متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

244- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) بضمِّ النُّون، محمَّد بن الفضل، ويُشهَر بعارمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) ابن درهمٍ (عَنْ غَيْلَانَ) بفتح المُعجَمَة (ابْنِ جَرِيرٍ) بفتح الجيم وبالرَّاء المكسورة المُكرَّرة، المِعْوَليِّ؛ بكسر [/ج1ص310/] الميم أو [1] بفتحها وسكون [2] العين المُهمَلة وفتح الواو، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوَحَّدة، عامر بن أبي موسى (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ رضي الله عنه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ) كان (بِيَدِهِ) جملةٌ في موضع [3] نصبٍ، مفعولٌ ثانٍ لـ: «وجدته»، حال كونه (يَقُولُ)؛ أي: النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، أو السِّواك مجازًا: (أُعْ أُعْ) بضمِّ الهمزة والعين مُهمَلةٌ فيهما، موضعه نصبٌ على أنَّه مقول القول، وذكر ابن التِّين أنَّ في رواية غير أبي ذَرٍّ: بفتح الهمزة، وفي هامش «فرع اليونينيَّة» ما نصُّه عند الحافظ أبي القاسم؛ أي: ابن عساكر في أصله: ((أغ أغ))؛ بغينٍ مُعجَمةٍ، قال: وفي نسخةٍ: بالعين المُهمَلة. انتهى. ورواه ابن خزيمة والنَّسائيُّ عن أحمد بن عبدة عن حمَّادٍ: بتقديم العين المُهمَلة على الهمزة، وكذا أخرجه البيهقيُّ من طريق إسماعيل القاضي عن عارمٍ شيخ المؤلِّف فيه، وفي «صحيح [4] الجوزقيِّ»: «إخ إخ»، بكسر الهمزة وبالخاء المُعجَمَة، وإنَّما اختلف [5] الرُّواة الثِّقات [6] ؛ لتقارب مخارج هذه الأحرف، وكلُّها ترجع إلى حكاية صوته عليه الصلاة والسلام؛ إذ جعل السِّواك على طرف لسانه عليه السلام، كما عند «مسلمٍ»، والمُراد: طرفه الدَّاخل كما عند أحمد؛ ليستنَّ إلى فوق، ولذا قال هنا: (وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ)؛ أي: يتقيَّأ، يُقال: هاع يهوع؛ إذا قاء بلا تكلُّفٍ؛ يعني: أنَّ له صوتًا كصوت المتقيِّئ على سبيل المُبالَغة [7] ، ويُفهَم منه مشروعيَّة السِّواك على اللِّسان طولًا، أمَّا الأسنان؛ فالأحبُّ أن يكون عرضًا؛ لحديث: «إذا استُكتُم؛ فاستاكوا عرضًا»، رواه أبو داود في «مراسيله»، والمراد: عرض الأسنان، قال في «الرَّوضة»: كره جماعاتٌ [8] من أصحابنا الاستياك طولًا؛ أي: لأنَّه يجرح اللِّثَّة، وهو _كما مرَّ_ من سنن الوضوء؛ لحديث: [خ¦1934] : «لولا أن أشقَّ على أمَّتي؛ لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ وضوءٍ»؛ أي: أمر إيجابٍ، رواه ابن خزيمة وغيره، وكذا من سنن الصَّلاة؛ لحديث الشَّيخين [خ¦887] : «لولا أن أشقَّ على أمَّتي؛ لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ صلاةٍ»؛ أي: أمر إيجابٍ، ويُستحَبُّ عند قراءة القرآن والاستيقاظ من النَّوم وتغيُّر الفم، و [9] في كلِّ حالٍ إلَّا للصَّائم بعد الزَّوال فيُكرَه، وقال ابن عبَّاسٍ: فيه عشر خصالٍ: يُذهِب الحفر، ويجلو البصر، ويشدُّ الِّلثَّة ويطيِّب الفم، وينقِّي البلغم، وتفرح له الملائكة، ويرضي الرَّبَّ تعالى، ويوافق السُّنَّة، ويزيد في حسنات الصَّلاة، ويُصِحُّ الجسم، وزاد التِّرمذيُّ الحكيم: ويزيد الحافظ حفظًا، وينبت الشَّعر، ويصفِّي اللَّون، وليبلع [10] المتسوِّك [11] ريقه في أوَّل استياكه فإنَّه ينفع من الجذام والبرص وكلِّ داءٍ سوى الموت، ويطهِّر الفم، ويبيِّض الأسنان، ويطيِّب النَّكهة، ويصفِّي الحلق، ويزيد في الفصاحة والفطنة، ويقطع الرُّطوبة، ويحدُّ البصر، ويبطئ الشَّيب، ويسوِّي الظَّهر، ويضاعف الأجر، ولرهاب العدوِّ، ويهضم الطَّعام، ويغذِّي الجائع، ويرغم الشَّيطان، ويذكِّر الشَّهادة عند الموت، وفي «الشُّعب» للبيهقيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «عليك بالسِّواك، فإنَّه مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرَّبِّ جلَّ جلاله، مفرحةٌ للملائكة، يزيد في الحسنات، وهو من السُّنَّة، يجلو البصر ويذهب الخضرة ويشدُّ الِّلثَّة ويذهب البلغم»، وزاد البيهقيُّ في روايةٍ أخرى: «ويصحُّ المعدة»، وفي بعض طرقه عند غير البيهقيِّ: «ويزيد في الفصاحة»، قال البيهقيُّ: تفرَّد به الخليل بن مرَّة، وليس بالقويِّ، انتهى. وقال فيه أبو زرعة: شيخٌ صالحٌ، وقال ابن عَدِيٍّ: يُكتَب حديثه، وضعَّفه الجمهور، وصدر الحديث صحيحٌ، رواه النَّسائيُّ وابن خزيمة وابن حبَّان في «صحيحهما» من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا بلفظ: «السِّواك مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرَّبِّ»، وذكره البخاريُّ في كتاب «الصِّيام» مُعلَّقًا مجزومًا به [12] [خ¦1934] ، ولا يبلع بعده شيئًا فإنهَّ يورث النِّسيان.

