإطلاق على كلِّ من أُرسِل؛ بخلاف لفظ: «النَّبيِّ»، فإنَّه لا اشتراك فيه عرفًا، وعلى هذا: فقول من قال: كلُّ رسولٍ نبيٌّ من غير [14] عكسٍ، لا يصِحُّ إطلاقه، قاله الحافظ ابن حجرٍ؛ يعني: فيُقيَّد بالرَّسول البشريِّ، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: كيف يكون أمدحَ وهو لا يستلزم الرِّسالة؟! بل لفظ «الرَّسول» أمدحُ؛ لأنَّه يستلزم النُّبوَّة.. انتهى. وهو مردودٌ؛ فإنَّ المعنى يختلف، فإنَّه لا يلزم من الرِّسالة النُّبوَّة، ولا عكسه، ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى، وهنا كذلك، أو أنَّ الأذكار توقيفيَّةٌ في تعيين اللَّفظ وتقدير الثَّواب [15] ، فربَّما كان في اللَّفظ سرٌّ ليس في الآخر، ولو كان يرادفه في الظَّاهر، أو لعلَّه أُوحِي إليه بهذا اللَّفظ، فرأى أن يقف عنده، وقال المُهلَّب: إنَّما لم تُبدَّل [16] ألفاظه عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّها ينابيع الحِكَم [17] ، وجوامع الكلم، فلو غُيِّرت؛ سقطت فائدة النِّهاية في البلاغة التي أُعْطِيها صلى الله عليه وسلم. انتهى. وقد [18] تعلَّق بهذا مَنْ منعَ الرِّواية بالمعنى؛ كابن سيرين، وكذا أبو العبَّاس النَّحويُّ قال: إذ ما من كلمتين متناظرتين إلَّا وبينهما فرقٌ، وإن دقَّ ولَطُفَ؛ نحو: «بلى» «ونعم»، انتهى. ولا حجَّة فيه لمنِ استدلَّ به على عدم جواز إبدال لفظ «النَّبيِّ» في الرِّواية بـ: «الرَّسول» وعكسه؛ لأنَّ الذَّات المُخبَر عنها في الرِّواية واحدةٌ، وبأيِّ وَصْفٍ وُصِفت به تلك الذَّاتُ من أوصافها اللَّائقة بها، عُلِم القصد بالمُخبَر عنه ولو تباينت معاني الصِّفات؛ كما لو أبدل اسمًا بكنيةٍ أو كنيةً باسمٍ، فلا فرقَ بين أن يقول الرَّاوي مثلًا: عن أبي عبد الله البخاريِّ أو عن محمَّد بن إسماعيلَ البخاريِّ، وهذا بخلاف ما في حديث الباب؛ لأنَّ ألفاظ الأذكار توقيفيَّةٌ، فلا يدخلها القياس، ويُستفَاد من هذا الحديث: أنَّ الدُّعاءَ عند النَّوم مرغوبٌ فيه؛ لأنَّه قد تُقبَض روحه في نومه، فيكون قد ختم عمله بالدُّعاء الذي هو من [19] أفضل الأعمال كما ختمه بالوضوء، والنُّكتة في ختم المؤلِّف كتاب «الوضوء» بهذا الحديث؛ من جهة أنَّه آخر وضوءٍ أمر به المُكلَّف في اليقظة، ولقوله في الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تتكلَّم به» وأشعرَ ذلك بختم الكتاب [20] .

ورواته السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦6311] ، ومسلمٌ في «الدُّعاء» وأبو داود في «الأدب» والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات» [21] ، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». [/ج1ص313/]

[1] «وفي الفرع بكسرها»: سقط من (د).
[2] في (ب) و(س): «عن».
[3] في (د): «لتعلُّق».
[4] «الإفاقة»: سقط من (م).
[5] في (م): «إليك».
[6] في (م): «يتعلق».
[7] «لأنَّه»: سقط من (م).
[8] في (د): «الخمسة أوجه».
[9] «محمَّد»: مثبتٌ من (م).
[10] في (م): «أنه».
[11] في (س): «احتماله».
[12] في (م): «يتكلم».
[13] قوله: «كلامًا في باب الإيمان، وإن كان هو»، سقط من (م).
[14] في (م): «ولا».
[15] «وتقدير الثَّواب»: سقط من (د).
[16] في (م): «يبدل».
[17] في (م): «الحكمة».
[18] في (م): «لقد».
[19] «من»: سقط من (م).
[20] في (م): «الباب».
[21] قوله: «ومسلمٌ في «الدُّعاء» وأبو داود في «الأدب» والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات»»، سقط من (ب).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

247-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، قالَ: أخبَرَنا [1] عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: أخبَرَنا سُفْيانُ، عن مَنْصُورٍ، عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ:

عن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ علىَ شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجىَ مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ علىَ [/ج1ص58/] الفِطْرَةِ، واجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَتَكَلَّمُ [2] بِهِ». قالَ: فَرَدَّدْتُها على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: «اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ»، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ [3] ، قالَ: «لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».

[1] في رواية ابن عساكر والأصيلي: «حدَّثنا».
[2] في رواية ابن عساكر: «ما تَكَلَّمُ».
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «الذي أرسلت».





247- ( سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ ) بضم العين.

( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ ) بفتح الجيم، والمعنى: إذا أردت.

( رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ ) هو متعلق بالأول، وأما الرَّهبة فإنها تتعدى [1] بِـ«من»، والأصل: رغبة إليك ورهبة منك، والرغبة المسلمة، والرهبة الخوف.

( لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَى ) الأول مهموز والثاني بتركه مقصور. [/ج1ص109/]

[1] جاء في هامش [ب] : نسخة تتعلق.





247# (سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بضم العين.

(إِذَا أتيْتَ مَضْجَعَكَ) بفتح الجيم: إذا أردت الإتيان إلى مضجعك؛ لأن بعده [1] :

(فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ) وهذا إنما هو عند إرادةِ الإتيان، لا عند نفس الإتيان [2] .

(رَغْبةً وَرَهْبةً إِلَيْكَ) قال الزركشي:

@%ج1ص145%

هو متعلِّق بالأول، وأما الرهبة، فإنما يتعدَّى بمن، والأصلُ: رغبة إليك، ورهبة منك.

قلت: سبقَه ابن الجوزي إلى ذلك، ولا يتعين؛ لاحتمال أن يكون المراد التجأتُ [3] إليك رغبةً ورهبةً؛ أي: رجاءً وخوفاً [4] ، وحذف متعلق ((إلى))؛ لدَلالة ما سبق عليه [5] .

(لاَ مَلْجَأَ) بالهمز.

(وَلاَ مَنْجَا) بالقصر، وكلاهما مبني غير منوَّن.

(قَالَ: لاَ، وَنبَيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) فيه مع الأمر بتحري لفظه: التنبيهُ عل [6] إيراد الكلام نصاً أو ظاهراً [7] فيما سِيقَ لأجله، والمقصود منه هنا التصديقُ به عليه السلام، ولا شكَّ أن قوله: ((ونبيك الذي أرسلتَ)) مُوَفٍّ [8] بهذا القصدِ قطعاً [9] ؛ بخلاف قولهِ: ورسولك الذي أرسلت [10] ؛ لصدقه على من أُرسل من الملائكة إلى الأنبياء.

[1] في (د): ((لأن ما بعده)). ((لأن بعده)): ليست في (ق).
[2] ((لا عند نفس الإتيان)): ليست في (ق).
[3] في (ق): ((النجاة)).
[4] في (ق): ((وخوف)).
[5] ((عليه)): ليست في (ج).
[6] في (م) و(ج) و(د): ((وعلى)).
[7] في (ق): ((وظاهراً)).
[8] في (ق): ((حرف)).
[9] في (د): ((مطلقاً)).
[10] من قوله: ((موف بهذا ... إلى قوله: ...الذي أرسلت)): ليس في (د).





