متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

237- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ)؛ أي: ابن موسى، المروزيُّ المعروف: بمَرْدُويَه؛ بفتح الميم وسكون الرَّاء وضمِّ المُهمَلة وسكون الواو وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين، بينهما عينٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ، (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر المُوَحَّدة المُشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: كُلُّ كَلْمٍ) بفتح الكاف وسكون اللَّام (يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول، ويجوز بناؤه للفاعل؛ أي: كلُّ جرحٍ يُجرَحه، وأصله: يُكلَم به، فحُذِف الجارُّ وأُضيف إلى الفعل توسُّعًا، وللقابسيِّ وابن عساكر في نسخةٍ: ((كلُّ كَلْمَةٍ يُكْلَمها))؛ أي: كلُّ جراحةٍ يُجرَحها المسلم (فِي سَبِيلِ اللهِ) قيدٌ يخرج به: ما إذا وقع الكَلْم في غير سبيل الله، وزاد المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦2803] : والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله، (يَكُونُ)؛ أي: الكَلْم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((تكون))؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة (كَهَيْئَتِهَا) قال الحافظ ابن حجرٍ: أعاد الضَّمير مُؤنَّثًا؛ لإرادة الجراحة. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ، فقال: ليس كذلك، بل باعتبار الكلمة؛ لأنَّ الكَلْم والكَلْمة مصدران، والجراحة اسمٌ لا يُعبَّر به عن المصدر (إِذْ) بسكون الذَّال؛ أي: حين (طُعِنَتْ) قال الكرمانيُّ: المطعون: هو المسلم وهو مُذَّكرٌ، لكن لمَّا أُريد «طُعِن بها»؛ حذف الجارَّ ثمَّ أوصل الضَّمير المجرور بالفعل، وصار المنفصل متَّصلًا، وتعقَّبه البرماويُّ: بأنَّ التَّاء علامةٌ لا ضميرٌ [1] ، فإن أراد الضَّمير المستتر؛ فتسميته متَّصلًا طريقةٌ، والأجود أنَّ الاتِّصال والانفصال وصفٌ للبارز، وفي بعض أصول «البخاريِّ» كـ: «مسلمٍ»: ((إذا طُعِنْتَ))؛ بالألف بعد الذَّال، وهي ههنا [2] لمُجرَّد الظَّرفيَّة، أو هي [3] بمعنى «إذ»، وقد يتقارضان، أو لاستحضار صورة الطَّعن؛ لأنَّ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع، نحو: {والله الذي أرسل الرِّياح فتثير سحابًا} [فاطر: 9] يكون بما في معنى المضارع كما فيما نحن فيه (تَفَجَّرُ دَمًا) بفتح الجيم المُشدَّدة، وقال البرماويُّ كالكرمانيِّ: هو [4] بضمِّ الجيم، من الثُّلاثيِّ، وبفتحها مُشدَّدةً، من التَّفعُّل، قال العينيُّ: أشار بهذا إلى جواز الوجهين، لكنَّه مبنيٌّ على مجيء الرِّواية بهما، وأصله: تتفجَّر، فحُذِفت [5] التَّاء الأولى تخفيفًا (اللَّوْنُ) ولأبي ذَرٍّ: ((واللَّون)) (لَوْنُ الدَّمِ) يشهد لصاحبه بفضله على بذل نفسه، وعلى ظالمه بفعله (وَالْعَرْفُ عَرْفُ) بفتح العين المُهمَلة [6] وسكون الرَّاء؛ أي: الرِّيح ريح (الْمِسْكِ) لينتشر في أهل الموقف إظهارًا لفضله، ومن ثمَّ لا يُغسَل دم الشَّهيد في المعركة ولا يُغسَّل، ولأبي ذَرٍّ: ((عرف مسكٍ [7] ))، فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذه التَّرجمة؟ أُجيب: بأنَّ المسك طاهرٌ وأصله نجسٌ، فلمَّا تغيَّر؛ خرج عن حكمه، وكذا الماء إذا تغيَّر؛ خرج عن حكمه، أو أنَّ دم الشَّهيد لمَّا انتقل بطيب الرَّائحة من النَّجاسة، حتَّى حُكِمَ له في الآخرة بحكم المسك الطَّاهر؛ وجب أن ينتقل الماء الطَّاهر بخبث الرَّائحة إذا حلَّت [8] فيه نجاسةٌ من حكم الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب: بأنَّ الحكم المذكور في دم الشَّهيد من أمور الآخرة، والحكم في الماء بالطَّهارة والنَّجاسة من أمور الدَّنيا فكيف يُقاس عليه؟ انتهى. أو [9] أنَّ مُراد المؤلِّف تأكيد مذهبه، أنَّ الماء لا ينجس بمُجرَّد المُلاقاة ما لم يتغيَّر، فاستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ تبدَّل الصِّفة يؤثِّر في الموصوف، فكما أنَّ تغيُّر صفة الدَّم بالرَّائحة الطَّيِّبة أخرجه من الذَّمِّ إلى المدح، فكذلك تغيُّر صفة الماء إذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ يخرجه عن صفة الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب: بأنَّ الغرض إثبات انحصار التَّنجُّس بالتَّغيُّر [10] ، وما ذُكِرَ يدلُّ على أنَّ التَّنجُس [11] يحصل بالتَّغيُّر، وهو وفاقٌ، لا أنَّه لا يحصل إلَّا به، وهو موضع [12] النِّزاع، وبالجملة فقد وقع للنَّاس أجوبةٌ عن هذا الاستشكال [13] ، وأكثرها بل كلُّها مُتعقَّبٌ، والله أعلم.