ورواة الحديث ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».

[1] في (ب) و(س): «و».
[2] في (م): «بسكون».
[3] في (د) و(م): «محلِّ».
[4] في (د): «وجوَّز الجوزقيُّ».
[5] في (م): «اختلفت».
[6] «الثِّقات»: سقط من (د).
[7] في (د): «للمُبالَغة».
[8] في (م): «جماعة».
[9] «و»: سقط من (د).
[10] في (د): «ويبلع».
[11] «المتسوِّك»: مثبتٌ من (م).
[12] قوله: «ويطهِّر الفم، ويبيِّض الأسنان... «الصِّيام» مُعلَّقًا مجزومًا به»، مثبتٌ من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

244-. حدَّثنا أبو النُّعْمانِ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عن غَيْلَانَ بنِ جَرِيرٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ:

عن أَبِيهِ، قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِواكٍ بِيَدِهِ، يَقُولُ: أُعْ أُعْ [1] ، والسِّواكُ في فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ.

[1] بهامش اليونينية: عند الحافظ أبي القاسم [يعني: ابن عساكر] في أصله: «أُغْ أُغْ» بغين معجمة، وفي نسخة: بالعين.اهـ.





244- ( غيلان ) بغين معجمة. [/ج1ص108/]

( يَسْتَنُّ ) أي: يدلك الأسنان.

( يقول أَعْ أَعْ ) بفتح الهمزة وسكون العين، وعن أبي ذر بضمهما، قاله السَّفاقُسِي [1] ، وذكر غيره ضم الهمزة وسكون العين وهي مهملة، وفي أصل الحافظ ابن عساكر بالمعجمة.

والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فيكون حقيقة، أو للسواك فيكون مجازًا.

( يَتَهَوَّعُ ) يتقيأ.

[1] في [ب] : (القابسي).





244# (غيْلاَنَ) بغين معجمة.

(يَستَنُّ) يدلُكُ أسنانه.

