متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

70- (باب الْبُزَاقِ) بالزَّاي للأكثر، وبالصَّاد قال ابن حجرٍ: وهي روايتنا، وبالسِّين وضُعِّفت، والباء مضمومةٌ في الثَّلاث [1] ؛ وهو ما يسيل [2] من الفم، (وَالْمُخَاطِ) بضمِّ الميم، والجرُّ عطفًا على المُضاف إليه؛ وهو ما يسيل من الأنف (وَنَحْوِهِ) بالجرِّ _أيضًا_ عطفًا على سابقه؛ أي: ونحو كلٍّ منهما؛ كالعرق الكائن (فِي الثَّوْبِ)؛ أي: والبدن ونحوه، هل يضرُّ أم لا؟ (وقَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير، التَّابعيُّ، فقيه المدينة ممَّا وصله المؤلِّف في قصَّة «الحديبية» في الحديث الآتي _إن شاء الله تعالى_ في «الشُّروط» [خ¦2732] ، (عَنِ الْمِسْوَرِ) بكسر الميم وسكون السِّين المُهمَلة وفتح الواو، آخره راءٌ، ابن مَخْرمة؛ بفتح الميم وسكون المُعجَمَة، الصَّحابيُّ (وَمَرْوَانَ) بن الحكم؛ بفتح الحاء والكاف، الأمويِّ، وُلِدَ في حياته صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه؛ لأنَّه خرج طفلًا مع أبيه الحكم إلى الطَّائف لمَّا نفاه صلى الله عليه وسلم إليها؛ لأنَّه كان يفشي سرَّه، فكان فيه [3] حتَّى استُخِلف عثمان، فردَّه إلى المدينة، وكان إسلام الحكم يوم «الفتح»، وحينئذٍ فيكون حديث مروان مُرسَل صحابيٍّ، وهو حجَّةٌ _لا سيَّما_ وهو [4] مع رواية المِسْوَر تقويةً لها وتأكيدًا (خَرَجَ النَّبِيُّ) ولأبَوي ذَرٍّ والوقت: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم زَمَنَ) وللأَصيليِّ: ((في زمن)) (حُدَيْبِيَةَ) وللهرويِّ [5] والأَصيليِّ وابن عساكر: ((الحديبيَة))؛ وهي بتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة الثَّانية، عند الشَّافعيِّ مُشدَّدةٌ عند أكثر المحدِّثين؛ قريةٌ على مرحلةٍ من مكَّة، سُمِّيت ببئرٍ هناك، أو شجرةٌ حدباء كانت [6] تحتها بيعة الرِّضوان (فَذَكَرَ) عروة [7] (الْحَدِيثَ) الآتي _إن شاء الله تعالى_ مسندًا في قصَّة «الحديبية» [خ¦2732] وفيه: (وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةً)؛ أي: ما رمى بنخامةٍ [8] زمن الحديبية أو مُطلَقًا (إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ)؛ أي: ما تنخَّم في حالٍ من الأحوال إلَّا حال [9] وقوعها في كفِّ رجلٍ منهم، والنُّخامة _بضمِّ النُّون_ النُّخاعة، كما في «المُجمَل» و«الصِّحاح»، أو ما يخرج من الخيشوم، وقال النَّوويُّ: ما يخرج من الفم؛ بخلاف النُّخاعة، فإنَّها تخرج من الحلق، وقِيلَ: بالميم، من الصَّدر، والبلغم من الدِّماغ (فَدَلَّكَ بِهَا)؛ أي: بالنُّخامة (وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ)؛ تبرُّكًا به عليه الصلاة والسلام وتعظيمًا وتوقيرًا، واستُدِلَّ به على طهارة الرِّيق ونحوه من فمٍ طاهرٍ غير مُتَنَجِّسٍ، وحينئذٍ فإذا وقع ذلك في الماء؛ لا يُنَجِّسُه ويتوضَّأ به.