وسيأتي مزيد البحث في هذا الحديث _إن شاء الله تعالى_ في باب «الجهاد».

ورواته الخمسة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ ويمانيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦2803] ، وكذا مسلمٌ [14] .

[1] في (م): «الضَّمير».
[2] في (د): «هنا»، وفي (م): «وهو هنا».
[3] في (د): «إذ هي»، وفي (م): «إذ هو».
[4] «هو»: سقط من (د) و(م).
[5] في غير (م): «فحذف».
[6] «المُهمَلة»: سقط من (س).
[7] «ولأبي ذَرٍّ: عرف مسكٍ»: مثبتٌ من (م).
[8] في (م): «دخلت».
[9] في (م): «و».
[10] في (د): «بالتَّغيير».
[11] في (م): «التَّنجيس».
[12] في (م): «موضوع».
[13] في (م): «الإشكال».
[14] «وكذا مسلم»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

237-. حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: أخبَرَنا [1] عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «كُلُّ كَلْمٍ [2] يُكْلَمُهُ [3] [/ج1ص56/] المُسْلِمُ في سَبِيلِ اللَّهِ، يَكُونُ [4] يَوْمَ القِيامَةِ كَهَيْئَتِها [5] إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ [6] لَوْنُ الدَّمِ، والْعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ [7] ».

[1] في رواية ابن عساكر: «حدَّثنا».
[2] هكذا في رواية عن ابن عساكر أيضًا (ب، ص)، وفي أخرىَ عنه: «كَلْمةٍ» بالتأنيث.
[3] في رواية ابن عساكر والقابسي: «يُكْلَمُهُا» (ب، ص).
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي: «تكون» بالتأنيث، كتبت بالحمرة.
[5] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[6] في رواية أبي ذر و [عط] : «فاللون» (ن، و)، وضُبطت روايتاهما في (ب): «واللون» وهو موافق لما في الإرشاد.
[7] في رواية أبي ذر: «عَرْفُ مِسْكٍ».





237- ( كَلْمٍ ) بكاف مفتوحة ولام ساكنة، أي: جُرح.

( يُكْلَمُهُ ) بضم أوله وفتح ثالثه.

( كَهَيْئَتِهَا ) كَذَا بالتَّأنيث على تأويل الكَلم [1] ، وتوضحه رواية القابسي: «كلم كلمة».

واعلم أن مقصوده بالترجمة والآثار: أن الماء القليل إذا لم يتغير بنجاسة فهو باق على طهارته كما هو مذهب مالك؛ لأن الريش والعظم لا يغيره.

ومقصوده بحديث الكلم تأكيد ذلك؛ فإن تبدُّل الصفة يؤثِّر في الموصوف، فكما أن تغير صفة الدم بالرائحة إلى طيب المسك أخرجه من النجاسة إلى الطهارة، كذلك تغير صفة الماء إذا تغير بالنجاسة يخرجه عن صفة الطهارة إلى صفة النجاسة.

لكن يقدح في هذا الاستنباط أنَّه لا يلزم من وجود الشيء عند الشيء أن لا يوجد عند عدمه؛ لجواز شيء آخر، ولا يلزم من كونه خرج بالتغير إلى النجاسة أن لا يخرج بدونه [ الماء به ] [2] ؛ لاحتمال وصف آخر يخرج به عن الطهارة لمجرد الملاقاة، وهو القلَّة.

[1] في غير ( ت ): الكلمة. قال محب الدين البغدادي: قوله: ( كَهَيْئَتِهَا ) كذا بالتأنيث على تأويل الكلم. أي: بالكلمة أو بالجراحة.
[2] زيادة من ( ت ).





237# (كَلْمٍ) بكاف مفتوحة فلام ساكنة: جرح.

(يُكْلَمُهُ) بمثناة من تحت مضمومة واللام مفتوحة، في محلِّ جر [1] صفةٌ لـ ((كَلْم)).

(تَكُونُ) بتأنيث الضمير، اعتباراً بمعنى [2] الكَلْم.

قال الجوهري: والكَلْمُ: الجراحة. وجرى على ذلك في تأنيثه أيضاً في قوله:

(كهَيْئَتِهَا) وذكر الضمير أولاً في قوله: ((يُكْلَمه)) باعتبار اللفظ، أو باعتبار المعنى أيضاً، إذ الكَلْم يطلق على الجُرح.

وقال الزركشي: على تأويلِ الكَلْم، وتوضحه [3] رواية القابسي [4] : ((كُلُّ كَلْمَةٍ)).

قال ابن المنيِّر: ومقصودُه بالترجمة: أنَّ المعتبر في النجاسة الصِّفات، فلما كان ريشُ الميتة لا يتغير بموتها؛ لأنه لا تحلُّه الحياةُ، طَهُر، وكذلك العظام، وكذلك الماء [5] إذا خالطته [6] نجاسة ولم تغيره، وكذلك السَّمنُ البعيدُ عن موضع [7] الفأرة إذا لم يتغير.