(يَقُولُ) الظاهر عود الضمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل عودُه إلى السواك مجازاً [1] من باب امتلاء

@%ج1ص144%

الحوض، وقال [الدَّار] قطني: كذا قيل، وفيه بعدٌ.

(أُعْ، أُعْ) بضم الهمزة وإسكان العين المهملة.

(كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ) أي: يتقيأ.

[1] في (ق): ((حجازاً)).





244- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ): تقدَّم مرارًا أنَّه محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ، عارم الحافظ، وتقدَّم بعض ترجمته، وتقدَّم معنى عارم، وأنَّه بعيد منها.

قوله: (عن أَبِي بُرْدَةَ): تقدَّم مرَّات أنَّه قاضي الكوفة، الحارث أو عامر، وأنَّه أخرج له الجماعة.

قوله: (عَنْ أَبِيهِ): تقدَّم أنَّ أباه أبو موسى الأشعريُّ عَبْد الله بن قيس بن سُليم بن حضَّار، وتقدَّم بعض ترجمته رضي الله عنه.

قوله: (وهو يَقُولُ: أُعْ أُعْ): هما بضمِّ الهمزة في أصلنا، وسكون العين المهملة، قال الدِّمياطيُّ: (لفظ أبي داود: «وهو يقول: أُهْ أُهْ»، ولفظ النَّسائيِّ: «وهو يقول: عَا عَا»، وكلُّهم روَوه من حديث غيلان) انتهى، و (أع أع): حكاية صوت المتهوِّع؛ وهو الذي يتقيَّأ، وقال بعضهم: بفتح الهمزة، وسكون العين، وعن أبي ذرٍّ: بِضَمِّها، قاله السَّفاقسيُّ -وهو ابن التِّين-، وذكره [1] بضمِّ الهمزة وسكون العين وهي مهملة، وفي أصل الحافظ ابن عساكر: بالمعجمة، والضَّمير للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم [2] ؛ فيكون حقيقة، أو للسِّواك؛ فيكون مجازًا.

قوله: (يَتَهَوَّعُ): هو بمثنَّاة تحت، ثُمَّ مثنَّاة فوق أيضًا، ثُمَّ واو مشدَّدة مفتوحات، ثُمَّ عين مهملة؛ أي: يتقيَّأ، وقد تقدَّم أعلاه.

[1] في (ب): (وذكر) .
[2] في (ب): (عليه الصَّلاة والسَّلام) . [/ج1ص111/]





