متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

71- هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ) بالمُعجَمَة؛ وهو الماء الذي يُنبَذ فيه نحو التَّمر؛ لتخرج حلاوته إلى الماء، «فَعْيلٌ» بمعنى: «مفعولٍ»؛ أي: مطروحٌ (وَلَا الْمُسْكِرِ) عُطِفَ على [/ج1ص308/] السَّابق، وإنَّما أفرد «النَّبيذ»؛ لأنَّه محلُّ الخلاف في التَّوضُّؤ، والمُراد بـ: «النَّبيذ»: ما لم يبلغ إلى حدِّ الإسكار، ولابن عساكر وأبي الوقت: ((ولا بالمسكر)) [1] ، (وَكَرِهَهُ)؛ أي: التَّوضُّؤ بالنَّبيذ (الْحَسَنُ) البصريُّ فيما رواه ابن أبي شيبة وعبد الرَّزَّاق من طريقين عنه قال: «لا يتوضَّأ بنبيذٍ»، وروى أبو عُبيدٍ [2] من طريقٍ أخرى عنه: «أنَّه لا بأس به»، وحينئذٍ فكراهته عنده للتَّنـزيه (وَ) كذا كرهه (أَبُو الْعَالِيَةِ) رُفَيع بن مهران، الرِّيَاحِيُّ؛ بكسر الرَّاء ثمَّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، فيما رواه الدَّارقُطنيُّ [3] وأبو داود في «سننه» بسندٍ جيِّدٍ عن أبي خلدة فقال: «قلت لأبي العالية: رجلٌ ليس عنده ماءٌ وعنده نبيذٌ أيغتسل به من الجنابة؟ قال: لا»، وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ: أنَّه كره أن يغتسل بالنَّبيذ.

(وَقَالَ عَطَاءٌ)؛ أي: ابن أبي رباحٍ: (التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ) بالمُعجَمَة (وَاللَّبَنِ) روى أبو داود من طريق ابن جريجٍ [4] عن عطاءٍ: «أنَّه كره الوضوء بالنَّبيذ واللَّبن، وقال: إنَّ التَّيمُّم أعجب [5] إليَّ منه»، وجوَّز الأوزاعيُّ الوضوء بسائر الأنبذة، وأبو حنيفة بنبيذ التَّمر خاصَّةً خارج المصر والقرية عند فقد الماء، بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا سائلًا على الأعضاء كالماء، وقال محمَّدٌ: يجمع بينه وبين التَّيمُّم، وقال أبو يوسف كالجمهور: لا يتوضَّأ به بحالٍ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمد، وإليه رجع أبو حنيفة، كما قاله قاضي خان، لكن في «المفيد» من كتبهم: إذا أُلقِي في الماء تمراتٌ فَحَلا ولم يَزُل عنه اسم الماء؛ جاز التَّوضُّؤ به بلا خلافٍ؛ يعني: عندهم، واحتجُّوا بحديث ابن مسعودٍ: يعني: ليلة الجنِّ؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «أمعك ماءٌ»؟ فقال: نبيذٌ، فقال: «أصبت [6] ، شرابٌ وطهورٌ [7] »، أو قال: «ثمرةٌ طيِّبةٌ وماءٌ طهورٌ»، رواه أبو داود والتِّرمذيُّ، وزاد: «فتوضَّأ به»، وأُجيب: بأنَّ علماء السَّلف أطبقوا على تضعيف هذا الحديث، ولئن سلَّمنا صحَّته؛ فهو منسوخٌ؛ لأنَّ ذلك كان بمكَّة، ونزول قوله تعالى: {فتيمَّموا} [المائدة: 6] كان بالمدينة بلا خلافٍ عند فقد عائشة رضي الله عنها العقد، وأُجيب: بأنَّ الطَّبرانيَّ في «الكبير» والدَّارقُطنيَّ رويا: أنَّ جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكَّة فهمز له بعقبه فأنبع الماء وعلَّمه الوضوء، وقال السُّهيليُّ: الوضوء مكِّيٌّ، ولكنَّه مدنيُّ التِّلاوة، وإنَّما قالت عائشة: «آية التَّيمُّم»، ولم تقل: «آية الوضوء»؛ لأنَّ الوضوء كان مفروضًا قبل، غير أنَّه لم يكن قرآناً يُتلَى حتَّى أُنزِلت آية التَّيمُّم، وحكى عياضٌ عن أبي الجهم: أنَّ الوضوء كان سُنَّةً حتَّى نزل القرآن بالمدينة، انتهى. أو هو محمولٌ على ما أُلقِيت فيه تمراتٌ يابسةٌ لم تغيِّر له وصفًا، وأمَّا اللَّبن الخالص؛ فلا يجوز التَّوضُّؤ به إجماعًا، فإن خالط ماءٍ؛ فيجوز عند الحنفيَّة.

