إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء

(67) (بابُ) حكم (مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ) أي: وقوع النَّجاسات (فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ).
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ ممَّا وصله ابن وهبٍ في «جامعه» عن يونس عنه: (لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ) أي: لا حرج في استعماله في كلِّ حالةٍ، فهو محكومٌ بطهارته (مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ) بكسر الياء، فعلٌ ومفعولٌ، والفاعل قوله [1]: (طَعْمٌ) أي: من شيءٍ نجسٍ (أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ) منه، فإن قلت: كيف ساغ جعل [2] أحد الأوصاف الثَّلاثة مُغيِّرًا، على صيغة الفاعل، والمُغيِّر [3] إنَّما هو الشَّيء النَّجس المخالط للماء، أجيب بأنَّ المُغيَّر في الحقيقة هو الماء، ولكن تغييره لمَّا كان لم يُعلَم إلَّا من جهة أحد أوصافه الثَّلاثة صار هو المُغيِّر [4]، فهو من باب ذكر السَّبب وإرادة المُسبَّب، ومُقتضى قول الزُّهريِّ: أنَّه لا فرق بين القليل والكثير، وإليه ذهب جماعةٌ من العلماء، وتعقَّبه أبو عُبَيْدٍ في «كتاب الطَّهور» له بأنَّه يلزم منه أنَّ من بال في إبريقٍ ولم يغيِّر للماء وصفًا أنَّه يجوز له التَّطهير به، وهو مُستبشَعٌ [5]، ومذهب الشَّافعيِّ وأحمد التَّفريق [6] بالقلَّتين، فما [7] كان دونهما تنجَّس بملاقاة النَّجاسة، وإن لم يظهر فيه [8] تغيُّرٌ لمفهوم حديث القلَّتين «إذا بلغ الماء قلَّتين لم يحمل الخبث» صحَّحه ابن حبَّان وغيره، وفي روايةٍ لأبي داود [9] وغيره بإسنادٍ صحيحٍ: «فإنَّه لا ينجس» وهو المُراد بقوله: «لم يحمل الخبث» أي: يدفع النَّجس ولا يقبله، وهو مُخصِّصٌ لمنطوق حديث [10]: «الماء لا ينجِّسه شيءٌ»، وإنَّما لم يخرِّج المؤلِّف حديث القلَّتين للاختلاف الواقع في إسناده، لكن رواته ثقاتٌ، وصحَّحه جماعةٌ من الأئمَّة إلَّا أنَّ مقدار القلَّتين من الحديث لم يثبت، وحينئذٍ فيكون مُجمَلًا، لكنَّ الظَّاهر أنَّ الشارع إنَّما ترك تحديدهما توسُّعًا، وإلَّا فليس بخافٍ أنَّه [11] عليه الصلاة والسلام ما خاطب أصحابه إلَّا بما يفهمون، وحينئذٍ فينتفي الإجمال لكن لعدم التَّحديد وقع بين [12] السَّلف في مقدارهما خلفٌ، واعتبره الشَّافعيُّ رحمه الله بخمس قُرَبٍ من قرب الحجاز احتياطًا، وقالت [13] الحنفيَّة: إذا اختلطت النَّجاسة بالماء تنجَّس إلَّا أن يكون كثيرًا، وهو الذي إذا حرَّك أحد [14] جانبيه لم يتحرك الآخر، وقال المالكيَّة: ليس للماء الذي تحلُّه النَّجاسة قدرٌ معلومٌ، ولكنَّه متى تغيَّر أحد أوصافه الثَّلاثة تنجَّس، قليلًا كان أو كثيرًا، فلو تغيَّر الماء كثيرًا بحيث يسلبه الاسم بطاهرٍ يُستغنى عنه ضرَّ، وإلَّا فلا.
(وَقَالَ حَمَّادٌ) بتشديد الميم، ابن أبي سليمان الكوفيُّ شيخ أبي حنيفة ممَّا [15] وصله عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه»: (لَا بَأْسَ) أي: لا حرج (بِرِيشِ الْمَيْتَةِ) من مأكولٍ وغيره إذا لاقى الماء لأنَّه لا يغيِّره، أو أنَّه طاهرٌ مُطلَقًا، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة، وقال الشَّافعيَّة [16]: نجسٌ.
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (فِي عِظَامِ الْمَوْتَى نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ) مما [17] لم يُؤكَل: (أَدْرَكْتُ نَاسًا) كثيرين (مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ [18] بِهَا) أي: بعظام الموتى بأن يصنعوا منها مشطًا ويستعملوها (وَيَدَّهِنُونَ) بتشديد الدَّال (فِيهَا) أي: في عظام الموتى بأن يصنعوا منها آنية [19] يجعلون فيها الدُّهن (لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا) أي: حرجًا، فلو كان عندهم نجسًا ما استعملوه امتشاطًا وادِّهانًا، وحينئذٍ فإذا وقع عظم الفيل في الماء لا ينجِّسه
ج1ص301
بناءً على عدم القول بنجاسته، وهو مذهب أبي حنيفة لأنَّه لا تَحلُّه الحياة عنده، ومذهب الشَّافعيِّ أنَّه نجسٌ لأنَّه تحلُّه الحياة، قال تعالى: {قَالَ [20] مَن يُحيي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحييهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 78-79]، وعند مالكٍ: أنَّه يطهر إذا ذُكِّي، كغيره ممَّا لا [21] يُؤكَل إذا ذُكِّي، فإنَّه يطهر.
(وَقَالَ) محمَّد (بْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ) ناب الفيل أو عظمه مُطلَقًا، وأسقط السَّرخسيُّ ذكر «إبراهيم النَّخعيُّ» كأكثر الرُّواة عن الفرَبْريِّ [22]، ثمَّ إنَّ أثر ابن سيرين هذا وصله عبد الرَّزَّاق بلفظ: أنَّه كان لا يرى بالتِّجارة في العاج [23] بأسًا، وهو يدلُّ على أنَّه كان يراه طاهرًا لأنَّه كان لا يجيز بيع النَّجس ولا المتنجِّس الذي لا يمكن تطهيره، كما يدلُّ له قصَّته المشهورة في الزَّيت، وإيراد المؤلِّف لهذا كلِّه يدلُّ على أنَّ عنده أنَّ الماء قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجس إلَّا بالتَّغيُّر، كما هو مذهب مالكٍ.
ج1ص302


[1] «قوله»: سقط من (د).
[2] في (م): «كون».
[3] في (ص): «والمُعتبَر».
[4] في (م): «صار كالمغيِّر».
[5] في (م): «مستشنع».
[6] في (ص): «بالتَّفريق».
[7] في (ص): «ممَّا».
[8] «فيه»: سقط من (د).
[9] في (م): «ذَرٍّ»، وليس بصحيحٍ.
[10] قوله: «بإسنادٍ صحيحٍ: فإنَّه لا ينجس... وهو مُخصِّصٌ لمنطوق حديث» سقط من (ص).
[11] في (ص) و(م): «خافٍ أنَّه».
[12] في (ص): «من».
[13] في (ب) و(م): «وقال».
[14] في (ص) و(م): «إحدى».
[15] في (د) و(ص): «كما».
[16] في (د): «الشَّافعيُّ».
[17] في (ص): «ما».
[18] في (ص): «يمشِّطون».
[19] في (د): «آلة».
[20] «قال»: سقط من (د).
[21] في غير (م): «لم»، وسقط من (ص).
[22] في (ص): «كالفرَبْريِّ».
[23] «بالتِّجارة في العاج»: ليس في (م).