لا تتوفر معاينة

244- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) بضمِّ النُّون، محمَّد بن الفضل، ويُشهَر بعارمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) ابن درهمٍ (عَنْ غَيْلَانَ) بفتح المُعجَمَة (ابْنِ جَرِيرٍ) بفتح الجيم وبالرَّاء المكسورة المُكرَّرة، المِعْوَليِّ؛ بكسر [/ج1ص310/] الميم أو [1] بفتحها وسكون [2] العين المُهمَلة وفتح الواو، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوَحَّدة، عامر بن أبي موسى (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ رضي الله عنه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ) كان (بِيَدِهِ) جملةٌ في موضع [3] نصبٍ، مفعولٌ ثانٍ لـ: «وجدته»، حال كونه (يَقُولُ)؛ أي: النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، أو السِّواك مجازًا: (أُعْ أُعْ) بضمِّ الهمزة والعين مُهمَلةٌ فيهما، موضعه نصبٌ على أنَّه مقول القول، وذكر ابن التِّين أنَّ في رواية غير أبي ذَرٍّ: بفتح الهمزة، وفي هامش «فرع اليونينيَّة» ما نصُّه عند الحافظ أبي القاسم؛ أي: ابن عساكر في أصله: ((أغ أغ))؛ بغينٍ مُعجَمةٍ، قال: وفي نسخةٍ: بالعين المُهمَلة. انتهى. ورواه ابن خزيمة والنَّسائيُّ عن أحمد بن عبدة عن حمَّادٍ: بتقديم العين المُهمَلة على الهمزة، وكذا أخرجه البيهقيُّ من طريق إسماعيل القاضي عن عارمٍ شيخ المؤلِّف فيه، وفي «صحيح [4] الجوزقيِّ»: «إخ إخ»، بكسر الهمزة وبالخاء المُعجَمَة، وإنَّما اختلف [5] الرُّواة الثِّقات [6] ؛ لتقارب مخارج هذه الأحرف، وكلُّها ترجع إلى حكاية صوته عليه الصلاة والسلام؛ إذ جعل السِّواك على طرف لسانه عليه السلام، كما عند «مسلمٍ»، والمُراد: طرفه الدَّاخل كما عند أحمد؛ ليستنَّ إلى فوق، ولذا قال هنا: (وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ)؛ أي: يتقيَّأ، يُقال: هاع يهوع؛ إذا قاء بلا تكلُّفٍ؛ يعني: أنَّ له صوتًا كصوت المتقيِّئ على سبيل المُبالَغة [7] ، ويُفهَم منه مشروعيَّة السِّواك على اللِّسان طولًا، أمَّا الأسنان؛ فالأحبُّ أن يكون عرضًا؛ لحديث: «إذا استُكتُم؛ فاستاكوا عرضًا»، رواه أبو داود في «مراسيله»، والمراد: عرض الأسنان، قال في «الرَّوضة»: كره جماعاتٌ [8] من أصحابنا الاستياك طولًا؛ أي: لأنَّه يجرح اللِّثَّة، وهو _كما مرَّ_ من سنن الوضوء؛ لحديث: [خ¦1934] : «لولا أن أشقَّ على أمَّتي؛ لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ وضوءٍ»؛ أي: أمر إيجابٍ، رواه ابن خزيمة وغيره، وكذا من سنن الصَّلاة؛ لحديث الشَّيخين [خ¦887] : «لولا أن أشقَّ على أمَّتي؛ لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ صلاةٍ»؛ أي: أمر إيجابٍ، ويُستحَبُّ عند قراءة القرآن والاستيقاظ من النَّوم وتغيُّر الفم، و [9] في كلِّ حالٍ إلَّا للصَّائم بعد الزَّوال فيُكرَه، وقال ابن عبَّاسٍ: فيه عشر خصالٍ: يُذهِب الحفر، ويجلو البصر، ويشدُّ الِّلثَّة ويطيِّب الفم، وينقِّي البلغم، وتفرح له الملائكة، ويرضي الرَّبَّ تعالى، ويوافق السُّنَّة، ويزيد في حسنات الصَّلاة، ويُصِحُّ الجسم، وزاد التِّرمذيُّ الحكيم: ويزيد الحافظ حفظًا، وينبت الشَّعر، ويصفِّي اللَّون، وليبلع [10] المتسوِّك [11] ريقه في أوَّل استياكه فإنَّه ينفع من الجذام والبرص وكلِّ داءٍ سوى الموت، ويطهِّر الفم، ويبيِّض الأسنان، ويطيِّب النَّكهة، ويصفِّي الحلق، ويزيد في الفصاحة والفطنة، ويقطع الرُّطوبة، ويحدُّ البصر، ويبطئ الشَّيب، ويسوِّي الظَّهر، ويضاعف الأجر، ولرهاب العدوِّ، ويهضم الطَّعام، ويغذِّي الجائع، ويرغم الشَّيطان، ويذكِّر الشَّهادة عند الموت، وفي «الشُّعب» للبيهقيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «عليك بالسِّواك، فإنَّه مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرَّبِّ جلَّ جلاله، مفرحةٌ للملائكة، يزيد في الحسنات، وهو من السُّنَّة، يجلو البصر ويذهب الخضرة ويشدُّ الِّلثَّة ويذهب البلغم»، وزاد البيهقيُّ في روايةٍ أخرى: «ويصحُّ المعدة»، وفي بعض طرقه عند غير البيهقيِّ: «ويزيد في الفصاحة»، قال البيهقيُّ: تفرَّد به الخليل بن مرَّة، وليس بالقويِّ، انتهى. وقال فيه أبو زرعة: شيخٌ صالحٌ، وقال ابن عَدِيٍّ: يُكتَب حديثه، وضعَّفه الجمهور، وصدر الحديث صحيحٌ، رواه النَّسائيُّ وابن خزيمة وابن حبَّان في «صحيحهما» من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا بلفظ: «السِّواك مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرَّبِّ»، وذكره البخاريُّ في كتاب «الصِّيام» مُعلَّقًا مجزومًا به [12] [خ¦1934] ، ولا يبلع بعده شيئًا فإنهَّ يورث النِّسيان.