[1] في (د) و(م): «الثَّلاثة».
[2] في (م): «مسيل».
[3] في (د) و(م): «معه».
[4] «وهو»: ليس في (س).
[5] في (م): «الهرويُّ».
[6] في (م): «كان».
[7] في غير (د): «حذيفة»، وليس بصحيحٍ.
[8] في (د): «نخامةً».
[9] في (د): «كان»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمُثبَت.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(70) بابُ [1] البُزَاقِ والْمُخاطِ وَنَحْوِهِ في الثَّوْبِ

قالَ [2] عُرْوَةُ، عن المِسْوَرِ وَمَرْوانَ: خَرَجَ النَّبِيُّ [3] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ [4] حُدَيْبِيَةَ [5] _فَذَكَرَ الحَدِيثَ_ وَما تَنَخَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخامَةً، إِلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بها وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «وقال».
[3] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «رسولُ الله».
[4] في رواية الأصيلي: «في زمنِ».
[5] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] : «الحُدَيْبيةِ».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

قوله: (بَاب البُزَاقِ): يقال فيه: بالزاي، وبالسِّين، وبالصَّاد، وهو معروف، والسِّين أضعفها.

اعلم أنَّ هذا التَّبويب والحديث يردَّان قول سُلَمَان والنَّخعيِّ؛ فإنَّهما قالا بنجاسة البزاق.

قوله: (وقَالَ عُرْوَةُ عنِ المِسْوَرِ وَمَرْوَانَ..) إلى آخِرِه: هذا قطعة من حديث طويل في «صلح الحديبية»، وقد تقدَّم أنَّ (المِسْوَر) ؛ بكسر الميم، ثُمَّ سين ساكنة، ثُمَّ واو مفتوحة، ثُمَّ راء، صحابيٌّ صغير، وأنَّ (مروان) ليس بصحابيٍّ، وسيأتي التَّنبيه في وهم وقع في سنِّ [1] المسور في «الصَّحيحين»، وسيأتي أيضًا، وتقدَّم أيضًا أنَّهما روياه عن بعض الصَّحابة، وهذه الطَّريق التي فيها أنَّهما روياه عن بعض الصَّحابة أهملها المِزِّيُّ في «أطرافه»، والله أعلم. [/ج1ص109/]

قوله: (زَمَنَ الحُدَيْبِيَةَ): هي بتخفيف الياء ضبطها المتقنون، وعامَّة الفقهاء والمحدِّثين يشدِّدونها؛ وهي قرية ليست بالكبيرة سمِّيت ببئر هناك عند مسجد الشَّجرة، وبين الحُدَيْبِيَة والمدينة تسع مراحل، وبينها وبين مكَّة مرحلة، وكان خروجه عليه الصَّلاة والسَّلام إليها في السَّنة السَّادسة في ذي القعدة، كما قاله ابن إسحاق، وعند ابن سعد: لهلال ذي القعدة يوم الاثنين.

قوله: (نُخَامَةً): قال الدِّمياطيُّ: (النُّخامة والنُّخاعة: ما يطرحه الفم من الصَّدر أو الرَّأس من رطوبة لزجة، ومنهم من فرَّق بينهما، فجعله من الصَّدر بالعين، ومن الرَّأس بالميم) .

[1] في (ج): (سين) .