ووجه الاستدلال

@%ج1ص141%

بحديث دم الشهيد: أنه لمَّا تغيرت صفته [8] إلى صفةِ طاهرٍ [9] ، وهو المسك؛ بطل حكمُ النجاسة فيه، على أن القيامةَ ليست دارَ أعمال ولا أحكام، وإنما لما عظم الدم لحيلولةِ [10] صفتِه إلى صفةِ ما هو مُستطابٌ مُعظَّمٌ في العادة، علمنا أن المعتبرَ الصفاتُ لا الذواتُ.

[1] في (ج): ((خبر)).
[2] في (ق): ((لمعنى)).
[3] في (د): ((تأويل الكلمة توضحه)).
[4] قوله: ((على تأويل الكلمة توضحه رواية القابسي)): ليست في (ج).
[5] في (ق): ((العظام والماء)).
[6] في (ق): ((خالطه)).
[7] في (ق): ((موقع)).
[8] في (ج): ((صفة)).
[9] في (د) و(ج): ((طاهرة)).
[10] في (ق): ((بحلولية)).





237- قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ [قَالَ] : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله): هذا اختُلف فيه؛ قال أَبُو عَبْد الله النَّيسابوريُّ: (هو أحمد بن محمَّد بن موسى المروزيُّ، يكنى أبا العَبَّاس، يُلقَّب مردويه) ، وقال الدَّارقطنيُّ: (أحمد بن محمَّد عن عَبْد الله بن المبارك هو أحمد بن محمَّد بن ثابت، يُعرَف بابن [1] شبُّويه) ، قاله أَبُو عليٍّ الغسَّانيُّ.

ونقل فيه شيخنا في شرحه ثلاثة أقوال؛ القولين اللَّذين ذكرتهما، والثَّالث: أنَّه لا يُعرَف، نقله عن أبي أحمد بن عديٍّ أحمد بن محمَّد، عن عَبْد الله، عن معمر لا يُعرف) انتهى.

قوله: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله): هذا هو ابن المبارك، العالم الرَّبَّانيُّ، مشهور التَّرجمة، تقدَّم.

[قوله: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ): هو بإسكان العين، وفتح الميم قبلها، هو ابن راشد أبو عروة الأزديُّ مولاهم،، عالم اليمن، تقدَّم] [2] .

قوله: (عن أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه عَبْد الرَّحمن بن [3] صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (كَلْمٍ): هو -بفتح الكاف، وإسكان اللَّام- الجرح.

قوله: (يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ): (يُكلم): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (المسلمُ): مرفوع قائم مقام الفاعل.

قوله: (تَفَجَّرُ): هو بفتح التَّاء، وتشديد الجيم، مرفوع، وهو محذوف إحدى التَّاءين.

قوله: (وَالعَرْفُ عَرْفُ): (العَرْف) ؛ بفتح العين المهملة، وإسكان الرَّاء، وبالفاء: ريح الطِّيب.

[1] (بابن): ليس في (ج) .
[2] ما بين معقوفين جاء في (ب) و (ج) بعد قوله: (أخرج له الجماعة) .
[3] (بن): سقطت من (ب) .





237- (إِذْ طُعِنَتْ): إنْ قلتَ: ما وجهُ التَّأنيثِ والمطعونُ هو المسلمُ؟

قلتُ: أصلُه: طُعِنَ بها، وقد حُذِفَ الجارُّ، ثمَّ أُوصِلَ الضَّميرُ المجرورُ بالفعلِ، وصارَ المنفصلُ متَّصلًا.

وفي بعض النسخ: (إِذَا طُعِنَتْ)، و (إِذَا) للاستقبال، ولا يصحُّ المعنى عليه، لكن هو ههنا لمجرَّدِ الظرفيَّةِ، أو هو بمعنى: (إذْ)، وقد يتقارضان [1] ، أو هو لاستحضارِ صورةِ الطَّعنِ؛ إذِ الاستحضارُ كما يكونُ بصريحِ لفظِ المضارعِ؛ كما في قوله تعالى: {وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} [فاطر: 9] ؛ يكونُ أيضًا بما في معنى المضارع كما نحنُ فيه.

[1] في (أ): (يتعارضان).





237- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ)؛ أي: ابن موسى، المروزيُّ المعروف: بمَرْدُويَه؛ بفتح الميم وسكون الرَّاء وضمِّ المُهمَلة وسكون الواو وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين، بينهما عينٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ، (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر المُوَحَّدة المُشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: كُلُّ كَلْمٍ) بفتح الكاف وسكون اللَّام (يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول، ويجوز بناؤه للفاعل؛ أي: كلُّ جرحٍ يُجرَحه، وأصله: يُكلَم به، فحُذِف الجارُّ وأُضيف إلى الفعل توسُّعًا، وللقابسيِّ وابن عساكر في نسخةٍ: ((كلُّ كَلْمَةٍ يُكْلَمها))؛ أي: كلُّ جراحةٍ يُجرَحها المسلم (فِي سَبِيلِ اللهِ) قيدٌ يخرج به: ما إذا وقع الكَلْم في غير سبيل الله، وزاد المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦2803] : والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله، (يَكُونُ)؛ أي: الكَلْم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((تكون))؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة (كَهَيْئَتِهَا) قال الحافظ ابن حجرٍ: أعاد الضَّمير مُؤنَّثًا؛ لإرادة الجراحة. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ، فقال: ليس كذلك، بل باعتبار الكلمة؛ لأنَّ الكَلْم والكَلْمة مصدران، والجراحة اسمٌ لا يُعبَّر به عن المصدر (إِذْ) بسكون الذَّال؛ أي: حين (طُعِنَتْ) قال الكرمانيُّ: المطعون: هو المسلم وهو مُذَّكرٌ، لكن لمَّا أُريد «طُعِن بها»؛ حذف الجارَّ ثمَّ أوصل الضَّمير المجرور بالفعل، وصار المنفصل متَّصلًا، وتعقَّبه البرماويُّ: بأنَّ التَّاء علامةٌ لا ضميرٌ [1] ، فإن أراد الضَّمير المستتر؛ فتسميته متَّصلًا طريقةٌ، والأجود أنَّ الاتِّصال والانفصال وصفٌ للبارز، وفي بعض أصول «البخاريِّ» كـ: «مسلمٍ»: ((إذا طُعِنْتَ))؛ بالألف بعد الذَّال، وهي ههنا [2] لمُجرَّد الظَّرفيَّة، أو هي [3] بمعنى «إذ»، وقد يتقارضان، أو لاستحضار صورة الطَّعن؛ لأنَّ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع، نحو: {والله الذي أرسل الرِّياح فتثير سحابًا} [فاطر: 9] يكون بما في معنى المضارع كما فيما نحن فيه (تَفَجَّرُ دَمًا) بفتح الجيم المُشدَّدة، وقال البرماويُّ كالكرمانيِّ: هو [4] بضمِّ الجيم، من الثُّلاثيِّ، وبفتحها مُشدَّدةً، من التَّفعُّل، قال العينيُّ: أشار بهذا إلى جواز الوجهين، لكنَّه مبنيٌّ على مجيء الرِّواية بهما، وأصله: تتفجَّر، فحُذِفت [5] التَّاء الأولى تخفيفًا (اللَّوْنُ) ولأبي ذَرٍّ: ((واللَّون)) (لَوْنُ الدَّمِ) يشهد لصاحبه بفضله على بذل نفسه، وعلى ظالمه بفعله (وَالْعَرْفُ عَرْفُ) بفتح العين المُهمَلة [6] وسكون الرَّاء؛ أي: الرِّيح ريح (الْمِسْكِ) لينتشر في أهل الموقف إظهارًا لفضله، ومن ثمَّ لا يُغسَل دم الشَّهيد في المعركة ولا يُغسَّل، ولأبي ذَرٍّ: ((عرف مسكٍ [7] ))، فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذه التَّرجمة؟ أُجيب: بأنَّ المسك طاهرٌ وأصله نجسٌ، فلمَّا تغيَّر؛ خرج عن حكمه، وكذا الماء إذا تغيَّر؛ خرج عن حكمه، أو أنَّ دم الشَّهيد لمَّا انتقل بطيب الرَّائحة من النَّجاسة، حتَّى حُكِمَ له في الآخرة بحكم المسك الطَّاهر؛ وجب أن ينتقل الماء الطَّاهر بخبث الرَّائحة إذا حلَّت [8] فيه نجاسةٌ من حكم الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب: بأنَّ الحكم المذكور في دم الشَّهيد من أمور الآخرة، والحكم في الماء بالطَّهارة والنَّجاسة من أمور الدَّنيا فكيف يُقاس عليه؟ انتهى. أو [9] أنَّ مُراد المؤلِّف تأكيد مذهبه، أنَّ الماء لا ينجس بمُجرَّد المُلاقاة ما لم يتغيَّر، فاستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ تبدَّل الصِّفة يؤثِّر في الموصوف، فكما أنَّ تغيُّر صفة الدَّم بالرَّائحة الطَّيِّبة أخرجه من الذَّمِّ إلى المدح، فكذلك تغيُّر صفة الماء إذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ يخرجه عن صفة الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب: بأنَّ الغرض إثبات انحصار التَّنجُّس بالتَّغيُّر [10] ، وما ذُكِرَ يدلُّ على أنَّ التَّنجُس [11] يحصل بالتَّغيُّر، وهو وفاقٌ، لا أنَّه لا يحصل إلَّا به، وهو موضع [12] النِّزاع، وبالجملة فقد وقع للنَّاس أجوبةٌ عن هذا الاستشكال [13] ، وأكثرها بل كلُّها مُتعقَّبٌ، والله أعلم.

وسيأتي مزيد البحث في هذا الحديث _إن شاء الله تعالى_ في باب «الجهاد».

ورواته الخمسة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ ويمانيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦2803] ، وكذا مسلمٌ [14] .

[1] في (م): «الضَّمير».
[2] في (د): «هنا»، وفي (م): «وهو هنا».
[3] في (د): «إذ هي»، وفي (م): «إذ هو».
[4] «هو»: سقط من (د) و(م).
[5] في غير (م): «فحذف».
[6] «المُهمَلة»: سقط من (س).
[7] «ولأبي ذَرٍّ: عرف مسكٍ»: مثبتٌ من (م).
[8] في (م): «دخلت».
[9] في (م): «و».
[10] في (د): «بالتَّغيير».
[11] في (م): «التَّنجيس».
[12] في (م): «موضوع».
[13] في (م): «الإشكال».
[14] «وكذا مسلم»: سقط من (م).





237- ( كَلْمٍ ) بفتح الكاف وسكون اللَّام: جرح.

( يُكْلَمُهُ ) بضمِّ أوَّله وسكون الكاف وفتح اللَّام: يجرحه.

( كَهَيْئَتِهَا ): أعاد الضَّمير مؤنَّثًا لإرادة الجراحة، على أنَّ في رواية ابن عساكر: «كلُّ كلمة».