ورواة الحديث ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».

[1] في (ب) و(س): «و».
[2] في (م): «بسكون».
[3] في (د) و(م): «محلِّ».
[4] في (د): «وجوَّز الجوزقيُّ».
[5] في (م): «اختلفت».
[6] «الثِّقات»: سقط من (د).
[7] في (د): «للمُبالَغة».
[8] في (م): «جماعة».
[9] «و»: سقط من (د).
[10] في (د): «ويبلع».
[11] «المتسوِّك»: مثبتٌ من (م).
[12] قوله: «ويطهِّر الفم، ويبيِّض الأسنان... «الصِّيام» مُعلَّقًا مجزومًا به»، مثبتٌ من (م).





244- ( يَسْتَنُّ ): بفتح أوَّله والتَّاء الفوقيَّة بينهما مهملة ساكنة آخره نون مشدَّدة، من السّنِّ بالكسر أو بالفتح؛ إمَّا لأنَّ السِّواك يمرُّ على الأسنان، أو لأنَّها يسنُّها، أي: يحدُّها.

( أُعْ أُعْ ): بضمِّ الهمزة وسكون المهملة، وللنَّسائيِّ: «عأ عأ»، ولأبي ذرٍّ: «إه إه» بالكسر، ولغيره: «أخ أخ» بالمعجمة، وسبب الاختلاف تقارب مخارج هذه الأحرف وكلُّها ترجع إلى حكاية صوت.

( كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ ) التَّهوُّع: التَّقيُّؤ، أي: له صوت كصوت التَّقيُّؤ مبالغة.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

244# قوله: (أُعْ أُعْ): عبارة عن إبلاغ السِّواك إلى أقاصي الحلق.

(كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ): يتقيَّأ؛ أي: له صوت كصوته، (كأنَّ) هذه دالَّة على الملازمة والاستمرار.


244- وبه قال: ((حدثنا أبو النعمان)) ؛ بضمِّ النون، محمَّد بن الفضل المشهور بعارم؛ بالعين المهملة ((قال: حدثنا حَمَّاد) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم ((بن زيد)) ؛ أي: ابن درهم أبو إسماعيل الأزرقي الأزدي البصري، المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئة، ((عن غيلان)) بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتية ((ابن جَرير)) ؛ بفتح الجيم، وبالراء المسكورة المكررة، الِمعْوَلي؛ بكسر العين المهملة، وفتح الواو، وأما الميم؛ فقال الغساني بفتحها منسوبًا إلى بطن من الأزد، وقال ابن الأثير بكسرها، مات سنة تسع وعشرين ومئة، ((عن أبي بردة)) ؛ بضمِّ الموحدة، وسكون الراء، عامر بن أبي موسى الأشعري، ((عن أبيه)) هو أبو موسى عبد الله بن قَيْس الأشعري رضي الله عنه ((قال: أتيت النبيَّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) وهو يتوضأ، ((فوجدته يستن)) ؛ بسكون المهملة، وتشديد النون؛ أي: يدلك أسنانه ((بسواك)) والجملة في محل نصب على أنها مفعول ثان لـ (وجدته) ووجد من أفعال القلوب؛ لأنَّ معناه: قائم بالقلب، ويأتي (وجد) بمعنى أصاب أيضًا، فإن جعل (وجدته) من هذا المعنى؛ تكون الجملة منصوبة على الحال من الضمير المنصوب الذي في (وجدته) ، كذا قاله إمام الشارحين، وزعم العجلوني: بأن الأول يحتاج إلى تكلُّف، انتهى.

