متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

238- 239- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) بتخفيف الميم، الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: ((حدَّثنا)) (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّهُ سَمِعَ) وللأَصيليِّ: ((قال: سمعت)) ولابن عساكر: ((يقول: سمعت)) (رَسُولَ اللهِ)، ولابن عساكر: ((النَّبيَّ)) (صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) بكسر الخاء؛ أي: المُتأخِّرون في الدُّنيا (السَّابِقُونَ)؛ أي: المُتقدِّمون في الآخرة.

(وَبِإِسْنَادِهِ) أي: إسناد هذا الحديث السابق (قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ) بالمُهمَلة: الرَّاكد [1] القليل الغير القلَّتين، فإنَّه يَتَنَجَّسْ وإن لم يتغيَّر، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقال المالكيَّة: لا ينجس [2] إلَّا بالتَّغيُّر، قليلًا كان أو كثيرًا، جاريًا كان الماء أو راكدًا؛ لحديث: «خلق اللهُ الماءَ طهورًا [3] لا ينجِّسه شيءٌ...»؛ الحديث [4] ، وعند الحنفيَّة: ينجس إذا [5] لم يبلغ الغدير العظيم، وهو [6] الذي لا يتحرك أحد أطرافه بتحرك أحدها [7] ، وعن [8] أحمد روايةٌ صحَّحوها: في غير بول الآدميِّ وعذرته المائعة، فأمَّا هما؛ فينجِّسان الماء وإن كان قلَّتين فأكثر [9] على المشهور ما لم يكثر؛ أي: بحيث لا يمكن نزحه، وقوله: (الَّذِي لَا يَجْرِي) قِيلَ: هو تفسيرٌ لـ: «الدَّائم» وإيضاحٌ لمعناه، وقِيلَ: احترز به عن الماء الدَّائر؛ لأنَّه جارٍ من حيث الصُّورة، ساكنٌ من حيث المعنى، وقال ابن الأنباريِّ: «الدَّائم» من حروف الأضداد، يقال للسَّاكن والدَّائر، ويطلق [10] على البحار والأنهار الكبار التي [11] لا ينقطع ماؤها: أنَّها دائمة، بمعنى: أنَّ ماءها غير منقطع، وقد اتفق على أنَّها غير مرادة هنا، وعلى هذين القولين، فقوله: الذي لا يجري صفة مخصِّصةٌ لأحد معنيي المُشتَرك، وهذا أولى من حمله على التَّوكيد الذي الأصل عدمه، ولا يخفى أنَّه لو لم يقل: الذي لا يجري؛ لكان مجملًا بحكم الاشتراك الدَّائر بين الدَّائر والدَّائم، وحينئذٍ [12] فلا يصحُّ الحمل على التَّأكيد، أو [13] احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك، (ثُمَّ) هو (يَغْتَسِلُ فِيهِ) أو يتوضَّأ وهو [14] بضمِّ اللَّام على المَشهُور في الرِّواية، وجوَّز ابن مالكٍ في «توضيحه» صحَّة الجزم، عطفًا على: «يبولن»، المَجزُوم موضعًا بـ: «لا» النَّاهية، ولكنَّه فُتِحَ بناءً؛ لتأكيده بالنُّون، والنَّصب على إضمار «أَنْ»؛ إعطاء لـ: «ثم» حكم واو الجمع، وتعقَّبه القرطبيُّ في «المفهم»، والنَّوويُّ في «شرح مسلم»: بأنَّه يقتضي أنَّ النَّهيَ للجمع بينهما [15] ، ولم يقله أحدٌ، بل البول منهيٌّ عنه أراد الغسل منه أو لا، وقال ابن هشامٍ: أجاز ابن مالكٍ الثَّلاثة، فتوهَّم تلميذه النَّوويُّ من قوله: «فأُعطِيَ حكم واو الجمع» أنَّ المراد إعطاء حكمها في معنى الجمع، فقال: لا يجوز بالنَّصب؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المَنهيَّ عنه الجمع بينهما دونَ إفراد أحدهما _إلى آخره_ وإنَّما أراد ابن مالكٍ إعطاءها حكمها في النَّصب لا في المعيَّة [16] ، وأجاب ابن دقيق العيد: بأنَّه لا يلزم أن يدلَّ على الأحكام المتعددة لفظٌ واحدٌ، فيُؤخَذ النَّهيُ عن الجمعِ بينهما من هذا الحديث، إن ثبتت رواية النَّصب، ويؤُخَذ النَّهي عن الإفراد من حديث آخر، انتهى. يعني: كحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: نهى عن البول في الماء الرَّاكد، وقال القرطبيُّ أبو العبَّاسِ: لا يحسن النَّصب [17] ؛ لأنَّه لا يُنصَب بإضمار «أن» بعد «ثمَّ»، وقال أيضًا: إنَّ الجزم ليس بشيء؛ إذ لو أراد ذلك؛ لقال: ثمَّ [18] لا يغتسلنَّ؛ لأنَّه إذ ذاك يكون عطف فعلٍ على فعلٍ، لا عطف جملةٍ على جملةٍ، وحينئذٍ يكون الأصل مساواة [19] الفعلين في النَّهي عنهما [20] وتأكيدهما بالنُّون المشدَّدة [21] ، فإنَّ المحلَّ الذي تواردا [22] عليه شيءٌ واحدٌ؛ وهو «الماء»، فعدوله عن «ثم لا يغتسلنَّ [23] » إلى [24] «ثمَّ يغتسل» دليل على أنَّه لم يُرِد العطفَ، وإنَّما جاء «ثمَّ يغتسل» على التَّنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنَّه إذا بال فيه؛ قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه [25] استعمالُه؛ لِمَا وقع فيه من البول، وتعقَّبه الزَّينُ العراقيُّ: بأنَّه لا يلزم من [26] عطف النَّهي على النَّهي ورود التَّأكيد فيهما معًا، كما [27] هو معروفٌ في العربيَّة، قال [28] : وفي رواية أبي داود: «لا يغتسل فيه من الجنابة»، فأتى بأداة النَّهيِ ولم يؤكِّده [29] ، وهذا كلُّه محمولٌ على القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حدِّ القليل، وقد تقدَّم قول من لا يعتبر إلَّا التَّغيُّر وعدمه، وهو قويٌّ [30] ، لكنَّ التَّفصيل بـ: «القلَّتين» أقوى؛ لصحَّة الحديث فيه، وقد نُقِل عن مالك: أنَّه حمل النَّهيَ على التَّنزيه فيما لا يتغيَّر، وهو قول الباقين في الكثير، وقد وقع في رواية ابن عُيَيْنَة عن أبي الزِّناد: «ثمَّ يغتسل منه» _بالميم_ بدل: «فيه»، وكلٌّ منهما يفيد حكمًا بالنَّصِّ وحكمًا بالاستنباط، فلفظة: «فيه»؛ بالفاء، تدلُّ على منع الانغماس بالنَّصِّ، وعلى منع التَّناول بالاستنباط، ولفظة [31] : «منه»؛ بالميم، [/ج1ص304/] بعكس [32] ذلك، وكلُّ ذلك [33] مبنيٌّ على أنَّ الماء ينجس بملاقاة النَّجاسة، فإن قلت: ما وجه دخول «نحن الآخرون» في التَّرجمة؟ وما المناسبة بين أوَّل الحديث وآخره [34] ؟ أُجيْب: باحتمال أن يكون أبو هريرة سمعه من النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع ما بعده في نسقٍ واحدٍ، فحدَّث بهما جميعًا، وتبعه المؤلِّف، ويحتمل أن يكون همَّامٌ فعل ذلك وأنَّه [35] سمعهما من أبي هريرة، وإِلَّا فليس في الحديث مناسبة للتَّرجمة، وتُعقِّب: بأنَّ البخاريَّ إنَّما ساق الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة لا من طريق همَّامٍ، فالاحتمال الثَّاني ساقطٌ، وقال في «فتح الباري»: والصَّواب: أنَّ البخاريَّ في الغالب يذكر الشَّيء كما سمعه جملةً؛ لتضمُّنه موضع الدَّلالة المطلوبة منه، وإن لم يكن باقيه مقصودًا.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث بالإفراد والجمع والإخبار والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

[1] «بالمُهمَلة الرَّاكد»: مثبتٌ من (م).
[2] في (د): «لا يتنجَّس».
[3] في (م): «طاهرًا».
[4] قوله: «جاريًا كان الماء أو راكدًا... لا ينجِّسه شيءٌ...»؛ الحديث»، سقط من (د).
[5] في (د): «إنْ».
[6] «وهو»: مثبتٌ من (م).
[7] في (م): «أحدهما».
[8] في (د): «وعند».
[9] في (م): «أو أكثر».
[10] في (م): «أو يطلق».
[11] في (م): «الذي».
[12] «وحينئذٍ»: سقط من (ب).
[13] في (د): «واحترز».
[14] «وهو»: سقط من (د) و(م).
[15] «بينهما»: ليست في (م).
[16] قوله: «وقال ابن هشامٍ: أجاز ابن مالكٍ... النَّصب لا في المعيَّة»، مثبتٌ من (م).
[17] في (د): «يجوز».
[18] «ثمَّ»: سقط من (د).
[19] في (ب) و(س): «مشاركة».
[20] في (ب) و(س): «المنهيِّ عنه».
[21] في (م): «الشَّديدة».
[22] في (س) و(م): «توارد).
[23] في (م): «يغتسل».
[24] قوله: «لأنَّه إذ ذاك يكون عطف... فعدوله عن «ثم لا يغتسلنَّ» إلى»، سقط من (د).
[25] «عليه»: سقط من (د).
[26] في (م): «في».
[27] في (ب): «و».
[28] «قال»: سقط من (د).
[29] «لم يُؤكِّده»: سقط من (د).
[30] في (د): «أقوى».
[31] في (م): «لفظ».
[32] في (م): «على عكس».
[33] في (م): «وكلُّه».
[34] في (د) و(م): «لآخره».
[35] في (د): «أو أنَّه».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

238-. 239-. حدَّثنا أبو اليَمانِ، قالَ: أخبَرَنا شُعَيْبٌ، قالَ: أخبَرَنا [1] أبو الزِّنَادِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ [2] حَدَّثَهُ:

أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ [3] رَسُولَ اللَّهِ [4] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ».

