متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

246- (وَقَالَ عَفَّانُ) بن مسلمٍ الصَّفَّار، البصريُّ الأنصاريُّ، المُتوفَّى ببغداد سنة عشرين ومئتين، ممَّا وصله أبو عَوانة وأبو نُعيمٍ والبيهقيُّ: (حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ)؛ بالجيم المضمومة، تصغير جاريةٍ، البصريُّ التَّميميُّ، (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر، القرشيِّ العدويِّ، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ)؛ بفتح همزة ((أَراني)) للأَصيليِّ؛ أي: أرى نفسي، فالفاعل والمفعول: المتكلِّم، وهذا من خصائص أفعال القلوب، وبضمِّها؛ لغيره؛ أي: أظنُّ نفسي، كذا ضبطها البرماويُّ كالكرمانيِّ، ووهَّمه [/ج1ص311/] ابن حجرٍ، وقال العينيُّ: ليس بوهمٍ، والعبارتان مُستعمَلَتان، وللمُستملي: ((رآني))؛ بتقديم الرَّاء، قالوا: وهو خطأٌ؛ لأنَّه إنَّما أخبر عمَّا رآه في النَّوم (فَجَاءَنِي رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ فَنَاوَلْتُ)؛ أي: أعطيت (السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي)؛ القائل له جبريل: (كَبِّرْ)؛ أي: قدِّم الأكبرَ في السِّنِّ، (فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا).

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: المؤلِّف: (اخْتَصَرَهُ) أي: المتن (نُعَيْمٌ) هو ابن حمَّادٍ، (عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ) عبد الله، (عَنْ أُسَامَةَ) بن زيدٍ اللَّيثيِّ المدنيِّ، (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ)، وصله الطَّبرانيُّ في «الأوسط» عن بكر [1] بن سهلٍ عنه بلفظ: «أمرني جبريل عليه الصلاة والسلام أن أكبِّر»، ويُستفَاد منه: تقديم ذي السِّنِّ في السِّواك والطَّعام والشَّراب والمشيِ والرُّكوب والكلام. نعم؛ إذا ترتَّب [2] القوم في الجلوس؛ فالسُّنَّة تقديم الأيمن فالأيمن، كما نبَّهَ عليه المُهلَّب.

[1] في غير (م): «بكير»، وهو تحريفٌ.
[2] في (م): «تزين».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

246-. وقالَ عَفَّانُ: حدَّثنا صَخْرُ بنُ جُوَيْرِيَةَ، عن نافِعٍ:

عن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: «أُرانِي [1] أَتَسَوَّكُ بِسِواكٍ، فَجاءَنِي رَجُلَانِ، أَحَدُهُما أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَناوَلْتُ السِّواكَ الأَصْغَرَ مِنْهُما، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إلى الأَكْبَرِ مِنْهُما».

قالَ أبو عَبْدِ اللَّهِ: اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ، عن ابْنِ المُبارَكِ، عن أُسامَةَ، عن نافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ.

[1] في رواية الأصيلي: «أَراني» بفتح الهمزة.





246- ( أَرَانِي أَتَسَوَّكُ ) بهمزة مفتوحة، وحذفها المستملي وهو خطأ؛ لأنَّه إنَّما أخبر عما رآه في النوم.


246# (ابْنُ جُويرِيَةَ [1] ) تصغير جارية، وهو علمٌ.

(قَالَ: أُرَانِي أتسَوَّكُ) يحكي [2] حالةً رآها في النوم، والهمزة مضمومةٌ. قال الزركشي: وحذفها المستملي، وهو خطأٌ؛ لأنه أخبر عمَّا رآه في النوم.

قلت: ما أسرعَ [3] الناسَ إلى الطَّعن في الرِّوايات بمجرد الآراء [4] ! يحتملُ ما رواه المستملي أن يكون فاعلُ رآني ضميراً يعود إلى المَلَك الذي قال له في النوم: كَبِّرْ، فترك التصريحَ بالظاهر، فأُضمر لقرينةٍ حاليةٍ.