[1] قوله: «ولابن عساكر وأبي الوقت: «ولا بالمسكر»»، سقط من (د).
[2] في (ب) و(س): «أبو عبيدة»، وهو خطأٌ.
[3] «الدَّار قطنيُّ و»: مثبتٌ من (م).
[4] في (ب) و(س): «جرير»، وهو خطأٌ.
[5] في (ب) و(م): «أحبُّ»، والمثبت من (س) و«سنن أبي داود» (86).
[6] في (د): «اصبب».
[7] في (د): «شراباً طهوراً».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(71) بابٌ [1] : لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ، وَلَا المُسْكِرِ [2]

وَكَرِهَهُ الحَسَنُ وَأَبُو العالِيَةِ.

وقالَ عَطاءٌ: التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ واللَّبَنِ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] في رواية ابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ولا بالمسكر».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

قوله: (بَاب لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ [بِالنَّبيذِ وَلَا المُسْكِرِ): وجه إيراد البخاريِّ هذا الحديث هنا مع هذه التَّرجمة قيل: وجهه هنا أنَّ المسكر واجب الاجتناب؛ لنجاسته، حرام استعماله في كلِّ حال، ومن جملة ذلك الوُضوء، وما يحرم شربه؛ يحرم الوضوء به؛ لخروجه عنِ اسم الماء لغة وشرعًا، وكذلك النَّبيذ أيضًا غير المسكر في معنى المسكر من جهة أنَّه لا يقع عليه اسم الماء، ولو جاز أنْ يسمَّى النَّبيذ ماء؛ لأنَّ فيه ماء [1] ؛ لجاز أنْ يسمَّى الخلُّ ماء؛ لأنَّ فيه ماء، والله أعلم.

قوله: (الوُضُوءُ)] [2] في التَّرجمة: هو بضمِّ الواو؛ لأنَّه الفعل، وتقدَّم مرارًا أنَّه يجوز فتحها.

قوله: (وَكَرِهَهُ الحَسَنُ): هو ابن أبي الحسن البصريُّ، العالم المشهور، تقدَّم مرَّاتٍ.

قوله: (وَأَبُو العَالِيَةِ): هذا هو رُفَيع بن مهران، وهو من أئمَّة التَّابعين، وقد تقدَّم أنَّ أبا العالية اثنان؛ هذا، وزياد بن فيروز، وهذا أعلمهما وأكبرهما، أدرك الجاهليَّة، ودخل على أبي بكر، وصلَّى خلف عُمر، وحفظ القرآن في خلافته، أسلم بعد موته عليه السَّلام [3] بعامين، وهذا كان ابن عَبَّاس يرفعه على السَّرير، وقريش أسفل من السَّرير، قال: (فتغامزني قريش، وقالوا: يرفع هذا العبد علينا، ففطن لهم، فقال: إنَّ هذا العِلم يزيد الشَّريف شرفًا، ويُجلس الملوك على الأسرة) ، وثناء النَّاس عليه كَثِير، وترجمته معروفة، توفِّي سنة (90 هـ ) ، وقال البخاريُّ: (سنة «93 هـ ») ، وقيل: سنة (111 هـ ) ، والأوَّل أصحُّ، أخرج له الجماعة، وقد تقدَّم الكلام عليه ولكن طال الفصل، وله ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه.

قوله: (وَقَالَ عَطَاءٌ): هذا هو ابن أبي رباح، قال شيخنا الشَّارح: (صرَّح به ابن حزم) ، ثُمَّ ذكر مستنده في ذلك، وقد تقدَّم الكلام عليه.