وَبِإِسْنادِهِ؛ قالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ [5] فِيهِ».

[1] في رواية ابن عساكر: «حدَّثنا».
[2] قوله: «الأعرج» ليس في رواية [عط] .
[3] في رواية ابن عساكر: «يقول: إنَّه سَمِع»، قارن بما في الإرشاد، وفي رواية الأصيلي: «قال: سمعتُ».
[4] في رواية ابن عساكر: «النَّبيَّ».
[5] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«يَغْتَسِلْ».





238- 239- ( أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ ) الكلُّ منصوب [ على الصفة ] [1] إلا هرمز، فإنَّه مضاف؛ لكنه غير منصرف.

( ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ ) برفع اللام هي الرواية الصحيحة، ومنع القرطبي نصبه، وجوَّزه ابن مالك مع الجزم أيضًا.

واعلم أنَّه يحتمل أن يكون هذا سمعه أبو هريرة من النبي صلى الله عليه وسلم مع ما بعده في نسقٍ واحدٍ فحدَّث بهما جميعًا، ويحتمل أن يكون هَمَّام فعل ذلك [2] ، وأنه سمعهما من أبي هريرة، وإلا فليس في الحديث الأول مناسبة للترجمة [3] .

=========

[1] ما بين معقوفين زيادة من ( ظ ).

[2] قال ابن حجر رحمه الله: قوله: «همام فعل ذلك» وهم؛ لأنَّه ليس الحديث من رواية همام، ولا ذكر له في الإسناد، وإنَّما هو من رواية الأعرج عن أبي هريرة، وهذا الوهم سبق إليه ابن بطال وتبعه ابن التين وابن المنير والكرماني والمصنف.

[3] قال ابن حجر رحمه الله: قد أبدى ابنُ المُنَيِّر بينهما مناسبة، ولكنها متكلَّفة جدًا.


238# 239# (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ) الكل بفتحة، لكنها في ((هرمزَ)) وحدَه [1] علامةُ الجر؛ لأنه مضاف إليه غيرُ منصرف، وفي البواقي علامةُ النصب.

- (ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ) برفع اللام هي [2] الرواية الصَّحيحة.

ومنع القرطبي نصبَه، وذكر أن ثَمَّ من [3] قيَّده بالجزم، وردَّه بأنه لو أريد ذلك، لقيل: ثم لا يغتسلنَّ؛ لأن الأصلَ تساوي الفعلين في النهي عنهما، فتأكيدُ أحدهما بالنون دون الثاني دليلٌ على أنه لم يرد عطفه عليه.

وذكر النووي عن شيخه ابن مالك: أنه جوزَ الجزمَ فيه عطفاً على يبولَنَّ، والنصبَ بإضمار ((أن)) على إعطاء ((ثم)) حكمَ واو الجمع، واستشكل النووي الثاني: بأن النصبَ يقتضي أن المنهيَّ عنه الجمعُ بينهما، دون إفراد أحدهما، وهو [4] باطل.

قال ابنُ دقيق العيد: وهو ضعيفٌ؛ لأنه ليس فيه أكثر من كون هذا الحديث لا يتناول النهيَ عن البول في الماء الراكد بمفردهِ، ولا يلزم أن يدلَّ على الأحكام المتعددة بلفظ واحدٍ، فيؤخذ النهيُ عن الجمع من هنا، وعن الإفراد من محلٍّ آخر.

قال الزركشي: واعلم أنه يحتمل أن يكون أبو هريرة سمع هذا مع ما قبلَه من النبي صلى الله عليه وسلم في نَسَق واحد، فحدَّث بهما جميعاً، ويحتمل أن يكون همَّامٌ فعلَ [5] ذلك، وأنه سمعهما

@%ج1ص142%

من أبي هريرة، وإلا فليس في الحديث الأول _ يريد [6] : ((نحن الآخرون السابقون)) _ مناسبةٌ للترجمة.

قلت: إنما ساق البخاري الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة، لا من حديث همام، فالاحتمالُ الثاني ساقطٌ.

وحاول ابن المنيَّر رحمه الله إبداءَ وجهٍ للمطابقة [7] ، على تقدير أن يكون سماع الحديثين مفترقين؛ بأن قال: السرُّ في اجتماع الآخرِ في الوجود، والسبقِ في البعث لهذه الأمة: أن الدنيا مثلُها للمؤمن مثلُ السِّجن، وقد أدخل الله الأولين والآخِرين فيه على ترتيب.

فمقتضى ذلك: أن الآخرَ في الدخول هو الأولُ في الخروج؛ كالوعاء إذا ملأته بأشياء وُضِع بعضُها فوق بعض، ثم استخرجتَها [8] ، فإنما [9] تُخرج أولاً ما أدخلْتَه آخراً.

فهذا هو السر في كون هذه الأمَّة آخراً في الوجود الأولِ، وأولَ في الوجود الثاني، ولها في ذلك من المصلحة [10] قلةُ بقائها [11] في سجنِ الدنيا، وفي إطباق البلاء [12] بما خَصَّها الله به [13] من [14] قِصَر الأعمار، ومن [15] السبقِ إلى المعاد.

فإذا فُهمتْ هذه الحقيقةُ، تصوَّر الفَطِنُ معناها عامًّا، فكيف يليقُ بكيِّسٍ أن يعمَد إلى ماءٍ راكدٍ يُطهِّر النجاسةَ، فيبولَ فيه، ثم يتوضأَ منه، فأولُ ما يلاقيه بولُه الذي [16] عزمَ على التَّطهر [17] منه، وهو عكسٌ للحقائق، وإخلالٌ بالمقاصدِ لا يتعاطاه لبيبٌ، والحقُّ واحدٌ، وإن تباعدَ [18] ما بين طرفيهِ.

قلت: آثارُ التَّكليف [19] باديةٌ على وجهه [20] ، فانظره.

[1] ((وحده)): ليست في (د).
[2] في (ق): ((في)).
[3] في (ق): ((وذكر أنه من)).
[4] في (ج): ((هو)).
[5] في (د): ((سمع)).
[6] في (ق): ((مزيد)).
[7] في (ق): ((المطابقة)).
[8] في (ق): ((استخرجها)).
[9] في (ق): ((فإنها)).
[10] في (د) و(ج): ((ذلك مصلحة)).
[11] في (ق): ((المصلحة فإبقائها)).
[12] في (ق): ((النداء)).
[13] ((به)): ليست في (م) و(د) و(ج).
[14] في (م) و(د): ((في)).
[15] في (ج): ((قصر الأعمال من)).
[16] في (م): ((للذي)).
[17] في (د) و(ج): ((عدم إلى التطهير))، وفي (ق): ((على التطهير)).
[18] في (د): ((وأن يتباعد)).
[19] في (د) و(ق): ((التكلف)).
[20] في (د): ((وجه)).





238- 239-.قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ): تقدَّم مرارًا أنَّه الحكم بن نافع، وتقدَّم بعض ترجمته. [/ج1ص107/]

قوله: (أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ): هو بالنُّون، واسمه عَبْد الله بن ذكوان أَبُو عَبْد الرَّحمن، الإمام، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ): قال العلماء: معناه: الآخرون في الزمان، السَّابقون بالفضل ودخول الجنَّة، فتدخل هذه الأمَّة قبل الأمم الجنَّةَ، وقال شيخنا المؤلِّف في أواخر شرحه: (السَّابقون يوم القيامة في الحساب ودخول الجنَّة) انتهى، ورأيت أنا [1] في جواز الصراط أيضًا، والله أعلم، وكون [2] هذه الأمَّة أوَّل من يُحاسَب؛ فكذلك هو في «مسند أبي داود الطيالسيِّ» من حديث ابن عَبَّاس، وكذا جواز الصراط، فهو [3] في «الصَّحيح».

قوله: (وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ: لَا يَبُولَنَّ..) إلى آخره: قال شيخنا: (وجه إدخال البخاريِّ الحديث الأوَّل في هذا الباب، وهو حديث: «نحن الآخرون...» إلى آخره: أنَّ أبا هريرة رواه كذلك، وذكر مثل هذا في كتاب «الجهاد»، و«المغازي»، و«الأيمان والنُّذور»، و«قصص الأنبياء»، و«الاعتصام» ذكر في أوائلها كلِّها: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ»، قال ابن بطَّال في «شرحه»: يمكن أنْ يكون همَّام فعل ذلك؛ لأنَّه سمع من أبي هريرة [أحاديث ليست بكثيرة، وفي أوائلها: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ»، فذكرها على الرُّتبة التي سمعها من أبي هريرة، ويمكن -والله أعلم- أنَّ يكون سمع أَبُو هريرة] [4] ذلك في نسق واحد، فحدَّث بهما جميعًا كما سمعهما) .

قال شيخنا: (قلت: ساق البخاريُّ الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة -كما ذكرته لك- لا من حديث همَّام عنه، وتلك تعرف بصحيفة همَّام، وعادة مُسْلِم يقول فيها: فذكر أحاديث ومنها كذا، وهذه أيضًا صحيفة رواها بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه [5] ، عن أبي الزِّناد عنه، عن أبي هريرة، وأحاديثها تقرب من صحيفة همَّام، وأوَّلها: «نحن الآخرون السَّابقون»، وفيها حديث البول في الماء الدَّائم) ، ثُمَّ أخذ يعترض على ابن بطَّال في قوله: (إنَّ همَّامًا سمع من أبي هريرة أحاديث ليست [6] بكثيرة) ؛ ليس بجيِّد؛ لأنَّ الدَّارقطنيَّ جمعها في جزء مفرد، فبلغت فوق المئة، ثُمَّ اعترض عليه في قوله: (ويمكن أنَّ يكون سمعه من رَسُول اللِّه صلَّى الله عليه وسلَّم في نسق واحد) ؛ فيه بعدٌ، قال [7] شيخنا [8] : (وقد وقع لمالك في «موطَّأيه» مثل هذا في موضعين) ؛ فذكرهما، والله أعلم.