247- قوله: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله): هو ابن المبارك، العلم الفرد، مشهور التَّرجمة رحمة الله عليه.

قوله: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ): قال شيخنا الشَّارح: هو الثَّوريُّ كما صرَّح به أبو العَبَّاس أحمد بن ثابت الطرقيُّ وإنْ كان ابن عيينة روى عن منصور، وعنه ابن المبارك؛ لاشتهار الثَّوريِّ بمنصور، وهو أثبت النَّاس فيه، انتهى.

قوله: (عَنْ مَنْصُورٍ): هو ابن المعتمر، تقدَّم مرارًا، وتقدَّم بعض ترجمته مرَّة.

قوله: (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ): هو بضمِّ العين، وهو سعد بن عُبيدة السُّلميُّ الكوفيُّ، عنِ ابن عُمر، والبراء، وعنه: الأعمش، وفطر، ثبتٌ، أخرج له الجماعة، توفِّي في ولاية عمر بن هُبيرة.

قوله: (مَضْجَعَكَ [1] ): هو بفتح الجيم، ورأيت في كلام شيخنا في هذا الشَّرح في (الجنائز) أنَّه ذكرها بالكسر أيضًا، قال الدِّمياطيُّ: ضجَع يضجَعُ على وزن (نفَع ينفَعُ نفْعًا) ، وكذا قال غيره ممَّن تقدَّمه.

قوله: (فَتَوَضَّأْ): تقدَّم ما في ذلك من اللُّغات الثَّلاث التي ذكرها شيخنا أبو جعفر في المجزوم؛ مثل: لَمْ يتوضَّأ، ولم يقرأ، والله أعلم.

قوله: (وُضُوءَكَ): هو بضمِّ الواو: الفعل، وبالفتح: الماء، وهذا الفعل، وتقدَّم أنَّه يجوز في كلٍّ منهما الضَّم والفتح.

قوله: (رَغْبَةً): الرَّغبة: المسألة، وهي تتعدَّى بـ (إلى) .

قوله: (وَرَهْبَةً إِلَيْكَ): الرَّهبة: الخوف، وهي تتعدَّى بـ (مِن) ، والأصل: رغبة إليك، ورهبة منك، والله أعلم.

قوله: (لَا مَلجَأَ): هو مهموز الآخر، والملجأ: المعاذ.

قوله: (وَلَا مَنْجَى): هو غير مهموز، من النَّجاة.

قوله: (وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرْسَلتَ): هو محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا ظاهر جدًّا.

قوله: (على الفِطْرَةِ): هي دين الإسلام.

قوله: (قَالَ: لَا [2] وَنَبِيِّكَ الذِي أَرْسَلتَ): سأذكر الكلام على هذا إنْ شاء الله تعالى وقدَّره [3] في (الدعاء) [4] .

[1] في هامش (ق): (ضجع يضَّجع ضجعًا على وزن: نفع ينتفع نفعًا) .
[2] (قال: لا): ليس في (ج) .
[3] (وقدره): ليس في (ب) .
[4] زيد في (ب): (مستقبلًا) .





247- (وَرَهْبَةً): إِنْ قلتَ: الرَّهبةُ تُستعمل بـ«مِن»، يقال: رهبةً منك؟

قلتُ: (إِلَيْكَ) هو متعلِّقٌ بـ (رَغْبَةً)، وأعطى للرَّهبةِ حكمَها، والعربُ كثيرًا تفعلُ ذلك؛ كقولِ بعضِهم: [من مجزوء الكامل]

~ وَرَأَيْتُ بَعْلَكِ فِي الْوَرَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا

والرُّمحُ لا يُتقلَّدُ، وكقولِه: [من الرجز]

~ عَلَفْتُهَا [1] تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا [2]

انتهى كلامُ الكرمانيِّ.

وقال ابنُ الجوزيِّ: (أسقطَ مِنَ الرَّهْبَة لفظ «مِنْكَ»، وأعمل لفظ الرَّغْبَة بقوله: «إِلَيْكَ» على عادة العرب في أشعارهم:

~ ..... ... ... ... ... ... ... . وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ وَالْعُيُونَا [3]

والعيونُ لا تُزَجَّجُ، ولكنَّه لمَّا جمعَهما في النَّظمِ؛ حَمَلَ أحدَهما على حكمِ الآخرِ) انتهى.

اعلم أنَّه يجبُ في ذلك إضمارُ فعلٍ ناصبٍ للاسمِ على أنَّه مفعولٌ به؛ أي: وسقيتُها ماءً، وكحَّلْنَ العيونا، هذا قولُ الفرَّاءِ والفارسيِّ ومَنْ تبعَهُما، وذهب الجَرْميُّ، والمازنيُّ، والمبرَّدُ، وأبو عبيدةَ، والأصمعيُّ، واليزيديُّ: إلى أنَّه لا حذفَ، وإنَّما بعدَ الواو معطوفٌ، وذلك على تأويلِ العاملِ المذكورِ بعاملٍ يصحُّ انتصابُه عليهما، فيُؤَوَّلُ (زَجَّجْنَ) بـ (حَسَّنَّ)، و (عَلَفْتُهَا) بـ (أَنَلْتُها).

(لَا مَلْجَأَ): بالهمزة، ويجوزُ التَّخفيفُ.

(وَلَا مَنْجَى): مقصورٌ، وإعرابُه كإعرابِ (عَصَى).

إنْ قلتَ: فهل يُقرأُ بالتَّنوينِ، أو بغيرِ التنوينِ؟

قلتُ: في هذا التَّركيبِ خمسةُ أوجهٍ؛ لأنَّه مثلُ: (لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله)، والفرقُ بين نصبِه وفتحِه بالتَّنوين، وعندَ التَّنوينِ تسقطُ الألفُ.

ثمَّ إنَّهما إنْ كانا مصدرينِ؛ فيتنازعانِ [4] في (مِنْكَ)، وإنْ كانا مكانينِ؛ فلَا؛ إذِ اسمُ المكانِ لا يعملُ، وتقديرُه: لا ملجأَ منكَ إلى أحدٍ، ولا منجى إلَّا إليكَ.

[1] في النسختين: (وعلفتها).
[2] أي: وسقيتُها ماءً، والبيت مما لم يعثر له على قائل، لكن في «معاني القرآن» للفراء (1/14) قال: وأنشدني بعض بني أسد يصف فرسه:
~ علفتُها تِبْنًا وماءً باردًا
~ حتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْناها
وفيه أيضًا (3/124): وأنشدني بعض بني دبير...
وينسب لذي الرُّمَّة، وليس في «ديوانه»، وهو من شواهد النحويين في «المغني» (ص828)، «أوضح المسالك» (2/215) (258)، «شرح شذور الذهب» (ص240) (115)، «شرح الأشموني» (2/238) (441)، «خزانة الأدب» (3/139)، وشتت: أقامت شتاءً، وهمَّالة: من هَمَلَتِ العينُ؛ إذا صبَّتْ دمعَها.
ونحو ذلك قوله:
~ تراه كأنَّ اللهَ يجدَع أنفَه وعينيه إنْ مولاه ثاب له وَفْرُ
أي: ويفقأ عينيه، وقوله:
~ تسمعُ للأجوافِ منه صَرَدا
~ وفي اليدين جُسْأة وبَدَدا
أي: وترى في اليدين جُسْأة وبَدَدا، وقول لبيد:
~ فعلا فروع الأَيْهُقانِ وأطفلتْ بالجَلْهتينِ ظباؤُها ونعامُها
أي: وأفرختْ نعامُها، ومثله كثير، انظر «الخصائص» لابن جني (2/433-35).
[3] أي: وكحَّلن العيون، وهو عجز بيت صدره المشهور: (إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ ـ أو خرجن ـ يومًا)، وهو للراعي النُّميري في «ديوانه» (ص269)، وروايته فيه على الصواب: (وهزة نسوة من حي صدق)، والبيت في «معاني القرآن» للفراء (3/123)، «الخصائص» (2/434)، «الإنصاف» (2/151) (392)، «شرح الكافية الشافية» (2/698) (361)، (3/1265) (852)، «مغني اللبيب» (ص466) (662)، «أوضح المسالك» (2/217) (259)، «شرح شذور الذهب» (ص242) (116)، «شرح ابن عقيل» (2/242) (299)، «همع الهوامع» (1/222)، «شرح الأشموني» (2/239) (442)، «خزانة الأدب» (9/141).
[4] في النسختين و«الكواكب»: (يتنازعان)، والمثبت موافق لما في «اللامع الصبيح».