( تَفَجَّرُ ): بفتح الجيم المشدَّدة وحذف إحدى التَّاءين من أوَّله.

( وَالْعَرْفُ ) بفتح المهملة وسكون الرَّاء: الرِّيح.

قيل: والحكمة في كون الدَّم يأتي على هيئته أنَّه يشهد لصاحبه بفضله وعلى ظالمه بفعله، وفائدة رائحته الطَّيِّبة: أن ينتشر في أهل الموقف إظهارًا لفضله، ووجه إيراد الحديث هنا الدَّلالة على طهارة المسك والرَّدُّ على من قال بنجاسته. [/ج1ص354/]


63/237# قال أبو عبد الله: حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: أخبَرنا عَبْدُ اللهِ، قالَ: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ [1] المُسْلِمُ في سَبِيلِ اللهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ كَهَيْئَتِها إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَماً، اللَّوْنُ لَوْنُ دمٍ [2] ، والْعَرْفُ عَرْفُ مِسْكٍ».

(الكَلْم): الجُرح.

(والعَرف): الرِّيح.

وأخبرني خلف بن محمَّد الخيَّام، قال: حدَّثُونا عن النَّضْر بن شُميل [3] قال: كنتُ لا أعرف الواحدَ من الأعراف حتَّى مرَّ بي هذا الحديث، فإذا هو عَرْف، وأصْحاب الأعراف هم الذين يجدون عَرْفَ الجنة، أي: ريحها.

[1] في النسخ الفروع: (كل كلمة يكلمها).
[2] في (ط): (الدم).
[3] في (ط): (سهيل) مصحفاً.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

237- وبه قال: ((حدثنا أحمد بن محمَّد)) : هو ابن موسى المروزي المعروف بمردويه، هكذا قاله الحاكم أبو عبد الله، والكلاباذي، والإمام أبو نصر حامد بن محمود بن علي الفزاري في كتابه، وذكر الدارقطني: أنَّه أحمد بن محمَّد بن عدي المعروف بشبويه، وقال: أبو أحمد بن عدي بن أحمد بن محمَّد عن عبد الله بن معمر: لا يعرف، ومردويه مات سنة خمس وثلاثين ومئتين، أخرج له الترمذي والنسائي، ولا بأس به، وشبويه مات سنة تسع وعشرين أو ثلاثين ومئتين، روى عنه أبو داود، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، ((قال: أخبرنا)) : ولابن عساكر: (حدثنا) ((عبد الله)) : هو ابن المبارك ((قال: أخبرنا مَعْمَر)) ؛ بفتح الميمين، وسكون العين المهملة بينها، آخره راء: هو ابن راشد، ((عن همَّام)) : على وزن (فعَّال) ؛ بالتشديد ((بن مُنَبِّه)) ؛ بضمِّ الميم، وفتح النُّون، وكسر الموحدة، ((عن أبي هريرة)) : عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، ((عن النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم قال: كل كَلْم)) ؛ بفتح الكاف، وسكون اللام، قال الكرماني: أي: جراحة، وردَّه في «عمدة القاري»، فقال: ((وليس كذلك، بل الجرح من كَلَمه كلمًا؛ إذا جرحه، من باب «ضرَب يضرِب»، والجمع: كلوم وكلام، ورجل كليم ومكلوم؛ أي: مجروح، ومنه اشتقاق الكلام من الاسم والفعل والحرف)) انتهى.

قلت: وما قاله الكرماني مأخوذ من كلام «الصحاح» حيث قال: (والكلم: الجراحة، تقول: كلمته كلمًا، وقرأ بعضهم: (دَابَّةً مِنَ الأَرضِ تَكْلِمُهُم) [النمل: 82] ؛ أي: تجرحهم وتسمهم، والتكليم: التجريح) انتهى، فالجراحة في كلام «الصحاح»: اسم للجرح، وهو الظاهر، وتُطْلَق على الجرح؛ بالضم، ولا يعبر عن الاسم بالمصدر، فهما غير مترادفين؛ فليحفظ، وقد خبط العجلوني هنا؛ فاجتنبه.

((يُكْلَمه)) ؛ بضمِّ المثناة التحتية، وسكون الكاف، وفتح اللام؛ أي: يتكلم به، فحذف الجار، ووصل المجرور إلى الفعل، وقوله: ((المسلمُ)) : ومثله: المسلمة: مرفوع؛ لأنَّه مفعول لفاعله، ويجوز بناؤه للفاعل، وفي رواية: (كل كلمة يكلمها المسلم) ((في سبيل الله)) : قيد به؛ ليخرج ما إذا كلم الرجل في غير سبيل الله، وعند المؤلف في (الجهاد) : (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) ، وأخرجه ابن عساكر عن أبي أمامة يرفعه: «والذي نفسي بيده؛ لا يكلم أحد في سبيل الله، والله يعلم بمن يكلم»، وفي لفظ آخر: «ما وقعت قطرة أحب إلى الله من قطرة دم في سبيل الله، أو قطرة دمع في سواد الليل لا يراها إلا الله عز وجل»، ففيه: إشارة إلى أنَّ الأجر الموعود به إنَّما يحصل لمن خلصت نيته يوم القيامة؛ أي: في المحشر؛ لأنَّ القلوب صناديق الأعمال، وإخلاص النية لا يعلمه إلا الله تعالى، فمن أخلص؛ فله الثواب، ومن راءى؛ فلا أجر له، وقد يقال: إن الفرائض لا يدخلها الرياء، كما نقله العلماء، فيحصل له الثواب على الفرائض وإن كان مرائيًا؛ لأنَّ الفرائض لا يدخلها الرياء، والله أعلم، ((يكون)) ؛ أي: الكلم، وفي رواية: (تكون) ؛ بالفوقية؛ أي: الكلمة ((يوم القيامة)) ؛ أي: المحشر والمنشر ((كهيئتها)) ؛ أي: كهيئة الكلمة، وأنث الضمير باعتبار الكلمة.