قوله: (في المَاءِ الدَّائِمِ الذِي لَا يَجْرِي): اعلم أنَّ الدَّائم هو الرَّاكد، كما جاء في روايةٍ أخرى، وقوله: (الذي لا يجري) تأكيد لمعناه وتفسير له، وقيل: للاحتراز عن راكد يجري بعضه؛ كالبرك ونحوها.

قوله: (ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيه): الرِّواية بالرَّفع [9] ، وجوَّز ابن مالك جزمه على النَّهي، ورفعُه بتقدير: ثُمَّ هو يغتسل، ونصبه على إعطاء (ثمَّ) حكم واو الجمع، وقد منعه القرطبيُّ والنَّوويُّ، قال النوويُّ: (لا يجوز النَّصب؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المنهيَّ عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لَمْ يقله أحد، بل البول منهيٌّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا) انتهى.

وقال [10] ابن هشام الأستاذ النحويُّ المصريُّ في «مغنيه»: (وإنَّما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها في النصب، لا في المعيَّة أيضًا...) إلى آخر كلامه.

[1] (أنا): ليس في (ج) .
[2] في (ج): (وكذا) .
[3] (فهو): ليس في (ج) .
[4] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[5] قوله: (عن أبيه): استدركها المؤلف في الهامش، فهي ساقطة من «التوضيح» (4/) .
[6] (ليست): سقطت من (ج) .
[7] في (ج): (وقال) .
[8] (شيخنا): ليس في (ب) .
[9] في (ب): (بالفتح) ، وليس بصحيح.
[10] في (ج): (قال) .





238- 239- (لَا يَبُولَنَّ): بفتحِ اللَّامِ.

(الَّذِي لَا يَجْرِي): صفةٌ مبيِّنةٌ لـ (الدَّائِمِ)، والمراد منه: الرَّاكدُ، وقيل: للاحترازِ عن راكدٍ يَجري بعضُه؛ كالبِرَكِ.

وقال البيضاويُّ: («الَّذِي لَا يَجْرِي»: صفةٌ ثانيةٌ تؤكِّدُ الأُولى).

(ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ): قال الطِّيبيُّ نقلًا عن القاضي ناصرِ الدين [1] : («ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ»: عطفٌ على الصِّلةِ، وترتيبُ الحكمِ على ذلكَ يُشعِرُ بأنَّ الموجِبَ للمنعِ أنَّهُ يتنجَّسُ به؛ فلا يجوزُ الاغتسالُ به، وتخصيصُه بـ«الدَّائِمِ» يُفْهَمُ منه: أنَّ الجاريَ لا يتنجَّسُ إلَّا بالتَّغييرِ.

أقول: لعلَّه امتنع من العطف على «يَبُوْلَنَّ»، وارتكب هذا التَّعسُّفَ؛ للاختلافِ بينَ الإنشائيِّ والإخباريِّ، والمعنى عليه أظهرُ، فيكونُ «ثُمَّ» مثلَ الواو في: «لا تأكلِ السَّمكَ وتشربَ اللَّبنَ»، عطف الاسم على الفعلِ على تأويلِ الاسمِ؛ أي: لا يكنْ منكَ أكلُ السَّمكِ وشربُ اللَّبنِ؛ أي: لا تجمعْ بينَهما؛ لأنَّ الاغتسالَ في الماءِ الدَّائمِ وحدَه غيرُ منهيٍّ عنه، أو مثلَ الفاءِ في قولِه تعالى: {وَلَا تَطْغَوا فِيْهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضِبِي} [طه: 81] ؛ أي: لا يكنْ مِنْ أحدٍ البولُ في الماءِ الموصوفِ ثُمَّ الاغتسالُ فيه؛ فـ«ثُمَّ» استبعاديَّةٌ؛ أي: بعيدٌ مِنَ العاقلِ الجمعُ بينَ هذينِ الأمرينِ.

فإن قلتَ: عَلامَ يُعتَمد في نصب «يَغْتَسِلُ» حتَّى يتمشَّى لك هذا المعنى؟

قلتُ: إذا قَوِيَ المعنى؛ لا يضرُّ الرَّفعُ؛ لأنَّه حينئذٍ مِنْ بابِ «أحضُرُ الوغى» )، ثُمَّ نَقَلَ كلامَ النَّوويِّ، وكلامَ ابنِ مالكٍ الآتي.

وقال الشَّيخُ المالكيُّ في «الشَّواهدِ»: (يجوزُ في «يَغْتَسِل» الجزمُ عطفًا على «يَبُولَنَّ»؛ لأنَّه مجزومُ الموضعِ بـ«لَا» الَّتي للنَّهيِ، ولكنَّه بُنِيَ على الفتحِ؛ لتوكيدِه بالنُّونِ، ويجوزُ فيه الرَّفعُ على تقديرِ: ثمَّ هو يغتسلُ فيه، والنَّصبُ على إضمارِ «أَنْ» وإعطاءِ «ثُمَّ» حكمَ واوِ الجمعِ، ونظيرُه في جوازِ الأوجهِ الثلاثةِ التِّلاوةُ في قولِه تعالى: {ثُمَّ يُدرِكْهُ المَوتُ} [النساء: 100] ؛ فإنَّه قُرِئَ بالجَزْمِ ـ وهو الَّذي قرأَ به السَّبعةُ ـ وبالرَّفعِ والنَّصبِ على الشُّذوذِ ).

وقال الشَّيخُ محيي الدِّينِ النَّوويُّ [2] : (الرِّوايةُ بالرَّفعِ، ولا يجوزُ النَّصبُ ؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المنهيَّ عنه الجمعُ بينهما دونَ إفرادِ أحدِهما، وهذا لم يقلْهُ أحدٌ؛ بلِ البولُ فيه منهيٌّ عنه، سواءٌ أرادَ الاغتسالَ فيه أو منه، أم [3] لا).

قال الطِّيبيُّ في قولِه [4] : (أمَّا النَّصبُ؛ فلا يجوزُ): (فيه نظرٌ؛ لما جاءَ في التَّنزيل: {وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} [البقرة: 42] ، والواو للجمع، [والمنهيُّ هنا الجمعُ] والإفرادُ، بخلافِ قولهم: لا تأكلِ السَّمكَ وتشربَ اللَّبنَ).

وقال الكرمانيُّ: (أقولُ: لا يقتضي الجمعَ؛ إذْ لا يريدُ بتشبيهه «ثمَّ» بالواو المشابهةَ مِنْ جميعِ الوجوهِ؛ بل في جوازِ النَّصبِ بعدَه فقط، سلَّمنا، لكنْ لا يضرُّ؛ إذْ كونُ الجمعِ منهيًّا يُعلمُ مِنْ هنا، وكونُ الإفرادِ منهيًّا مِنْ دليلٍ آخرَ؛ كقولِه تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ} [البقرة: 42] على تقديرِ النَّصبِ) انتهى.

واعلم أنَّ القرطبيَّ منعَ النَّصبَ، فقال: (لا يجوزُ النَّصبُ؛ إذْ لا ينصب بإضمار «أَنْ» بعد «ثمَّ»)، ثمَّ وهَّى الجزمَ الَّذي ادَّعى النَّوويُّ ظهورَه، فقال: (وبعضُ النَّاسِ قيَّدَه بالجزمِ على العطفِ على «يَبُولَنَّ»، وليس بشيءٍ؛ إذْ لو أراد ذلك؛ لقالَ: «ثمَّ لا يَغْتَسِلَنَّ»؛ لأنَّه إذْ ذاكَ عطفُ فعْلٍ على فعْلٍ، لا عطفُ جملةٍ على جملةٍ، وحينئذٍ يكونُ الأصلُ مساواةَ الفعلينِ في النهيِ عنهما، وتأكيدهما بالنُّونِ المشدَّدةِ، فإنَّ المحلَّ الَّذي تواردَا عليه هو شيءٌ واحدٌ؛ وهو الماء، فعدولُه عن «ثُمَّ لَا يَغْتَسِلَنَّ» [5] دليلٌ على أنَّه لم يُردِ العطفَ، وإنَّما جاءَ «ثُمَّ يَغْتَسِلُ» على التَّنبيهِ على مآلِ الحالِ، ومعناه: أنَّه إذا بالَ فيه قد يحتاجُ إليه، فيمتنعُ عليه استعمالُه؛ لما أوقعَ فيه مِنَ البولِ، وهذا مثلُ: «لَا يَضْرِبْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْأَمَةِ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا» برفع «يُضَاجِعُهَا»، ولم يَرْوِهِ أحدٌ بالجزمِ؛ لأنَّ المفهومَ منه أنَّما نهاه عن ضربِها؛ لأنَّه يحتاجُ إلى مضاجعتِها في ثاني حالٍ، فتمتنعُ عليه بما أساءَ مِنْ معاشرتِها، ويتعذَّرُ عليه المقصودُ لأجل الضَّرب، وتقديرُ اللَّفظِ: «ثُمَّ هو يُضَاجِعُهَا»، و«ثُمَّ هو يَغْتَسِلُ»).

ورأيتُ في «المغني» للشَّيخِ جمالِ الدِّينِ ابنِ هشامٍ رحمه الله تعالى ما لفظُه: (وإنَّما أرادَ ابنُ مالكٍ إعطاءَها حكمَها في النَّصبِ لا في المعيَّةِ أيضًا، ثمَّ ما أوردَهُ إنَّما جاءَ مِنْ قِبَلِ المفهومِ لا المنطوقِ، وقد قامَ دليلٌ [آخرُ] على عدمِ إرادَتِه، ونظيرُه: إجازةُ الزَّجاجِ والزَّمخشريِّ في: {وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ} [البقرة: 42] كونَ {تَكْتُمُوا} مجزومًا، وكونَه منصوبًا، مع أنَّ النَّصبَ معناهُ النَّهيُ عنِ الجمعِ) انتهى.

