متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

66- (باب) حكم (أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ) جمع: دابَّة، وهي لغة: اسمٌ لما يدبُّ على الأرض، وعرفًا لذي الأربع [1] فقط، (وَ) حكم أبوال (الْغَنَمِ وَ) حكم (مَرَابِضِهَا) بفتح الميم وكسر المُوَحَّدة وبالضَّاد المُعجَمَة، من: ربَض بالمكان يربِض، من باب: «ضَرب يضرِب»؛ إذا أقام به، وهي للغنم كالمعاطن للإبل، وربُوض الغنم؛ كبُروك الإبل، وعطف «الدَّوابِّ» على «الإبل» من عطف العامُّ على الخاصِّ، و«الغنم» على «الدَّوابِّ» من عطف الخاصِّ على العامِّ.

(وَصَلَّى أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريُّ ممَّا وصله أبو نعيم شيخ المؤلف في كتاب «الصَّلاة» له (فِي دَارِ الْبَرِيدِ) بفتح المُوَحَّدة؛ منزل بالكوفة تنزلُه [2] الرُّسل إذا حضروا من عند الخلفاء إلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة من قِبل عمر وعثمان، ويُطلَق «البريد» على الرَّسول، وعلى مسافة اثني عشر ميلًا، (وَالسِّرْقِينِ) معطوفٌ على المجرور السَّابق، وهو بكسر المُهمَلة وفتحها وسكون الرَّاء وبالقاف، ويُقال: السِّرجين؛ بالجيم: روث الدَّوابِّ، مُعرَّبٌ؛ لأنَّه ليس في الكلام «فَعلِيل»؛ بالفتح (وَالْبَرِّيَّةُ)؛ بفتح المُوَحَّدة وتشديد الرَّاء؛ أي: الصَّحراء (إِلَى جَنْبِهِ) الضَّمير لأبي موسى، والجملة حاليَّةٌ (فَقَالَ) أبو موسى: (هَهُنَا وَثَمَّ) بفتح المُثَلَّثَة؛ أي: ذلك والبريَّة (سَوَاءٌ) في جواز الصَّلاة فيه؛ لأنَّ ما فيها من الأرواث والأبوال [3] طاهرٌ، فلا فرق بينها وبين البريَّة، ولفظ رواية أبي نعيم الموصولة: صلَّى بنا أبو موسى في دار البريد، وهناك سرقين الدَّوابِّ والبريَّة على الباب، فقالوا: لو صلَّيت على الباب...؛ فذكره، وأخرجه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» بلفظ: فصلَّى بنا على روثٍ وتبنٍ، فقلنا: تصلِّي ههنا والبريَّة إلى جنبك، فقال: البرِّيَّة وههنا سواءٌ، وأراد المؤلِّف من هذا التَّعليق: الاستدلال على طهارة بول ما يُؤكَل لحمه [4] ، لكنَّه لا حجَّة فيه؛ لاحتمال أنَّه صلَّى على حائلٍ بينه وبين ذلك، وأُجيب: بأنَّ الأصل عدمه، فالأَوْلَى أن يُقال: إنَّ هذا من فعل أبي موسى، وقد خالفه [5] غيره من الصَّحابة؛ كابن عمر وغيره، فلا يكون حجَّةً.

[1] في (م) و(د): «أربع».
[2] في (د): «تنزل به».
[3] في غير (م): «والبول».
[4] «لحمه»: سقط من (د) و(ص).
[5] في (م): «خالف».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(66) بابُ [1] أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَالْغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا

وَصَلَّىَ أبو مُوسَىَ في دارِ البَرِيدِ والسِّرْقِينِ والْبَرِّيَّةُ إلىَ جَنْبِهِ، فقالَ: هاهُنا وَثَمَّ سَواءٌ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.





( الْبَرِيدِ [1] ): الدابة المرتبة في الرِّباط، ثم سُمِّي به الرسول المحمول عليها، ثم سُمِّيَت المسافة به، والجمع: بُرُد بضمتين، قاله المطرزي، والمراد هنا في الحديث الأول.

( السِّرْقِينِ [2] ) بقاف _ ويقال: بجيم _ وتفتح السين وتكسر.

( وَالْبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ ) بموحدة مفتوحة وراء مشددة، قال في «المُحكَم»: البرية من الأرضين خلاف الريفية، والبَريَّة: الصحراء نسبت إلى البَر خلاف البحر، ورواه [/ج1ص105/] ابن الأعرابي بالفتح أيضًا.