وفي حديث نُعيم الذي أشار إليه البخاري بعد هذا: كان النَّبي [5] صلى الله عليه وسلم يستنُّ فأعطاه أكبرَ القوم، وقال: ((أمَرَني جبرِيلُ أَن أكبِّر))، رواه الإسماعيلي عن القاسم بن زكريا بسندِهِ، ورواهُ أيضاً عن الحسن بسندهِ، وفيه: ((إنَّ جبرِيلَ أمَرَني أَن أدفَعَ إِلى أكبرِهِمْ)).

(فَقِيلَ لِي: كبِّرْ) فيه أولويةُ [6] تقديمِ ذي السِّنِّ.

قال ابن المنيِّر: وانظر في جلساء صاحب المنزل إذا أراد تقديمَ أحدهم للإمامة، وعلى يمينه الأصغر، وغيره الأكبر، وتساوت الصفات [7] إلا ذلك، هل يقدم الأيمن أو الأكبر؟ الظاهرُ: الأكبرُ [8] ؛ لأنه لا مدخلَ [9] لليمين في فضيلةِ الإمامة؛ بخلاف السنِّ.

[1] في (د): ((جويرة)).
[2] ((يحكي)): ليست في (ق).
[3] في (د) و(ق): ((أسرع كثير من)).
[4] في (ق): ((الأداء)).
[5] ((النبي)): ليست في (ق).
[6] في (ق): ((لزوم)).
[7] في (ق): ((الصفوف)).
[8] في (ق): ((للأكبر)).
[9] في (ق): ((داخل)).





246- قوله: (وَقَالَ عفَّان): هو عفَّان بن مُسْلِم الصَّفَّار أبو عثمان الحافظ، عن هشام الدَّستوائيِّ، وهمَّام، والطَّبقة، وعنه: البخاريُّ، وإبراهيم الحربيُّ، وأبو زرعة، وأمم، وكان ثبتًا، من حكَّام الجرح والتعديل، مات سنة (220 هـ ) ، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان» [1] ؛ منها الذي يقول فيه يحيى القطَّان -وما أدراك ما يحيى القطَّان-: إذا وافقني عفَّان؛ لا أبالي من خالفني، فآذى ابن عديٍّ نفسه بذكره له في «كامله»، وأجاد ابن الجوزيِّ في حذفه... إلى آخر كلامه فيه [2] .

تنبيه: قد تقدَّم نظيره إذا قال البخاريُّ: (قال فلان) وذاك شيخه، وكذا (قال لي) أو (لنا) ، تقدَّم محمول على السَّماع بشرط سلامة قائل ذلك من التَّدليس، وقد تقدَّم أنَّ البخاريَّ سالم مِنْهُ، وأنَّه أخذه عنه في حال المذاكرة، وقد قدَّمت ذلك مُطوَّلًا؛ فراجعه.

قوله: (أَرَانِي أَتَسَوَّكُ [3] ): قال ابن قُرقُول: (رآني أتسوَّك [4] ) ، كذا للمستملي، وهو خطأ، إنَّمَا هو (أَراني) كما للكافَّة بهمزة مقدَّمة مفتوحة؛ لأنَّه إنَّمَا أخبر عمَّا [5] رآه في النوم، انتهى.

قوله: (فَجَاءَنِي رَجُلَانِ): لا أعلم أنَّه جاء في رواية تسميتهما، والله أعلم من هما، [وقال بعض حفَّاظ العصر: القائل له هو جبريل، كما بيَّناه في رواية نعيم بن حمَّاد التي علَّقها، انتهى وقال في تعليق نعيم عنِ ابن المبارك: وصلها الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، ورُوِّيناها في «الغيلانيَّات» باختصار، انتهى] [6]