لا تتوفر معاينة

70- (باب الْبُزَاقِ) بالزَّاي للأكثر، وبالصَّاد قال ابن حجرٍ: وهي روايتنا، وبالسِّين وضُعِّفت، والباء مضمومةٌ في الثَّلاث [1] ؛ وهو ما يسيل [2] من الفم، (وَالْمُخَاطِ) بضمِّ الميم، والجرُّ عطفًا على المُضاف إليه؛ وهو ما يسيل من الأنف (وَنَحْوِهِ) بالجرِّ _أيضًا_ عطفًا على سابقه؛ أي: ونحو كلٍّ منهما؛ كالعرق الكائن (فِي الثَّوْبِ)؛ أي: والبدن ونحوه، هل يضرُّ أم لا؟ (وقَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير، التَّابعيُّ، فقيه المدينة ممَّا وصله المؤلِّف في قصَّة «الحديبية» في الحديث الآتي _إن شاء الله تعالى_ في «الشُّروط» [خ¦2732] ، (عَنِ الْمِسْوَرِ) بكسر الميم وسكون السِّين المُهمَلة وفتح الواو، آخره راءٌ، ابن مَخْرمة؛ بفتح الميم وسكون المُعجَمَة، الصَّحابيُّ (وَمَرْوَانَ) بن الحكم؛ بفتح الحاء والكاف، الأمويِّ، وُلِدَ في حياته صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه؛ لأنَّه خرج طفلًا مع أبيه الحكم إلى الطَّائف لمَّا نفاه صلى الله عليه وسلم إليها؛ لأنَّه كان يفشي سرَّه، فكان فيه [3] حتَّى استُخِلف عثمان، فردَّه إلى المدينة، وكان إسلام الحكم يوم «الفتح»، وحينئذٍ فيكون حديث مروان مُرسَل صحابيٍّ، وهو حجَّةٌ _لا سيَّما_ وهو [4] مع رواية المِسْوَر تقويةً لها وتأكيدًا (خَرَجَ النَّبِيُّ) ولأبَوي ذَرٍّ والوقت: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم زَمَنَ) وللأَصيليِّ: ((في زمن)) (حُدَيْبِيَةَ) وللهرويِّ [5] والأَصيليِّ وابن عساكر: ((الحديبيَة))؛ وهي بتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة الثَّانية، عند الشَّافعيِّ مُشدَّدةٌ عند أكثر المحدِّثين؛ قريةٌ على مرحلةٍ من مكَّة، سُمِّيت ببئرٍ هناك، أو شجرةٌ حدباء كانت [6] تحتها بيعة الرِّضوان (فَذَكَرَ) عروة [7] (الْحَدِيثَ) الآتي _إن شاء الله تعالى_ مسندًا في قصَّة «الحديبية» [خ¦2732] وفيه: (وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةً)؛ أي: ما رمى بنخامةٍ [8] زمن الحديبية أو مُطلَقًا (إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ)؛ أي: ما تنخَّم في حالٍ من الأحوال إلَّا حال [9] وقوعها في كفِّ رجلٍ منهم، والنُّخامة _بضمِّ النُّون_ النُّخاعة، كما في «المُجمَل» و«الصِّحاح»، أو ما يخرج من الخيشوم، وقال النَّوويُّ: ما يخرج من الفم؛ بخلاف النُّخاعة، فإنَّها تخرج من الحلق، وقِيلَ: بالميم، من الصَّدر، والبلغم من الدِّماغ (فَدَلَّكَ بِهَا)؛ أي: بالنُّخامة (وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ)؛ تبرُّكًا به عليه الصلاة والسلام وتعظيمًا وتوقيرًا، واستُدِلَّ به على طهارة الرِّيق ونحوه من فمٍ طاهرٍ غير مُتَنَجِّسٍ، وحينئذٍ فإذا وقع ذلك في الماء؛ لا يُنَجِّسُه ويتوضَّأ به.

[1] في (د) و(م): «الثَّلاثة».
[2] في (م): «مسيل».
[3] في (د) و(م): «معه».
[4] «وهو»: ليس في (س).
[5] في (م): «الهرويُّ».
[6] في (م): «كان».
[7] في غير (د): «حذيفة»، وليس بصحيحٍ.
[8] في (د): «نخامةً».
[9] في (د): «كان»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمُثبَت.





( باب: الْبُزَاقِ ) لأبي ذرٍّ بالصَّاد. [/ج1ص358/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

(70) (باب الْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ فِي الثَّوْبِ) الحديث إلى آخره.

النُّخَامَةَ: ما يخرج من الفم، والنُّخاعة: تخرج من الحلق، وبزق الشَّارع في طرف ثوبه ثم ردَّ بعضه على بعض.


هذا ((باب)) في بيان حكم ((البصاق)) ؛ على وزن (فُعَال) : ما يسيل من فم الإنسان مما ليس بدم، وفيه ثلاث لغات بالصاد، والزاي، والسين، وأعلاها الزاي، وأضعفها السين، كذا في «عمدة القاري».

قلت: فأفاد أن أكثر الروايات: أنه بالزاي، وبه صرَّح بعض[/ص238/]

الشراح، والباء الموحدة مضمومة في اللغات الثلاث؛ فليحفظ، ((والمُخاطِ)) ؛ بالجر عطف على (البصاق) ، وهو بضمِّ الميم: ما يسيل من الأنف سواء كان ثخينًا أو رقيقًا، ((ونحوِه)) ؛ بالجر عطف على ما قبله.

فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: ونحوهما؛ لأنَّ المذكور شيئان؟

قلت: تقديره: ونحو كل واحد منهما، قاله إمام الشارحين؛ أي: أو نحو المذكور، وذلك كالعرق والبلغم، وهو ما يخرج من الصدر.

وقوله: ((في الثوب)) : يتعلق بمحذوف؛ أي: الكائن أو كائنًا، ومثل الثوب: البدن والمكان للمصلِّي هل يضرُّ أم لا؟ ويجوز أن يكون (باب) : مبتدأ يحتاج إلى خبر، فيكون تقديره: باب البصاق...إلخ لا يضرُّ المصلي، ففيه وجهان، كذا اختاره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري». وقد حاول العجلوني العبارة، فزعم أن قوله: (في الثوب) متعلق بما أضيف إليه الباب، أو بمحذوف صفة، أو حال مما قبله، أو يضاف الـ (باب) ، فـ (البزاق) ، وما عطف عليه مبتدأ والخبر محذوف؛ أي: لا يضرُّ المصلي ولا غيره.

قلت: وهذه التقديرات غير ظاهرة مع ما فيها من التكلفات التي لا احتياج إليها، كما لا يخفى.

قال صاحب «عمدة القاري»: (وعَرَقُ كل حيوان يعتبر بسؤره الذي يمتزج بلعابه، ويستثنى منه الحمار على ما عرف في الفقه) انتهى.

قلت: أي: فإنه طاهر؛ لما في «شرح الكنز» لابن الحلبي: (وعَرَق كل شيء كسُؤْرِه إلا عَرَق الحمار؛ فإنه طاهر في ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم) انتهى.

ونقل حافظ الدين الأتقاني الإجماع على طهارة عرقه، انتهى.

وقال صاحب «المنية»: (وعرق كل شيء معتبر بسؤره، إلا أن عرق الحمار والبغل طاهر عند الإمام الأعظم في الروايات المشهورة، كذا ذكره الإمام القدوري) انتهى، قال شارحها البرهان الحلبي: (وهذا الاستثناء إنَّما يصحُّ على القول بأنَّ الشك في الطهارة، فإذا قيل: إن سؤر الحمار مشكوك في طهارته ونجاسته، وعرق كل شيء كسؤره؛ صحَّ أن يقال: إلا أن عرق الحمار طاهر؛ أي: من غير شك؛ لأنَّ النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ركب الحمار معروريًا في حرِّ الحجاز، والغالب أنه يَعْرَق، ولم يُنْقَلْ عنه عليه السَّلام أنه غسل بدنه أو ثوبه منه، انتهى.

قال في «منهل الطلاب»: وعرق كل حيوان حكمه كسؤره؛ لتولُّد كلٍّ منهما من اللحم، كذا في كثير من كتب المذهب، ولا خفاء أن المتولد هو اللعاب؛ أي: لا السؤر، لكن أطلق عليه؛ للمجاورة، كما في «النهر»، فما كان سؤره طاهرًا؛ فعرقه طاهر؛ كالآدمي مطلقًا، والفرس في الأصحِّ، وكل ما يؤكل لحمه، وما كان سؤره نجس؛ فعرقه نجس؛ كالخنزير، والكلب، وسباع البهائم؛ كالأسد، والذئب، والفهد، والنمر، والثعلب، والفيل، والضبع، ونحوها، وما كان سؤره مكروهًا؛ فعَرَقه مكروه؛ كالهرة الأهلية، والدجاجة المخلاة، والإبل، والبقر، والغنم الجلَّالة، وسباع الطير؛ كالصقر، والغراب، والشاهين، والحدأة، والرخم، ونحوها مما لا يؤكل لحمه، وكل ما يسكن في البيوت مما له دم سائل؛ كالحية ولو كانت بريَّة، والفأرة، والوزغة، وما كان سؤره مشكوكًا؛ فعَرَقه مشكوك؛ كالحمار الأهلي لا فرق فيه بين الذكر والأنثى في الأصح، كما في «الدرين»، ومشى عليه الإمام الجليل قاضيخان، والبغل التي أمُّه حمارة؛ لأنَّ العبرة للأم، كما في الشروح، هذا التفصيل هو المعتمد في المذهب، وإلى غيره لا يذهب.