247- وبه قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ)؛ بضمِّ الميم، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ اللهِ) بن المُبَارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّورُّي، (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، وقِيلَ: سفيان هو ابن عُيَيْنَةَ؛ لأنَّ ابن المُبَارك يروي عنهما وهما عن منصورٍ، لكنَّ الثَّوريَّ أثبتُ النَّاس في منصورٍ، فترجح إرادته، (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ)؛ بضمِّ العين في الثَّاني، وسكونها في الأوَّل، أبي حمزة _بالزَّاي_ الكوفيِّ، المُتوفَّى في ولاية ابن هُبيرةَ على الكوفة، (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ لي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِذَا أَتَيْتَ)؛ أي: إذا أردت أن تأتيَ (مَضْجَعَكَ)؛ بفتح الجيم، من باب: «منَع يمنَع»، وفي «الفرع»: بكسرها [1] ، (فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ)؛ أي: إن كنت على غير وضوءٍ، و«الفاء»: جواب الشَّرط، وإنَّما نُدِبَ الوضوء عند النَّوم؛ لأنَّه قد تُقبَض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء، وليكونَ أصدقَ لرؤياه وأبعد من [2] تلاعب الشَّيطان به في منامه، وليس ذكر الوضوء في هذا الحديث عند الشَّيخين إلَّا في هذه الرِّواية، (ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ)؛ لأنَّه يمنع الاستغراق في النَّوم لقلق [3] القلب، فيسرع الإفاقة [4] ؛ ليتهجَّد أو ليذكر الله تعالى؛ بخلاف الاضطجاع على الشِّقِّ الأيسر، (ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي): ذاتي (إِلَيْكَ)، طائعةً لحكمك، فأنا مُنقادٌ لك في أوامرك ونواهيك، وفي روايةٍ: ((أسلمت نفسي))، ومعنى «أسلمت»: استسلمت؛ أي: سلَّمتها لك [5] ؛ إذ لا قدرةَ لي ولا تدبيرَ على جلب نفعٍ ولا دفعِ ضرٍّ، فأمرُها مُفوَّضٌ إليك تفعل بها ما تريد، واستسلمت لِمَا تفعل فلا اعتراض عليك فيه، ومعنى «الوجه»: القصد والعمل الصالح؛ ولذا جاء في روايةٍ: ((أسلمت نفسي إليك، ووجَّهت وجهي إليك))، فجمع بينهما، فدلَّ على تغايرهما، (وَفَوَّضْتُ): من التَّفويض؛ أي: رددت (أَمْرِي إِلَيْكَ)، وبرئت من الحول والقوَّة إلَّا بك، فاكفني همَّه، (وَأَلْجَأْتُ)؛ أي: أسندتُ (ظَهْرِي إِلَيْكَ)؛ أي: اعتمدت عليك كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده إليه؛ (رَغْبَةً)؛ أي: طمعًا في ثوابك، (وَرَهْبَةً إِلَيْكَ): الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ [6] بـ: «رغبةً» «ورهبةً» وإن تعدَّى الثَّاني بـ: «من»، لكنَّه أُجرِي مجرى «رغبةً»؛ تغليبًا؛ كقوله: [من مجزوء الكامل]

~ ورأيت بعلك في الوغى متقلِّدًا سيفًا ورمحًا

والرُّمح لا يُتقلَّد، ونحوه: [مِنَ الرَّجز]

~ علفتها تبنًا وماءً باردا

أي: خوفًا من عقابك، وهما منصوبان على المفعول له على طريق اللَّفِّ والنَّشر؛ أي: فوَّضت أمري إليك رغبةً، وألجأت ظهري إليك رهبةً من المكاره والشَّدائد؛ لأنَّه [7] (لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ)؛ بالهمزة في الأوَّل، وربما خُفِّف، وتركه في الثَّاني؛ كعصًا، ويجوز هنا تنوينه إن قدِّر منصوبًا؛ لأنَّ هذا التَّركيب مثل: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، فتجري فيه الأوجه الخمسة [8] المشهورة؛ وهي: فتح الأوَّل والثَّاني، وفتح الأوَّل ونصب الثَّاني، وفتح الأوَّل ورفع الثَّاني، ورفع الأوَّل وفتح الثَّاني، ورفع الأوَّل والثَّاني، ومعَ التَّنوين تسقط الألف، وقوله: «منك» إن قدِّر «ملجأ» و«منجى» مصدرين؛ فيتنازعان فيه، وإن كانا مكانين؛ فلا، والتَّقدير: لا ملجأَ منك إلى أحدٍ إلَّا إليك، ولا منجى إلَّا إليك، (اللَّهُمَّ آمَنْتُ)؛ أي: صدَّقت (بِكِتَابِكَ) القرآن (الَّذِي أَنْزَلْتَ)؛ أي: أنزلته [/ج1ص312/]

على رسولك محمَّد [9] صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالقرآن يتضمَّن الإيمان بجميع كتب الله المُنزَّلة، ويحتمل أن [10] يعمَّ الكلَّ؛ لإضافته إلى الضَّمير؛ لأنَّ المُعرَّف بالإضافة كالمُعرَّف باللَّام في احتمال [11] الجنس والاستغراق والعهد، بل جميع المعارف كذلك، قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ في «الكشَّاف» في قوله تعالى: {إنَّ الذين كفروا سواءٌ عليهم} [البقرة: 6] أوَّل «البقرة»، وتعريف الموصول إمَّا للعهد؛ فالمُراد به: ناسٌ بأعيانهم؛ كأبي لهبٍ وأبي جهلٍ والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، أو الجنس؛ متناولًا من صَمِّم على الكفر وغيرهم، فخصَّ منهم غير المُصِرِّين بما أُسنِد إليه (وَ) آمنت (بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)؛ بحذِف ضمير المفعول؛ أي: أرسلته (فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ؛ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، أو الدِّين القويم، ملَّة إبراهيم، (وَاجْعَلْهُنَّ)؛ أي: هذه الكلمات (آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ) ولابن عساكر: ((ما تَكَلَّمُ به))؛ بحذف إحدى التَّاءين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((من آخر ما تتكلَّم [12] به))، ولا يمتنع أن يقول بعدهنَّ شيئًا ممَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكر عند النَّوم، والفقهاء لا يعدُّون الذِّكر كلامًا في باب الإيمان، وإن كان هو [13] كلامًا في اللُّغة.

