متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

67- (باب) حكم (مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ)؛ أي: وقوع النَّجاسات (فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ).

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ ممَّا وصله ابن وهبٍ في «جامعه» عن يونس عنه: (لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ)؛ أي: لا حرج في استعماله في كلِّ حالةٍ، فهو محكومٌ بطهارته (مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ) بكسر الياء، فعلٌ ومفعولٌ، والفاعل قوله [1] : (طَعْمٌ)؛ أي: من شيءٍ نجسٍ (أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ) منه، فإن قلت: كيف ساغ جعل [2] أحد الأوصاف الثَّلاثة مُغيِّراً، على صيغة الفاعل، والمُغيِّر [3] إنَّما هو الشَّيء النَّجس المخالط للماء، أجيب: بأنَّ المُغيَّر في الحقيقة هو الماء، ولكن تغييره لمَّا كان لم يُعلَم إلَّا من جهة أحد أوصافه الثَّلاثة؛ صار هو المُغيِّر [4] ، فهو من باب ذكر السَّبب وإرادة المُسبَّب، ومُقتضى قول الزُّهريِّ: أنَّه لا فرق بين القليل والكثير، وإليه ذهب جماعةٌ من العلماء، وتعقَّبه أبو عُبَيْدٍ في كتاب «الطَّهور» له: بأنَّه يلزم منه أنَّ من بال في إبريقٍ ولم يغيِّر للماء وصفًا؛ أنَّه يجوز له التَّطهير به، وهو مُستبشَعٌ [5] ، ومذهب الشَّافعيِّ وأحمد التَّفريق [6] بالقلَّتين، فما [7] كان دونهما تنجَّس بملاقاة النَّجاسة، وإن لم يظهر فيه [8] تغيُّرٌ لمفهوم حديث القلَّتين «إذا بلغ الماء قلَّتين؛ لم يحمل الخبث»، صحَّحه ابن حبَّان وغيره، وفي روايةٍ لأبي داود [9] وغيره بإسنادٍ صحيحٍ: «فإنَّه لا ينجس»، وهو المُراد بقوله: «لم يحمل الخبث»؛ أي: يدفع النَّجس ولا يقبله، وهو مُخصِّصٌ لمنطوق حديث [10] : «الماء لا ينجِّسه شيءٌ»، وإنَّما لم يخرِّج المؤلِّف حديث القلَّتين؛ للاختلاف الواقع في إسناده، لكن رواته ثقاتٌ، وصحَّحه جماعةٌ من الأئمَّة إلَّا أنَّ مقدار القلَّتين من الحديث لم يثبت، وحينئذٍ فيكون مُجمَلًا، لكنَّ الظَّاهر أنَّ الشارع إنَّما ترك تحديدهما توسُّعًا، وإلَّا؛ فليس بخافٍ أنَّه [11] عليه الصلاة والسلام ما خاطب أصحابه إلَّا بما يفهمون، وحينئذٍ فينتفي الإجمال لكن لعدم التَّحديد وقع بين [12] السَّلف في مقدارهما خلفٌ، واعتبره الشَّافعيُّ رحمه الله بخمس قُرَبٍ من قرب الحجاز احتياطًا، وقالت [13] الحنفيَّة: إذا اختلطت النَّجاسة بالماء تنجَّس إلَّا أن يكون كثيرًا، وهو الذي إذا حرَّك أحد [14] جانبيه؛ لم يتحرك الآخر، وقال المالكيَّة: ليس للماء الذي تحلُّه النَّجاسة قدرٌ معلومٌ، ولكنَّه متى تغيَّر أحد أوصافه الثَّلاثة؛ تنجَّس، قليلًا كان أو كثيرًا، فلو تغيَّر الماء كثيراً بحيث يسلبه الاسم بطاهرٍ يُستغنى عنه؛ ضرَّ، وإلَّا؛ فلا.

(وَقَالَ حَمَّادٌ) بتشديد الميم، ابن أبي سليمان الكوفيُّ شيخ أبي حنيفة ممَّا [15] وصله عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه»: (لَا بَأْسَ)؛ أي: لا حرج (بِرِيشِ الْمَيْتَةِ) من مأكولٍ وغيره إذا لاقى الماء؛ لأنَّه لا يغيِّره، أو أنَّه طاهرٌ مُطلَقًا، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة، وقال الشَّافعيَّة [16] : نجسٌ.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (فِي عِظَامِ الْمَوْتَى نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ) مما [17] لم يُؤكَل: (أَدْرَكْتُ نَاسًا) كثيرين (مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ [18] بِهَا)؛ أي: بعظام الموتى؛ بأن يصنعوا منها مشطًا ويستعملوها، (وَيَدَّهِنُونَ) بتشديد الدَّال (فِيهَا)؛ أي: في عظام الموتى؛ بأن يصنعوا منها آنية [19] يجعلون فيها الدُّهن، (لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا)؛ أي: حرجًا، فلو كان عندهم نجسًا؛ ما استعملوه امتشاطًا وادِّهانًا، وحينئذٍ فإذا وقع عظم الفيل في الماء لا ينجِّسه؛ [/ج1ص301/] بناءً على عدم القول بنجاسته، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنَّه لا تحلُّه الحياة عنده، ومذهب الشَّافعيِّ: أنَّه نجسٌ؛ لأنَّه تحلُّه الحياة، قال تعالى: {قال [20] من يحيي العظام وهي رميمٌ، قل يحييها الذي أنشأها أوَّل مرَّةٍ} [يس: 78 ـ 79] ، وعند مالكٍ: أنَّه يطهر إذا ذُكِّي، كغيره ممَّا لا [21] يُؤكَل إذا ذُكِّي، فإنَّه يطهر.

(وَقَالَ) محمَّد (بْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ) ناب الفيل أو عظمه مُطلَقًا، وأسقط السَّرخسيُّ ذكر: ((إبراهيم النَّخعيُّ))، كأكثر الرُّواة عن الفربريِّ [22] ، ثمَّ إنَّ أثر ابن سيرين هذا وصله عبد الرَّزَّاق بلفظ: أنَّه كان لا يرى بالتِّجارة في العاج [23] بأسًا، وهو يدلُّ على أنَّه كان يراه طاهرًا؛ لأنَّه كان لا يجيز بيع النَّجس ولا المتنجِّس الذي لا يمكن تطهيره، كما يدلُّ له قصَّته المشهورة في الزَّيت، وإيراد المؤلِّف لهذا كلِّه يدلُّ على أنَّ عنده: أنَّ الماء قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجس إلَّا بالتَّغيُّر، كما هو مذهب مالكٍ.