قوله: (اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ): هو ابن حمَّاد الخزاعيُّ، الحافظ الأعور، ذو التَّصانيف، عن أبي حمزة السُّكريِّ، وإبراهيم بن سعد، وعنه: البخاريُّ مقرونًا، والدارميُّ، وحمزة الكاتب، مُختلَف فيه، امتُحن وقُيِّد فمات بسامرَّاء محبوسًا سنة (229 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ مقرونًا كما ذكرت، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه، له ترجمة في «الميزان»، وأشدُّ [7] ما قيل فيه ما قاله الأزديُّ: كان ممَّن يضع الحديث في تقوية السُّنَّة وحكايات مزوَّرة في ثلب النُّعمان كلُّها كذب، وقال الذَّهبيُّ في «تلخيص المستدرك» في (الفتن والملاحم) -عقب حديث ذكره [8] له الحاكم وقال: صحيح- قال الذَّهبيُّ: هو من أوابد نعيم، وقد ذكرت ذلك غير هذه المرَّة، والله أعلم، والذي اختصره نعيم انفرد البخاريُّ به، ولم يخرِّجه غيره، وإنَّما أخرجه البخاريُّ هنا وقال: عفَّان عن صخر، وأخرجه مُسْلِم في (الرؤيا) في آخر الكتاب: عن نصر [9] بن عليٍّ، عن أبيه، عن صخر بن جويرية به، والله أعلم.

قوله: (عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ): تقدَّم مرارًا أنَّه عَبْد الله، العلم الفرد الرَّبَّانيُّ شيخ خراسان.

قوله: (عَنْ أُسَامَةَ): هو أسامة بن زيد اللَّيثيُّ، أبو زيد المدنيُّ، عن إبراهيم بن عَبْد الله بن حنين، وبعجة بن عَبْد الله الجهنيِّ، والمقبريِّ، وابن المُسَيّب، وغيرهم، [/ج1ص111/] وعنه: أبو ضمرة، وأيُّوب بن سُوَيْد، وخلق، قال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: كان يحيى القطَّان يضعِّفه، ثُمَّ قال ابن معين: هو ثقة، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ، وقال ابن عديٍّ: ليس به بأس، وفيه كلام غير ما ذكرت، توفِّي سنة (153 هـ ) ، علَّق له البخاريُّ كما ترى، ورَوى له مُسْلِم، وَالأربعة، وله ترجمة في «الميزان».

[1] (في «الميزان»): سقطت من (ب) .
[2] (فيه): ليس في (ج) .
[3] في (ج): (السِّواك) .
[4] في (ج): (السِّواك) .
[5] في (ب): (بما) .
[6] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[7] في (ج): (وأشذ) .
[8] في (ب) و (ج): (ذكر) .
[9] في (ب): (صخر) ، وكذا فوقها في (أ) من غير تصحيح، والمثبت هو الصواب.





246- (أرَانِي): بفتحِ الهمزةِ بلفظِ متكلِّمِ المضارع، والفاعلُ والمفعولُ عبارتان عن معنًى واحد، وهذا من خصائصِ أفعالِ القلوبِ، وفي بعضِها: بضمِّ الهمزةِ؛ فمعناهُ: أظنُّ نفْسِي.

(فَنَاوَلْتُ): أي: أعطيتُ؛ ولهذا عُدِّيَ لمفعولين.


246- (وَقَالَ عَفَّانُ) بن مسلمٍ الصَّفَّار، البصريُّ الأنصاريُّ، المُتوفَّى ببغداد سنة عشرين ومئتين، ممَّا وصله أبو عَوانة وأبو نُعيمٍ والبيهقيُّ: (حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ)؛ بالجيم المضمومة، تصغير جاريةٍ، البصريُّ التَّميميُّ، (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر، القرشيِّ العدويِّ، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ)؛ بفتح همزة ((أَراني)) للأَصيليِّ؛ أي: أرى نفسي، فالفاعل والمفعول: المتكلِّم، وهذا من خصائص أفعال القلوب، وبضمِّها؛ لغيره؛ أي: أظنُّ نفسي، كذا ضبطها البرماويُّ كالكرمانيِّ، ووهَّمه [/ج1ص311/] ابن حجرٍ، وقال العينيُّ: ليس بوهمٍ، والعبارتان مُستعمَلَتان، وللمُستملي: ((رآني))؛ بتقديم الرَّاء، قالوا: وهو خطأٌ؛ لأنَّه إنَّما أخبر عمَّا رآه في النَّوم (فَجَاءَنِي رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ فَنَاوَلْتُ)؛ أي: أعطيت (السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي)؛ القائل له جبريل: (كَبِّرْ)؛ أي: قدِّم الأكبرَ في السِّنِّ، (فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا).