وقصد البخاري من هذا الباب طهارة بولِ ما يؤكل لحمُه، ولا حُجةَ له في فعل أبي موسى، ولا في الثالث؛ لاحتمال أنَّه بسط ثوبًا، ولا في حديث أنس الثاني؛ لأنَّه للتداوي ونحن نقول به.

[1] قال محب الدين البغدادي: دار البريد، وفي نسخة: «المربد» بدل: «البريد».
[2] مجرور عطفًا على البريد. وقول ( خ ): «أبوال الإبل والدواب من الغنم» لم يذكر شيئًا يتعلق ببول الدواب، والدابة هي واحد الدواب، وهي في العرف هي ما يركب كما في «الصحاح»، وهي في الأصل لكل ماش على الأرض فلم يذهب أثره.





(66) [باب: أَبْوَالِ الإبِلِ وَالدَّوَابِ وَالْغَنَم وَمَرَابِضِهَا]

(الْبَرِيدِ) الدابة المرتبة في الرباط، ثم سُمي به الرسولُ المحمول عليها، ثم سُميت المسافة به، والجمع بُرُدٌ، قاله المُطَرَّزِيُ، والمراد هنا: الأول.

(السِّرْقِينِ) بقاف، ويقال: بجيم، وبفتح سينه فيهما وتكسر، قال القاضي: وهي فارسيةٌ.

(والبَرِّيةُ إِلَى جَنْبِهِ) بموحدة مفتوحة وراء مشددة.

قال في «الصحاح»: هي [1] الصَّحراء. قال الزركشي: وقصدَ البخاري من هذا الباب طهارةُ بولِ ما يؤكل لحمُه، ولا حجةَ له في فعلِ أبي موسى، ولا في الثالث [2] ؛ لاحتمال أنه بسَطَ ثوباً، ولا في حديث أنس الثاني؛ لأنَّه للتداوي، ونحن نقولُ به.

قلت: قد ورد أنه عليه السلام سُئل عن الاستشفاء بالخمر، فقال: ((ذلكَ داءٌ، وليْسَ بشفَاءٍ)).

وقال ابنُ مسعود: ما كان الله ليجعلَ فيما حرَّمَ شِفاءً.

[1] ((هي)): ليست في (د) و(ج).
[2] في (ق): ((التالي)).





قوله في التَّرجمة: (وَمَرَابِضِهَا): المرابض للغنم؛ كالمعاطن للإبل، واحدها: مَرْبِض؛ مثل مَجلِس، قَالَه الجوهريُّ.

والمَعطِن -بالكسر أيضًا- والعَطَن -بفتحهما- واحد الأعطان والمعاطن؛ وهي مبارك [1] الإبل عند الماء لتشرب عللًا بعد نهل، فإذا استوفت؛ رُدَّت إلى المرعَى.

قوله: (وَصَلَّى أَبُو مُوسَى): تقدَّم أنَّه الأشعريُّ عَبْد الله بن قيس بن سُليم بن حضَّار، الصَّحابيُّ رضي الله عنه.

قوله: (فِي دَارِ البَرِيدِ [2] ): هو الموضع الذِي ينزل فيه البريد، ومواضعها يكون فيه روث الدَّوابِّ غالبًا.

قوله: (وَالسِّرْقِينِ): هو -بكسر السِّين المهملة، وحَكى شيخنا الشَّارح [3] فتحها أيضًا عنِ ابن سيده، وإسكان الرَّاء، وكسر القاف- زبل الدَّوابِّ، [/ج1ص105/] وهو بالفارسيَّة: (سِرجين) ، وكذا قال ابن قتيبة، وهذه الكلمات العجميَّة فيها حروف ليست بمحضة خالصة كألفاظ العربيَّة فتُنطَق بها، وتُكتَب بالحروف التي تقرُبُ منها، و (السِّرقين): مجرور معطوف على (دار) .

قوله: (وَالبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ): (البَرِّيَّةُ): بالرَّفع على الابتداء، وهذا ظاهر، و (إلى جنْبه): الخبر.

قوله: (وَثَمَّ سَوَاءٌ): (ثَمَّ) ؛ بفتح الثَّاء؛ أي: هناك، وقد تقدَّم.

[1] في (ب): (منازل) .
[2] في هامش (ق): (فائد: قال شيخنا: أول من برَّد البريد عمر بن الخطاب) .
[3] (الشارح): ليس في (ب) .