[1] «قوله»: سقط من (د).
[2] في (م): «كون».
[3] في (ص): «والمُعتبَر».
[4] في (م): «صار كالمغيِّر».
[5] في (م): «مستشنع».
[6] في (ص): «بالتَّفريق».
[7] في (ص): «ممَّا».
[8] «فيه»: سقط من (د).
[9] في (م): «ذَرٍّ»، وليس بصحيحٍ.
[10] قوله: «بإسنادٍ صحيحٍ: «فإنَّه لا ينجس»... وهو مُخصِّصٌ لمنطوق حديث»، سقط من (ص).
[11] في (ص) و(م): «خافٍ أنَّه».
[12] في (ص): «من».
[13] في (ب) و(م): «وقال».
[14] في (ص) و(م): «إحدى».
[15] في (د) و(ص): «كما».
[16] في (د): «الشَّافعيُّ».
[17] في (ص): «ما».
[18] في (ص): «يمشِّطون».
[19] في (د): «آلة».
[20] «قال»: سقط من (د).
[21] في غير (م): «لم»، وسقط من (ص).
[22] في (ص): «كالفربريِّ».
[23] «بالتِّجارة في العاج»: ليس في (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(67) بابُ [1] ما يَقَعُ مِنَ النَّجاساتِ في السَّمْنِ والْماءِ

وقالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأسَ بِالْماءِ ما لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ.

وقالَ حَمَّادٌ: لَا بَأسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ.

وقالَ الزُّهْرِيُّ في عِظامِ المَوْتَىَ نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ ناسًا مِنْ سَلَفِ العُلَماءِ يَمْتَشِطُونَ بِها، وَيَدَّهِنُونَ فِيها، لَا يَرَوْنَ بِهِ [2] بَأسًا.

وقالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْراهِيمُ [3] : وَلَا [4] بَأسَ بِتِجارَةِ العاجِ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] لفظة: «به» ليست في رواية ابن عساكر و [عط] .
[3] قوله: «وإبراهيم» صحَّح عليه في اليونينيَّة، وهو ثابت في رواية أبي ذر والمُستملي أيضًا (ن، و، ق).
[4] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي و [عط] : «لا» بإسقاط الواو.






(67) [بَابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالمَاءِ]


(بَاب مَا يَقَعُ مِن النَّجَاسَاتِ في السَّمْنِ وَالمَاءِ) ... إلى (بَاب السِّوَاكِ)

ذكر ابن المُنَيِّر الآثار والأحاديث التي ذكرها البخاريُّ، ثُمَّ قال: (مقصود التَّرجمة أنَّ المعتبر في النَّجاسات الصِّفات، فلمَّا كان ريش الميتة لا يتغيَّر بتغيرها؛ لأنَّه لا تحُلُّه الحياة، وكذلك العظام، وكذلك الماء؛ إذا خالطته [1] نجاسة ولم تغيِّره [2] ، وكذلك السَّمن البعيد عن موقع الفأرة إذا لم يتغيَّر، ووجه الاستدلال بحديث دم الشَّهداء: أنَّه لمَّا تغيَّرت صفته إلى صفة طاهر وهو المسك بطل حكم النَّجاسة فيه، على أنَّ القيامة ليست دار أعمال ولا أحكام، وإنَّما لما عُظِّم الدَّمُ بحيلولة صفته إلى صفة ما هو مستطاب معظَّم في العادة؛ علمنا أنَّ المعتبر الصِّفات لا الذَّوات) انتهى.

قوله: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ): تقدَّم مرارًا أنَّه [3] العالم الفرد محمَّد بن مُسْلِم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن [4] شهاب.

قوله: (وَقَالَ حمَّاد [5] ): هو ابن أبي سُلَيْمَان مسلم مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعريِّ، الكوفيُّ الفقيه أبو إِسْمَاعِيل، عن أنس، وابن المُسَيّب، وإبراهيم، وعنه: ابنه [6] إِسْمَاعِيل، ومسعر، وأبو حنيفة، وشُعْبَة، وكان ثقة إمامًا مجتهدًا كريمًا جوادًا، قال أبو إسحاق الشَّيبانيُّ: (هو أفقه من الشَّعبيِّ) انتهى، لكن الشَّعبيَّ أثبتُ مِنْهُ، توفِّي سنة (120 هـ ) ، أخرج له مُسْلِم والأربعة، وقد تقدَّم مرَّة قبل هذه، وأنَّ له ترجمة في «الميزان».

قوله: (نَحْوِ الفيلِ): هو بجرِّ (نحوِ) ، ويجوز نصبه.

قوله: (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ): هو محمَّد بن سيرين، الإمام أحد الأعلام، أبو بكر، عن أبي هريرة، وعمران بن حصين، وطائفة، وعنه: ابن عون، وهشام بن حسَّان، وداود بن أبي هند، وجرير، وقرَّة، وخلائق، وكان ثقةً حجةً كثير العلم ورعًا بعيد الصِّيت، توفِّي في شوَّال سنة (110 هـ ) ، وكان يصوم يومًا ويومًا، وله سبعة أوراد في اللَّيلة، أخرج له الجماعة، وقد تقدَّم مرَّة قبل هذه أو أكثر.

قوله: (وَإِبْرَاهِيمُ): الظَّاهر أنَّه ابن يزيد النَّخعيُّ الفقيه الكوفيُّ، أحد الأعلام، تقدَّم.

قوله: (بِتِجَارَةِ العَاج): قال الجوهريُّ: (والعاج: عظم الفيل، الواحدة: عاجة) ، وفي «النهاية»: (العاج: الذَّبْل، وقيل: شيء يُتَّخذ من ظَهْر السُّلَحْفاة البَحْرِيَّة، فأمَّا العاجُ الذّي هو عَظْم الفيل؛ فنَجِس عند الشَّافعيِّ، وطاهِرٌ عند أبي حنيفة) ، وفي «القاموس» لشيخنا مجد الدِّين: (والعاج: الذَّبل...) إلى أنْ قال: (وعظم الفيل، وفي العاج الذي هُوَ عظم الفيل مذاهب؛ النَّجاسة مذهب الشَّافعيِّ، الطَّهارة مذهب أبي حنيفة، إنْ أُخِذ من مذكًّى؛ كان طاهرًا، وإلَّا؛ فلا، وهذا مذهب مالك، وهو بناء على أنَّه مأكول، والرَّابع: إنْ خرط؛ طهر) ، وفي حفظي: أنَّ النَّوويَّ حكاه في «شرح المهذَّب» عنِ النَّخعيِّ [7] ، والله أعلم.