(قَالَ) البَرَاءُ: (فَرَدَّدْتُهَا)؛ بتشديد الأولى وتسكين الثَّانية؛ أي: الكلمات (عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) لأحفظهنَّ، (فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ: وَرَسُولِكَ)، زاد الأَصيليُّ: ((الذي أرسلت))، (قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا)؛ أي: لا تقل: «ورسولك»، بل قل: (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)؛ وجه المنع؛ لأنَّه لو قال: «ورسولك»؛ لكان تكرارًا مع قوله: أرسلت، فلمَّا كان نبيًّا قبل أن يُرسَل؛ صرَّح بالنُّبوَّة للجمع بينها وبين الرِّسالة، وإن كان وصف الرِّسالة مستلزمًا وصف النُّبوَّة، مع ما فيه من تعديد النِّعم وتعظيم المنَّة في الحالين، أو احتُرِز به: ممَّن أُرسِل من غير نُبوَّةٍ؛ كجبريل وغيره من الملائكة؛ لأنَّهم رسلٌ لا أنبياء، فلعلَّه أراد تخليص الكلام من اللَّبس، أو لأنَّ لفظ: «النَّبيِّ» أمدحُ من لفظ «الرَّسول»؛ لأنَّه مشتركٌ في الإطلاق على كلِّ من أُرسِل؛ بخلاف لفظ: «النَّبيِّ»، فإنَّه لا اشتراك فيه عرفًا، وعلى هذا: فقول من قال: كلُّ رسولٍ نبيٌّ من غير [14] عكسٍ، لا يصِحُّ إطلاقه، قاله الحافظ ابن حجرٍ؛ يعني: فيُقيَّد بالرَّسول البشريِّ، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: كيف يكون أمدحَ وهو لا يستلزم الرِّسالة؟! بل لفظ «الرَّسول» أمدحُ؛ لأنَّه يستلزم النُّبوَّة.. انتهى. وهو مردودٌ؛ فإنَّ المعنى يختلف، فإنَّه لا يلزم من الرِّسالة النُّبوَّة، ولا عكسه، ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى، وهنا كذلك، أو أنَّ الأذكار توقيفيَّةٌ في تعيين اللَّفظ وتقدير الثَّواب [15] ، فربَّما كان في اللَّفظ سرٌّ ليس في الآخر، ولو كان يرادفه في الظَّاهر، أو لعلَّه أُوحِي إليه بهذا اللَّفظ، فرأى أن يقف عنده، وقال المُهلَّب: إنَّما لم تُبدَّل [16] ألفاظه عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّها ينابيع الحِكَم [17] ، وجوامع الكلم، فلو غُيِّرت؛ سقطت فائدة النِّهاية في البلاغة التي أُعْطِيها صلى الله عليه وسلم. انتهى. وقد [18] تعلَّق بهذا مَنْ منعَ الرِّواية بالمعنى؛ كابن سيرين، وكذا أبو العبَّاس النَّحويُّ قال: إذ ما من كلمتين متناظرتين إلَّا وبينهما فرقٌ، وإن دقَّ ولَطُفَ؛ نحو: «بلى» «ونعم»، انتهى. ولا حجَّة فيه لمنِ استدلَّ به على عدم جواز إبدال لفظ «النَّبيِّ» في الرِّواية بـ: «الرَّسول» وعكسه؛ لأنَّ الذَّات المُخبَر عنها في الرِّواية واحدةٌ، وبأيِّ وَصْفٍ وُصِفت به تلك الذَّاتُ من أوصافها اللَّائقة بها، عُلِم القصد بالمُخبَر عنه ولو تباينت معاني الصِّفات؛ كما لو أبدل اسمًا بكنيةٍ أو كنيةً باسمٍ، فلا فرقَ بين أن يقول الرَّاوي مثلًا: عن أبي عبد الله البخاريِّ أو عن محمَّد بن إسماعيلَ البخاريِّ، وهذا بخلاف ما في حديث الباب؛ لأنَّ ألفاظ الأذكار توقيفيَّةٌ، فلا يدخلها القياس، ويُستفَاد من هذا الحديث: أنَّ الدُّعاءَ عند النَّوم مرغوبٌ فيه؛ لأنَّه قد تُقبَض روحه في نومه، فيكون قد ختم عمله بالدُّعاء الذي هو من [19] أفضل الأعمال كما ختمه بالوضوء، والنُّكتة في ختم المؤلِّف كتاب «الوضوء» بهذا الحديث؛ من جهة أنَّه آخر وضوءٍ أمر به المُكلَّف في اليقظة، ولقوله في الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تتكلَّم به» وأشعرَ ذلك بختم الكتاب [20] .

ورواته السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦6311] ، ومسلمٌ في «الدُّعاء» وأبو داود في «الأدب» والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات» [21] ، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». [/ج1ص313/]

[1] «وفي الفرع بكسرها»: سقط من (د).
[2] في (ب) و(س): «عن».
[3] في (د): «لتعلُّق».
[4] «الإفاقة»: سقط من (م).
[5] في (م): «إليك».
[6] في (م): «يتعلق».
[7] «لأنَّه»: سقط من (م).
[8] في (د): «الخمسة أوجه».
[9] «محمَّد»: مثبتٌ من (م).
[10] في (م): «أنه».
[11] في (س): «احتماله».
[12] في (م): «يتكلم».
[13] قوله: «كلامًا في باب الإيمان، وإن كان هو»، سقط من (م).
[14] في (م): «ولا».
[15] «وتقدير الثَّواب»: سقط من (د).
[16] في (م): «يبدل».
[17] في (م): «الحكمة».
[18] في (م): «لقد».
[19] «من»: سقط من (م).
[20] في (م): «الباب».
[21] قوله: «ومسلمٌ في «الدُّعاء» وأبو داود في «الأدب» والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات»»، سقط من (ب).





247- ( الْفِطْرَةِ ): السُّنَّة.

( وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ ) للكُشْمِيهنيِّ: «من آخر». [/ج1ص362/]


68/247# قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، قالَ: أخبَرنا عَبْدُ اللهِ، قالَ: أخبَرنا سُفْيانُ، عن مَنْصُورٍ [1] ، عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ [2] :

عن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «إِذا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ علىَ شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّـهُمَّ أَسْلَمْتُ [3] وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجا [4] مِنْكَ [5] إلَّا إِلَيْكَ، اللَّـهُمَّ آمَنْتُ بِكِتابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ [6] لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ علىَ الفِطْرَةِ، واجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ». قالَ: فَعَدَّدْتُها على النَّبِيِّ [7] صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: «آمَنْتُ بِكِتابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ»، قُلْتُ [8] : وَرَسُولِكَ [9] ، قالَ: «لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».

قوله: (إذا أتيتَ مضجعك فتوضَّأ) يريد: إذا أردت أن تأتي مضجعك [10] فتوضَّأ كقوله عز وجل : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ } الآية [11] [المائدة: 6] ، يريد [12] إذا أردتم القيام إلى الصلاة [13] فقدِّموا لها الطهارة. وكقوله: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [14] [النحل: 98] ، أي [15] : إذا أردتَ أن تقرأ القرآن [16] فَقدِّم الاستعاذة.