[1] (لأنَّ فيه ماء): سقط من (ج) .
[2] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[3] في (ب): (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) .





لا تتوفر معاينة

71- هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ) بالمُعجَمَة؛ وهو الماء الذي يُنبَذ فيه نحو التَّمر؛ لتخرج حلاوته إلى الماء، «فَعْيلٌ» بمعنى: «مفعولٍ»؛ أي: مطروحٌ (وَلَا الْمُسْكِرِ) عُطِفَ على [/ج1ص308/] السَّابق، وإنَّما أفرد «النَّبيذ»؛ لأنَّه محلُّ الخلاف في التَّوضُّؤ، والمُراد بـ: «النَّبيذ»: ما لم يبلغ إلى حدِّ الإسكار، ولابن عساكر وأبي الوقت: ((ولا بالمسكر)) [1] ، (وَكَرِهَهُ)؛ أي: التَّوضُّؤ بالنَّبيذ (الْحَسَنُ) البصريُّ فيما رواه ابن أبي شيبة وعبد الرَّزَّاق من طريقين عنه قال: «لا يتوضَّأ بنبيذٍ»، وروى أبو عُبيدٍ [2] من طريقٍ أخرى عنه: «أنَّه لا بأس به»، وحينئذٍ فكراهته عنده للتَّنـزيه (وَ) كذا كرهه (أَبُو الْعَالِيَةِ) رُفَيع بن مهران، الرِّيَاحِيُّ؛ بكسر الرَّاء ثمَّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، فيما رواه الدَّارقُطنيُّ [3] وأبو داود في «سننه» بسندٍ جيِّدٍ عن أبي خلدة فقال: «قلت لأبي العالية: رجلٌ ليس عنده ماءٌ وعنده نبيذٌ أيغتسل به من الجنابة؟ قال: لا»، وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ: أنَّه كره أن يغتسل بالنَّبيذ.

(وَقَالَ عَطَاءٌ)؛ أي: ابن أبي رباحٍ: (التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ) بالمُعجَمَة (وَاللَّبَنِ) روى أبو داود من طريق ابن جريجٍ [4] عن عطاءٍ: «أنَّه كره الوضوء بالنَّبيذ واللَّبن، وقال: إنَّ التَّيمُّم أعجب [5] إليَّ منه»، وجوَّز الأوزاعيُّ الوضوء بسائر الأنبذة، وأبو حنيفة بنبيذ التَّمر خاصَّةً خارج المصر والقرية عند فقد الماء، بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا سائلًا على الأعضاء كالماء، وقال محمَّدٌ: يجمع بينه وبين التَّيمُّم، وقال أبو يوسف كالجمهور: لا يتوضَّأ به بحالٍ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمد، وإليه رجع أبو حنيفة، كما قاله قاضي خان، لكن في «المفيد» من كتبهم: إذا أُلقِي في الماء تمراتٌ فَحَلا ولم يَزُل عنه اسم الماء؛ جاز التَّوضُّؤ به بلا خلافٍ؛ يعني: عندهم، واحتجُّوا بحديث ابن مسعودٍ: يعني: ليلة الجنِّ؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «أمعك ماءٌ»؟ فقال: نبيذٌ، فقال: «أصبت [6] ، شرابٌ وطهورٌ [7] »، أو قال: «ثمرةٌ طيِّبةٌ وماءٌ طهورٌ»، رواه أبو داود والتِّرمذيُّ، وزاد: «فتوضَّأ به»، وأُجيب: بأنَّ علماء السَّلف أطبقوا على تضعيف هذا الحديث، ولئن سلَّمنا صحَّته؛ فهو منسوخٌ؛ لأنَّ ذلك كان بمكَّة، ونزول قوله تعالى: {فتيمَّموا} [المائدة: 6] كان بالمدينة بلا خلافٍ عند فقد عائشة رضي الله عنها العقد، وأُجيب: بأنَّ الطَّبرانيَّ في «الكبير» والدَّارقُطنيَّ رويا: أنَّ جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكَّة فهمز له بعقبه فأنبع الماء وعلَّمه الوضوء، وقال السُّهيليُّ: الوضوء مكِّيٌّ، ولكنَّه مدنيُّ التِّلاوة، وإنَّما قالت عائشة: «آية التَّيمُّم»، ولم تقل: «آية الوضوء»؛ لأنَّ الوضوء كان مفروضًا قبل، غير أنَّه لم يكن قرآناً يُتلَى حتَّى أُنزِلت آية التَّيمُّم، وحكى عياضٌ عن أبي الجهم: أنَّ الوضوء كان سُنَّةً حتَّى نزل القرآن بالمدينة، انتهى. أو هو محمولٌ على ما أُلقِيت فيه تمراتٌ يابسةٌ لم تغيِّر له وصفًا، وأمَّا اللَّبن الخالص؛ فلا يجوز التَّوضُّؤ به إجماعًا، فإن خالط ماءٍ؛ فيجوز عند الحنفيَّة.