وبخطِّ بعضِ الفضلاءِ على كلامِ «المغني»: (المعيَّةُ أعمُّ مِنَ النَّصبِ، وكلَّما [6] وُجِدَ النَّصبُ؛[/ص36/] وُجِدَ المعيَّةُ؛ فإذًا الجوابُ غيرُ مُخَلِّصٍ) انتهى.

فائدةٌ: قرأَ الحسنُ البصريُّ: {ثُمَّ يُدْرِكَهُ}؛ بالنَّصبِ، وقرأَ النَّخَعيُّ وطلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ بالرَّفْعِ.

[1] أي: البيضاوي في «تحفة الأبرار شرح المصابيح».
[2] في (أ): (النواوي).
[3] في النسختين: (أو)، والمثبت من مصدره.
[4] أي: قول النووي.
[5] في النسختين: (ثم لا يغتسل)، والمثبت من مصدره.
[6] في (ب): (فكلما).





238- 239- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) بتخفيف الميم، الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: ((حدَّثنا)) (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّهُ سَمِعَ) وللأَصيليِّ: ((قال: سمعت)) ولابن عساكر: ((يقول: سمعت)) (رَسُولَ اللهِ)، ولابن عساكر: ((النَّبيَّ)) (صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) بكسر الخاء؛ أي: المُتأخِّرون في الدُّنيا (السَّابِقُونَ)؛ أي: المُتقدِّمون في الآخرة.

(وَبِإِسْنَادِهِ) أي: إسناد هذا الحديث السابق (قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ) بالمُهمَلة: الرَّاكد [1] القليل الغير القلَّتين، فإنَّه يَتَنَجَّسْ وإن لم يتغيَّر، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقال المالكيَّة: لا ينجس [2] إلَّا بالتَّغيُّر، قليلًا كان أو كثيرًا، جاريًا كان الماء أو راكدًا؛ لحديث: «خلق اللهُ الماءَ طهورًا [3] لا ينجِّسه شيءٌ...»؛ الحديث [4] ، وعند الحنفيَّة: ينجس إذا [5] لم يبلغ الغدير العظيم، وهو [6] الذي لا يتحرك أحد أطرافه بتحرك أحدها [7] ، وعن [8] أحمد روايةٌ صحَّحوها: في غير بول الآدميِّ وعذرته المائعة، فأمَّا هما؛ فينجِّسان الماء وإن كان قلَّتين فأكثر [9] على المشهور ما لم يكثر؛ أي: بحيث لا يمكن نزحه، وقوله: (الَّذِي لَا يَجْرِي) قِيلَ: هو تفسيرٌ لـ: «الدَّائم» وإيضاحٌ لمعناه، وقِيلَ: احترز به عن الماء الدَّائر؛ لأنَّه جارٍ من حيث الصُّورة، ساكنٌ من حيث المعنى، وقال ابن الأنباريِّ: «الدَّائم» من حروف الأضداد، يقال للسَّاكن والدَّائر، ويطلق [10] على البحار والأنهار الكبار التي [11] لا ينقطع ماؤها: أنَّها دائمة، بمعنى: أنَّ ماءها غير منقطع، وقد اتفق على أنَّها غير مرادة هنا، وعلى هذين القولين، فقوله: الذي لا يجري صفة مخصِّصةٌ لأحد معنيي المُشتَرك، وهذا أولى من حمله على التَّوكيد الذي الأصل عدمه، ولا يخفى أنَّه لو لم يقل: الذي لا يجري؛ لكان مجملًا بحكم الاشتراك الدَّائر بين الدَّائر والدَّائم، وحينئذٍ [12] فلا يصحُّ الحمل على التَّأكيد، أو [13] احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك، (ثُمَّ) هو (يَغْتَسِلُ فِيهِ) أو يتوضَّأ وهو [14] بضمِّ اللَّام على المَشهُور في الرِّواية، وجوَّز ابن مالكٍ في «توضيحه» صحَّة الجزم، عطفًا على: «يبولن»، المَجزُوم موضعًا بـ: «لا» النَّاهية، ولكنَّه فُتِحَ بناءً؛ لتأكيده بالنُّون، والنَّصب على إضمار «أَنْ»؛ إعطاء لـ: «ثم» حكم واو الجمع، وتعقَّبه القرطبيُّ في «المفهم»، والنَّوويُّ في «شرح مسلم»: بأنَّه يقتضي أنَّ النَّهيَ للجمع بينهما [15] ، ولم يقله أحدٌ، بل البول منهيٌّ عنه أراد الغسل منه أو لا، وقال ابن هشامٍ: أجاز ابن مالكٍ الثَّلاثة، فتوهَّم تلميذه النَّوويُّ من قوله: «فأُعطِيَ حكم واو الجمع» أنَّ المراد إعطاء حكمها في معنى الجمع، فقال: لا يجوز بالنَّصب؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المَنهيَّ عنه الجمع بينهما دونَ إفراد أحدهما _إلى آخره_ وإنَّما أراد ابن مالكٍ إعطاءها حكمها في النَّصب لا في المعيَّة [16] ، وأجاب ابن دقيق العيد: بأنَّه لا يلزم أن يدلَّ على الأحكام المتعددة لفظٌ واحدٌ، فيُؤخَذ النَّهيُ عن الجمعِ بينهما من هذا الحديث، إن ثبتت رواية النَّصب، ويؤُخَذ النَّهي عن الإفراد من حديث آخر، انتهى. يعني: كحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: نهى عن البول في الماء الرَّاكد، وقال القرطبيُّ أبو العبَّاسِ: لا يحسن النَّصب [17] ؛ لأنَّه لا يُنصَب بإضمار «أن» بعد «ثمَّ»، وقال أيضًا: إنَّ الجزم ليس بشيء؛ إذ لو أراد ذلك؛ لقال: ثمَّ [18] لا يغتسلنَّ؛ لأنَّه إذ ذاك يكون عطف فعلٍ على فعلٍ، لا عطف جملةٍ على جملةٍ، وحينئذٍ يكون الأصل مساواة [19] الفعلين في النَّهي عنهما [20] وتأكيدهما بالنُّون المشدَّدة [21] ، فإنَّ المحلَّ الذي تواردا [22] عليه شيءٌ واحدٌ؛ وهو «الماء»، فعدوله عن «ثم لا يغتسلنَّ [23] » إلى [24] «ثمَّ يغتسل» دليل على أنَّه لم يُرِد العطفَ، وإنَّما جاء «ثمَّ يغتسل» على التَّنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنَّه إذا بال فيه؛ قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه [25] استعمالُه؛ لِمَا وقع فيه من البول، وتعقَّبه الزَّينُ العراقيُّ: بأنَّه لا يلزم من [26] عطف النَّهي على النَّهي ورود التَّأكيد فيهما معًا، كما [27] هو معروفٌ في العربيَّة، قال [28] : وفي رواية أبي داود: «لا يغتسل فيه من الجنابة»، فأتى بأداة النَّهيِ ولم يؤكِّده [29] ، وهذا كلُّه محمولٌ على القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حدِّ القليل، وقد تقدَّم قول من لا يعتبر إلَّا التَّغيُّر وعدمه، وهو قويٌّ [30] ، لكنَّ التَّفصيل بـ: «القلَّتين» أقوى؛ لصحَّة الحديث فيه، وقد نُقِل عن مالك: أنَّه حمل النَّهيَ على التَّنزيه فيما لا يتغيَّر، وهو قول الباقين في الكثير، وقد وقع في رواية ابن عُيَيْنَة عن أبي الزِّناد: «ثمَّ يغتسل منه» _بالميم_ بدل: «فيه»، وكلٌّ منهما يفيد حكمًا بالنَّصِّ وحكمًا بالاستنباط، فلفظة: «فيه»؛ بالفاء، تدلُّ على منع الانغماس بالنَّصِّ، وعلى منع التَّناول بالاستنباط، ولفظة [31] : «منه»؛ بالميم، [/ج1ص304/] بعكس [32] ذلك، وكلُّ ذلك [33] مبنيٌّ على أنَّ الماء ينجس بملاقاة النَّجاسة، فإن قلت: ما وجه دخول «نحن الآخرون» في التَّرجمة؟ وما المناسبة بين أوَّل الحديث وآخره [34] ؟ أُجيْب: باحتمال أن يكون أبو هريرة سمعه من النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع ما بعده في نسقٍ واحدٍ، فحدَّث بهما جميعًا، وتبعه المؤلِّف، ويحتمل أن يكون همَّامٌ فعل ذلك وأنَّه [35] سمعهما من أبي هريرة، وإِلَّا فليس في الحديث مناسبة للتَّرجمة، وتُعقِّب: بأنَّ البخاريَّ إنَّما ساق الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة لا من طريق همَّامٍ، فالاحتمال الثَّاني ساقطٌ، وقال في «فتح الباري»: والصَّواب: أنَّ البخاريَّ في الغالب يذكر الشَّيء كما سمعه جملةً؛ لتضمُّنه موضع الدَّلالة المطلوبة منه، وإن لم يكن باقيه مقصودًا.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث بالإفراد والجمع والإخبار والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

[1] «بالمُهمَلة الرَّاكد»: مثبتٌ من (م).
[2] في (د): «لا يتنجَّس».
[3] في (م): «طاهرًا».
[4] قوله: «جاريًا كان الماء أو راكدًا... لا ينجِّسه شيءٌ...»؛ الحديث»، سقط من (د).
[5] في (د): «إنْ».
[6] «وهو»: مثبتٌ من (م).
[7] في (م): «أحدهما».
[8] في (د): «وعند».
[9] في (م): «أو أكثر».
[10] في (م): «أو يطلق».
[11] في (م): «الذي».
[12] «وحينئذٍ»: سقط من (ب).
[13] في (د): «واحترز».
[14] «وهو»: سقط من (د) و(م).
[15] «بينهما»: ليست في (م).
[16] قوله: «وقال ابن هشامٍ: أجاز ابن مالكٍ... النَّصب لا في المعيَّة»، مثبتٌ من (م).
[17] في (د): «يجوز».
[18] «ثمَّ»: سقط من (د).
[19] في (ب) و(س): «مشاركة».
[20] في (ب) و(س): «المنهيِّ عنه».
[21] في (م): «الشَّديدة».
[22] في (س) و(م): «توارد).
[23] في (م): «يغتسل».
[24] قوله: «لأنَّه إذ ذاك يكون عطف... فعدوله عن «ثم لا يغتسلنَّ» إلى»، سقط من (د).
[25] «عليه»: سقط من (د).
[26] في (م): «في».
[27] في (ب): «و».
[28] «قال»: سقط من (د).
[29] «لم يُؤكِّده»: سقط من (د).
[30] في (د): «أقوى».
[31] في (م): «لفظ».
[32] في (م): «على عكس».
[33] في (م): «وكلُّه».
[34] في (د) و(م): «لآخره».
[35] في (د): «أو أنَّه».