وقوله: (رغبةً ورهبةً إليك) عَطَفَ الرَّهبة على الرَّغبة، ثمَّ أَعملَ لفظَ الرَّغبة وحدها، ولو أعمل كُلَّ واحدةٍ منهما لكان حَقُّه أن يقولَ: رغبةً إليك ورَهبةً مِنك [17] . ولكنَّ العربَ تفعل ذلك كثيراً في كلامها، كقول [18] بعضهم:

~ورأيتُ بَعلكِ في الوَغَا مُتَقَلِّداً

@%ص79%

سَيْفاً ورُمْحاً [19]

والرُّمحُ لا يُتَقَلَّدُ، وكقول آخر [20] :

~وَزَجَّجْنَ [21] الحَواجِبَ والعُيونا [22]

والعيون لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكحَّلُ، إلَّا أنَّه لمَّا جمعها [23] في النظم حَمَلَ أحدهما على حُكْم [24] الآخر في اللفظ.

و (الفِطرة) هاهنا [25] معناها: دينُ الإسلام، وقد تكون الفطرة بمعنى الخلقة، وتكون بمعنى السُّنَّة، كقوله: «خمس [26] من الفِطرة.» [27] فذكر: الخِتانَ والاسِتحداد وأخواتهما.

وفي قول البراء حين قال: «ورَسُولِك» وتلقين النبيِّ [28] صلى الله عليه وسلم إيَّاه وقوله: «لا، ونبيِّك» [29] حُجةٌ لِمنْ لم يرَ أنْ يُروى [30] الحديثُ على المعنى إلَّا على متابعة اللَّفظ والتَّمسُّك به وترك المُفارقة له [31] ، وهو مَذهَبُ عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، والقاسم بن محمَّد، وابن سيرين [32] ، ورجاء بن حَيوةَ [33] ، وكذلك كان مذهب مالك بن أنس، وابن عُليَّة، وعبد الوارث، ويزيد بن زُريع، وَوُهَيب [34] ، وإليه [35] كان يذهبُ هذا المذهب أبو العبَّاس أحمد بن يحيى النحويُّ، ويقول: ما مِنْ لفظةٍ من الألفاظ المتناظرة من [36] كلام العرب إلَّا وبينها وبين صاحبتها فرقٌ وإنْ دَقَّ ولَطُف، كقولك: بلى ونَعَم، وتَعَال وأقبلْ. ونحوها من الكلام.

قلتُ: والفرقُ بين النبيِّ والرَّسول أنَّ النبيَّ هو المُنبَأ المُخبَرُ [37] ، فعيلٌ بمعنى مُفعَل، والرَّسولُ: هو المأمورُ بتبليع ما نُبِّئ [38] وأُخبر به [39] ، فكلُّ رَسولٍ نَبيٌّ، وليس كلُّ نَبيٍّ رسولاً.

فقد يحتمل أن يكون معنى رَدِّهِ إيَّاه عن اسم الرسول إلى اسم النبيِّ أنَّ الرسول من باب المضاف، فهو يُنبئ من المُرسِلِ إلى المُرسَل [40] إليه، فلو قال: وبرَسولِكَ. ثمَّ أتبَعه بقوله [41] : الذي أرسَلتَ. لصارَ [42] البيان مُعاداً مكرراً [43] ، فقال: ونَبيِّكَ الذي أرْسلتَ؛ إذْ قد كان نبيّاً قبل أن يكون رسولاً؛ ليجمع [44] له الثنَّاء بالاسْمَينِ معاَ؛ وليكونَ تعديداً [45] للنعمة [46] في الحالتين [47] ، وتعظيماً للمِنَّة على الوجهين،

@%ص80%

والله أعلم.

[1] في (ط) زيادة: (عن مجاهد).
[2] في (أ): (سعد بن عبيد).
[3] في (أ): (اللهم إني قد أسلمت) وفي (م): (اللهم إني أسلمت).
[4] في (ط): (لا منجا ولا ملجأ).
[5] (منك) سقطت من (ر).
[6] في (ط): (في).
[7] في (ف): (على رسول الله) وفوقها (على النبي).
[8] في (ف): (قال قلت).
[9] في (ف): (ورسولك الذي أرسلت).
[10] في (ف): (فراشك).
[11] (الآية) سقطت من (ط) وحرفت الآية فيها: (فاغسلوا أيديكم وأرجلكم إلى المرافق).
[12] في النسخ الفروع: (معناه).
[13] في (ر) و (ف): (إليها).
[14] في الأصل والفروع إلَّا (أ): (وإذا قرأت) وفي (ط): (إذا) والمثبت من (أ).
[15] في (ط): (يريد)
[16] في (ر) و (ف): (إذا أردت قراءة القرآن) وفي (أ) و (م): (إذا أردت قراءته).
[17] في (ط): (إليك)
[18] في النسخ الفروع: (قال).
[19] البيت لعبد الله بن الزبعرى في المفضليات 248 ومعاني القرآن للفراء 1/121، وتأويل مشكل القرآن 165، والكامل للمبرد 3/34، و الخصائص 2/131، والمخصص 4/136، وأمالي الشجري 2/321، والإنصاف 2/612، واللسان والتاج (قلد)
[20] في النسخ الفروع: (ونحوه قول الآخر). وفي (ف): (ونحوه قال آخر) وفوقها (قول).
[21] قوله (آخر وزججن) غير واضح في (ط).
[22] عجز بيت للراعي النميري في شعره 56 وصدره:
~وهزَّة نِسوةٍ مِنْ حَيِّ صِدقٍ.
والبيت في المقاصد النحوية 3/91، وأوضح المسالك 2/58 وبلا نسبة في حجة القراءات 695 وعمدة الحفاظ 2/1105 والصحاح والأساس واللسان، و التاج (زجج)
[23] في (ط): (جمعهما).
[24] (حكم) سقطت من (ط).
[25] في (أ) و (م): (هنا).
[26] في (م): (حسن).
[27] انظر: البجاري رقم (5889)، عن أبي هريرة.
[28] في (ط): (رسول الله)
[29] في (م): (لا شك) محرفاً.
[30] في النسخ الفروع: (لمن لم يجز رواية) وفي (م) (لم يجزي).
[31] في النسخ الفروع: (دون المعنى).
[32] في (ط): (وابن شيرين).
[33] في (ر): (بن حياة).
[34] في (ط): (ووهب).
[35] قوله: (إليه) زيادة من النسخ الفروع.
[36] في النسخ الفروع: (من ألفاظ المتناظرة في) وجاء في (ر): (المناظرة). وفي (ف) فوق (ألفاظ) كتب (الألفاظ).
[37] في (م): (المتنبأ المخير).
[38] في (ط) والفروع: (أنبئ).
[39] (به) سقطت من (ط) وفي الفروع: (ما أنبئ به وأخبر).
[40] في الأصل والفروع: (ينبئ عن المرسل والمرسل) والمثبت من (ط).
[41] في الأصل: (بقول) والمثبت من (ط).
[42] في (ف): (لكان) وفوقها (لصار).
[43] في النسخ الفروع: (مكرراً معاداً) وفي (م): (معاذاً) بالذال تصحيفاً.
[44] في (ر): (ليجمع لله).
[45] في (ر): (تقديراً).
[46] في (م): (تعديد النعمة).
[47] في النسخ الفروع: (الحالين).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

247# قوله: (أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ): معناه: إذ لا قُدرة لي ولا تدبير [1] لجلب نفع ولا دفع ضرٍّ، فأمري مسلَّم إليك، تفعل فيها ما تريد.

قوله: (وَفَوَّضْتُ أَمْرِي): أي [2] : وبرئت من الحول والقوَّة إلَّا بك، فاكفني همَّه وتولَّى إصلاحه.

قوله: (وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي): أي: أسندته، فمن استند إلى شيء؛ قوي به.

قوله: (رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ): رغبة [3] في رفدك وثوابك، وخوفًا من أليم عقابك.

قوله: (لَا مَلْجَأَ): مهموز.

قوله [4] : (وَلَا مَنْجَا): غير مهموز: من النَّجاة.