[1] في (ج): (خالطه) .
[2] في (ب) و (ج): (يغيره) .
[3] (أنَّه): مثبت من (ج) .
[4] زيد في (ب): (محمد بن) ، وليس بصحيح.
[5] في هامش (ق): (شيخ أبي حنيفة رضي الله عنهما) .
[6] (ابنه): ليس في (ج) .
[7] في (ب): (النَّووي) ، وهو سبق نظر.





(نَحْو الْفِيْلِ): بالجرِّ والنَّصبِ.


67- (باب) حكم (مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ)؛ أي: وقوع النَّجاسات (فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ).

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ ممَّا وصله ابن وهبٍ في «جامعه» عن يونس عنه: (لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ)؛ أي: لا حرج في استعماله في كلِّ حالةٍ، فهو محكومٌ بطهارته (مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ) بكسر الياء، فعلٌ ومفعولٌ، والفاعل قوله [1] : (طَعْمٌ)؛ أي: من شيءٍ نجسٍ (أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ) منه، فإن قلت: كيف ساغ جعل [2] أحد الأوصاف الثَّلاثة مُغيِّراً، على صيغة الفاعل، والمُغيِّر [3] إنَّما هو الشَّيء النَّجس المخالط للماء، أجيب: بأنَّ المُغيَّر في الحقيقة هو الماء، ولكن تغييره لمَّا كان لم يُعلَم إلَّا من جهة أحد أوصافه الثَّلاثة؛ صار هو المُغيِّر [4] ، فهو من باب ذكر السَّبب وإرادة المُسبَّب، ومُقتضى قول الزُّهريِّ: أنَّه لا فرق بين القليل والكثير، وإليه ذهب جماعةٌ من العلماء، وتعقَّبه أبو عُبَيْدٍ في كتاب «الطَّهور» له: بأنَّه يلزم منه أنَّ من بال في إبريقٍ ولم يغيِّر للماء وصفًا؛ أنَّه يجوز له التَّطهير به، وهو مُستبشَعٌ [5] ، ومذهب الشَّافعيِّ وأحمد التَّفريق [6] بالقلَّتين، فما [7] كان دونهما تنجَّس بملاقاة النَّجاسة، وإن لم يظهر فيه [8] تغيُّرٌ لمفهوم حديث القلَّتين «إذا بلغ الماء قلَّتين؛ لم يحمل الخبث»، صحَّحه ابن حبَّان وغيره، وفي روايةٍ لأبي داود [9] وغيره بإسنادٍ صحيحٍ: «فإنَّه لا ينجس»، وهو المُراد بقوله: «لم يحمل الخبث»؛ أي: يدفع النَّجس ولا يقبله، وهو مُخصِّصٌ لمنطوق حديث [10] : «الماء لا ينجِّسه شيءٌ»، وإنَّما لم يخرِّج المؤلِّف حديث القلَّتين؛ للاختلاف الواقع في إسناده، لكن رواته ثقاتٌ، وصحَّحه جماعةٌ من الأئمَّة إلَّا أنَّ مقدار القلَّتين من الحديث لم يثبت، وحينئذٍ فيكون مُجمَلًا، لكنَّ الظَّاهر أنَّ الشارع إنَّما ترك تحديدهما توسُّعًا، وإلَّا؛ فليس بخافٍ أنَّه [11] عليه الصلاة والسلام ما خاطب أصحابه إلَّا بما يفهمون، وحينئذٍ فينتفي الإجمال لكن لعدم التَّحديد وقع بين [12] السَّلف في مقدارهما خلفٌ، واعتبره الشَّافعيُّ رحمه الله بخمس قُرَبٍ من قرب الحجاز احتياطًا، وقالت [13] الحنفيَّة: إذا اختلطت النَّجاسة بالماء تنجَّس إلَّا أن يكون كثيرًا، وهو الذي إذا حرَّك أحد [14] جانبيه؛ لم يتحرك الآخر، وقال المالكيَّة: ليس للماء الذي تحلُّه النَّجاسة قدرٌ معلومٌ، ولكنَّه متى تغيَّر أحد أوصافه الثَّلاثة؛ تنجَّس، قليلًا كان أو كثيرًا، فلو تغيَّر الماء كثيراً بحيث يسلبه الاسم بطاهرٍ يُستغنى عنه؛ ضرَّ، وإلَّا؛ فلا.

(وَقَالَ حَمَّادٌ) بتشديد الميم، ابن أبي سليمان الكوفيُّ شيخ أبي حنيفة ممَّا [15] وصله عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه»: (لَا بَأْسَ)؛ أي: لا حرج (بِرِيشِ الْمَيْتَةِ) من مأكولٍ وغيره إذا لاقى الماء؛ لأنَّه لا يغيِّره، أو أنَّه طاهرٌ مُطلَقًا، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة، وقال الشَّافعيَّة [16] : نجسٌ.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (فِي عِظَامِ الْمَوْتَى نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ) مما [17] لم يُؤكَل: (أَدْرَكْتُ نَاسًا) كثيرين (مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ [18] بِهَا)؛ أي: بعظام الموتى؛ بأن يصنعوا منها مشطًا ويستعملوها، (وَيَدَّهِنُونَ) بتشديد الدَّال (فِيهَا)؛ أي: في عظام الموتى؛ بأن يصنعوا منها آنية [19] يجعلون فيها الدُّهن، (لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا)؛ أي: حرجًا، فلو كان عندهم نجسًا؛ ما استعملوه امتشاطًا وادِّهانًا، وحينئذٍ فإذا وقع عظم الفيل في الماء لا ينجِّسه؛ [/ج1ص301/] بناءً على عدم القول بنجاسته، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنَّه لا تحلُّه الحياة عنده، ومذهب الشَّافعيِّ: أنَّه نجسٌ؛ لأنَّه تحلُّه الحياة، قال تعالى: {قال [20] من يحيي العظام وهي رميمٌ، قل يحييها الذي أنشأها أوَّل مرَّةٍ} [يس: 78 ـ 79] ، وعند مالكٍ: أنَّه يطهر إذا ذُكِّي، كغيره ممَّا لا [21] يُؤكَل إذا ذُكِّي، فإنَّه يطهر.