(والْبَرِّيَّةُ): بالرفعِ لا غيرُ؛ لأنَّه مبتدأٌ.

(إِلَى جَنْبِهِ): خبرُه.

وفاعلُ (فَقَالَ) [1] أبو موسى.

[1] في النسختين: (وفاعل «قال»)، والأولى ما أثبت كما في «الكواكب الدراري» (3/85).





66- (باب) حكم (أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ) جمع: دابَّة، وهي لغة: اسمٌ لما يدبُّ على الأرض، وعرفًا لذي الأربع [1] فقط، (وَ) حكم أبوال (الْغَنَمِ وَ) حكم (مَرَابِضِهَا) بفتح الميم وكسر المُوَحَّدة وبالضَّاد المُعجَمَة، من: ربَض بالمكان يربِض، من باب: «ضَرب يضرِب»؛ إذا أقام به، وهي للغنم كالمعاطن للإبل، وربُوض الغنم؛ كبُروك الإبل، وعطف «الدَّوابِّ» على «الإبل» من عطف العامُّ على الخاصِّ، و«الغنم» على «الدَّوابِّ» من عطف الخاصِّ على العامِّ.

(وَصَلَّى أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريُّ ممَّا وصله أبو نعيم شيخ المؤلف في كتاب «الصَّلاة» له (فِي دَارِ الْبَرِيدِ) بفتح المُوَحَّدة؛ منزل بالكوفة تنزلُه [2] الرُّسل إذا حضروا من عند الخلفاء إلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة من قِبل عمر وعثمان، ويُطلَق «البريد» على الرَّسول، وعلى مسافة اثني عشر ميلًا، (وَالسِّرْقِينِ) معطوفٌ على المجرور السَّابق، وهو بكسر المُهمَلة وفتحها وسكون الرَّاء وبالقاف، ويُقال: السِّرجين؛ بالجيم: روث الدَّوابِّ، مُعرَّبٌ؛ لأنَّه ليس في الكلام «فَعلِيل»؛ بالفتح (وَالْبَرِّيَّةُ)؛ بفتح المُوَحَّدة وتشديد الرَّاء؛ أي: الصَّحراء (إِلَى جَنْبِهِ) الضَّمير لأبي موسى، والجملة حاليَّةٌ (فَقَالَ) أبو موسى: (هَهُنَا وَثَمَّ) بفتح المُثَلَّثَة؛ أي: ذلك والبريَّة (سَوَاءٌ) في جواز الصَّلاة فيه؛ لأنَّ ما فيها من الأرواث والأبوال [3] طاهرٌ، فلا فرق بينها وبين البريَّة، ولفظ رواية أبي نعيم الموصولة: صلَّى بنا أبو موسى في دار البريد، وهناك سرقين الدَّوابِّ والبريَّة على الباب، فقالوا: لو صلَّيت على الباب...؛ فذكره، وأخرجه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» بلفظ: فصلَّى بنا على روثٍ وتبنٍ، فقلنا: تصلِّي ههنا والبريَّة إلى جنبك، فقال: البرِّيَّة وههنا سواءٌ، وأراد المؤلِّف من هذا التَّعليق: الاستدلال على طهارة بول ما يُؤكَل لحمه [4] ، لكنَّه لا حجَّة فيه؛ لاحتمال أنَّه صلَّى على حائلٍ بينه وبين ذلك، وأُجيب: بأنَّ الأصل عدمه، فالأَوْلَى أن يُقال: إنَّ هذا من فعل أبي موسى، وقد خالفه [5] غيره من الصَّحابة؛ كابن عمر وغيره، فلا يكون حجَّةً.

[1] في (م) و(د): «أربع».
[2] في (د): «تنزل به».
[3] في غير (م): «والبول».
[4] «لحمه»: سقط من (د) و(ص).
[5] في (م): «خالف».





( ومَرَابِضِهَا ): جمع مربض بكسر أوَّله وفتح الموحَّدة بعدها معجمة، وهي للغنم كالمعاطن للإبل.

( دَارِ الْبَرِيدِ ): موضع بالكوفة كانت الرُّسل تنزل فيه إذا حضرت من الخلفاء إلى الأمراء. قال المطرِّزيُّ: البريد في الأصل الدَّابَّة المرتبة في الرِّباط، ثمَّ سُمِّيَ به الرَّسول المحمول عليها، ثمَّ سُمِّي به المسافة المشهورة.