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: المؤلِّف: (اخْتَصَرَهُ) أي: المتن (نُعَيْمٌ) هو ابن حمَّادٍ، (عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ) عبد الله، (عَنْ أُسَامَةَ) بن زيدٍ اللَّيثيِّ المدنيِّ، (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ)، وصله الطَّبرانيُّ في «الأوسط» عن بكر [1] بن سهلٍ عنه بلفظ: «أمرني جبريل عليه الصلاة والسلام أن أكبِّر»، ويُستفَاد منه: تقديم ذي السِّنِّ في السِّواك والطَّعام والشَّراب والمشيِ والرُّكوب والكلام. نعم؛ إذا ترتَّب [2] القوم في الجلوس؛ فالسُّنَّة تقديم الأيمن فالأيمن، كما نبَّهَ عليه المُهلَّب.

[1] في غير (م): «بكير»، وهو تحريفٌ.
[2] في (م): «تزين».





246- ( وَقَالَ عَفَّانُ ) وصله أبو عوانة وأبو نعيم والبيهقيُّ.

( أَرَانِي ): بالفتح، ووهم من ضمَّه، وللمُسْتملي: «رآني» بتقديم الرَّاء، وزاد مسلم: «في المنام».

( فَقِيلَ لِي ) القائل: جبريل، كما صُرِّح به في رواية عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط».

( كَبِّرْ ) أي: قدم الأكبر في السِّنِّ. [/ج1ص361/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

246– ((وقال عَفَّان)) ؛ بفتح العين المهملة، وتشديد الفاء، وبالنون بعد الألف، يحتمل الصرف وعدمه؛ كحسان؛ هو ابن مسلم الصفار الأنصاري البصري، سئل عن القرآن زمن المحنة، فأبى أن يقول القرآن مخلوق، وكان من حكام الجرح والتعديل، جعل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل، ولا يقول: عدل، أو غير عدل، قالوا: قف فيه، ولا تقل شيئًا، فقال: لا أبطل حقًّا من الحقوق، ولم يأخذها، مات ببغداد سنة عشرين ومئتين، وظاهر قوله: (وقال عفان) : أنه تعليق، لكنَّ صاحب «عمدة القاري» [قال] : أخرج البخاري هذا الحديث بلا رواية.

قلت: وهو من شيوخ المؤلف، فليس بتعليق، بل رواه عنه على سبيل المذاكرة، ولو قال: وقال لي عفان؛ لكان تعليقًا، ويدل لهذا قول «عمدة القاري» المذكور كقول صاحب «المقدمة» عفان بن مسلم الصفار من كبار الثقات الأثبات، لقيه البخاري، وروى عنه شيئًا يسيرًا، وحدث عن جماعة من أصحابه عنه؛ فيحتمل أنه أخذ عنه بلا واسطة في هذا الموضع؛ فلا يكون تعليقًا، ويحتمل بالواسطة؛ فيكون تعليقًا، وهو ظاهر قوله: ثانيًا، وكذا أخرجه البيهقي، وفي «عمدة القاري» وصله أبو عوانة في «صحيحه»: عن محمَّد بن إسحاق الصغاني، وغيره عن عفان، وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني: عن أبي أحمد: حدثنا موسى بن العباس الجويني: حدثنا محمَّد بن يحيى: حدثنا عفان، وقال مسلم في «صحيحه»: عن صخر بن جويرية؛ [/ص248/] فذكره، انتهى.

وقوله: ((حدثنا صخر)) بالصاد المهملة، والخاء المعجمة، آخره راء ((بن جُويرية)) ؛ بضمِّ الجيم، تصغير الجارية -بالجيم- البصري أبو نافع التميمي الثقة، مقول: (وقال عفان) ؛ فافهم، ((عن نافع)) ؛ مولى ابن عمر القرشي العدوي، ((عن ابن عمر)) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((أن النبيَّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم قال: أَراني)) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: أرى نفسي، فالفاعل والمفعول عبارتان عن معبِّر واحد، وهذا من خصائص أفعال القلوب، وفي رواية المستملي: (رآني) ؛ بتقديم الراء، والأول أشهر، وفي رواية مسلم: (أراني في المنام) ، وفي رواية الإسماعيلي: (رأيت في المنام) ، فعلى هذا؛ هو من الرؤيا، كذا قاله في «عمدة القاري».