(وَقَالَ) محمَّد (بْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ) ناب الفيل أو عظمه مُطلَقًا، وأسقط السَّرخسيُّ ذكر: ((إبراهيم النَّخعيُّ))، كأكثر الرُّواة عن الفربريِّ [22] ، ثمَّ إنَّ أثر ابن سيرين هذا وصله عبد الرَّزَّاق بلفظ: أنَّه كان لا يرى بالتِّجارة في العاج [23] بأسًا، وهو يدلُّ على أنَّه كان يراه طاهرًا؛ لأنَّه كان لا يجيز بيع النَّجس ولا المتنجِّس الذي لا يمكن تطهيره، كما يدلُّ له قصَّته المشهورة في الزَّيت، وإيراد المؤلِّف لهذا كلِّه يدلُّ على أنَّ عنده: أنَّ الماء قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجس إلَّا بالتَّغيُّر، كما هو مذهب مالكٍ.

[1] «قوله»: سقط من (د).
[2] في (م): «كون».
[3] في (ص): «والمُعتبَر».
[4] في (م): «صار كالمغيِّر».
[5] في (م): «مستشنع».
[6] في (ص): «بالتَّفريق».
[7] في (ص): «ممَّا».
[8] «فيه»: سقط من (د).
[9] في (م): «ذَرٍّ»، وليس بصحيحٍ.
[10] قوله: «بإسنادٍ صحيحٍ: «فإنَّه لا ينجس»... وهو مُخصِّصٌ لمنطوق حديث»، سقط من (ص).
[11] في (ص) و(م): «خافٍ أنَّه».
[12] في (ص): «من».
[13] في (ب) و(م): «وقال».
[14] في (ص) و(م): «إحدى».
[15] في (د) و(ص): «كما».
[16] في (د): «الشَّافعيُّ».
[17] في (ص): «ما».
[18] في (ص): «يمشِّطون».
[19] في (د): «آلة».
[20] «قال»: سقط من (د).
[21] في غير (م): «لم»، وسقط من (ص).
[22] في (ص): «كالفربريِّ».
[23] «بالتِّجارة في العاج»: ليس في (م).





( الْعَاجِ ): ناب الفيل، ولا يُسمَّى غيره عاجًا. قاله ابن سيده والقزَّاز، وقال ابن فارس والجوهريُّ: عظم الفيل، فلم يخصَّاه بالنَّاب، وقال ابن قتيبة والخطَّابيُّ: الذَّبْلُ، وهو ظهر السُّلحفاة البحريَّة، وقال بعضهم: العرب تُسمِّي كلَّ عظم عاجًا.


(67) (باب ما يقع من النَّجاسات في السَّمن والماء) [1]

[1] ما بين قوسين في هامش (ر): (باب ما يقع ن النجاسات).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء)) ؛ فـ (ما) موصول اسمي، أو حرفي، أو نكرة موصوفة، واقتصر في «عمدة القاري» على جعلها مصدرية، وجعل (من) بيانية، فقال: هذا باب في بيان حكم وقوع النجاسة في السمن والماء، واعترض تقدير ابن حجر هل ينجسها أم لا؟ أو لا ينجس الماء إلا إذا تغيَّر دون غيره، انتهى، فقال: (لا حاجة إلى هذا التفسير، فكأنه لما خفي عليه المعنى الذي ذكرناه؛ قدر ما قدره) انتهى كلام «عمدة القاري»، وابن حجر.

قلت: ولا يخفى على المنصف حسن كلام «عمدة القاري» وما قدرناه، كما لا يخفى على أولي الألباب.

وأشار المؤلف بـ (السمن) إلى كل جامد رطب؛ كالدبس، والعسل، وغيرهما، وبـ (الماء) إلى سائر المائعات، وأن الجامد الرطب لا يتنجس منه إلا ما لاقى النجس فقط، وأما المائع؛ فإن كان ماء؛ ينظر، فإن كان جاريًا؛ فلا ينجس إلا بالتغيير، وإن كان غيره؛ فيتنجَّس مطلقًا بمجرد الملاقاة له، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

((وقال)) محمَّد بن مسلم ابن شهاب ((الزُّهري)) ؛ الفقيه المدني نزيل ديارنا الشريفة الشامية، وهذا تعليق من المؤلف، ولكنه قد وصله عبد الله بن وهب في «مسنده» عن يونس عنه قال: (كل ماء فضل مما يصيبه من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه، ولا لونه، ولا ريحه؛ فلا بأس أن يتوضَّأ به) ، وروي في هذا المعنى حديث عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله عليه السلام: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه، وطعمه، ولونه»، رواه ابن ماجه، وقال الدارقطني: (إنما يصح هذا من قول راشد بن سعد، ولم يرفعه غير رشيد بن سعد) .

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ أبا أحمد بن عديٍّ رواه في «الكامل» من طريق أحمد بن عمر، عن حفص بن عمر: حدثنا ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة؛ فرفعه، وقال: لم يروه عن ثور إلا حفص.

قلت: وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّ البيهقي رواه من حديث أبي الوليد، عن الساماني، عن عطية بن بقية بن الوليد، عن أبيه، عن ثور، وقال البيهقي: والحديث غير قوي إلا أنا لا نعلم في[/ص220/] نجاسة الماء إذا تغير بالنَّجاسة خلافًا، كذا في «عمدة القاري».

قلت: على أنه قد ورد هذا الحديث في بئر بُِضاعة اسم امرأة، وهي بكسر الموحدة وضمها؛ بئر قديمة بالمدينة يلقى فيها الجِيَف ومحايض النساء، فذكر ذلك للنبيِّ عليه السَّلام حين توضأ منها، فقال: «الماء طهور...»؛ الحديث، وقد كان ماؤها جاريًا في البساتين تسقى منه خمسة بساتين، وفي الماء الجاري لا يتنجس بوقوع النَّجاسة فيه عندنا، فهذا الحديث إن صح؛ فهو محمول على بئر بضاعة، وهو غير مراد إجماعًا؛ لأنَّه إذا تغير الماء بالنَّجاسة؛ تتنجس بالإجماع، وتمامه في «منهل الطلاب».