( السِّرْقِينِ ): بكسر المهملة، وحُكِيَ فتحها وسكون الرَّاء، ويقال: «السِّرجين»، فارسيٌّ: الزِّبل.

( الْبَرِّيَّةُ ): بفتح الموحَّدة وكسر الرَّاء المشدَّدة: الصَّحراء، منسوبة إلى البرِّ.


(66) (بابُ أبوالِ الإبلِ) [1]

[1] ما بين قوسين من هامش (ر).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

(66) (باب أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ) الحديث إلى آخره.

(دَار الْبَرِيدِ): الموضع الذي ينزل فيه البريد، ومواضعها يكون فيها الروث.

و(السِّرْقِيْن): الزِّبل.


هذا ((باب)) في بيان حكم ((أبوال الإبل والدواب والغنم)) وإنما جمع الأبوال؛ لأنَّه ليس المراد ذكر حكم بول الإبل فقط، بل المراد بيان حكم بول الإبل، وبول الدواب، وبول الغنم، ولكن ليس في الباب إلا ذكر بول الإبل فقط، ولا واحد للإبل من لفظها، وهي مؤنثة؛ لأنَّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين؛ فالتأنيث لها لازم، وقد تسكن الباء فيه؛ للتخفيف، والجمع آبال، والدواب جمع دابة، وهي في اللغة: اسم لما يدب على الأرض، فيتناول سائر الحيوانات، وفي العرف: اسم لذي الأربع خاصة، وزعم الكرماني أن معناه العرفي: وهو ذوات الحوافر؛ يعني: الخيل والبغال والحمير، ورده في «عمدة القاري»: بأنه ليس معناه العرفي منحصرًا في هذه؛ بل يطلق على كل ذي أربع، والبخاري لم يذكر في هذا الباب إلا حديثين؛ أحدهما يُفْهَمُ منه حكم بول الإبل، والآخر يُفْهَمُ منه جواز الصَّلاة في مرابض الغنم، فعلى هذا؛ ذِكْرُ لفظة الدواب لا فائدة فيها [1] ، واعترضه العجلوني بما زعمه ابن حجر أن حكم الدواب أشار إليه سياق أثر أبي موسى في صلاته في دار البريد؛ لأنَّها مأوى الدواب التي تركب، ويحتمل أن يكون أشار إلى حديث ليس على شرطه، انتهى.

قلت: وهو مردود؛ فإن أثر أبي موسى لا يدل على ما زعمه؛ لأنَّ البريد في الأصل الدابة المرتبة للرباط، ثم سمي به الرسول الراكب عليها، ثم سميت به المسافة المشهورة كما في «المغرب»، ودعوى أن يكون أشار إلى حديث ليس على شرطه ممنوعة باطلة؛ لأنَّه من المعيب أن يترجم لحكم ولا يذكر حديثًا يدل عليه، وإذا كان للحكم حديثٌ [2] ليس على شرطه؛ فعدم تعرُّضه له دليل على أنه غير راضٍ به، فلا يذكر الحكم في الترجمة، ويشير إليه؛ لأنَّه إذا كان الدليل غير قوي، فكيف الحكم المبنيُّ عليه؟! وهذا من التخبيط، وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن يكون من عطف العام على الخاص، واعترضه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: هو كذلك، فأي شيء ذكر فيه الاحتمال فيه وفيه عطف الخاص على العام أيضًا، وهو عطف الغنم على الدواب) انتهى.

وقد ركب العجلوني متن عمياء، وخبط خبطًا عشواء هنا؛ فليحفظ.

((ومرابضها)) بالجر عطفًا على قوله: ((والغنم)) ؛ وهي جمع مربض؛ بفتح الميم، وكسر الموحدة، من رَبَضَ بالمكان يَرْبِض من باب (ضرَب يضرِب) ؛ إذا لصق به وأقام ملازمًا له، والمربض: المكان الذي يربض فيه، والمرابض للغنم؛ كالمعاطن للإبل؛ وربوض الغنم؛ كنزول الجمل، والضمير في (مرابضها) يرجع إلى الغنم؛ لأنَّه أقرب المذكورات، كما لا يخفى، والغنم: اسم جنس جمعي؛ كالإبل يقع على المذكر والمؤنث، وإذا صغرتها؛ قلت: غُنَيمة؛ لأنَّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين؛ فالتأنيث لازم لها، كما قلنا.