(الْفِطْرَة): دين الإسلام.

قوله: (فَلَمَّا بَلَغْتُ [5] «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ»؛ قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: «لَا، وَنَبِيِّكَ»): فيه دلالة، والرِّسالة أخصُّ؛ لأنَّها أمرٌ زائدٌ عليها، فلمَّا اجتمعا في الشَّارع؛ أراد أن يجمع بينهما في اللَّفظ حتَّى يُفهَم منه موضوع كلِّ واحدٍ.

[1] في (أ) و(ب): (تديبع).
[2] (أي):ليس في (ب).
[3] (رغبة): ليس في (ب).
[4] (قوله): ليس في (أ).
[5] زيد في «اليونينيَّة»: (اللَّهُمَّ).





247- وبه قال: ((حدثنا محمَّد بن مُقاتل)) بضمِّ الميم، أبو الحسن المروزي ((قال: أخبرنا)) وفي رواية: (حدثنا) ((عبد الله)) هو ابن المبارك ((قال: أخبرنا سفيان)) ؛ هو الثوري، وقيل: يحتمل سفيان بن عيينة أيضًا؛ لأنَّ عبد الله يروي عنهما، وهما يرويان عن منصور، لكن الظاهر أنه الثوري؛ لأنَّهم قالوا: أثبت الناس في منصور هو سفيان الثوري، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ فافهم، ((عن منصور)) ؛ بالصاد المهملة، هو ابن المعتمر؛ بالعين المهملة، ((عن سعْد)) ؛ بسكون العين المهملة ((بن عُبيدة)) ؛ بضمِّ العين المهملة، مصغر عبدة، بن حمزة؛ بالزاي، الكوفي،

[/ص249/] وكان يرى رأي الخوارج، ثم تركه، وهو ختن أبي عبد الرحمن السلمي، مات في ولاية ابن هبيرة على الكوفة، وليس في الكتب الستة سعد بن عبيدة سواه، كذا في «عمدة القاري»، ((عن البَرَاء)) بتخفيف الموحدة، والراء ((بن عازب [1] ) ) ؛ بالزاي [2] ، الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه ((قال: قال لي النبي)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم: إذا أتيت)) ؛ بقصر الهمزة؛ أي: إذا أردت أن تأتي ((مضجَعك)) ؛ بفتح الجيم، من ضجَع يضجَع من باب (منَع يمنَع) ، وعن القرطبي: كسرها أيضًا؛ كالمطلع، وفي «عمدة القاري»: (ويروى: «مضجعك» أصله مضتجعك، من باب الافتعال، لكن قُلِبَتِ التاء طاء؛ والمعنى: إذا أردت أن تأتي مضجعك؛ ((فتوضأ)) كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} [النحل: 98] ؛ أي: إذا أردت قراءته، والفاء في جواب (إذا) ((وضوءك للصلاة)) ؛ أي: مثل وضوء الصَّلاة، والمراد به الوضوء الشرعي؛ أي: وصل عقبه ركعتين سنته، قال في «عمدة القاري»: (وقد روى هذا الحديث الشيخان من طرق عن البَرَاء بن عازب، وليس فيها ذكر الوضوء إلا في هذه الرواية، وكذا عند الترمذي) انتهى، ويندب هذا الوضوء أيضًا للجنب، وزعم ابن حجر أن ظاهره استحباب تجديد الوضوء لكل من أراد النوم ولو كان على طهارة، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بمن كان محدثًا، انتهى.

قلت: وظاهر كلامه اعتماد الأول وهو فاسد؛ لأنَّ الذي صرح به العلماء أن المطلوب أن ينام على طهارة لما في «سنن أبي داود» عن معاذ مرفوعًا: «ما من مسلم يبيت على طهارة فيستعار من الليل فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة؛ إلا أعطاه إياه»، فيفيد أن الوضوء مخصوص بمن كان محدثًا وهو المتعيَّن، ولهذا قال في «عمدة القاري»: (فيه: أن الوضوء عند النوم مندوب إليه مرغوب فيه، وكذلك الدعاء؛ لأنَّه قد يقبض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء والدعاء الذي هو أفضل الأعمال، ثم إن هذا الوضوء مستحب وإن كان متوضئًا؛ كفاه ذلك الوضوء؛ لأنَّ المقصود النوم على طهارة؛ مخافة أن يموت في ليلته، وليكون أصدق لرؤياه، وأبعد من تلاعب الشيطان به في منامه) انتهى؛ ولهذا كان ابن عمر يجعل الدعاء آخر عمله، فإذا تكلَّم بعده؛ استأنف ذلك لينام عليه اقتداء بالشارع في قوله: «واجعلهن آخر ما تكلم به»؛ فليحفظ، والله أعلم.

وقوله: ((ثم اضطجع على شقك الأيمن)) هذا أيضًا من سنن النوم مطلقًا ليلًا أونهارًا؛ لأنَّ النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كان يحب التيامن في شأنه كله، ولأنَّه يتعلق القلب على الجانب الأيمن، فلا يثقل في النوم، فيكون أسرع إلى الانتباه؛ ليقوم إلى ورده من تهجُّد أو غيره؛ بخلاف النوم على الشق الأيسر، فإنه يستغرق في النوم؛ لاستراحته فيفوته ذلك العمل، ولأن النوم بمنزلة الموت، فيستعد له بالهيئة التي يكون عليها في قبره، فيكون فيه تذكير بالموت، والقبر، وغيرهما من أحوال الآخرة، وقال الكرماني: (إن النوم على الشق الأيمن يكون أسرع إلى انحدار الطعام كما هو مذكور في «الطب») ، ورده صاحب «عمدة القاري»: بأن المذكور في (الطب) خلاف هذا؛ فافهم.

قالوا: النوم على الأيسر أروح للبدن، وأقرب إلى انهضام الطعام، ولكن اتباع السنة أولى، انتهى.

وقال العجلوني: (ما نقله في «عمدة القاري» لا ينافي ما نقله الكرماني، فإن ذاك في انحدار الطعام، وهذا في انهضامه) .

قلت: وهو فاسد، بل فيه منافاة لا تخفى، فإن الانحدار غير الانهضام؛ لأنَّ الأول يكون بعد الثاني، ويمكن التوفيق بين العبارتين بما نقله ابن الجوزي، قال: (إن الأطباء يقولون ينبغي أن يضطجع على الجانب الأيمن ساعة، ثم ينقلب إلى الأيسر فينام، فإن النوم على اليمين سبب لانحدار الطعام؛ لأنَّ قصبة المعدة تقتضي ذلك، والنوم على اليسار يهضم؛ لاشتمال الكبد على المعدة) انتهى؛ فتأمل.

((ثم قل: اللهم؛ [أسلمت] وجهي إليك)) ؛ أي: استسلمت، كذا فسروه وليس بوجه، والأوجه أن يفسر (أسلمت) : بسلَّمت ذاتي إليك منقادة لك طائعة لحكمك؛ لأنَّ المراد من الوجه الذات، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، قال العجلوني: (لعل غرضه من هذا الكلام أن «أسلمت» متعد، فكيف يفسر: باستسلمت اللازم؟ بل حقه أن يفسر: بسلَّمت المضعَّف؛ ليكون متعدِّيًا إلى (وجهي) ، لكن قوله: لأنَّ المراد من الوجه الذات يظهر أن للتعليل به وجهًا [3] ، وقد يجاب بأن تفسيرهم له بما ذكر تفسير معنًى لا إعراب.

قلت: لقد أنصف أولًا، ثم عدل، وقوله: (وقد يجاب...) إلخ ممنوع؛ فإن هذا تفسير إعراب لا معنًى، كما لا يخفى؛ فافهم.