((لَا بَأْسَ)) ؛ أي: لا حرج ((بِالْمَاءِ)) ؛ أي: في استعمال الماء المطلق؛ لأنَّه باقٍ على طهارته ((مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ)) ؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله وكسر التحتية آخره، وضميره يعود على الماء، و (ما) : ظرفية مصدرية مأولة بمدة، وقوله: ((طَعْمٌ)) ؛ بالرفع فاعله ((أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ)) ؛ أي: كل ماء طاهر في نفسه ولا ينجس بإصابة الأذى؛ أي: النَّجاسة إلا إذا تغير أحد الأشياء الثلاثة منه؛ وهي الطعم واللون والريح، فكل ماء دائم وقعت فيه نجاسة؛ لم يجز الوضوء به قليلًا كان أو كثيرًا، وأمَّا الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة؛ جاز الوضوء منه إذا لم ير لها أثر، وهو إمَّا طعم أو لون أو ريح؛ لأنَّ النَّجاسة لا تستقر فيه مع جريان الماء، والمراد بالجاري ما يعده العرف جاريًا على الأظهر، وقيل: هو ما يذهب بقشة واحدة، وهو الأشهر، قال في«عمدة القاري»: (فإن قلت: الطعم أو الريح أو اللون هو المغيَّر _بفتح التحتية المشددة_ لا المغيِّر على صيغة الفاعل، والمغيِّر؛ بالكسر: هو الشيء النجس الذي يخالطه، فكيف يجعل الطعم أو الريح أو اللون مغيرًا على صيغة الفاعل على ما وقع في عبارة البخاري، وأمَّا الذي في عبارة عبد الله بن وهب؛ فهو على الأصل؟

قلت: المغير في الحقيقة هو الماء، ولكن تغيره لما كان لم يعلم إلا من جهة الطعم أو الريح أو اللون؛ فكأنه هو المغير، وهو من قبيل ذكر السبب وإرادة المسبب، وزعم الكرماني، فقال: لا بأس؛ أي: لا يتنجس الماء بوصول النجس إليه قليلًا أو كثيرًا، بل لا بد من تغيير أحد الأوصاف الثلاثة في تنجسه، والمراد من لفظ: (ما لم يتغير) : طعمه، فنقول: لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور في لفظ الزُّهري: طعم الماء أو طعم الشيء المنجس، فعلى الأول معناه: ما لم يغير الماء من حاله التي خلق عليها طعمه له لا بد أن يكون بشيء نجس؛ إذ البحث فيه، وعلى الثاني معناه: ما لم يغير الماء طعم النجس، ويلزم منه تغيير طعم الماء؛ إذ لا شك أن الطعم هو المغير للماء للطعم، واللون للون، والريح للريح؛ إذ الغالب أن الشيء يؤثر في الملاقي بالنسبة، وجعل الشيء متصفًا بصفة نفسه، ولهذا يقال: لا يسخن الحار، ولا يبرد البارد، فكأنه قال: ما لم يغير طعم الماء طعم الملاقي النجس أو لا بأس؛ معناه: لا يزول طهوريته ما لم يغيره طعم من الطعوم الطاهرة أو النجسة، نعم؛ إذا كان المغير طعمًا نجسًا؛ نجسه، وإن كان طاهرًا؛ يزيل طهوريته لا طهارته، ففي الجملة: في [1] اللفظ تعقيد، انتهى.

وردَّه في «عمدة القاري» بقوله: (قلت: تفسيره هكذا هو عين التعقيد؛ لأنَّه قد فسر قوله: «لا بأس» بمعنيين؛ أحدهما: بقوله: «لا يتنجس...» إلى آخره، والآخر: بقوله: «لا تزول طهوريته»، وكلا المعنيين لا يساعد اللفظ، بل هو خارج عنه، وقوله: «المغير للطعم هو الطعم»: غير سديد؛ لأنَّ المغير للطعم غير الطعم، وهو الشيء الملاقي له، وكذلك اللون والريح، وكذلك قوله: «والمراد من لفظ: ما لم يغيره طعمه ما لم يتغير طعمه»: غير موجه؛ لأنَّه تفسير للفعل المتعدي بالفعل اللازم من غير وجه، وكذلك ترديده بقوله: «لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور...» إلى آخره: غير موجه؛ لأنَّ الضمير في «لم يغيره» يرجع إلى الماء، فيكون المعنى على هذا: لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم الماء، وطعم الماء ذاتي، فكيف يغير ذات الماء؟ وإنما يغير طعم الشيء الملاقي، والفرق بين الطعمين ظاهر) انتهى.

وقد خبط وخلط العجلوني في هذا المقام وادَّعى أنه التحقيق، وعرج عن عبارة الكرماني وعبارة «عمدة القاري»، ثم اختصر عبارة «عمدة القاري» بعبارة مغلقة ونسبها لنفسه، ونقل أثر الزُّهري بعبارة غير العبارة السابقة التي ذكرناها، واعترض على صاحب «عمدة القاري»: بأنَّه ليس الذي رواه ابن وهب على الأصل كما يتوهم.

قلت: والحال أن الواهم في ذلك هو العجلوني؛ لعدم نقل عبارة الزُّهري بالتحقيق، وإنما نقلها بلفظ مخل محرف حتى يعترض، واعتراضه مردود عليه، كما لا يخفى، وإنما لم يذكر عبارة الكرماني؛ لكونها غير جارية على التحقيق، ولم يذكر عبارة «عمدة القاري»؛ للتعصب والتعنت، بل غيَّرها بعبارة مغلقة غير واضحة، واعتمدها ونسبها لنفسه؛ فافهم واحفظ؛ لكونها في غاية من التحقيق، ونهاية من الدقيق، فلله در صاحب «عمدة القاري» ما أغزر علمه وأوفر فهمه! وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه.

قلت: وحاصله: أن الطعم وأخويه مغير، والماء متغير به، وهو طعم النجس أو لونه أو ريحه؛ فإنه هو الذي غير الماء أو طعم الماء أو لونه أو ريحه الحاصل بمخالطة النَّجاسة، فالمتغير هو الماء، لكنه لمَّا لم يعلم تغيره من جهة طعمه أو ريحه أو لونه؛ كان هو المتغير، فهو من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب، والله تعالى أعلم.

وقال في «منهل الطلاب»: المراد من هذه الأوصاف _أعني: الطعم واللون والريح_ أوصاف النَّجاسة لا الشيء المتنجس؛ كماء الورد والخل مثلًا، فلو صب في ماء جار؛ يعتبر أثر النَّجاسة التي فيه لا أثره نفسه؛ لطهارة المائع بالغسل، وكذا الثوب المصبوغ بالصبغ النجس، والمخضوبة بالحناء النجس والعضو ونحوه المتلطخ بالدهن النجس إذا وضع في الماء الجاري فظهر فيه لون الصبغ والحناء وأثر الدهن؛ لا يتنجس ما لم يظهر فيه أثر النَّجاسة لا أثر هذه الأشياء، وتمامه فيه؛ فليحفظ.