وزعم الكرماني وتبعه ابن حجر أن تأنيث الضمير باعتبار إرادة الجراحة.

وردَّه في «عمدة القاري» قال: قلت: وليس كذلك، بل باعتبار الكلمة؛ لأنَّ الكلمة والكلم مصدران، والجراحة اسم لا يعبر به عن المصدر مع أنَّ بعضهم قال: يوضحه رواية القابسي عن أبي زيد المروزي، عن الفربري: (كل كلمة يكلمها) ، كذا هو في رواية ابن عساكر، قال: قلت: هذا يوضح ما قلت لا ما قاله؛ فافهم.

أقول: والمراد بقوله: (بعضهم) : ابن حجر، فإنَّه لما قال: (إن تأنيث الضمير باعتبار إرادة الجراحة) ؛ استند إلى رواية القابسي وابن عساكر مع أنه قد فهم ذلك بالعكس، فإن هذه الرواية صريح في أنها تدل لما قاله صاحب «عمدة القاري» حيث إنَّه صرح أن التأنيث باعتبار الكلمة، وقد جاء التأنيث في الرواية مصرحًا به؛ فليحفظ، ولعل كلام ابن حجر مبني على رواية كل من التذكير والتأنيث؛ فخلط، وأبهم، وقام، وخبط، والظاهر المتبادر من كلامهم: أن في لفظ (كهيئتها) روايتين؛ التذكير: وهو يرجع إلى الكلم، والتأنيث: وهو يرجع إلى الكلمة، فكلام الإمام صاحب «عمدة القاري» صحيح؛ لأنَّه أراد أن الضمير في (كهيئتها) راجع إلى (الكلمة) المتقدمة، وهو ظاهر، وأنه أراد أن الضمير في (كهيئته) على الرواية الثانية راجع إلى (الكلم) ، وهو مذكور أيضًا، وهو ظاهر، والمناسب للحديث إرادة المصدر يدل عليه قوله الآتي: (تفجر دمًا) ، والمتفجر: إنَّما هو المصدر لا الجراحة، وعلى ما قاله ابن حجر فيه ركاكة وخبط وخلط، وقد تبعه على ذلك العجلوني، وانتصر له، وانتصاره حيث إنَّه قد ركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء، وقال: (ولم[/ص225/] يدر ما يقول؛ لأنَّه من شدة التعصب والعناد لم يعلم أنه هل أخطأ أم أجاد؟ بل هو إلى الأول أصوب؛ فافهم ذلك) ؛ فافهم.

((إذْ)) ؛ بسكون الذال، وفي بعض النسخ وجميع نسخ «مسلم»: (إذا) ((طُعِنَتْ)) ؛ بألف بعد الذال، وهي هنا لمجرد الظرفية، أو هي بمعنى (إذ) ، فقد يتعاقبان، فلا يرد أن (إذا) للاستقبال، ولا يصح المعنى عليه، أو هو لاستحضار صورة الطعن؛ إذ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع؛ كقوله تعالى: {وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} [فاطر: 9] يكون أيضًا بما في معناه، كما فيما نحن فيه، قاله الكرماني، ثم قال: (طُعِنَتْ) ؛ بالتأنيث، والبناء للمفعول، والمطعون المسلم؛ لأنَّ أصله طعن بها، فحذف الجار، وأوصل الضمير المجرور إلى الفعل، وصار المنفصل متصلًا.

وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا تعسف، بل التأنيث فيها باعتبار الكلمة كما في هيئتها؛ لأنَّها هي المطعونة في الحقيقة، والذي يكلم إنَّما يسمى مطعونًا باعتبار الكلمة والطعنة) انتهى.

قلت: فعلى هذا: لا مجاز في إيقاع الطعن على الكلمة، وعلى ما ذكره الكرماني هو من المجاز، ولا يخفى أنَّ الأول هو الأولى؛ لأنَّ الحقيقة لا ريب أنها أولى، ومقدمة على المجاز.

واعترض البرماوي على الكرماني فقال: (إن التاء علامة لا ضمير، فإن أراد الضمير المستتر؛ فتسميته متصلًا طريقة، والأجود أن الاتصال والانفصال وصفان للبارز) انتهى؛ يعني: أن في طعن ضمير المسلم المتقدم وهو نائب عن الفاعل، فإذا حذفنا الجار ووصلنا الضمير؛ صار التقدير: طعنها، فكيف يكون تأنيث الفعل لما ذكر؟! وكأنه اعتبر أن النائب عن الفاعل الجار والمجرور، وهو بعيد؛ فتأمل، والله أعلم.