وزعم ابن حجر أن المِرَابض؛ بكسر أوله، وفتح الموحدة، ورده في «عمدة القاري»: (بأن هذا غلط صريح وليس لقائله مس بالعلوم الأديبة) انتهى.

وزعم العجلوني بأنه قد يتكلف لتصحيحه بأن مكان الربوض يمكن جعله آلة تجوُّزًا، انتهى.

قلت: وهو مردود وممنوع، فإنه لا يجوز المصير إلى المجاز مع وجود الحقيقة، على أنه لا داعي إلى هذا التكلف، وما هو إلا تشديد بني إسرائيل، فإن ابن حجر ليس بمعصوم، بل يجوز عليه الخطأ والغلط وغيرهما؛ فافهم.

((وصلى أبو موسى)) ؛ هو عبد الله بن قَيْس الأشعري، وهذا الأثر وصله أبو نعيم شيخ المؤلف في كتاب «الصَّلاة» له، قال: حدثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث -هو السلمي الكوفي- عن أبيه قال: (صلى بنا أبو موسى في دار البريد، وهناك سرقين الدواب، والبرية على الباب) ؛ فذكره، وهذا تفسير لما ذكره المؤلف معلَّقًا، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في «مصنفه» فقال: حدثنا وكيع: حدثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبيه قال: (كنا مع أبي موسى في دار البريد، فحضرت الصَّلاة، فصلى بنا على روث وتبن، فقلنا: تصلي ههنا، والبرية إلى جنبك؟ فقال: البرية وههنا سواء) ، وتمامه في «عمدة القاري»، ((في دار البريد)) ؛ وهي دار ينزلها من يأتي برسالة السلطان، والمراد بـ (دار البريد) ههنا: موضع بالكوفة كانت الرسل تنزل فيه إذا حضروا من الخلفاء إلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة في زمن عمر، وفي زمن عثمان رضي الله عنه، وكانت الدار في طرف البلد، ولهذا كانت البرية إلى جنبها، والبَريد؛ بفتح الموحدة: المرتب، والرسول، واثنا عشر ميلًا، قاله الجوهري، وقال في «المغرب»: (البريد في الأصل: الدابة المرتبة للرباط، ثم سمِّي به الرسول الراكب عليها، ثم سميت به المسافة المشهورة) انتهى.

قلت: فكأن البريد صار اسمًا [3] لهذه المسافة المشهورة، وهو حقيقة عرفية؛ فليحفظ.

((والسِّرقين)) ؛ بكسر السين المهملة، وسكون الراء؛ هو الزبل، وحكي فيه: فتح أوله، وهو فارسي معرب، ويقال له: السرجين؛ بالجيم، وهو في الأصل حرف بين القاف والجيم يقرب من الكاف، ويجوز فيه أن يكون معطوفًا على الدار، وعلى البريد، قال الكرماني: (ويروى بالرفع) ، ولم يذكر وجهه، قال في «عمدة القاري»: (ووجهه أن يكون مبتدأ) ، وقوله: ((والبَرِّيَّة)) ؛ بالرفع عطفًا عليه، وهي بتشديد الراء، وفتح الموحدة، وتشديد التحتية؛ الصحراء منسوبة إلى البر خلاف البحر، والجمع البراري، وقوله: ((إلى جنبه)) : خبره، ويكون محل الجملة النصب على الحال، وعلى تقدير جر (السِّرقين) يكون ارتفاع (البرية) على الابتداء، وما بعده خبره، والجملة حال أيضًا، والضمير يعود لأبي موسى رضي الله عنه، والجنب والجانب والجنبة والناحية، يقال: قعدت إلى جنب فلان، وإلى جانب فلان بمعنى واحد؛ أي: ناحيته، كذا قرره في «عمدة القاري»، ((فقال)) ؛ أي: أبو موسى جواب لمقدر كما دل عليه ما تقدم في رواية ابن أبي شيبة: (فقالوا: تصلي ههنا والبرية إلى جنبك؟) ((ههنا)) : إشارة إلى المكان القريب، وهو دار البريد، وهي مصلاه، ومحله رفع على الابتداء، وقوله: ((وثَمَّ)) ؛ بفتح المثلثة، وتشديد الميم، إشارة إلى المكان البعيد؛ وهو البرية، عطف عليه، وخبره قوله: ((سَواء)) ؛ بالمدِّ، وفتح السين؛ بمعنى مستوٍ؛ يعني: أنهما متساويان في صحة الصَّلاة، وقال ابن بطال: (وافق البخاري أهل الظاهر، وقاس بول ما لا يؤكل لحمه على بول الإبل، ولذلك قال: (وصلى أبو موسى في دار البريد والسرقين) ؛ ليدل على طهارة أرواث الدواب وأبوالها، ولا حجة له فيها؛ لأنَّه يمكن أن يكون صلى على [/ص214/] ثوب بسطه فيه، أو في مكان يابس لا تعلق به نجاسةٌ، وقد قال عامَّة الفقهاء: إن من بسط على موضع نجس بساطًا وصلى فيه أنَّ صلاته جائزة، ولو على السرقين بغير بساط؛ لكان مذهبًا له، ولم يجز مخالفة الجماعة به) انتهى؛ يعني: أنه من فعل أبي موسى، وقد خالفه غيره من الصحابة؛ كابن عمر وغيره، فلا يكون حجة، والتمسك بعموم الأحاديث الصحيحة التي منها ما رواه ابن خزيمة، وصححه وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «استَنْزِهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه»؛ أولى؛ لظهوره في تناول جميع الأبوال، فيجب اجتنابها؛ لهذا الوعيد الشديد، وقال ابن حجر معترضًا على ابن بطال: بأن الأصل عدم الحائل، وقد رواه سفيان في «جامعه» عن الأعمش، ولفظه: (صلى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقين) ، وهذا ظاهر أنه بغير حائل، ورده في «عمدة القاري»: (بأن الظاهر أنه كان بحائل؛ لأنَّ شأنه يقتضي أن يحترز عن الصَّلاة على السرقين) انتهى.