[1] قوله: «ولابن عساكر وأبي الوقت: «ولا بالمسكر»»، سقط من (د).
[2] في (ب) و(س): «أبو عبيدة»، وهو خطأٌ.
[3] «الدَّار قطنيُّ و»: مثبتٌ من (م).
[4] في (ب) و(س): «جرير»، وهو خطأٌ.
[5] في (ب) و(م): «أحبُّ»، والمثبت من (س) و«سنن أبي داود» (86).
[6] في (د): «اصبب».
[7] في (د): «شراباً طهوراً».





لا تتوفر معاينة

(71) (بابٌ: لا يجوز الوُضوء بالنَّبيذ) [1]

[1] ما بين قوسين مستدرك من هامش (ر).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

هذا ((بابٌ)) ؛ بالتنوين: ((لا يجوز الوضوء بالنبيذ)) ؛ بالذال المعجمة، قال ابن سيده: (النبذ: طرحك الشيء، وكل طرح نبذ، والنبيذ: الشيء المنبوذ، والنبيذ: ما نبذته من عصير ونحوه، وقد نبذ، وانتبذ، ونبذ، والانتباذ: المعالجة) ، وفي «الصحاح»: (والعامة تقول: انتبذت) ، ومثله في كتاب ابن درستويه، وذكر اللحياني في «نوادره»: ومن حمض الحامض انتبذت؛ لغة، ولكنها قليلة، وذكره أيضًا ثعلب في كتاب (فعلت وأفعلت) ، وفي «الجامع» للقزاز: (أكثر الناس يقولون: نبذت النبيذ، ولم أسمعها أنا من العرب) ، قال إمام الشارحين: (النبيذ فعيل بمعنى مفعول؛ وهو الماء الذي ينبذ فيه تميرات؛ لتخرج حلاوتها إلى الماء) ، وفي «نهاية ابن الأثير»: (النبيذ: ما يعمل من الأشربة من التمر، والزبيب، والعسل، والحنطة، والشعير، وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب؛ إذا تركت [1] عليه الماء؛ ليصير نبيذًا، فصرف من مفعول إلى فعل، وانتبذته: اتخذته نبيذًا وسواء كان مسكرًا أو غير مسكر، وهو من باب (فعَل يفعِل) ؛ بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع؛ كـ (ضرَب يضرِب) ، ذكره صاحب «الدستور»، وفي «العباب»: وانتبذت النبيذ، لغة عامية، ونبذت الشيء تنبيذًا؛ شدد للمبالغة) انتهى.

وحاصل كلامه: أن المراد بالنبيذ المطروح في الماء من تمر وغيره؛ لتخرج حلاوته إلى الماء وليس هو الماء المطروح فيه ما ذكر، وجرى عليه القسطلاني، والحامل لهما على تفسيره بما ذكره أن الوضوء في الحقيقة بالماء لا بالمنبوذ فيه؛ فافهم، وتبعه في ذلك ابن حجر حيث قال: (والمراد الماء المطروح فيه التمر ونحوه) انتهى.