((تفجَّر دمًا)) منصوب على التمييز، و (تفجَّر) : بتشديد الجيم؛ لأنَّ أصله: يتفجر، فحذفت إحدى التاءين؛ كما في قوله تعالى: {نَارَا تَلَظَّى} [الليل: 14] ، أصله: تتلظى، قاله في «عمدة القاري»، وقال الكرماني: (تفجُر) ؛ بضمِّ الجيم، من الثلاثي، وبفتح الجيم المشددة، وحذفت التاء الأولى منه من (التفعيل) ، قال صاحب «عمدة القاري»: (أشار بهذا إلى جواز الوجهين فيه، ولكنه مبني على مجيء الرواية بهما) انتهى ((اللون)) : ولأبي ذر: (واللون) بالواو ((لون الدم)) : الجملة إما حالية أو استئنافية، و (اللون) في المبصرات، وهو أظهر الممسوسات حقيقة ووجودًا، فلهذا استغنى عن تعريفه وإثباته بالدليل، ومن القدماء من زعم أنه لا حقيقة للألوان أصلًا، ومنهم من ظن أن اللون الحقيقي ليس إلا السواد والبياض، وما عداهما إنَّما يحصل من تركيبهما، ومنهم من زعم أن الألوان الحقيقية [1] خمسة: السواد، والبياض، والحمرة، والخضرة، والصفرة، وجعل البواقي مركبة منها، والدم أصله: دَمَو؛ بالتحريك، وإنما قالوا: دما يدمي؛ لأجل الكسرة التي قبل الياء، كما قالوا: رضا يرضي، من الرضوان، وقال سيبويه: أصله: دَمي؛ بالتحريك وإن جاء جمعه مخالفًا لنظائره، والذاهبة منه الياء، والدليل عليها قولهم في تثنيته: دميان، وبعض العرب تقول في تثنيته: دموان، كذا قرره صاحب «عمدة القاري» رحمه الله، ورضي عنه، ((والعَرْف عَرْف)) ؛ بفتح العين المهملة، وسكون الرَّاء، آخره فاء: وهو الرائحة الطيبة، وأصحاب الأعراف: الذين يجدون عَرْف الجنة؛ أي: ريحها، وكذا يقال: هو الرائحة المنتنة أيضًا، لكن الأكثر في الطيبة؛ فافهم ((المِسك)) ؛ بكسر الميم، وهو معرَّب: مُشك؛ بالشين المعجمة، وضم الميم، ويروى: (عرف مسك) ؛ منكرًا، وكذا الدم يروى، وهذا لا يستلزم أن يكون مسكًا حقيقة، بل يجعل الله شيئًا يشبه هذا، ولا كونه دمًا يستلزم أن يكون دمًا نجسًا حقيقة، ويجوز أن يحوله الله تعالى إلى مسك حقيقة؛ لقدرته على كل شيء، كما أنه يحول أعمال بني آدم من الحسنات والسيئات إلى جسده؛ ليوزن في الميزان الذي ينصبه يوم القيامة.

ففي الحديث: أن الحكم في دم الشهيد أنه يأتي يوم القيامة على هيئته حتى يشهد لصاحبه بفضله، وعلى ظالمه بفعله، وكون رائحته على رائحة المسك إظهار الفضيلة لأهل المحشر، ولهذا لا يغسل دمه خلافًا لابن المسيب والحسن.

فإن قلت: ما وجه مناسبة الحديث للترجمة؟

قلت: أجاب صاحب «عمدة القاري»: (بأنه لما كان مبنى الأمر في الماء التغيير بوقوع النَّجاسة، وأنه يخرج عن كونه صالحًا للاستعمال لتغير صفته التي خلق عليها؛ أورد له نظيرًا بتغير دم الشهيد، فإن مطلق الدم نجس، ولكنه تغير بواسطة الشهادة في سبيل الله تعالى، ولهذا لا يُغْسَلُ عنه دمُه؛ ليظهر شرفه يوم القيامة لأهل الموقف، فانتقال صفته المذمومة إلى الصفة المحمودة حيث صار انتشاره كرائحة المسك؛ فافهم) انتهى.

وأجاب الكرماني: (بأن المسك أصله دم انعقد، وفضلة نجسة من الغزال، فيقتضي أن يكون نجسًا كسائر الدماء، وكسائر الفضلات، فأراد البخاري أن يبين طهارته بمدح الرسول عليه السَّلام كما بين طهارة عظم الفيل بالأثر، فظهرت المناسبة غاية الظهور وإن استشكله القوم غاية الاستشكال) انتهى.

وردَّه في «عمدة القاري» بقوله: (لم تظهر المناسبة بهذا الوجه أصلًا، وظهورها غاية الظهور بعيد جدًّا، واستشكال القوم باق، ولهذا قال الإسماعيلي: إيراد المصنف لهذا الحديث في هذا الباب لا وجه له أصلًا؛ لأنَّه لا يدخل في طهارة ولا نجاسة، وإنما ورد في «فضل المطعون في سبيل الله») انتهى.

وأجاب ابن حجر: (بأن مقصود المصنف إيراد هذا الحديث تأكيدًا لمذهبه في أن الماء لا يتنجس بمجرد الملاقاة ما لم يتغير؛ لأنَّ تبدل الصفة يؤثر في الموصوف، فكما أن تغير صفة الدم بالرائحة إلى طيب المسك أخرجه من النَّجاسة إلى الطهارة؛ فكذلك [2] تغير صفة الماء بالنَّجاسة؛ لخروجه من صفة الطهارة إلى صفة النَّجاسة، فإذا لم يوجد التغير؛ لم توجد النَّجاسة) انتهى.