قال في «عمدة القاري»: واستنبط منه: أن مذهب الزُّهري في الماء الذي يخالطه شيء نجس الاعتبار بتغييره بذلك من غير فرق بين القليل والكثير، وهو مذهب جماعة، وشنع أبو عبيد في كتاب (الطهور) على من ذهب إلى هذا بأنَّه يلزم منه أن من بال في إبريق ولم يغير للماء وصفًا؛ أنه يجوز له التطهير به، وهو مستبشع.

وزعم ابن حجر أن هذا نصر قول التفريق بالقلتين.

وردَّه في «عمدة القاري» قال: (قلت: كيف ينصر هذا بحديث القلتين، وقد قال ابن العربي: مداره على علقمة أو مضطرب في الرواية أو موقوف؟! وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير وهو إباضي، واختلفت روايته؛ فقيل: قلتين، وقيل: قلتين أو ثلاثًا، وروي: أربعون قلة، وروي: أربعون غربًا، ووقف على أبي هريرة وعبيد الله بن عمر، وقال اليعمري: حكم ابن منده بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة، ولكنه أعرض عنه من جهة الرواية بكثرة الاختلاف فيها والاضطراب، ولعل مسلمًا تركه لذلك.

قلت: ولذلك لم يخرِّجه البخاري؛ لاختلاف وقع في إسناده، وقال أبو عمر في «التمهيد»: ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر،غير ثابت في الأثر؛ لأنَّه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل، وقال الدبوسي في كتاب «الأسرار»: وهو خبر ضعيف، ومنهم من لم يقبله؛ لأنَّ الصحابة والتابعين لم يعملوا به، انتهى، وقال في «منهل الطلاب»: وحديث القلتين ضعيف بالاضطراب سندًا ومتنًا، أما الأول؛ فقال أبو دواد: إن في إسناده ضعفًا، وقال ابن المديني شيخ البخاري: حديث القلتين مما لا يثبت، وقال البيهقي: الحديث غير قوي، وقد

[/ص221/] تركه الغزالي والروياني مع شدة اتباعهما للشافعي؛ لشدة ضعفه، وأما الثاني؛ فلأنَّه روي بطريق مختلفة، فتارة روي: (إذا بلغ الماء قلتين) ، وتارة: (ثلاثًا) ، وتارة: (أربعين قلة) ، وتارة: (أربعين دلوًا) ، وقول الشافعي في الحديث: (بقلال هجر) منقطع للجهالة، والقلة في نفسها مجهولة؛ لأنَّها تذكر، ويراد بها: قامة الرجل، وتُذكر ويُراد بها: رأس الجبل، كما روي ذلك عن علي، وتذكر ويُراد بها: الجرة، والتعيين لـ (قلال هجر) : لا يثبت بقول جرير؛ لأنَّه مقلد، فيبقى الاحتمال ويبطل الاستدلال به، والله أعلم.

ومذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وأصحابه: أن الماء إما جار أو راكد، قليل أو كثير، فالجاري إذا وقعت فيه نجاسة وكانت غير مرئية؛ كالبول، والخمر، ونحوهما؛ فإنه لا ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، وإن كانت مرئية؛ كالجيفة ونحوها، فإن كان يجري عليها جميع الماء؛ لا يجوز التوضؤ به من أسفلها، وإن كان يجري أكثره عليها؛ فكذلك اعتبارًا للغالب، وإن كان أقله يجري عليها؛ يجوز التوضؤ به من أسفلها، وإن كان يجري عليها النصف دون النصف؛ فالقياس جواز التوضؤ، وفي الاستحسان لا يجوز احتياطًا، والراكد اختلف فيه؛ فقال الظاهرية: لا ينجس أصلًا، وقال عامة العلماء: إن كان الماء قليلًا؛ ينجس، وإن كان كثيرًا؛ لا ينجس، لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بينهما؛ فعندنا: بالخلوص، فإن كان يخلص بعضه إلى بعض؛ فهو قليل، وإلا؛ فهو كثير، واختلف أئمتنا في تفسير الخلوص بعد أن اتفقوا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك، وهو أن يكون بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر؛ فهو مما يخلص، وإلا؛ فهو مما لا يخلص، واختلفوا في جهة التحريك؛ فروى الإمام أبو يوسف عن الإمام الأعظم: أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف، وروى الإمام محمَّد: أنه يعتبر بالوضوء، وروي: أنه باليد من غير اغتسال ولا وضوء، وأمَّا اعتبارهم في تفسير الخلوص؛ فروى الإمام أبو حفص الكبير: أنه اعتبره بالصبغ، وروى أبو نصر: أنه اعتبره بالصبغ، وروى أبو نصر: أنه اعتبره بالتكدير، وروى الجوزجاني: أنه اعتبره بالمساحة، فقال: إن كان عشرًا في عشر؛ فهو لا يخلص، وإن كان دونه؛ فهو مما يخلص، وعن ابن المبارك: أنه اعتبره بالعشرة أولًا، ثم بخمسة عشر، وإليه ذهب الإمام أبو مطيع البلخي، فقال: إن كان خمسة عشر في خمسة عشر؛ أرجو أن يجوز، وإن كان عشرين في عشرين؛ لا أجد في قلبي شيئًا، وعن الإمام محمَّد: أنه قدره بمسجده، وكان ثمانيًا في ثمان، وبه أخذ الإمام محمَّد بن سَلَمَة، وقيل: كان مسجده عشرًا في عشر، وقيل: كان ثمانيًا في ثمان، وخارجه عشرًا في عشر، وعن الإمام الكرخي: أنه لا عبرة للتقدير، وإنما المعتبر هو التحرِّي، فإن كان أكبر، رأيه: أن النَّجاسة خلصت إلى الموضع الذي يتوضأ منه؛ لا يجوز، وإن كان أكبر، رأيه: أنها لم تصل إليه؛ يجوز.

قال في «منهل الطلاب»: (والتحقيق: أن الخلوص مفوض إلى رأي المبتلى غير مقدر بشيء، فإن غلب على ظنه عدم الخلوص؛ أي: وصول النَّجاسة إلى الجانب الآخر؛ جاز منه الوضوء، وإن لم يغلب على ظنه عدم الخلوص أو اشتبه عليه الخلوص؛ لا يجوز) ، وهو ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وإليه رجع الإمام محمَّد، وهو الأصح، كما في «غاية البيان» و«الينابيع»، وحقق في «البحر الرائق»: أنه المذهب، وبه يعمل، وهو الأليق بأصل الإمام الأعظم، وقال شمس الأئمَّة: (المذهب التحرِّي والتفويض إلى رأي المبتلى، وهو الأصح) انتهى.