ثم قال صاحب «عمدة القاري»: (وجاء في رواية أخرى: (أسلمت نفسي إليك) ، والوجه والنفس ههنا بمعنى الذات، ويحتمل أن يراد به الوجه حقيقة، ويحتمل أن يراد به القصد، وكأنه يقول: قصدتك في طلب سلامتي، وقيل: إن معنى الوجه: القصد والعمل الصالح، وكذا جاء في رواية أخرى: (أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك) ، فجمع بينهما، فدل على تغايرهما، ومعنى (أسلمت) : سلَّمت، واستسلمت: أي سلَّمتها لك؛ إذ لا قدرة لي ولا تدبير بجلب نفع، ولا دفع ضرٍّ، فأمرها مفوَّض إليك تفعل بها ما تريد، واستسلمت لما تفعل، فلا اعتراض عليك فيه، وفيه: إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه) انتهى كلام «عمدة القاري».

قلت: وهذا يدل على أن تفسيرهم بما ذكر تفسير إعراب لا تفسير معنًى؛ فليحفظ.

((وفوضت)) من التفويض؛ وهو التسليم؛ أي: رددت ((أمري إليك)) وبرئت من الحول والقوة إلا بك، فاكفني همه، وتولَّني صلاحه، ففيه: إشارة إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوَّضة إليه لا مدبِّر لها غيره تعالى، ((وألجأت)) بالهمز؛ أي: أسندت ((ظهري إليك)) يقال: لجأت إليه لَجَأً؛ بالتحريك، وملجأ والتجأت إليه بمعنًى، والموضع أيضًا لجأ وملجأ وألجأته إلى الشيء: اضطررته إليه؛ والمعنى هنا: توكلت عليك، واعتمدتك في أمري كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده، وأتى بقوله: (وألجأت ظهري إليك) بعد قوله: (وفوضت أمري إليك) ؛ إشارة إلى أنه بعد تفويض أموره التي يفتقر [4] إليها، وبها معاشه، وعليها مدار أمره يلتجأ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة عليه والخارجة، كذا قرره إمام الشارحين رحمه الله تعالى ((رغبةً)) ؛ بالغين المعجمة؛ أي: طمعًا في ثوابك، ((ورهْبةً)) ؛ بسكون الهاء؛ أي: خوفًا من عقابك، وهما منصوبان على المفعول له على طريقة اللَّفِّ والنشر؛ أي: فوضت أمري ((إليك)) ؛ رغبة، وألجأت ظهري عن المكاره والشدائد إليك؛ رهبةً منك، ويجوز أن يكون انتصابهما على الحال بمعنى راغبًا وراهبًا.

فإن قلت: كيف يتصور أن يكون راغبًا وراهبًا في حالة واحدة؛ لأنَّهما شيئان متنافيان؟

قلت: فيه حذف؛ تقديره: راغبًا إليك، وراهبًا إليك، كذا قرره في «عمدة القاري».

قلت: فقوله: (إليك) متعلق بـ (رغبة ورهبة) ، ويجوز أن يتعلق بـ (رغبة) ، ومتعلق بـ (رهبة) محذوف؛ لدلالة المقام عليه؛ أي: منك.

ثم قال إمام الشارحين: (فإن قلت: إذا كان التقدير: راهبًا منك، كيف استعمل بكلمة (إلى) ، والرهبة لا تستعمل إلا بكلمة (من) ؟

قلت: (إليك) متعلق بـ (رغبة) ، وأعطى لـ (الرهبة) حكمها، والعرب تفعل ذلك كثيرًا؛ كقول الشاعر:

~ورأيت بعلك في الوغى متقلدًا سيفًا ورمحا

والرمح لا يتقلد، وكقول الآخر:

~وعلفتها تبنًا وماء باردًا

والماء لا يعلف. انتهى كلامه.

((لا ملجأ)) ؛ بالهمزة، ويجوز التخفيف، ((ولا منجى)) ؛ بالألف؛ لأنَّه مقصور من نجا ينجو، والمنجى (مفعل) منه، ويجوز همزه للازدواج، وإعرابهما مثل إعراب (عصًا) ، كذا في «عمدة القاري».

قلت: وهذا يقتضي أنهما مقصوران؛ فتأمل ((منك إلا إليك)) قال في «عمدة القاري»: (وفي هذا التركيب) خمسة أوجه؛ لأنَّه مثل: لا حول ولا قوة إلا بالله، والفرق نصبه وفتحه بالتنوين، وعند التنوين تسقط الألف، ثم إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان [/ص250/]

في (منك) ، وإن كانا مكانين؛ فلا؛ إذ اسم المكان لا يعمل؛ وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجًى إلا إليك) انتهى.

قلت: والأوجه المشهورة هي فتح الأول والثاني، وفتح الأول ونصب الثاني،وفتح الأول ورفع الثاني، ورفع الأول وفتح الثاني، ورفع الأول والثاني، ومع التنوين تسقط الألف، كما قدمنا وعلى كونهما مكانين؛ فـ (منك) حال من ضمير الخبر أو صفة لهما؛ فافهم.

((اللهم)) ؛ أي: يا الله، وسيأتي عند المؤلف في الأدعية بحذف (اللهم) ؛ ((آمنت)) ؛ أي: صدقت ((بكتابك)) ؛ أي: القرآن، وقوله: ((الذي أنزلت)) صفته، وضمير المفعول محذوف؛ أي: أنزلته على نبيك محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما خصص الكتاب بالصفة؛ ليتناول جميع الكتب المنزلة.

فإن قلت: أين العموم ههنا حتى يجيء التخصيص؟

قلت: المفرد المضاف يفيد العموم؛ لأنَّ المعرف بالإضافة كالمعرف باللام يحتمل الجنس، والاستغراق، والعهد، فلفظ الكتاب المضاف هنا محتمل لجميع الكتب ولجنس الكتب، ولبعضها؛ كالقرآن، قالوا: وجميع المعارف كذلك، وقد قال جار الله الزمخشري رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 6] : يجوز أن تكون للعهد، وأن يراد بهم ناس بأعيانهم؛ كأبي جهل، وأبي لهب، والوليد بن المغيرة، وأحزابهم، وأن تكون للجنس متناولًا منهم كل من صمم على كفره.

قلت: التحقيق أن الجمع المعرَّف تعريف الجنس؛ معناه: جماعة الآحاد، وهي أعم من أن يكون جميع الآحاد أو بعضها، فهو إذا أطلق؛ احتمل العموم والاستغراق، واحتمل الخصوص والحمل على واحد منها يتوقف على القرينة كما في المشترك، هذا ما ذهب إليه الزمخشري، وصاحب «المفتاح» ومن تبعهما، وهو خلاف ما ذهب إليه أئمة الأصول، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري».

قلت: أي: من أن (اللام) تبطل معنى الجمعية، ويصير مدخولها؛ لاستغراق الأفراد؛ فتأمل.