((ولا بالمسكر)) وفي رواية: (ولا المسكر) ؛ بحذف الموحدة؛ أي: لا يجوز أيضًا به، قال ابن حجر: (هو من عطف العام على الخاص) ، ورده في «عمدة القاري» فقال: (إنما يكون ذلك إذا كان المراد بالنبيذ ما لم يصل إلى حد الإسكار، وأما إذا وصل؛ فلا يكون من هذا الباب) انتهى؛ يعني: إذا لم يصل النبيذ إلى حد الإسكار؛ فهو من عطف العام على الخاص، وأما إذا وصل إليه؛ كان من عطف المغاير، وهذا ظاهر.

وزعم العجلوني: أن عبارة ابن حجر هكذا من عطف العام على الخاص، أو المراد بالنبيذ ما لم يبلغ حد الإسكار، قال: وكأن النسخة التي وقعت لصاحب «عمدة القاري» سقط منها: (أو المراد...) إلخ، فاعترض على إطلاقه، قال: (ومعنى كلام ابن حجر: أنه إذا لم يصل النبيذ إلى حد الإسكار؛ لا يكون من عطف العام؛ بل من المغاير، فإن وصل إليه؛ كان من عطف العام على الخاص) انتهى.

قلت: وهذا ممنوع وفاسد، فإن نسخ ابن حجر كلها هكذا من عطف العام على الخاص، ولم توجد هذه الزيادة التي زادها العجلوني، وهي (أو المراد...) إلخ، فلا ريب أنها زيادة منه؛ لأجل ترميم عبارة ابن حجر حتى لا يتوجه عليها اعتراض إمام الشارحين، ويدل لذلك أن ابن حجر رأى الاعتراض عليه، وقال في «الانتقاض» معترضًا على صاحب «عمدة القاري»: (قلت: هو الذي اختُلِفَ في الوضوء به، فيتخصص بالحيثية) انتهى.

فلو كانت عبارته في «الفتح» غير التي نقلها صاحب «عمدة القاري»؛ لذكر ذلك، فعدم تعرُّضه لذلك دليل على أنها زيادة من العجلوني، وصاحب الدار أدرى بالذي فيه، وقول العجلوني: (ومعنى كلام ابن...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه لو كان معناها هكذا؛ لكان ذكره ابن حجر في «الانتقاض»، فدل ذلك على أنه ليس بمراد لابن حجر مع أنه فيه خبط وقلب؛ فافهم، وهذا دأب العجلوني ترميم عبارة ابن حجر؛ لأنَّه عندهم من المعصومين لا يجري عليه خطأ ولا غفلة، بل لو ادَّعى النبوة؛ لسلموا له ذلك، وقالوا: لا نبي بعدي؛ أي: لا نبي من الناس لا من الشافعية؛ فافهم، ومن دق الباب؛ سمع الجواب.

قال إمام الشارحين: (وتخصيص النبيذ بالذكر من بين المسكرات؛ لأنَّه محل الخلاف في جواز التوضُّؤ به) انتهى؛ يعني: وأما المسكر؛ فهو نجس إجماعًا؛ فافهم.

((وكرهه)) ؛ أي: الوضوء بالنبيذ، لكن مع صحة الوضوء به ((الحسن)) ؛ أي: البصري، كما رواه ابن أبي شيبة عن سفيان عمَّن سمع الحسن يقول: (لا يُتَوَضَّأُ بنبيذ، ولا بلبن) ، ورواه عبد الرزاق عن إسماعيل بن مسلم المكي، عن الحسن قال: (لا يُتَوَضَّأُ بلبن، ولا بنبيذ) ، وروى أبو عبيد من طريق آخر عن الحسن أنه قال: (لا بأس به) ، فعلى هذا؛ كراهته عنده كراهة تنزيه، وحينئذٍ لا يساعد الترجمة، كذا قاله إمام الشارحين؛ يعني: أنه يحتمل أن للحسن قولين، وعلى الكراهة التنزيهية لا يناسب الترجمة، وزعم العجلوني أنه يحمل (لا يجوز) في الترجمة على الجواز المستوي الطرفين.