238- 239- ( الَّذِي لاَ يَجْرِي ) قيل: هو تفسير للدَّائم وإيضاح لمعناه، وقيل: احترز به عن راكد يجري بعضه.

وقال ابن الأنباريِّ: الدَّائم من حروف الأضداد، يقال للسَّاكن وللدَّائر، فـ ( الذي لا يجري ) صفة مخصَّصة لأحد معنيي المشترك.

( ثمَّ يَغْتَسِلُ ): بالرَّفع، وجوَّز ابن مالك الجزم عطفًا على النَّهي، والنَّصب على معنى الجمع بإعطاء «ثمَّ» حكم الواو، والأمران [متعقبان] [1] رواية ومعنى، إذ يلزم على الأخير تخصيص النَّهي بالجمع بين الأمرين دون أحدهما وليس كذلك، قاله النَّوويُّ.

( فِيْهِ ) لمسلم: «منه»، فالأولى تفيد منع الانغماس، والثَّانية [منع] [2] التَّناول. [/ج1ص355/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (متفقان)
[2] ما بين معقوفتين في [ع] : (معنى) والمثبت من غيرها لأنه أوجه





64/238# 239# قال أبو عبد الله: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ.

عن أَبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».

(الماء الدائم): هو الرَّاكد الذي لا يجري، كما قد جاء من تفسيره في الحديث، وهو الذي لا يجري، يقال: دَامَ الشيء؛ إذا سَكنَ، ودامت القِدْرُ: إذا سَكَن غليها.

وهذا إذا كان الماء في حَدِّ القِلَّة [1] ، فأمَّا إذا كان كثيراً، أو كان جارياً [2] فالحُكْم

@%ص76%

فيه بخلاف ذلك [3] ؛ لأنَّ جَريَة الماء ترفع النَّجس [4] ويَخْلُفه الماء [5] الطاهرُ بعده.

[1] في النسخ الفروع: (إذا كان الماء قليلاً).
[2] في النسخ الفروع: (إذا كثر أو جرى).
[3] في النسخ الفروع: (بخلافه).
[4] في (ط): (تدفع النجاسة).
[5] قوله: (الماء) زيادة من (م).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

238- 239- وبه قال: ((حدثنا أبو اليَمَان)) ؛ بفتح التحتية، وتخفيف الميم: هو الحَكَم _بفتحتين_ بن نافع ((قال: أخبرنا شعيب)) هو ابن أبي جمرة ((قال: حدثنا)) : وفي رواية: (أخبرنا) ((أبو الزِّناد)) ؛ بكسر الزاي، وتخفيف النُّون: عبد الله بن ذكوان: ((أنَّ عبد الرحمن بن هُرْمُزَ)) ؛ بضمِّ الهاء، وسكون الرَّاء، وضم الميم، والمنع من الصرف؛ لأنَّه أعجمي، ففيه العلمية والعجمة ((الأعرج)) صفته ((حدَّثه)) ؛ أي: حدَّث أبا الزِّناد: ((أنَّه سمع أبا هريرة)) عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه: ((أنَّه سمع)) : وللأصيلي: (قال: سمعت) ، ولابن عساكر: (أنَّه يقول: سمعت) ((رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول)) جملة محلها نصب على الحال: ((نحن الآخِرون)) ؛ بكسر الخاء المعجمة، جمع الآخر بمعنى المتأخر، يذكر في مقابلة الأول، وبفتحها جمع لآخر أفعل التفضيل، وهذا المعنى أعم من الأول، والرواية بالكسر فقط؛ ومعناه: نحن المتأخرون في الدنيا من حيث الوجود، فإنَّا آخر الأمم وجودًا، ولا توجد بعدنا أمة، بل نحن الآخرون ((السابقون)) ؛ أي: المتقدمون في الآخرة من حيث البعث، والحساب، ودخول الجنة.

قال في «عمدة القاري»: والحكمة في تقديم هذا الحديث فقد اختلفوا فيها؛ فقال ابن بطال: يحتمل أن يكون أبو هريرة سمع ذلك من النبيِّ عليه السَّلام، وما بعده في نسق واحد، فحدَّث بهما جميعًا، ويحتمل أن يكون همَّام فعل ذلك؛ لأنَّه سمعهما من أبي هريرة، وإلا؛ فليس في الحديث مناسبة للترجمة، قيل: في الاحتمال الأول نظر؛ لتعذره، ولأنَّه ما بلغنا أن النبيَّ عليه السَّلام حفظ عنه أحد في مجلس واحد مقدار هذه النسخة صحيحًا إلا أن يكون من الوصايا الغير الصحيحة، ولا يقرب من الصحيح، وقال ابن المنير: (ما حاصله: أن همَّامًا راويه روى جملة أحاديث عن أبي هريرة استفتحها له أبو هريرة بحديث: «نحن الآخِرون»، فصار همام كلما حدث عن أبي هريرة؛ ذكر الجملة من أولها، وتبعه البخاري في ذلك، وذلك في مواضع أخرى في كتابه في (الجهاد) ، و (المغازي) ، و (الأيمان والنذور) ، و (قصص الأنبياء) عليهم السَّلام، و (الاعتصام) ذكر في أوائلها كلها: (نحن الآخرون السابقون) ، وقال ابن المنير: هو حديث واحد، فإذا كان واحدًا؛ تكون المطابقة في آخر الحديث، وفيه نظر؛ لأنَّه لو كان واحدًا؛ لما فصله البخاري بقوله: (وبإسناده) ، وأيضًا فقوله: (فنحن الآخرون) طرف من حديث مشهور في ذكر يوم الجمعة، ولو راعى البخاري ما ادعاه؛ لساق المتن بتمامه، ويقال: الحكمة في هذا أن حديث: (نحن الآخرون السابقون) أول حديث في صحيفة همَّام عن أبي هريرة، كان همَّام إذا روى الصحيفة؛ استفتح بذكره، ثم سرد [1] الأحاديث، فوافقه البخاري ههنا، ويقال: الحكمة فيه: أن من عادة المحدثين ذكر الحديث جملة؛ لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة، ولا يكون ما فيه مقصودًا بالاستدلال، وإنما جاء تبعًا لموضع الدليل، وفيه نظر لا يخفى، وزعم الكرماني ناقلًا عن بعض أهل العصر مناسبة صدر الحديث لآخره: أن هذه الأمة آخر من يُدْفَنُ من الأمم، وأول من يُخْرَجُ منها؛ لأنَّ الأرض لهم وعاء، والوعاء آخر ما يوضع فيه، وأول ما يخرج منه، وكذلك الماء الراكد آخر ما يقع فيه من البول أول ما يصادف أعضاء المتطهر منه، فينبغي أن يجتنب ذلك ولا يفعله، قلت: فيه جر الثقيل، ولا يشفي الغليل، انتهى كلام صاحب «عمدة القاري».

قلت: وقيل: ووجهه: أن بني إسرائيل وإن سبقوا في الزمان؛ لكنَّ هذه الأمة سبقتهم[/ص227/] باجتناب الماء الراكد إذا وقع فيه البول، فلعلهم كانوا لا يجتنبون.

وردَّ بأنَّ بني إسرائيل كانوا أشدَّ مبالغة في اجتناب النَّجاسة، فكيف يظن بهم التساهل في هذا؟ ألا ترى أن أحدهم إذا أصاب ثوبه نجاسة؛ قرضه بالمقراض؛ تحرُّزًا عن النَّجاسة، وقيل: الصواب أن البخاري يذكر في الغالب الشيء كما سمعه جملة؛ لتضمنه موضع الدلالة وإن لم يكن باقيه مقصودًا، وليس غرضه منها إلا الحديث الأخير، لكنَّه أداهما على الوجه الذي سمعها.

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه لا يلزم من ذكره كما سمعه أن يذكر الجملة المشتملة على الحديثين في سياق واحد، ويكون غرضه منها أحدهما، بل يجوز أن يَذْكُرَ الحديث الواحد المتضمن للدلالة فقط ويَتْرُكَ غيره، ونظير ذلك: ما ذكره في أول باب (النية) ، فإنَّه ذكر قطعة من الحديث متضمنة لما ترجم له، وساقه بتمامه في موضع آخر؛ لبيان غرضه؛ فافهم.

والظاهر: أنَّ المؤلف ساق الحديث الأول بسنده، ثم أسند الثاني إلى شيخه، ولم يذكر سنده؛ للاختلاف في سنده وأشياخه من حيث تعدُّد طرقه، فإن الحديث الثاني قد ساقه الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي، وأخرجه من عشرة طرق، وكلها صحيحة كما ستقف عليها، ولأنَّ ذلك يفيد قوَّة على الحديث الأول على أنَّه قد اختلف أيضًا في لفظ متنه كما ستعلمه، فلهذا: المؤلف اقتصر على قوله: (وبإسناده) وساق الحديث الأول؛ فافهم.