ففي «المستصفى»: (وعرق الحمار إذا وقع في الماء؛ صار مشكلًا على المذهب) انتهى؛ يعني: صار الماء به مشكلًا؛ أي: في الطهورية، فيجمع بينه وبين التيمم كما في لعابه، ويجوز شربه من ذلك الماء، كذا في «السراج» وغيره، وعليه الفتوى، كما في «الدر المنتقى»، واختلف في النية، والأحوط أن ينوي، كما في «النهر» عن «فتح القدير»؛ أي: الأحوط القول بوجوب النية، وأنها شرط فيه، وفي نبيذ التمر، كما في «البحر» عن شرحي «النقاية» و«المجمع»، وأيهما؛ أي: من الوضوء والتيمم قدَّمه على الآخر؛ صحَّ، وهو الأصحُّ، كما في «الدر المختار».

وقال الإمام زفر: يشترط تقديم التيمم على الوضوء أو الغسل، لكن الأفضل تقديم الوضوء أو الغسل على التيمم؛ خروجًا من خلافه، كذا في «البحر»، هذا مذهب رئيس المجتهدين وإمامهم الإمام الأعظم ومن قال بقوله.

وقال الإمام مالك: عرق سائر الحيوانات، وكذا سؤرها طاهر، ولو من غير مأكول اللحم، وكذا عند الشافعي إلا أنه استثنى الكلب، والخنزير، وما تولَّد منهما، أو من أحدهما؛ فإنه نجس؛ كالخارج منه.

وقال أحمد: هو مختصٌّ بالمأكول؛ يعني: أن عَرَقَ المأكول وسؤرَه طاهر بخلاف غير المأكول.

وقال إمام الشارحين: (وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله ظاهرة على وضع البخاري؛ لأنَّه وضع الباب الذي قبله فيما إذا أُلقي على ظهر المصلي قذر، ورأى به عدم بطلان الصَّلاة في مثل هذه الصورة، وحكم هذا الباب كذلك، ولا خلاف فيه.

وزعم ابن حجر أن دخول هذا الباب في أبواب الطهارة من جهة أنه لا يُفْسِدُ الماء.

وردَّه في «عمدة القاري» فقال: (قلت: حكم هذا الباب في البصاق الذي يصيب الثوب، وذكره عقيب الباب الذي قبله من هذه الجهة، ولا ذكر للماء في البابين، نعم؛ إذا كان حكم البصاق لا يفسد الثوب؛ يكون كذلك لا يفسد الماء) انتهى.

وزعم العجلوني أن ما قاله ابن حجر بيان لوجه إيراده في أبواب الطهارة، لا لبيان المناسبة بين البابين، فلا يردُّ ما قاله.

قلت: إذا كان كذلك؛ فكأنه لم تظهر له وجه المناسبة بين البابين، وهي ظاهرة لمن له أدنى ذوق في العلم على أنَّ مراد ابن حجر بقوله: (دخول هذا الباب...) إلخ بيان لوجه المناسبة بين البابين، فإنه لمَّا لم يجد مناسبة على حسب فهمه؛ تعلَّق بدخوله في أبواب الطهارة، ويدل لهذا قوله في «الانتقاض»: قد اعترف بما أنكر) انتهى.

فهو يدل على أنَّ مراده وجه المناسبة بين البابين، ولا يخفى أن إمام الشارحين لم يعترف بما أنكره، بل ذكر أن هذا الباب له وجه بدخوله في أبواب الطهارة من حيث إنَّ البصاق؛ كالماء لا يفسد الثوب، على أنه لا معنى لذكر هذه الجملة؛ لأنَّ المقصود هنا ذكر المناسبة التي بين البابين، ولكن لمَّا خفيت على ابن حجر، ولم يتعرَّض لها، وذكر هذه المناسبة البعيدة؛ التجأ إمام الشارحين أن يبيِّن وجه دخوله في أبواب الطهارة، ووجه المناسبة بين البابين، فلله درُّ هذا الإمام الذي يُطلق عليه أنه إمام الشارحين؛ فافهم.