قلت: وهذا الحمل غير صحيح، كما لا يخفى، ((و)) كذا كرهه ((أبو العالية)) ؛ بالعين المهملة، بعدها ألف، فلام، فتحتية، فهاء تأنيث، رُفَيع؛ بالتصغير؛ بضمِّ الراء، وفتح الفاء، ابن مَهْران؛ بفتح الميم، وسكون الهاء، بعدها راء، فألف، فنون، الرِّياحِي؛ بكسر الراء، بعدها تحتية مخففة، بعدها حاء مهملة مكسورة، كما رواه الدارقطني في «سننه» بسند جيد عن أبي خلدة، قال: قلت لأبي العالية: (رجل ليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به من الجنابة؟ قال: لا) ، وقال ابن أبي شيبة: حدثنا مروان بن معاوية عن أبي خلدة، عن أبي العالية: (أنه كره أن يغتسل بالنبيذ) ، وكذا رواه أبو عبيد عن أبي خلدة، وفي روايته: (فكرهه) .

قلت: الظاهر: أن هذا أيضًا كراهة التنزيه، كذا قاله إمام الشارحين؛ يعني أنه يحتمل أن يكون لأبي العالية قولين، وعلى القول بالكراهة التنزيه لا يناسب الترجمة؛ فليحفظ.

((وقال عطاء)) ؛ بالمد، هو ابن أبي رَباح؛ براء مفتوحة، فموحدة مخففة ((التيمُّم أحبُّ إليَّ من الوضوء بالنبيذ واللبن)) ؛ أي: بأحدهما، قال صاحب «عمدة القاري»: (وهذا يدل على أن عطاء يجيز استعمال النبيذ في الوضوء، [/ص241/] لكنَّ التيمُّم أحب إليه منه، فعلى هذا؛ هو أيضًا لا يساعد الترجمة، وروى أبو داود من طريق ابن جريج عن عطاء: (أنه كره الوضوء بالنبيذ واللبن، وقال: إن التيمُّم أعجب إليَّ منه) .

قلت: أما التوضؤ باللبن؛ فلا يخلو إما أن يكون بنفس اللبن، أو بماء خالطه اللبن، فالأول: لا يجوز بالإجماع، وأما الثاني؛ فيجوز عندنا خلافًا للشافعي، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ يعني: إن بقي على رقته وسيلانه، وأما الوضوء بالنبيذ؛ فهو جائز عند الإمام الأعظم، لكن بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا يسيل على الأعضاء؛ كالماء، وما اشتد منها؛ صار حرامًا لا يجوز التوضُّؤ به وإن غيَّرته النار، فما دام حلوًا؛ فهو على الخلاف، ولا يجوز التوضؤ بما سواه من الأنبذة جريًا على قضية القياس، انتهى.

يعني: وترك القياس فيه لوجود النص؛ فافهم.

وقال ابن بطال: (اختلفوا في الوضوء بالنبيذ، فقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز الوضوء بنيِّئه ومطبوخه مع عدم الماء أو وجوده، تمرًا كان أو غيره، فإن كان مع ذاك اشتد؛ فهو نجس لا يجوز شربه ولا الوضوء به، وقال الإمام الأعظم: لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء، فإذا عدم الماء؛ فيجوز بمطبوخ التمر خاصة، وقال الحسن: جاز الوضوء بالنبيذ، وقال الأوزاعي: جاز الوضوء بالنبيذ وسائر الأنبذة) انتهى.

وفي «المغني» لابن قدامة: (وروي عن عليٍّ وابن عباس رضي الله عنهم: أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بنبيذ التمر، وبه قال الحسن، والأوزاعي، وقال عكرمة مولى ابن عباس: النبيذ وضوء من لم يجد الماء، وقال إسحاق: النبيذ الحلو أحب إلي من التيمم، وجمعهما أحب إلي، وهو رواية عن الإمام الأعظم، وفي أخرى عنه: يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا طبخ واشتد عند عدم الماء في السفر؛ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه) انتهى.

وزعم ابن حجر: أن ما روي عن علي وابن عباس لا يصح عنهما.