قلت: وهو فاسد؛ فأين التكلف الذي يحتاج إليه؟ بل هو ظاهر، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، والله اعلم.

((بيده)) الشريفة، والباء فيه تتعلق بمحذوف؛ تقديره: بسواك كائن بيده، ونحو ذلك، أو صفة لـ (سواك) ، والأول أظهر وأحسن؛ فافهم ((يقول)) ؛ أي: النبيُُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وزعم العجلوني: أو السواك مجازًا؛ لكونه يحصل عند استعماله، انتهى.

قلت: وهو فاسد؛ فإن القائل بذلك النبيُّ عليه السلام حقيقة، وإذا وجدت الحقيقة والمجاز؛ لا يجوز العدول عنها إلى المجاز، على أن قوله: (لكونه يحصل...) إلخ؛ فإن كان مراده الصوت؛ فالصوت يخرج من فم المستعمل لا من السواك، وإن أراد صوت السواك؛ فممنوع؛ لأنَّ السواك لا صوت له، كما لا يخفى، فإرادة المجاز ممنوعة، كما لا يخفى؛ فافهم.

((أُع أُع)) ؛ بالتكرار مرتين؛ بضمِّ الهمزة، وبالعين المهملة، كذا في رواية أبي ذر، [/ص246/] وذكر ابن التين: أن غيره رواه بفتح الهمزة، ورواه النسائي، وابن خزيمة عن أحمد بن عبدة، عن حمَّاد بتقديم العين على الهمزة، وكذا أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل القاضي، عن عارم شيخ البخاري فيه، وعند أبي داود: (أُه أُه) ؛ بضمِّ الهمزة، وقيل: بفتحها، والهاء ساكنة، وعند ابن خزيمة: (عا عا) ، وفي «صحيح» الجوزقي: (إِخ إِخ) ؛ بكسر الهمزة، وبالخاء المعجمة، وفي «مسند أحمد»: (كان يرفع لسانه، ووصفه غيلان: بأنه كان يستنُّ طولًا) ، وكلها عبارة عن إبلاغ السواك إلى أقاصي الحلق، و (أع) في الأصل حكاية الصوت، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، وزعم الكرماني أن في بعض النسخ بالغين المعجمة، انتهى، وقال في «المقدمة»: (أع أع) حكاية الصوت الخارج عند وضع السواك في الفم) انتهى.

وزعم ابن حجر وتبعه القسطلاني أن الرواية الأولى أشهر، وإنما اختلفت الرواة؛ لتقارب مخارج هذه الحروف، وكلها ترجع إلى حكاية صوته إذا جعل السواك على طرف لسانه، كما عند مسلم، والمراد طرفه الداخل، كما عند أحمد، انتهى.

قلت: وهو فاسد؛ فإنه لا شهرة للرواية الأولى إلا في «البخاري»، بل جميع الروايات مشهورة معلومة معروفة.

وقوله: (وإنما اختلفت الرواة...) إلخ ممنوع؛ فإن الرواة ثقات أرباب ضبط وتحقيق، وكل واحد منهم عبر كما سمع.

وقوله: (وكلها ترجع...) إلخ هذا الحصر ممنوع؛ لأنَّ اختلافهم كان لمغايرة ما سمعوه، بل هذا هو الظاهر، ويدل لذلك ما قدمنا عن أبي داود أنه عنده: (أُه أُه) ؛ بضمِّ الهمزة، أو بفتحها، فإنها تدلُّ على المغايرة، كما لا يخفى، وهذا ظاهر لكل من له أدنى ذوق في العلم، ولظهوره لم يتعرض له إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، فلا عجب عليه؛ فليحفظ.