((وقال عُرْوة)) ؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الرَّاء: هو ابن الزُّبير؛ بضمِّ الزاي، التابعي فقيه المدينة، مما وصله المؤلف في (صلح الحديبية) ، و (الشروط) في (الجهاد) ، وذكر هنا قطعة منه، وهو حديث طويل؛ لبيان مقصوده وما ترجم له، وذكر قطعة منه في باب (استعمال فضل وضوء الناس) ؛ فافهم، ((عن المِسْوَر)) ؛ بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الواو، آخره راء: هو ابن مَخْرَمَة؛ بفتحات إلا أن الخاء المعجمة ساكنة، صحابي صغير ((ومَرْوَان)) ؛ بفتح الميم، وسكون الرَّاء: هو ابن عبد الملك بن الحَكَم؛ بفتحتين، الأموي، ولد في حياة النبيِّ الأعظم عليه السَّلام ولم يَسْمَعْ منه؛ لأنَّه خرج طفلًا مع أبيه الحكم إلى الطائف لما نفاه عليه السَّلام إليها؛ لأنَّه كان يفشي سره فبقي معه حتى استخلف عثمان رضي الله عنه، فردَّهما إلى المدينة، وكان إسلام الحكم يوم فتح مكة، ومات في خلافة عثمان، وأمَّا ولده مروان؛ فإنه لمَّا توفي معاوية بن يزيد؛ بايعه بعض الناس في الشام بالخلافة، ومات بدمشق سنة خمس وستين، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»، وقال في «التقريب»: (ولِّي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمسة في رمضان، وله ثلاثة، أو إحدى وستون سنة، لا تثبت له صحبة، بل هو من كبار التابعين) انتهى.

[/ص239/] وقال النَّووي في «التهذيب»: (لم يسمع من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا رآه) ، قال إمام الشارحين: (فإن قلت: مروان لم يسمع من النبيِّ عليه السَّلام ولا كان بالحديبية، وكيف روايته؟

قلت: رواية المسور هي الأصل، لكن ضم إليه رواية مروان للتقوية والتأكيد) انتهى.

قلت: وبهذا ظهر فساد ما زعمه الكرماني، وتبعه ابن حجر والقسطلاني من أن رواية مروان مرسل صحابي، وهو حجة، بل يقال كما قال إمام الشارحين: ضمت لرواية المسور التي هي الأصل؛ للتقوية والتأكيد، وقد ارتضاه العجلوني فاتبع الحق، وعرج عما ذكره الكرماني وابن حجر، فالعجب منه حيث لم يتعصب هنا لابن حجر، فتبع صاحب «عمدة القاري» في هذا الجواب الذي هو الصواب، لكنه ذكره في شرحه ونسبه لنفسه، وما هو له، بل قد أخذه من شرح إمام الشارحين رضي الله عنه، وجعله من الآمنين.

وقوله: ((خرج النبيُّ)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلَّى الله عليه وسلَّم...)) إلخ؛ مقول عروة كما يظهر، لكن في الحقيقة هو مقول المسور ومروان بدليل ما سيأتي في قصة الحديبية بلفظ: (عن عروة، عن مروان والمسور؛ قالا: «خرج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم...»؛ الحديث، ولأنَّهما اللذان حضرا القصة، ولو على سبيل التغليب؛ فافهم، ((زمن)) : متعلق بـ (يخرج) ، وللأصيلي: (في زمن) ((حُدَيْبِيَة)) وفي رواية: (الحُدَيْبِيَة) ؛ بـ (أل) التي للمح الأصل، وهي بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الدَّال، وسكون التحتية الأولى، وكسر الموحدة، وفتح التحتية الثانية، كذا قاله أئمة العراق، وبتشديد التحتية عند أكثر المحدثين، وقال ابن المديني: (أهل المدينة يثقِّلونها) ، قال صاحب «عمدة القاري»: (وهي تصغير حدباء؛ لأنَّ حديبية قرية سمِّيت بشجرة هناك، وهي حدباء، وكانت الصحابة رضي الله عنهم بايعوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تحت هذه الشجرة، وهي تسمَّى بيعة الرضوان، وقيل: هي قرية سمِّيت ببئر هناك، وعلى كلا التقديرين الصواب التخفيف، وهي على نحو مرحلة من مكة) انتهى كلامه

وبهذا ظهر القول الصواب، وفسد ما قاله القسطلاني والعجلوني من ذكر الأقوال من غير تعبير بالصواب؛ فافهم.