وقال الكرماني: (وفي بعض النسخ: (أُراني) ؛ بضمِّ الهمزة؛ ومعناه: أظن نفسي، واعترضه ابن حجر: بأن الضمة وهم، ورده في «عمدة القاري»: (بأنه ليس بوهم، والعبارتان تستعملان [1] ) انتهى.

زعم العجلوني فقال: (لعل المراد من الوهم؛ أي: من حيث الرواية ولئن سلم أن التوهيم مطلقًا لجهة أن (أُرى) بضمِّ الهمزة للظن، والمراد هنا اليقين) انتهى.

قلت: وفيه خبط، بل المراد أن الفتح والضم مستعمل من حيث الرواية والمعنى، وكونها بمعنى الظن لا ينافي اليقين؛ لأنَّ الصيغة صيغة ظن، والمراد بها اليقين، كما لا يخفى، فاندفع الوهم وثبت استعمال الضم؛ فليحفظ.

وزعم القسطلاني أن رواية المستملي بتقديم الراء خطأ؛ لأنَّه إنَّما أخبر عما رآه في النوم، انتهى، يعني: وأن هذه تقتضي اليقظة.

قلت: ولا يلزم من إخباره عما رآه في النوم أنها تقتضي اليقظة؛ لأنَّه يجوز أن يكون قصد بذلك جبريل؛ يعني: أنه رآه في المنام؛ فافهم فلا خطأ في الرواية؛ لأنَّ توجيهها ممكن سائغ، فالحكم عليها بالخطأ خطأ ظاهر؛ فليحفظ.

وقوله: ((أتسوَّك بسواك)) : جملة محلها النصب مفعول ثان، أو حال، والأول أظهر؛ فافهم، ((فجاءني رجلان)) ؛ أي: ملكان على صورة رجلين، أو رجلان حقيقة وهو الظاهر، وهذا على كون (أراني) مَناميَّة؛ لما قدمنا أن (أراني) معناه: أرى نفسي في المنام، وقال ابن حجر في «المنحة»: (وعلى فتح همزة (أراني) وضمها هو إخبار عما رآه في النوم) .

قلت: فقد اعترف باستعمال الضم في (أراني) ، فكيف زعم عليه بالوهم، وما هو إلا تعصب على الكرماني، وتبعه العجلوني فتعصب على «عمدة القاري»، وهو ممنوع؛ فافهم.

((أحدهما أكبر من الآخر)) لعل أحدهما الأكبر هو الأب والأصغر الابن، وكأنه عليه السلام لا يعرفهما قبل ذلك، 0 (فناولت)) أي: أعطيت ((السواك الأصغر منهما)) ؛ أي: من الرجلين يحتمل بطلب منه، ويحتمل بغير طلب، والظاهر الثاني حتى تظهر مزية السواك وفضائله، وزعم العجلوني: أن هذا على حد قول الشاعر:

~ وليست بالأكثر منهم حصى.........

فيأتي فيه ما قيل في ذاك، انتهى.

قلت: وفيه نظر.