ومثله في «فتح القدير»، لكن قال في شرح «المنية»: (وعامة المتأخرين سهلوا الأمر، واختاروا ما اختاره الإمام أبو سليمان الجوزجاني: أنه يعتبر الخلوص بالمساحة، وهو أن يكون عشرًا في عشر؛ أي: طوله عشرة أذرع، وعرضه كذلك، فيكون وجه الماء مئة ذراع، وجوانبه أربعون ذراعًا إن كان مربعًا، كذا ذكره شيخ الإسلام في «المبسوط»، وبه أخذ مشايخ بلخ، والإمام المعلى، قال الإمام أبو الليث: وهو قول أكثر أصحابنا، وعليه الفتوى، ومشى عليه بعض أصحاب المتون، وفي «الهداية»: (وعليه الفتوى) ، وقواه في «النهر»، ورد ما قاله في «البحر»، وحققه شيخ الإسلام سعد الدين الديري في «رسالته»، ورد على من قال بخلافه، وقد جرى كثير من المتأخرين عليه؛ فليكن هو المذهب، وإلى غيره لا يذهب، والله تعالى أعلم، وتمامه في «منهل الطلاب»؛ فافهم.

((وقال)) الإمام الكبير ((حمَّاد)) ؛ بتشديد الميم، على وزن (فعَّال) ؛ بالتشديد: هو ابن سليمان، فقيه الكوفة، وشيخ الإمام الأعظم رضي الله عنهما، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في «مصنفه»: حدثنا معمر عن حمَّاد بن سليمان أنَّه قال: ((لا بأس)) أي: لا حرج ((بريش الميتة)) ؛ يعني: ليس بنجس ولا ينجس الماء الذي وقع فيه، سواء كان ريش المأكول لحمه أو غيره، وهذا مذهب الأئمَّة الحنفية والمالكية، وزعم الشافعية أنه نجس، ولا دليل يدل لهم؛ لأنَّه لا تحله الحياة، ولا يتألم الحيوان بقطعه؛ فهو طاهر لا يغير الماء والمائعات عن الطهورية، ((وقال الزُّهري)) : محمَّد بن مسلم ابن شهاب ((في عِظام)) بكسر العين المهملة، جمع عظمة ((الموتى)) : جمع ميت، ويجمع أيضًا على أموات، يشمل العاقل وغيره كما هنا؛ ((نحو)) أي: مثل ((الفيل وغيره)) ؛ أي: غير الفيل مما لا يؤكل لحمه، وكذا جميع أجزاء الميتة التي لا دم فيها؛ كالقرن، والسن، والظلف، والحافر، والوبر، والصوف، والشعر؛ كلها طاهرة لا تنجس بالموت، وهو مذهب الأئمَّة الحنفية، ومحمَّد بن عبد العزيز، والحسن البصري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والمزني، وابن المُنْذِر، لكن قالوا: هؤلاء _العظم، والقرن، والظلف_ نجسة، فخالفونا في هذه الثلاثة، وفي العصب روايتان: الطهارة والنَّجاسة، والأصح: أنه طاهر، وخالف الشافعية، فزعموا أنها كلها نجسة إلا الشعر، فإن فيه خلافًا ضعيفًا، وفي العظم أضعف منه، وأمَّا الفيل؛ ففيه خلاف، فعند الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف: هو كسائر السباع، فيجوز الانتفاع بعظمه وجلده بالدباغ، وعند الإمام محمَّد: هو نجس العين حتى لا يجوز بيع عظمه، ولا يطهر جلده بالدباغ ولا بالذكاة، والمعتمد الأول، وعليه الفتوى؛ فافهم: ((أدركت ناسًا)) ؛ أي: كثيرين، فالتنوين فيه للتكثير ((من سلف العلماء)) : وهم الصحابة والتابعون رضي الله عنهم ((يمتشطون بها)) ؛ أي: بعِظام الموتى؛ يعني: يجعلون منها مشطًا ويستعملونه، فهذا يدل على طهارته، وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، ((ويدَّهنون)) ؛ بتشديد الدَّال ((فيها)) ؛ أي: في عِظام الموتى؛ أي: يجعلون فيها ما يحط فيه الدهن، وأصل (يدَّهنون) : يتدهنون؛ لأنَّه من باب (الافتعال) ، فقلبت الفاء دالًا، وأدغمت الدَّال في الدَّال.

وزعم ابن حجر أنه يجوز ضم أوله، وإسكان الدَّال.

وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّه على هذا يكون من باب الإدهان، فلا يناسب ما قبله، إلا إذا جاءت فيه رواية بذلك، وذلك لأنَّ معناه بالتشديد: هم يدهنون أنفسهم، وإذا كان من باب (الإفعال) ؛ يكون معناه: هم يدهنون غيرهم، فلا مانع من ذلك، إلا أنه موقوف على الرواية، وقال بعض الشراح عن السفاقسي: فيه ثلاثة أوجه؛ اثنان منها ما ذكرناهما الآن، والوجه الثالث:

[/ص222/] هو تشديد الدَّال وتشديد الهاء أيضًا.

قلت: ولا منع من ذلك من حيث قاعدة التصريف، ولكن رعاية السماع أولى مع رعاية المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه، انتهى.

((لا يرون)) أي: من سلف من الصحابة والتابعين ((به)) أي: باستعمال عِظام الموتى ((بأسًا)) ؛ أي: حرجًا، فلو كان نجسًا؛ لما استعملوه امتشاطًا وادهانًا، وعلم منه ضرورة أنه إذا وقع منه شيء في الماء؛ لا يفسده؛ لأنَّه طاهر، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور؛ لأنَّه لا تحله الحياة، ولحديث أم سَلَمَة رضي الله عنها مرفوعًا: «لا بأس بمسك الميتة إذا دُبِغ، ولا بشعرها إذا غُسِل بالماء»، ولحديث ابن عباس: (إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها، وهو اللحم، فأمَّا السن، والجلد، والعظم، والشعر، والصوف؛ فهو حلال) ، رواهما الدارقطني وغيره، وقال البيهقي: وقد روى عبد الجبار بن مسلم عن الزُّهري شيئًا بمعناه.