((والسواك في فيه)) ؛ أي: في فمه، والجملة محلها نصب على الحال، وقوله: (يقول) : جملة من الفعل والفاعل في محل نصب على الحال، وقوله: (أع أع) في محل نصب على أنه مقول القول؛ فليحفظ، ((كأنه يَتهَوَّع)) ؛ بفتح التحتية والهاء، وتشديد الواو، آخره عين مهملة؛ أي: يتقيأ، وهو من باب (التفعل) الذي للتكلُّف، يقال: هاع يهوع؛ إذا قاء من غير تكلُّف، فإذا تكلَّف؛ يقال: تهوَّع، وفي «الموعب»: (هاع الرجل يهوع هوعًا وهواعًا: جاء القيء من غير تكلُّف، والذي يخرج من الحلق يسمَّى هواعة، وهوَّعته: ما أكلته إذا استخرجته من حلقك) ، وقال ابن سيده: (الهيعوعة في بنات الواو لا يتوجَّه إلا أن يكون محذوفًا) ، قاله في «عمدة القاري»، وتمامه فيه، ثم قال: (والحديث يدل على أن السواك؛ أي: استعماله سنة مؤكدة؛ لمواظبته عليه السلام عليه ليلًا ونهارًا، وقام الإجماع على كونه مندوبًا حتى قال الأوزاعي: هو شطر الوضوء، وقد جاء أحاديث كثيرة تدل على مواظبته عليه السلام عليه، ولكن أكثرها فيه كلام، وأقوى ما يدل على المواظبة محافظته عليه السلام له حتى عند وفاته كما في «البخاري» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستنُّ به، فأشار رسول الله عليه السلام ببصره إلى أن آخذه فأخذته، وقصمته، وطيبته، ودفعته إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فاستنَّ به...) ؛ الحديث، انتهى.

قلت: ولأن قوله في الحديث الآتي: (كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) يدل على المواظبة أيضًا، فيفيد أن ذلك كان عادة له عليه السلام، واختلف العلماء فيه، فقال الإمام الأعظم رضي الله عنه: إنَّ السواك من سنن الدين وهو قول الجمهور، وقال في «عمدة القاري» وتبعه الشارحون: إنَّه الأقوى، فيستوي فيه جميع الأحوال؛ فهو سنة مؤكدة على الأصح، وفي «الهداية»: الصحيح استحبابه، وهو قول الشافعي، وقال في «فتح القدير»: (إنه سنة للوضوء) ، وبه قال جمع، وقال في «البدائع»: (إنه قول الأكثرين، وقال بعض العلماء: (إنه من سنن الصَّلاة) ، وقال ابن حزم: (هو سنة، ولو أمكن لكل صلاة؛ لكان أفضل، وهو فرض لازم يوم الجمعة) ، وحكى الماوردي والاسفرائيني عن أهل الظاهر: أنه واجب، وعن إسحاق: أنه واجب أيضًا، إن تركه عمدًا؛ بطلت صلاته، وزعم النووي أن هذا لم يصح عن إسحاق، وفي حواشي «الهداية»: أنه مستحب في جميع الأوقات، ويؤكد استحبابه عند قصد الوضوء، فيُسن أو يُستحب عند كل صلاة، وصرح البرهان الحلبي، والعلامة العمادي: باستحبابه عند الصَّلاة.

قال في «عمدة القاري»: (وكيفيته عندنا: أن يستاك عرضًا لا طولًا عند مضمضة الوضوء) ، وأخرج أبو نعيم من حديث عائشة قالت: (كان صلَّى الله عليه وسلَّم يستاك عرضًا لا طولًا) ، قال في «البحر»: (وكيفيته: أن يستاك أعالي الأسنان وأسافلها والحنك، ويبتدئ من الجانب الأيمن، وأقله ثلاثة في الأعالي، وثلاث في الأسافل بثلاث مياه) انتهى، أي: بأن يبلَّه في كل مرة.

قال في «معراج الدراية»: (ولا تقدير فيه، بل يستاك إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة، واصفرار الأسنان، والمستحب فيه ثلاث بثلاث مياه) انتهى.

قلت: والظاهر أنه لو حصل الاطمئنان بأقل من ثلاث؛ فالمستحب إكمالها.