قلت: بل هذه النقول تدل على صحته عنهما، وعن غيرهما، والمثبت مقدم على النافي عند الأصوليين، وفي «أحكام القرآن» لأبي بكر الرازي، وعن الإمام الأعظم في ذلك ثلاث روايات؛ أحدها: يتوضأ به، ويشترط فيه النية ولا يتيمم، قال: وهذه هي المشهورة، وقال الإمام قاضيخان: وهي قوله الأول، وبها قال الإمام زفر، والثانية: يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه نوح بن أبي مريم، وأسد بن عمرو، والحسن بن زياد، قال قاضيخان: وهو الصحيح عنه، والذي رجع إليها، وبها قال الإمام أبو يوسف، وأكثر العلماء، واختارها الحافظ أبو جعفر الطحاوي، والثالثة: روي عنه الجمع بينهما؛ أي: بين الوضوء والتيمم، وهو قول الإمام محمَّد، انتهى.

قلت: ورجحه في «غاية البيان» وغيرها، لكن المذهب المصحح المختار المعتمد عندنا هو عدم جواز التوضؤ به؛ لأنَّ المجتهد إذا رجع عن قول لا يجوز الأخذ به، كما صرح به في «التوشيح»، كذا قاله صاحب «البحر الرائق»؛ فليحفظ.

وقال صاحب «المحيط»: (وصفة هذا النبيذ أن يلقى في الماء تمرات حتى يأخذ الماء حلاوتها، ولا يشتد، ولا يسكر، فإن اشتد؛ حرم شربه، فكيف الوضوء به؟ وإن كان مطبوخًا؛ فالصحيح أنه لا يتوضأ به) .

وقال في «المفيد»: (إذا ألقي فيه تمرات، فحلا، ولم يزل عنه اسم الماء وهو رقيق؛ فيجوز الوضوء به بلا خلاف بين أصحابنا، ولا يجوز به الاغتسال على الصحيح) ، لكن صحح في «المبسوط»: أنه يجوز الاغتسال به أيضًا.

قلت: وقوله: (بلا خلاف بين أصحابنا) ؛ أي: أئمتنا المتقدمين، لكن اختار الأئمَّة المتأخرون عدم الجواز، وعليه الفتوى، كما في أكثر الكتب، فافهم.

وقال الإمام الكرخي: (المطبوخ أدنى طبخة يجوز الوضوء به إلا عند الإمام محمَّد) ، وقال أبو طاهر الدباس: (لا يجوز) ، وقال صاحب «البدائع»: (واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل الإمام الأعظم، فقال بعضهم: لا يجوز؛ لأنَّ الجواز إنَّما عرف بالنص، وهو ورد بالوضوء دون الاغتسال، فيقتصر على مورد النص، وقال بعضهم: يجوز؛ لاستوائهما في المعنى) .

قلت: وسبق أن صاحب «المفيد» صحَّح القول الأول، وصاحب «المبسوط» صحَّح القول الثاني، وقال صاحب «عمدة القاري»: (ثم لا بد من تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف؛ وهو أن يلقى في الماء شيء من التمر؛ لتخرج حلاوتها إلى الماء، وهكذا ذكر ابن مسعود رضي الله عنه في تفسير النبيذ الذي توضأ به النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: «تُمَيرات ألقيتها في الماء»؛ لأنَّ من عادة العرب أنها تطرح التمر في الماء؛ ليحلو، فما دام رقيقًا حلوًا أو قارصًا؛ يتوضأ به عند الإمام الأعظم، وإن كان غليظًا؛ كالرُّبِّ؛ لا يجوز التوضؤ به، وكذا إذا كان رقيقًا، لكنه غلا واشتد وقذف بالزبد؛ لأنَّه صار مسكرًا والمسكر حرام؛ فلا يجوز التوضُّؤ به؛ لأنَّ النبيذ الذي توضأ به النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كان رقيقًا حلوًا؛ فلا يلحق به الغليظ، والنبيذ إن كان نيئًا أو كان مطبوخًا أدنى طبخة، فما دام قارصًا أو حلوًا؛ فهو على الخلاف وإن غلا واشتد وقذف بالزبد، وذكر الإمام القدوري في «مختصر الإمام الكرخي» الاختلاف فيه، فعلى قول الإمام الكرخي؛ يجوز، وعلى قول أبي طاهر؛ لا يجوز، وستأتي الأدلة في ذلك إن شاء الله تعالى.

[1] في الأصل: (نزلت)، ولعله تحريف.