وزعم ابن بطال أن حديث أم سَلَمَة رواه يوسف بن أبي السفر، وهو متروك.

وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّه لا يؤثر فيه ما قال إلا بعد جهته، والجرح المبهم غير مقبول عند الحذاق من الأصوليين، وكان هو كاتب الأوزاعي، وقال ابن حبيب: أجاز الليث، وابن الماجشون، وابن وهب، ومطرف، وإصبغ: الامتشاط بها، والادهان فيها، وقال الليث وابن وهب: إن غلا العظم في ماء سخن وطبخ؛ جاز الادهان منه، والامتشاط فيه، وقال مالك والشافعي: عظم الفيلة ونحوه نجس؛ لما رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمَّد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أنه كان يكره أن يدهن في مدهن من عِظام الفيل، وقال ابن المواز: نهى مالك عن الانتفاع بعظم الميتة والفيل، ولم يطلق تحريمها؛ لأنَّ عروة، وابن شهاب، وربيعة أجازوا الامتشاط بها، وقال مالك: إذا ذكي الفيل؛ فعظمه طاهر، وقال الشافعي: الذكاة لا تعمل في السباع؛ فهو نجس؛ لأنَّه تحله الحياة، قال تعالى: {قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 78،79] .

قلت: ما رواه الشافعي لا يدل على أنه نجس؛ لأنَّه موقوف عليه، والكراهة لا تفيد النَّجاسة، بل يفيد الطهارة مع كراهة التنزيه، فيجوز استعماله، لا سيما وقد روي ذلك مرفوعًا إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فكيف يترك العمل بالحديث المرفوع؟! وأيضًا الآية لا تدل على ما قاله؛ لأنَّ معنى إحياء العظام: ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بَدَنٍ حيٍّ حساس؛ بدليل أن أجزاء الإنسان تفرق في مشارق العالم ومغاربه، ويصير بضعه في أبدان السباع، وبعضه في حواصل الطيور، وبعضه في جدران المنازل، فيجمعها سبحانه وتعالى ويردها كما كانت عليه، وهذا معنى الآية، فالعظم لا تحله الحياة؛ فافهم.

((وقال ابن سيرين)) : هو محمَّد التابعي المشهور ((وإبراهيم)) : هو النخعي، وأسقط أكثر الرواة ذكر إبراهيم النخعي، أمَّا تعليق ابن سيرين؛ فذكره عبد الرزاق عن الفربري، ولفظه: (أنه كان لا يرى بالتجارة في العاج بأسًا) ، وفي بعض الروايات ذكر إبراهيم النخعي، ولم أر من الشراح من ذكر لفظ أثره، ولعله باللفظ الذي ذكره المؤلف بقوله: ((لا بأس)) أي: لا حرج ((بتِّجارة العاج)) ؛ أي: بتجارة في العاج، والتِّجارة؛ بكسر المثناة الفوقية، وفي بعض النسخ: (بنُّجارة) ؛ بالنُّون المضمومة، من النجر؛ وهو القشر والخرط؛ والمعنى: لا بأس باستعمال نشارة [2] العاج؛ لأنَّها طاهرة، والرواية المصححة: أنه بالمثناة، ويحتمل أن النجارة؛ بالنُّون محرفة عنها، أو غلط من الناسخين؛ فافهمو (العاج) ؛ بتخفيف الجيم، جمع عاجة، قال الجوهري: العاج: عظم الفيل، وكذا قال في «العباب»، ثم قال: (والعاج أيضًا: الذَّبل؛ وهو ظهر السلحفاة البحرية، يتخذ منه السوار، والخاتم، وغيرهما، وقال جرير:

~ترى العبس الحولي جونًا بكوعها [3] لها مسكًا من غير عاج ولا ذبل

فهذا يدل على أنَّ العاج غير الذَّبل، وفي «المحكم»: العاج: أنياب الفيلة، ولا يسمى غير الناب عاجًا، وقد أنكر الخليل أن يسمى سوى أنياب الفيلة، وذكر غيره أن الذَّبل يسمى: عاجًا، وكذا قاله الخطابي، وأنكروا عليه، والذَّبْل؛ بفتح الذال المعجمة، وسكون الموحدة، قال الأزهري: الذَّبل: القرون، فإذا كان من عاج؛ فهو مسك وعاج، ووقف، وإذا كان من ذبل؛ فهو مسك لا غير.

وزعم ابن حجر قال القالي: العرب تسمي كل عظم: عاجًا، فإن ثبت هذا؛ فلا حجة في الأثر المذكور على طهارة عظم الفيل.

وردَّه في «عمدة القاري» بقوله: (قلت: مع وجود النقل عن الخليل لا يعتبر نقل القالي مع ما ذكرنا من الدليل على طهارة عظم الميتة مطلقًا) انتهى؛ أي: سواء كانت من مأكول اللحم أو غيره، والمراد من الدليل: الأحاديث المرفوعة إلى النبيِّ الأعظم عليه السَّلام، كما وقفت عليها؛ فافهم.

فالأحاديث والآثار في هذا الباب تدل صريحًا على أنَّ عظام الميتة طاهرة مطلقًا، وهو مذهب ابن سيرين وإبراهيم النخعي، فإن أثرهما يدل على الطهارة مطلقًا، كما ذكرنا، ويدل لذلك ما ذكره ابن الملقن من أنه روي عن النبيِّ [عليه] السَّلام: (أنه امتشط بمشط من عاج) ، وروى أبو داود: أنه عليه السَّلام قال لثوبان [4] : «اشتر لفاطمة سوارين من عاج»، لكنهما ضعيفان.

قلت: لكنهما قد تعددت طرقهما، وبتعدادها يتقويان؛ فافهم.

وزعم القسطلاني: أن إيراد المؤلف لهذا كله يدل على أنَّ عنده أن الماء قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجس إلا بالتغيير، كما هو مذهب مالك، انتهى.

قلت: ولا يلزم من إيراده لها أن يكون عنده كذلك؛ لأنَّ مراده بيان المذاهب من الصحابة والتابعين لا بيان مذهبه، على أنه لو كان مذهبه هكذا؛ لأورد حديثًا يدل لما عنده مع أنه قد أنكر حديث القلتين هو وأشياخه، وبعضهم ضعفه من حيث السند والمتن، وقد بسطنا الكلام عليه فيما مضى، والله أعلم.

[1] في الأصل: (ففي)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (بشارة) ، وهو تصحيف.
[3] في الأصل: (الفيل يجري وجوه بكعوبها)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (لنوبان) ، وهو تصحيف.