((وبإسناده)) : الضمير يرجع إلى الحديث؛ أي: حدثنا أبو اليمان بالإسناد المذكور، قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: حدَّثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري، وعلي بن شيبة بن الصلَّت البغدادي قالا: حدَّثنا عبد الله بن يزيد المقري قال: سمعت ابن عوف يحدِّث عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: (نهى _أو نهي_ أن يبول في الماء الدائم _أي: الراكد _ ثم يتوضأ منه، أو يغتسل فيه) .

الطريق الثاني: حدثنا علي بن سَعِيْد بن نوح البغدادي قال: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي قال: حدثنا هشام بن حسَّان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه»، وأخرج مسلم نحوه.

الطريق الثالث: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرني أنس بن عياض الليثي، عن الحارث بن أبي ذئاب ـ وهو رجل من الأزد ـ عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه أو يشرب»، وأخرجه البيهقي بنحوه إسنادًا ومتنًا.

الطريق الرابع: حدثنا يونس قال: أخبرني عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث: أن بكير بن عبد الله بن الأشبح حدَّثه: أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يَغْتَسِلُ أحدُكم في الماء الدائم وهو جنب»، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» نحوه: (عن عبد الله بن مسلم، عن حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب...) إلى آخره.

الطريق الخامس: حدَّثنا ابن أبي داود قال: حدثنا سَعِيْد بن الحكم بن أبي مريم قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: حدثني أبي، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل منه».

الطريق السادس والسابع: حدثنا حسن بن نصر البغدادي قال: حدثنا محمَّد بن يوسف الفريابي قال: حدثنا سفيان.

(ح) : وحدثنا فهد قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد؛ فذكر مثله.

الطريق الثامن: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال: حدثنا أسد بن موسى قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة قال: حدثنا عبد الرحمن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل».

الطريق التاسع: حدَّثنا الربيع بن سليمان الجيزي قال: حدَّثنا أبو زرعة وهبة الله بن راشد قال: أخبرنا حيوَة بن شريح قال: سمعت ابن عجلان يحدِّث عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الراكد، ولا يغتسل منه».

الطريق العاشر: حدَّثنا إبراهيم بن منقذ العضوي قال: حدثني إدريس بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن عياش، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مثله غير أنه قال: «ولا يغتسل فيه جنب»، وتمامه في «عمدة القاري».

((قال)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: ((لا يبولَنَّ)) ؛ بفتح اللام، وبنون التأكيد الثقيلة، وفي رواية ابن ماجه: (لا يبول) ؛ بغير نون التأكيد ((أحدكم)) : خطاب خاص المراد به العام ((في الماء الدائم)) : من دام الشيء يدوم ويدام، يقال: ديمًا ودوامًا وديمومة، قال ابن سيده: وأصله من الاستدارة؛ لأنَّ أصحاب الهندسة يقولون: إن الماء إذا كان بمكان؛ فإنه يكون مستديرًا في الشكل، ويقال: الدائم: الثابت الواقف الذي لا يجري، فقوله: ((الذي لا يجري)) إيضاح لمعناه، وتأكيد له، ولهذا لم يذكر هذا القيد في رواية مسلم عن جابر، ولا في بعض الروايات، وقيل: احترز به عن الماء الدائر وإن كان جاريًا من حيث الصورة، ساكن من حيث المعنى، وقيل: الدائم: الراكد، كما جاء في بعض الروايات، وفي «تاريخ نيسابور»: (الماء الراكد: الدائم) ، وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم: هو الذي له نبع، والراكد: لا نبع له، ويطلق الدائم أيضًا على الجاري؛ كالأنهار التي لا ينقطع ماؤها؛ لديمومة مائها واستمراره، لكنه غير مراد هنا، واحترز به عن الجاري كلًّا أو بعضًا؛ كالبرك التي يجري بعضها، وكالبحرات التي في ديارنا الشريفة الشامية، فإن الجاري إذا خالطه الشيء النجس؛ دفعه الجزء الثاني الذي يتلوه فيغلبه، فيصير في معنى المستهلَك، ويخلفه الطاهر الذي لم يخالطه النجس، فلا ينهى عنه نهي تحريم، بل تنزيه، وأما الراكد؛ فلا يدفع النجس عن نفسه إذا خالطه، بل يتداخله، فمهما أراد استعمال شيء منه؛ كان النجس فيه قائمًا، فالنهي فيه للتحريم، ولهذا قال العلماء: النهي عن البول في الماء يرجع إلى الأصول، فإن كان الماء جاريًا أو ما في حكمه؛ فالنهي للتنزيه، وإن كان راكدًا قليلًا؛ فالنهي للتحريم.

وزعم ابن الأنباري أن الدائم من الأضداد، يقال للساكن والدائر، انتهى.

قلت: لكنه للساكن حقيقة، وللدائر وغيره مجازًا، فهو من باب عموم المجاز بأن تجعل الحقيقة فردًا من أفراد ذلك المجاز، فالحمل في قوله: (الذي لا يجري) على التأكيد أو التوضيح أولى وأوجه؛ لأنَّ الذي لا يجري هو الساكن حقيقة؛ فليحفظ، لا يقال: لو لم يقل: (لا يجري) ؛ لكان مجملًا؛ لأنَّا نقول: الدائم: هو الذي لا يجري حقيقة، فهو إيضاح لمعناه، وتأكيد له؛ لأنَّ الدائم هو الساكن الذي لا يجري، كما لا يخفى؛ فافهم، على أنه قد فسر النبيُّ الأعظم عليه السَّلام الدائم: بأنَّه هو الذي لا يجري، فلا يجوز العدول عن هذا التفسير، والدائم: يشمل القليل؛ كالبحرات التي في ديارنا، والكثير: وهو الذي لم يبلغ عشرًا في عشر، فإن النجس ينجِّسه وإن لم يتغير في الظاهر، لكنه متغير من حيث إنَّ النجس اختلط في أجزاء الماء، والله تعالى أعلم.

((ثم يغتسل فيه)) ؛ أي: أو يتوضأ؛ أي: في الدائم الذي لا يجري، وتفرد المؤلف بلفظ: (فيه) هنا،[/ص228/]

وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد: (ثم يغتسل منه) ؛ بكلمة (من) ، وكل واحد من اللفظين يفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط، كذا في «عمدة القاري»، وذلك لأنَّ لفظة (فيه) تدل على منع الانغماس بالنص، وعلى منع التناول بالاستنباط، ولفظة: (منه) ؛ بعكس ذلك، ويدل لهذا ما قدَّمنا عن أبي هريرة حيث قال: (يتناوله تناولًا) ؛ أي: بإناء صغير أو بأصابعه مضمومة، كما سبق البحث فيه، قال في «عمدة القاري»: يجوز في (يغتسل) ثلاثة أوجه: الجزم: عطفًا على (لا يبولنَّ) ؛ لأنَّه مجزوم الموضع بـ (لا) التي للنهي، ولكنه بني على الفتح؛ لتوكيده بالنُّون، والرفع: على تقدير: ثم هو يغتسل فيه، وهو المشهور في الرواية، والنصب: على إضمار (أن) ، وإعطاء (ثم) حكم واو الجمع، ونظيره في الأوجه الثلاثة قوله تعالى: {ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ} [النساء: 100] ، فإنه قرئ بالجزم للسبعة، والرفع والنصب على الشذوذ.

وزعم النووي أنَّه لا يجوز النصب؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المنهيَّ عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقلْه أحدٌ، بل البول فيه منهيٌّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا.

وردَّه في «عمدة القاري» بأنه أراد تشبيه (ثم) بـ (الواو) في جواز النصب بعدهما لا في اقتضاء الجمع، ولئن سلمنا ذلك؛ فلا يضرنا؛ إذ كون الجمع منهيًّا عنه يعلم من دليل آخر؛ كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ} [البقرة: 42] : على تقدير النصب، انتهى، ومثله كحديث مسلم مرفوعًا: (نهى النبيُّ عليه السَّلام عن البول في الماء الراكد) ، وكحديثه عن أبي هريرة: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، وذكر مثله في «المغني»، وقال: إن إجراء (ثم) مجرى (الفاء) و (الواو) هو مذهب الكوفيين.

ومنع القرطبي النصب أيضًا فقال: إذ لا تُضْمَرُ (إن) بعد (ثم) ، ولو أراد النهي؛ لقال: ثم لا يغتسل، فحينئذٍ يتساوى الأمران في النهي عنهما؛ لأنَّ المحل الذي توارد عليه شيء واحد، وهو الماء، قال: فعدوله عن ذلك يدلَّ على أنَّه لم يرد العطف، بل (فيه) على مآل الحال؛ والمعنى: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، ويمتنع عليه استعماله، ومثَّله بقوله عليه السَّلام: «لا يضربنَّ أحدكم امرأته ضرب الأمة، ثم يضاجعها»، فإنه لم يروِه أحد بالجزم؛ لأنَّ المراد: النهي عن الضرب؛ لأنَّه يحتاج إليه في مثل حاله إلى مضاجعتها، فتمتنع لإساءته إليها، فلا يحصل له مقصوده، وتقديره: ثم هو يضاجعها، وفي حديث الباب: (ثم هو يغتسل منه) .

وردَّ بأنَّه لا يلزم من تأكيد النهي ألا يُعْطَفَ عليه نهيٌ آخر غير مؤكد؛ لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما معنًى ليس للآخر، وهذا ظاهر؛ فافهم.

فالحاصل: أنَّه يجوز في (يغتسل) ثلاثة أوجه؛ فليحفظ.

قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (احتج بالحديث أصحابنا على أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم إذا وقعت فيه نجاسة؛ لم يجز الوضوء به قليلًا كان أو كثيرًا، وعلى أنَّ القلَّتين تحمل النَّجاسة؛ لأنَّ الحديث مطلق، فبإطلاقه يتناول القليل، والكثير، والقلتين، والأكثر منهما، ولو قلنا: إنَّ القلتين لا تحمل النجاسة؛ لم يكن للنهي فائدة، على أنَّ هذا الحديث أصح من حديث القلَّتين، انتهى.