((وبنبيك)) ؛ بالموحدة في أكثر النسخ، وفي بعضها بحذفها، ويؤيدها قوله: (ورسولك) بدونها، وكذا قوله: (ونبيك) الآتي، فإنه بدونها، وعند المؤلف في (الأدعية) بالموحدة؛ كأكثر النسخ هنا، والمراد به: محمَّد النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، والخطاب فيه كسابقه لله عزَّ وجلَّ ((الذي أرسلت)) ؛ أي: أرسلته، ويحتمل أن يراد كل نبي أرسله كما سبق في (بكتابك) ، ((فإن متَّ)) ؛ بفتح التاء، الخطاب للبراء، وليس المراد به وحده على التعيين، بل كل من يحصل ذلك؛ كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وَقِفُوا} [الأنعام: 27] ، أو المراد المعيَّن، ويعلم حكم غيره بالقياس عليه، والظاهر: أن يقال الخطاب خاص أريد به عام؛ فافهم ((من ليلتك؛ فأنت على الفطرة)) ؛ أي: على دين الإسلام، وقد تكون (الفطرة) بمعنى الخلقة؛ كقوله تعالى: {فِطْرَةَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ، وبمعنى السنة؛ كقوله عليه السلام: «خمس من الفطرة...»؛ الحديث، وقال الطيبي: أي: مات على الدين القويم ملة إبراهيم عليه السلام أسلم واستسلم، وقال: أسلمت لرب العالمين، وجاء بقلب سليم، كذا في «عمدة القاري»، ((واجعلهنَّ)) أي: هذه الكلمات ((آخر)) وفي رواية الكشميهني: (من آخر) ((ما تتكلم به)) ولابن عساكر: (ما تكلم) ؛ بحذف إحدى التاءين تخفيفًا، ورواية الكشميهني مبينة أنه لا يمتنع أن يقول بعدهن شيئًا من المشروع ذكره عند النوم، وهو كذلك، لكن الأكمل والأحسن جعلها آخرًا حقيقة وتسمية ما ذكر كلامًا بالنظر إلى اللغة والاصطلاح وإن كان لا يسمى في عرف الفقهاء في الإيمان كلامًا، وإنما يسمَّى ذكرًا ودعاء؛ فافهم، ((قال)) ؛ أي: البَرَاء بن عازب: ((فردَّدتها)) ؛ بتشديد الدال المهملة الأولى، وسكون الثالثة؛ لإدغامها في التاء؛ أي: كررت هذه الكلمات ((على النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم،)) ؛ أي: لأحفظهن، ((فلما بلغت)) ؛ أي: وصلت في القراءة: ((اللهم؛ آمنت بكتابك الذي أنزلت)) والمراد: بلغت آخر هذه الجملة، فلا يرد أن السياق يقتضي أن يقول: فلما بلغت (ونبيك) ((وقلت: ورسولك)) زاد الأصيلي: (الذي أرسلت) ((قال)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: ((لا)) ؛ أي: لا تقل: ورسولك، بل قل: ((ونبيك الذي أرسلت)) حتى يجمع بين صفتيه؛ وهما الرسول والنبيُّ صريحًا وإن كان وصف الرسالة يستلزم النبوة، ويحتمل أن ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ، وتقدير الثواب، فربما كان في اللفظ زيادة تبيين ليس في الآخر وإن كان يرادفه في الظاهر، ويحتمل أنه أوحى إليه بهذا اللفظ فرأى أن يقف عنده؛ لأنَّه ذكر ودعاء، فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ويحتمل أنه ذكره؛ احترازًا ممن أرسل من غير نبوة؛ كجبريل وغيره من الملائكة عليهم السلام؛ لأنَّهم رسل لا أنبياء، ويحتمل أن يكون رده دفعًا للتكرار؛ لأنَّه قال في الأولى: (وبنبيك الذي أرسلت) ، فلو قال: (ورسولك) ؛ لزم التكرار، ويحتمل أن النبيَّ (فعيل) بمعنى (مفعول) من النبأ، وهو الخبر؛ لأنَّه إنباء عن الله عز وجل؛ أي: أخبر، وقيل: إنه مشتق من النباوة: وهو الشيء المرتفع، ورد النبيُّ عليه السلام على البَرَاء؛ ليختلف اللفظان، ويجمع الثناء بين معنى الارتفاع والإرسال ويكون تعديدًا للنعمة في الحالين، وتعظيمًا للمنَّة على الوجهين، ويحتمل أن ألفاظه عليه السلام ينابيع الحكمة، وجوامع الكلم، فلو جوز أن يعبر عن كلامه بكلام غيره؛ سقطت فائدة النهاية في البلاغة التي أعطيها عليه السلام، وزعم ابن حجر: ويحتمل أن لفظ النبيِّ أمدح من لفظ الرسول؛ لأنَّه مشترك في الإطلاق على كل من أرسل بخلاف لفظ النبي، فإنه لا اشتراك فيه عرفًا، وعلى هذا؛ فقول من قال: كل رسول نبي من غير عكس؛ لا يصح إطلاقه، انتهى.

ورده في «عمدة القاري»: بأن هذا غير موجه؛ لأنَّ لفظ النبيِّ كيف يكون أمدح وهو لا يستلزم الرسالة؟ بل لفظ الرسول أمدح؛ لأنَّه يسلتزم النبوة؛ فافهم.

وزعم القسطلاني بأن المعنى يختلف، فإنه لا يلزم من الرسالة النبوة ولا عكسه.

قلت: وهو فاسد، بل يلزم من الرسالة النبوة، ألا ترى أن الرسول لا يرسل إليه إلا بعد أن يصير نبيًّا، على أن الاختلاف في التعبير من حيث الإطلاق، فإذا قيد بالبشر؛ يصح الكلام، ويحصل المرام.

قال الخطابي: (وفي الحديث حجة لمن منع رواية الحديث بالمعنى وهو قول ابن سيرين وغيره، فكان يذهب هذا المذهب أبو العباس النحوي ويقول: ما من لفظة من الألفاظ المتناظرة من كلامهم إلا وبينها وبين صاحبتها فرق وإن دق ولطف؛ كقولك: بلى ونعم) .

قال في «عمدة القاري»: (هذا الباب فيه خلاف بين المحدثين وقد عرف في موضعه، ولكن لا حجة في هذا للمانعين؛ لأنَّه يحتمل الأوجه التي ذكرناها بخلاف غيره) انتهى.

وقد تبعه ابن حجر فقال: (ولا حجة لمن استدل به على أنه لا يجوز إبدال لفظ: (قال نبي الله) مثلًا في الرواية بلفظ: (قال رسول الله) وبالعكس، ولو جازت الرواية بالمعنى، وكذا لا حجة فيه لمن جوز الأول دون الثاني؛ لكون الأول أخص؛ لأنَّ الذات المخبر عنها في الرواية واحدة، فبأيِّ وصف وصفت به الذات من أوصافها؛ علم القصد بالمخبر عنه ولو تباينت معاني الصفات، بخلاف ما في حديث الباب؛ فإنه يحتمل ما تقدم من الأوجه) انتهى.

وإنما ختم كتاب (الوضوء) بهذا الحديث؛ لأنَّه آخر وضوء أمر به المكلف في اليقظة، ولقوله في الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تتكلم به»، فأشعر ذلك بختم الكتاب.

اللهم؛ اختم لنا بالوفاة على الإيمان، وارزقنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعافية من جميع البلايا، وتمام النعمة، والنصر على الأعداء، اللهم؛ أطل عمري بطاعتك، وكثر أولادي، ووفِّقهم لما تحب وترضى، واجعلنا وإياهم من الآمنين يا أرحم الراحمين.

وفي يوم الخامس عشر جماد أول سنة سبع وسبعين أمر الحكام أهل البلد أن يتهيؤوا لرفع التراب من حارة النصارى.

اللهم؛ فرج عنا وعن المسلمين يا أرحم الراحمين.[/ص251/]

[1] في الأصل: (عاذب)، ولعل المثبت هو الصواب، وكذا في الموضع اللاحق.
[2] في الأصل: (بالذال)، والمثبت موافق لما في كتب التراجم .
[3] في الأصل: (وجه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (مفتقر)، ولعل المثبت هو الصواب.