((فذكر)) ؛ أي: عروة، وقول القسطلاني: (حذيفة) خطأ ظاهر؛ فليحفظ ((الحديث)) ؛ أي: الآتي بتمامه إن شاء الله تعالى في صلح الحديبية، وفيه: ((وما تنخَّم النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) : فعل ماض من باب (التفعُّل) ، يقال: تنخَّم الرجل؛ إذا دفع بشيء من صدره أو أنفه، قاله في «المحكم»، وثلاثيه: نخم نخَمًا ونخْمًا، كذا في «عمدة القاري» ((نُخامة)) ؛ بالنُّون المضمومة: النخاعة، كما في «الصحاح»، و«المجمل»، وفي «المغرب»: (هي ما يخرج من الخيشوم) ، وزعم النووي: أنها تخرج من الفم بخلاف النخاعة، فإنها تخرج من الحلق، وقال بعض الفقهاء: النخامة: هي الخارج من الصدر، والبلغم: هو النازل من الدماغ، وبعضهم عكسوا، كذا قاله إمام الشارحين، ((إلا وقعت في كف رجل منهم)) ؛ أي: ما تنخم في حال من الأحوال إلا في حال وقوعها في كفِّ رجلٍ من أصحابه؛ أي: رمى بنخامته في كفه، وهو إما عطف على (خرج) ، وإما على (الحديث) ، وهل المراد أنه ما تنخم زمن الحديبية إلا وقعت في كف رجل، أو ما تنخم قطٌّ مطلقًا في أي حال من الأحوال إلا وقت وقوعها في كف رجل منهم؛ لمبادرتهم لأخذها للتبرك، فلا يختص بزمن الحديبية، استظهر الكرماني الأول، وهو التقييد بزمن الحديبية، واستظهر إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» الثاني، وهو الإطلاق، وزعم العجلوني أن مقتضى المقام التقييد وإن كان للإطلاق وجه سديد.

قلت: هذا ممنوع، بل مقتضى المقام الإطلاق؛ لأنَّ المقصود من ذلك التبرك والتشرف بآثاره عليه السَّلام، وهو لا يختص بوقت دون وقت، والتقييد هنا بزمن الحديبية اتفاقي ولبيان الواقع، وإلا؛ فهو عام لجميع الأزمان، والمقصود منه التبرك، ولذا قال: ((فدلك)) ؛ بالدَّال المهملة؛ أي: الرجل من أصحابه ((بها)) ؛ أي: بنخامته عليه السَّلام ((وجهه وجلده)) فيزداد نورًا على نوره، وشرفًا على شرفه؛ لأنَّهم قد حصل لهم النور برؤيتهم له عليه السَّلام، وبمسِّ شيء من آثاره يزدادون نورًا، وشرفًا، وبركةً، وهذا يعين الإطلاق، وينفي التقييد، كما لا يخفى.

وقال الكرماني: (فإن قلت: ما وجه ذكر حديث الحديبية هنا؟قلت: إما لأنَّ التنخم وقع في الحديث، وإما لأنَّ الراوي ساق الحديثين سوقًا واحدًا، وذكرهما معًا وكثيرًا ما يفعله المحدثون) .

وردَّه في «عمدة القاري» فقال: (قلت: لم يطَّلع الكرماني على الموضع الذي ساق البخاري فيه الحديث، فلذلك تردَّد [1] في جواب السؤال، فلو كان اطَّلع عليه؛ لم يتردَّد) انتهى.

وتبعه الشراح فقالوا: وغفل الكرماني فظن أنه حديث آخر، ولو راجع الموضع الذي ساق المصنف فيه الحديث تامًّا؛ لظهر له الصواب، انتهى.

[1] في الأصل: (ردد)، وليس بصحيح.