قلت: بل حديث القلَّتين مما لا يثبت، كما صرَّح به الحفَّاظ، فهو بالجملة ضعيف واه لا يُعْمَلُ به.

وزعم ابن قدامة: أن حديث القلَّتين وحديث بئر بضاعة نصٌ يخالف ما ذهب إليه الأئمَّة الحنفية، وبئر بضاعة لا يبلغ إلى الحدِّ الذي يمتنع التنجيس عندهم.

وردَّه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: (لا نسلم أن هذين الحديثين نصٌ في خلاف مذهبنا، أمَّا حديث القلَّتين؛ فلأنَّه مضطرب سندًا ومتنًا، والقلَّة في نفسها مجهولة، والعمل بالصحيح المتَّفق عليه أولى وأقرب، وأمَّا حديث بئر بضاعة؛ فإنَّا نعمل به، فإنَّ ماءها كان جاريًا) انتهى.

قلت: وبِضاعة: اسم امرأة، وهي بكسر الموحدة وضمها: بئر قديمة بالمدينة، يلقى فيها الجيف ومحايض النساء، فذكر ذلك للنبيِّ عليه السَّلام حين توضأ منها، فقال: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه»، وقد كان ماؤها جاريًا في البساتين يسقى منه خمسة بساتين، وفي الماء الجاري لا ينجس بوقوع النَّجاسة عندنا.

لا يقال: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فكيف اختص بئر بضاعة مع وجود دليل العموم فيه، وهو الألف واللام؟

لأنَّا نقول: هذا ليس من باب الخصوص في شيء، وإنَّما هو من باب الحمل للتوفيق، فإن الحديثين إذا تعارضا وجُهل تاريخهما؛ جُعل كأنهما وردا معًا، ثم بعد ذلك إن أمكن العمل بهما؛ يحمل كلٌّ منهما على محمل، وإن لم يمكن؛ يطلب الترجيح، وإن لم يمكن؛ تهاترتا، وههنا: أمكن العمل بأن يحمل هذا الحديث على بئر بضاعة، وحديث المستيقظ وحديث الباب على غيرها، فعلمنا بذلك دفعًا للتناقض على أنَّ حديث بئر بضاعة لم يثبت، كما ذكره الدارقطني وغيره، فلا يعارض الصحيح القوي، وقال البيهقي: إنه غير قوي، فلا يصحُّ الاستدلال به، وإنما صحَّ بدون استثناء، وظاهره: أنه غير مراد إجماعًا؛ لأنَّه إذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ تنجَّس إجماعًا، كذا قرره في «منهل الطلاب».

فقول ابن قدامة: (وبئر بضاعة لا يبلغ...) إلخ فاسد؛ لما علمت، على أنَّ البيهقي روى عن الشافعي: أن بئر بضاعة كانت كثيرة الماء واسعة، وكان يُطرح فيها من الأنجاس ما لا يغيِّر لها لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا؛ فافهم.

ثم قال إمام الشارحين: (فإن قالوا: حديثكم عامٌّ في كل ماء، وحديثنا خاصٌّ فيما يبلغ القلَّتين، وتقديم الخاصِّ على العام متعين، كيف وحديثكم لا بدَّ من تخصيصه، فإنَّكم وافقتمونا على الماء الكثير الذي يزيد على عشرة أذرع، وإذا لم يكن بدٌّ من التخصيص، فالتخصيص بالحديث أولى؟

قلنا: لا نسلِّم أنَّ تقديم الخاص على العام متعين، بل الظاهر من مذهب الأئمَّة الحنفية ترجيح العام على الخاص في العمل به، كما في تحريم [2] بئر الناضح، فإنَّه رجح قوله عليه السَّلام: «من حفر بئرًا؛ فله مما حولها أربعون ذراعًا» على الخاص الوارد بقوله عليه السَّلام: «ليس فيما دون خمس أوسق صدقة»، ونُسخ الخاص بالعام.

وقولهم: (التخصيص بالحديث أولى) قلنا: هذا إنَّما يتمُّ ويكون؛ إذا كان الحديث المخصص غير مخالف للإجماع، وحديث القلَّتين خبر آحاد، ورَدَ مخالفًا لإجماع الصحابة، فيُرَدُّ.

وبيانه: أن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما أفتيا في زنجيٍّ وقع في بئر زمزم بنزح الماء كله، ولم يَظْهَرْ أثرُه في الماء، وكان الماء أكثر من قلَّتين، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يُنْكِرْ عليهما أحد منهم؛ فكان إجماعًا، وخبر الواحد إذا ورد مخالفًا للإجماع؛ يُردُّ، ويدلُّ لهذا أنَّ علي ابن المديني قال: (لا يثبت هذا الحديث عن النبيِّ عليه السَّلام) ، وكفى به قدوة في هذا الباب، وقال أبو داود: (لا يكاد يصحُّ لواحد من الفريقين حديث عن النبيِّ عليه السَّلام في تقدير الماء) ، وقال صاحب «البدائع»: (ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدَّلائل الحسِّية دون الدلائل السَّمعية) انتهى.

ثم قال إمام الشارحين: فهذا الحديث عامٌّ، فلا بدَّ من تخصيصه اتفاقًا بالماء المستبحر الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر؛ لما قلنا، أو بالعمومات الدَّالة على طهورية الماء ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، كما ذهب إليه مالك، أو بحديث القلَّتين، كما ذهب إليه الشافعي، وزعم ابن حجر: أن التفصيل بالقلَّتين أقوى؛ لصحة الحديث فيه، وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك، لكنه اعتذر عن القول به: بأنَّ القلَّة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة والجرَّة، ولم يثبت في الحديث تقديرها، فيكون مجملًا، فلا يُعْمَلُ به، وقوَّاه ابن دقيق العيد، قال إمام الشارحين: هذا القائل ادَّعى، ثم أبطل دعواه بما ذكره، فلا يحتاج إلى ردِّ كلامه بشيء آخر.[/ص229/]

واعترضه العجلوني، فقال: (ليتأمل كلامه من أين أبطل دعواه بما ذكره؟) انتهى.

قلت: كيف خفي عليه ذلك، وهو ظاهر لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم؟ فإن قوله: (القلة في العرف تطلق...) إلخ؛ دليل ظاهر على إبطال مدَّعاه، وذلك لأنَّ القلَّة في نفسها مجهولة؛ لأنَّها تذكر ويراد بها: قامة الرجل، وتذكر ويراد بها: رأس الجبل، كما روي ذلك عن علي رضي الله عنه، وتذكر ويراد بها: الجرَّة، وتطلق على الكبيرة والصغيرة، فلا ريب أنَّها مجهولة، وبالمجهول لا يثبت الأحكام.

وقوله: (ولم يثبت في الحديث تقديرها) : ظاهر أيضًا في إبطال دعواه؛ لأنَّه إذا لم يثبت تقديرها في الحديث؛ كيف يصح ويجوز العمل به؟!

وقوله: (فيكون مجملًا، فلا يعمل به) : ظاهر أيضًا في إبطال دعواه؛ لأنَّ المجمل لا يجوز العمل به.

وقول الشافعي: (بقلال هجر) منقطع للجهالة التي ذكرناها، والتعيين لـ (قلال هجر) ، إنَّما جاء من قول جرير، وهو غير ثابت من غيره، فالتَّعيين بقول جرير لا يثبت؛ لأنَّه مقلِّد فيبقى الاحتمال، ويبطل الاستدلال؛ فافهم.

ونقل العجلوني عن القاسم بن سلام: أن المراد بالقلة: الكبيرة، إذ لو أراد الصغيرة؛ لم يحتج لذكر العدد، فإن الصغيرتين قدر واحدة كبيرة، ويُرجع في الكبيرة إلى العرف، والظاهر: أن الشارع ترك تحديدهما على سبيل التوسعة، والعلم محيط بأنَّه ما خاطب الصحابة إلا بما يفهمونه، فانتفى الإجمال، لكن لعدم التحديد وقع الخلف بين السلف في مقدارهما على تسعة أقوال حكاها ابن المُنْذِر، ثم حدَّث بعد ذلك تحديدهما بالأرطال، انتهى.

قلت: وهذا فاسد، فأيُّ دليل دلَّه على أنَّ المراد بالقلة: الكبيرة، وما هي إلا دعوى باطلة؟

وقوله: (إذ لو أراد الصغيرة...) إلخ؛ ممنوع، فإن ذكر العدد يحتاج إليه في الكبيرة قطعًا؛ إذ لا فرق بين الكبيرة والصغيرة من حيث العدد.

وقوله: (فإن الصغيرتين...) إلخ؛ هذا دليل فاسد، فإنَّ المقادير لا تقدَّر بالرأي، بل بالدليل الظاهر، وهنا ليس كذلك.

وقوله: (ويرجع في الكبيرة...) إلخ؛ فاسد، فإن العرف في هذا لا مجال له؛ لأنَّه يختلف باختلاف الأزمان، والبلدان، والأشخاص، فيلزم أن تكون في زمن مقدرة بشيء، وفي غيره بعده بشيء آخر، وكذا في بلد وبلد، وهذا تناقضٌ وقولٌ بالرأي بعينه، وهو مردودٌ لا يُعْمَلُ به.

وقوله: (والظاهر...) إلخ، من أين جاءه هذا الظاهر وما هو إلا دعوى من غير دليل؟! فأي ظاهر ظهر له من غير دليل؟!

وقوله: (على سبيل التوسعة) : ممنوع، فإنَّ الشارع لو كان مراده التوسعة؛ لبين مقدارها، ولكن علم أنَّها مجهولة في لسان العرب، تطلق ويراد بها: قامة الرجل إلى غير ذلك كما تقدم.