وفي «المغني»: (ويستاك على لسانه وأسنانه) ، وقال في «شرح الكنز»: (ويستاك عرضًا في الأسنان، وطولًا في اللسان جمعًا بين الأحاديث، وعند فقد السواك أو فقد أسنانه؛ تقوم الخرقة الخشنة أو الإصبع مقامه في تحصيل الثواب، وبأي إصبع استاك لا بأس به، والأفضل أن يستاك بالسبابتين يبتدئ باليسرى، ثم باليمنى، وإن شاء؛ استاك بإبهامه اليمنى، والسبابة اليمنى يبتدئ بالإبهام من الجانب الأيمن فوق وتحت، ثم بالسبابة من الأيسر كذلك، يدل لهذا ما رواه البيهقي: أنه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «يجزئ من السواك الأصابع» ولأن المقصود منه التنظيف وذهاب الرائحة، وقد حصل؛ فافهم.

وأما المرأة؛ فيقوم العلك مقام السواك لها مع القدرة عليه، فيندب لها فعل العلك؛ لضعف بنيتها، وعند فقده تقوم الإصبع مقامه؛ كالسواك، كذا في «النهر»، وإنما يندب لها العلك؛ لأنَّ سنَّ المرأة ضعيف، ويخاف من كثرة السواك سقوط أسنانها، كذا في «المحيط».

ويستحب إمساكه بيمينه؛ لأنَّه المنقول المتوارث والسنة بأخذه أن يجعل الخنصر أسفله، والإبهام أسفل رأسه، وباقي الأصابع فوقه كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه، ولا يقبضه بيده؛ لأنَّه خلاف السنة؛ ولأنَّه يورث الباسور، ويستحب أن يكون السواك لا رطبًا يلتوي؛ لأنَّه لا يزيل القلح؛ وهو وسخ الأسنان، ولا يابسًا يجرح اللثة؛ وهي منبت الأسنان، فالمراد أن رأسه الذي هو محل استعماله يكون لينًا لا في غاية الخشونة، ولا في غاية من النعومة.

ويستحب أن يكون السواك مستويًا من غير عقد ولا اعوجاج، وأن يكون غلظ الخنصر أو الإصبع، وأن يكون طول الشبر المعتاد وقيل: شبر المستعمل ويكره أن يستاك مضطجعًا؛ لأنَّه يورث كبر الطحال، ويكره معه؛ لأنَّه يورث العمى، ونفخ الرئة، وأما بلع الريق بلا مص، فقال الحكيم الترمذي: (وابلع ريقك أول ما تستاك؛ فإنه ينفع الجذام والبرص، وكل داء سوى الموت، ولا تبلع بعده شيئًا؛ فإنه يورث الوسوسة) ، يرويه زياد بن غيلان، كذا في «الحلية» للمحقق ابن أمير حاج، وفيها: (ثم بعد الاستياك يُسْتَحَبُّ أن يغسله، وإلا؛ فيستاك الشيطان به، ويُسْتَحَبُّ ألَّا يزاد على شبر، وإلا؛ فالشيطان يركب عليه، ويستحبألَّا يضعَه على الأرض عرضًا، بل ينصبه طولًا، وإلا؛ فخطر الجنون، فإنه روي عن سَعِيْد بن جبير قال: من وضع سواكه على الأرض فجن من ذلك؛ فلا يلومنَّإلا نفسه) انتهى.

ويُكْرَهُ أن يستاك بكل شيء مؤذٍ؛ كقضبان الرمان والريحان؛ لما رواه الحارث في «مسنده» عن ضمير بن حبيب قال: (نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن السواك بعود الريحان، وقال: «إنه يحرك عرق الجذام») ، كذا في «شرح الهداية» لإمام الشارحين الشيخ الإمام [/ص247/] شيخ الإسلام بدر الدين العيني قدس سره ورضي عنه، وفي «النهر»: (ويستاك بكل عود إلا الرمان والقصب، وأفضله الأراك، ثم الزيتون؛ لما رواه الطبراني: أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة، وهو سواكي، وسواك الأنبياء من قبلي») انتهى.

ويحرم الاستياك بكل ذي سم من الخشب ونحوه؛ لأنَّه يضر، فيكون من الإلقاء في التهلكة، وقد نهينا عنها، والله تعالى أعلم.