وزاد في الطنبور نغمة العجلوني، وقال: (بل الظاهر من قوله: (ههنا وثَمَّ سواء) في جواب اعتراضهم عليه أنه لم يحترز والحالة ما ذكر، ولا ينافي هذا ما تقدم أنه كان يشدد في البول؛ لأنَّ المراد به بول الناس) انتهى.

قلت: وهذا مردود وممنوع فإن قوله: (ههنا وثَمَّ سواء) ؛ أي: في صحة الصَّلاة كما علمت، واعتراضهم عليه إنَّما كان لأجل أنهم كانوا في مهب ريح أو قرب نجاسة، فاعترضوا عليه؛ لأنَّه ربما يأتي على البساط من السرقين أو النجاسات، فالظاهر المتبادر أنه كان بحائل.

وقوله: (ولا ينافي هذا...) إلخ، بل هو منافٍ له حقيقة؛ لأنَّه إذا كان يشدد في البول؛ ففي غيره من السرقين من باب أولى، على أن المراد بالبول جميع الأبوال، ويدل له حديث: «استنزهوا من البول»، فإنه عام في جميع الأبوال، وإذا كان يحترز عن البول؛ ففي احترازه عن السرقين أولى؛ لأنَّه كان يرى الطهارة من النجاسة شرطًا في صحة الصَّلاة، ويدل له ما تقدم عن أبي نعيم، ولفظه: (صلى بنا أبو موسى في دار البريد وهناك سرقين الدواب) ، فهذا ظاهر في أنه كان يحترز عن السرقين، وأنه كان بحائل؛ فليحفظ.

وزعم ابن حجر بأنه قد روى سَعِيْد بن منصور، عن سَعِيْد بن المسيِّب، وغيره: أن الصَّلاة على الطنفسة محدث، إسناده صحيح، ورده في «عمدة القاري»: بأن كون الصَّلاة على الطنفسة محدثة لا يستلزم أن يكون على الحصير ونحوه كذلك، فيحتمل أن يكون أبو موسى قد صلى في دار البريد أو السرقين على حصير أو نحوه، وهو الظاهر على أن الطَِّنفسة؛ بكسر الطاء وفتحها: بساط له خمل رقيق، ولم يكونوا يستعملونها في حالة الصَّلاة؛ لاستعمال المُسرِفين إياها، فكرهوا ذلك في الصدر الأول، واكتفَوا بالدون من السجاجيد تواضعًا، بل كان أكثرهم يصلي على الحصير، بل كان الأفضل عندهم الصَّلاة على التراب تواضعًا ومسكنة) انتهى كلامه رحمه ورضي عنه الله تعالى، اللهم؛ فرج عنا وعن المسلمين.

[1] في الأصل: (فيه)، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (حديثًا)، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (اسم)،و ليس بصحيح.