((فقيل لي)) القائل له جبريل عليه السلام كما سيذكره من رواية ابن المبارك: ((كبر)) ؛ أي: قدم الأكبر في السن، ((فدفعته)) أي: السواك ((للأكبر منهما)) ؛ امتثالًا لأمره، وظاهره: أنه ناوله، ثم أخذه منه وناوله للأكبر، لكن المراد: أنه ناوله الأصغر، فلم يتناوله ولم يستعمله حين قيل له: (كبر) ، فدفعه للأكبر، والحال أن السواك لم يخرج من يده إلا إلى الأكبر؛ فافهم، ((قال أبو عبد الله)) أي: المؤلف ((اختصره)) ؛ أي: متن الحديث، ومعنى الاختصار ههنا أنه ذكر محصل الحديث وحذف بعض مقدماته، كذا قاله في «عمدة القاري» ((نُعيم)) ؛ بضمِّ النون مصغَّرًا، هو ابن حمَّاد المروزي الخزاعي الأعور، سكن مصر، وقال أحمد: كنا نسميه الفارض؛ لأنَّه كان من أعلم الناس بالفرائض، وسئل عن القرآن فلم يجب بما أرادوه منه، فحبس بسامراء [2] حتى مات في السجن سنة ثمان وعشرين ومئتين زمن خلافة أبي إسحاق بن هارون الرشيد، ((عن ابن المبارك)) ؛ هو عبد الله، ((عن أسامة)) ؛ بالسين المهملة، هو ابن زيد الليثي–بالمثلثة- المدني، وقد تكلم فيه، ولهذا ذكره البخاري استشهادًا، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين، كذا في «عمدة القاري»، ((عن نافع)) مولى ابن عمر، ((عن ابن عمر)) رضي الله عنهما، قال في «عمدة القاري»: (ورواية نعيم هذه وصلها الطبراني في «الأوسط» عن بكر بن سهل عنه بلفظ: «أمرني جبريل عليه السلام أن أكبر»، ورواه الإسماعيلي من طريقين؛ فذكره، وفيه قال: إن جبريل عليه السلام أمرني أن أدفع إلى أكبرهم) ، وأخرجه أحمد والبيهقي بلفظ: (رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستن، فأعطاه أكبر القوم، ثم قال: «إن جبريل عليه السلام أمرني أن أكبر»، وهذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في اليقظة، وتلك الرواية صريحة أنها في المنام، فكيف التوفيق؟

قلت: التوفيق بينهما أن رواية اليقظة لما وقعت أخبرهم النبيُّ عليه السلام بما رآه في النوم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخرون، ومما يشهد له ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستن وعنده رجلان؛ أحدهما أكبر من الآخر، فأوحي إليه في فضل السواك أن كبر) ؛ أي: أعط السواك أكبرهما، وإسناده صحيح، قال: ففيه تقديم حق الأكابر من جماعة الحضور وتبديته على من هو أصغر منه، وهو السنة أيضًا في السلام، والتحية، والشراب، والطيب، ونحو ذلك، ومن هذا المعنى تقديم ذي السن بالركوب، وشبهه من الإرفاق،وكذا المشي، والكلام، والطعام، وقال المهلب: (تقديم ذي السن أولى في كل شيء ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا؛ فالسنة تقديم ذي الأيمن فالأيمن) وهو صحيح؛ أي: لدلالة أحاديث أخر عليه، وقال الكرماني: (فيه: دليل على تقديم حق الأكبر من الجماعة الحاضرين، والبداءة به) انتهى.

قلت: وقوله: (والبداءة به) ليس على إطلاقه؛ لأنَّ هذا حالة الابتداء ما لو ابتدأ بغيره؛ فالأفضل تقديم من على يمين الذي ابتدأ به؛ فافهم.

وقال ابن المنيِّر: (وانظر في جلساء صاحب المنزل إذا أراد تقديم أحدهم للإمامة وعلى يمينه الأصغر وغيره الأكبر وتساوت الصفات في ذلك، هل يقدم الأيمن أو الأكبر، الظاهر الأكبر؛ لأنَّه لا مدخل لليمين في فضيلة الإمامة بخلاف السن) .

قلت: فإذا اجتمع فيهم أكبر على اليمين وأكبر على اليسار؛ يُقَدَّمُ من على اليمين على الظاهر، وإذا اجتمع أكبر على اليمين وأصغر على اليسار لكنه أعلم؛ ينبغي أن يَقَدَّمُ الأصغر؛ لأنَّه أعلم بأحكام الصَّلاة واليمين ليس منها.

وقال في «عمدة القاري»: (وفيه: أن استعمال سواك الغير غير مكروه إلا أن السنة فيه أن يغسله، ثم يستعمله) انتهى.

قلت: ويدل لهذا ما رواه أبو داود عن عائشة قال: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعطيني السواك لأغلسه، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله، ثم أدفعه إليه) ، وهذا يدل على عظيم فطنتها وأدبها حيث إنها لم تغسله ابتداءً حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه عليه السلام، ثم غسلته تأدُّبًا وامتثالًا، ويحتمل أن المراد بأمرها بغسله: تطييبه وتليينه بالماء قبل أن يستعمله، والله تعالى أعلم؛ فافهم.

[1] في الأصل: (مستعملان)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (بسامر)، وليس بصحيح.