وقوله: (والعلم محيط...) إلخ؛ هذا فاسد، فإن الصحابة رضي الله عنهم كان لهم إطلاقات في القلَّة، فإن عليًّا رضي الله عنه كان يطلق القلَّة، ويريد بها: قامة الرجل، ويطلقها ويريد بها: رأس الجبل.

فقوله: (فانتفى الإجمال) ؛ ممنوع، بل ثبت الإجمال، وثبتت الجهالة، كما لا يخفى.

وقوله: (لكن لعدم...) إلخ؛ استدراك لما قدمه، وفيه إبطال لما ادعاه من عدم الإجمال، وقد رجع إلى القول بالإجمال والجهالة، فإنَّ عدم تحديدها هو عين الإجمال والجهالة.

وقوله: (وقع الخلف...) إلخ؛ فإن الخلاف الواقع بين السلف في مقدارها على الأقوال المذكورة دليل ظاهر على الإجمال والجهالة؛ لأنَّها لو كانت معلومة؛ لم يقع الخلاف في مقدارها، والتقدير الذي حدث بعد ذلك بالأرطال هو قولٌ بالرأي بعينه، وهو مردودٌ غير مقبول؛ لأنَّه لم يثبت عن النبيِّ الأعظم عليه السَّلام، ولم يُنْقَل عنه أصلًا، ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولا عن أحد من التابعين، بل اختراع ورأي فاسد على أن قدمنا عن علي ابن المديني شيخ المؤلِّف أنَّه قال: (حديث القلَّتين مما لا يثبت) ، وقال البيهقي: (إنه غير قوي) ، وقد تركه الغزالي والروياني مع شدَّة تعصبهما للشافعي؛ لشدَّة ضعفه، فلا يعارض القوي الصحيح، وإذا كان كذلك؛ فالاشتغال بردِّه لا حاجة إليه؛ لأنَّه لا يعمل به، ولا يعتمد عليه، لا سيما ومسائل الطهارة مبنيَّة على الاحتياط، وهنا ليس كذلك، بل فيه عدمه؛ فليحفظ.

واستدلَّ بالحديث الإمام الثاني أبو يوسف قدس سره على نجاسة الماء المستعمل، فإنه قرن فيه بين الغسل فيه والبول فيه، أمَّا البول فيه؛ فينجسه، فكذلك الغسل، وفي دلالة القران بين الشيئين مع استوائهما في الحكم خلاف بين العلماء، فالمذكور عن الإمام أبي يوسف وتبعه المزني ذلك، وخالفهما غيرهما.

واعترض ابن حجر، فزعم أن دلالة القران ضعيفة.

وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا عجيب منه، فإذا كانت دلالة القران صحيحة عندهم؛ فقوله: (وهي ضعيفة) يردُّ على قائله على أنَّ مذهب أكثر أصحاب إمامه مثل مذهب الإمام أبي يوسف على تنجُّس الماء المستعمل، فإنَّ البول ينجِّس الماء، فكذلك الاغتسال فيه.

ثم قال ابن حجر: وعلى تقدير تسليمها قد يلزم التسوية، فيكون النهي عن البول؛ لئلا ينجسه، وعن الاغتسال؛ لئلا يسلبه الطهورية.

وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا أعجب من الأول؛ لأنَّه تحكم حيث لا يفهم هذه التسوية من نظم الكلام، والذي احتجَّ به في نجاسة الماء المستعمل يقول بالتسوية من نظم الكلام.

ثم قال ابن حجر: ويزيد ذلك وضوحًا ما في رواية مسلم: (كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا) ، فدلَّ على أنَّ المنع عن الانغماس فيه؛ لئلا يصير مستعملًا، فيمتنع على الغير الانتفاع به، والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره، وهذا من أقوى الأدلة على أنَّ المستعمل غير طهور، انتهى.

قلت: هذا أعجب مما تقدم، فإن رواية مسلم: (يتناوله تناولًا) تدل على النَّجاسة صريحًا؛ لأنَّه دلَّ على منع الانغماس فيه، وأنَّه يأخذ منه بإناء صغير حتى يُفْرِغَ على بدنه وأعضائه، فالمنع عن الانغماس فيه لئلا يصير نجسًا، فيمتنع على الغير الانتفاع به بالكلية، فهذا دليل ظاهر على النَّجاسة، وزاد دليل النَّجاسة وضوحًا، لا كما زعم، فإنه يفهم الشيء بالعكس.

وقوله: (والصحابي أعلم...) إلخ سلَّمنا أنه أعلم، لكنَّه هنا لم نسلِّم أنَّه فهم من كلامه أنَّ المستعمل طاهر، بل قوله: (يتناوله تناولًا) : يعمُّ معنيين: النَّجاسة وهو الأظهر، والطهارة وهو بعيد؛ لأنَّ التناول الأخذ بإناء من إناء آخر، وهو يدلُّ على كمال التحرُّز، وهو يفيد أنَّه ينجس.

وقوله: (وهذا من أقوى...) إلخ، بل هذا دليل واهٍ أوهى من بيت العنكبوت، فإن الأدلة على النَّجاسة ظاهرة؛ كالشمس في رابعة النهار، تقدَّم لنا الكلام عليها، وهذا منها؛ فليحفظ.

وقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (في الحديث: التأديب بالتنزُّه عن البول في الماء الراكد، وقد أخذ داود الظاهري بظاهر هذا الحديث، وقال: النهي مختصٌّ بالبول، والغائط ليس كالبول، ومختص ببول نفسه، وجاز لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه أيضًا، وجاز أيضًا للبائل إذا بال في إناء، ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء، ثم جرى إليه، وهذا أقبح ما نُقِلَ عنه) انتهى.

قال العجلوني: تخصيصه الحكم بالبول دون الغائط غير ظاهر، بل هو أشد وأكره، وكذا تخصيصه الحكم ببول نفسه، وأمَّا كونه أقبح ما نقل عنه، فهو ظاهر إن كان هذا الحكم مع فرض الماء كثيرًا ولم يتغير، وأمَّا إذا كان الماء قليلًا أو كان كثيرًا لكنَّه تغير؛ فلا قبح[/ص230/]

في ذلك؛ لتنجيس الماء بذلك) انتهى.

قلت: أما قوله: (تخصيصه الحكم...) إلخ مسلَّمٌ، ولا نسلِّم التفصيل الذي ذكره بقوله: (وأمَّا إذا كان الماء قليلًا...) إلخ؛ لأنَّه في هذه الحالة أقبح بلا ريب؛ لتنجيس الماء الطاهر، فإنَّ تنجيس كلِّ طاهر حرام، فهو أقبح بلا شبهة.

وحاصله: أنه لا اختصاص بالبول، بل الغائط مثله، بل هو أقبح، وكذا الاختصاص ببول نفسه؛ لأنَّه لا فرق في بول الآدمي بين الفاعل وغيره، وآدميٍ وآدميٍ آخر إلا الأنبياء عليهم السَّلام، وكذا لا اختصاص للبائل إذا بال في إناء، فإن كلَّ ذلك عامٌّ، حكمه حكم البول في الماء؛ لأنَّ المراد به حصول النَّجاسة، وقد وُجدت، وهو قبيح؛ لأنَّ تنجيس الطاهر حرام، كما لا يخفى على أولي الألباب.

وفي الحديث: دليل على نجاسة بول الآدمي وغيره مما لا يُؤْكَل لحمه؛ لأنَّه عليه السَّلام أضاف البول إلى الآدمي، وهو غير مأكول اللحم، فالحيوان الذي لا يؤكل لحمه بوله كبوله، فاستفيد من الحديث: أن بول ما يُؤْكَل لحمه له حكمٌ خاصٌّ غير هذا، فذهب الإمام الأعظم والإمام أبو يوسف أنه نجس مخفَّف، وذهب الإمام محمَّد إلى أنَّه طاهر، كما قدَّمناه.

وزعم العجلوني أن في الحديث دليلًا [3] على نجاسة بول الآدمي وغيره ولو من مأكول اللحم.

قلت: نجاسة بول الآدمي وغيره مما لا يؤكل لحمه مسلَّمٌ، ولا نسلِّم أن بول مأكول اللحم نجس بدلالة الحديث؛ لأنَّ الحديث لا يدل على ذلك؛ لأنَّه عليه السَّلام قال: «لا يبولنَّ أحدكم»، فأضاف البول إلى الآدمي، فدل على المغايرة بينهما؛ فليحفظ.

وقال إمام الشارحين: إن المذكور في الحديث الغسل من الجنابة، فيلحق به الاغتسال من الحيض والنفاس، وكذلك يلحق به اغتسال الجمعة والعيدين، والاغتسال من غسل الميت عند من يوجبهما، فإن قلت: هل يلحق به الغسل المسنون أم لا؟قلت: من اقتصر على اللفظ؛ فلا إلحاق عنده، كأهل الظاهر، وأما من يعمل بالقياس؛ فمن زعم أن العلة الاستعمال؛ فالإلحاق صحيح، ومن زعم أن العلة رفع الحدث؛ فلا إلحاق عنده، فاعتبر بالخلاف الثاني بين الإمام أبي يوسف والإمام محمَّد في كون الماء مستعملًا، انتهى.

وزعم العجلوني أن الغسل عامٌّ، وكان تخصيصه بما ذكره؛ لأنَّه المتبادر، فليس في الحديث تخصيص.

قلت: بل فيه تخصيص من حيث إنه عليه السَّلام قد صرح بالغسل من الجنابة، ففي «مسلم» عن أبي هريرة بلفظ: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، فالتخصيص بالجنابة مصرَّح به في الحديث بنصِّه عليه السَّلام، فبقية الاغتسالات بطريق الإلحاق لا بطريق العموم، فإن الحديث ليس من العامِّ في شيء، فإن المراد بالغسل إنَّما هو من الجنابة، لا سيما وقد فسره النبيُّ الأعظم عليه السَّلام بأنَّه من الجنابة، فهو من الخصوص قطعًا، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (سود) ، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (حريم).
[3] في الأصل: (دليل)، وليس بصحيح.