وردَّه في «عمدة القاري» بقوله: هذا القائل أخذها من كلام الكرماني، فإنه نقله في «شرحه» عن بعضهم، ثم قال: هذا القائل وتعقب بأنَّ الغرض إثبات انحصار التنجيس بالتغيير، وما ذكر يدل على أنَّ التنجيس يحصل بالتغير، وهو باقٍ إلا أنه لا يحصل إلا به، وهو موضع النزاع.

قلت: وهذا أيضًا كلام الكرماني، ولكنه سبكه في صورة غير ظاهرة، وقول الكرماني هكذا، فنقول للبخاري: لا يلزم من وجود الشيء عند الشيء ألَّا يوجد عند عدمه؛ لجواز مقتضًى آخر، ولا يلزم من كونه خرج بالتغير إلى النَّجاسة ألَّا يخرج إلا به؛ لاحتمال وصف آخر يخرج به عن الطهارة بمجرد الملاقاة، انتهى.

وحاصل هذا: أنه وارد على قولهم: إن مقصود البخاري من إيراده هذا الحديث تأكيد مذهبه في أن الماء لا يتنجس بمجرد الملاقاة، انتهى كلام «عمدة القاري».

قلت: وهذا كله[/ص226/] فاسد؛ لأنَّه لو كان مقصود المؤلف من إيراد هذا الحديث تأكيد مذهبه في أن الماء لا ينجس بمجرد الملاقاة؛ لكان أورد حديثًا ظاهرَ المناسبة دالًّا على مذهبه، ولما كان يعتمد على حديث المناسبة فيه غير ظاهرة، بل هي خفية، وما هذا إلا تخمين ووهم مع أن المؤلف ليس مراده هنا بيان مذهبه ولا بيان الأحكام، بل مراده بيان الأحاديث الواردة التي استنبط منها العلماء الأحكام، فإن ظهر له منها حكم؛ ترجم به وصدره، وذكر الأحاديث التي أخذ منها العلماء الأحكام، ومع هذا فقد يذكر حديثًا يكون فيه حكم غير مطابق لما ترجم له في الظاهر، والحال أنه له حكم من الأحكام على أنَّ المؤلف قد أنكر حديث القلتين، وضعفه أشياخه من حيث اضطرابه سندًا ومتنًا وغير ذلك، وأنه لا يعتمد عليه كما بسطناه فيما قدمناه.

وأجاب ابن بطال: (بأنه إنَّما ذكر البخاري هذا الحديث في نجاسة الماء؛ لأنَّه لم يجد حديثًا صحيح السند في الماء، فاستدل على حكم المائع بحكم الدم المائع، وهو المعنى الجامع بينهما) .

وردَّه في «عمدة القاري»: (بأنَّه وجه غير حسن لا يخفى) انتهى.

قلت: فإن المؤلف قد ذكر أحاديث صحيحة السند في الماء فيما سيأتي، وساقها في باب على حدة بأسانيد صحيحة.

فقوله: (لم يجد...) إلخ؛ ممنوع، وإن أراد بما ذكر حديث القلتين؛ فهو ظاهر؛ لأنَّه حديث ضعيف مضطرب من حيث السند والمتن لا اعتماد عليه.

وقوله: (فاستدل على حكم...) إلخ؛ هذا ممنوع أيضًا، فأي جامع بين المائع والدم، فإن الفرق بينهما ظاهر؟! وأي دليل على المعنى الجامع بينهما؟! وما هو إلا احتمال بعيد، وتخمين غير سديد؛ فافهم.

وأجاب ابن رشيد: (بأن مراد المؤلف أن انتقال الدم إلى الرائحة الطيبة هو الذي نقله من حالة الذم إلى حالة المدح، فحصل من هذا تغليب وصف واحد، وهو الرائحة على وصفين؛ وهما الطعم واللون، فيُسْتَنْبَطُ منه: أنه متى تغير أحد الأوصاف الثلاثة بصلاح أو فساد؛ تبعه الوصفان الباقيان) انتهى، وبمثله أجاب ابن المنيِّر والقشيري.

وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا ظاهر الفساد؛ لأنَّه لم يلزم منه إذا تغير وصف واحد بالنَّجاسة ألَّا يؤثر حتى يوجد الوصفان الآخران، وليس كذلك، فإن هذا لم ينقل إلا عن ربيعة، وكل هؤلاء الأوجه خارجون عن الدائرة، ولم يذكر واحد منهم وجهًا صحيحًا ظاهرًا لإيراد هذا الحديث في هذا الباب؛ لأنَّ هذا الحديث في بيان فضل الشهيد على الحكم المذكور فيه من أمور الآخرة، والحكم في الماء بالطهارة والنَّجاسة من أمور الدنيا، وكيف يلتئم هذا بذاك، ورعاية المناسبة في مثل هذه الأشياء بأدنى وجه يلمح فيه كافية، والتكلفات بالوجوه البعيدة غير مستملحة، واعتمد الجواب الذي صدرنا به السؤال في أول البحث، وهو الظاهر من المناسبة لهذا الحديث، وكل هذه الأوجه التي [3] قالها هؤلاء الشارحون خارجة عن دائرة المناسبة، فالذي قاله صاحب «عمدة القاري» هو الوجه الصواب، وعليه الاعتماد؛ لحصول وجهه بالنظر الصحيح، والقول الفصيح الذي لا غبار عليه، فلله در هذا المؤلف ما أغزر علمه وأوفر الفهم والذكاء! رحمه الله، ورضي عنه، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (الحقيقة) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (فلذلك) ، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (الذي) ، وليس بصحيح.