متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

230- وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الزَّاي المُعجَمَة؛ يعني [1] : ((ابن زُريعٍ))، كما في رواية ابن السَّكن، أحد الرُّواة عن الفربريِّ، كما نقله الغسَّانيُّ في كتاب «تقييد المُهمَل»، وكذا أشار إليه الكلاباذيُّ، وصحَّحه المزِّيُّ، أو هو: ((ابن هارون))، كما رواه الإسماعيليُّ من طريق الدَّوْرَقِيِّ وأحمد بن منيعٍ، ورجَّحه القطب الحلبيُّ والعينيُّ، وليس هذا الاختلاف مؤثِّرًا في الحديث؛ لأنَّ كلًّا من ابن هارون وابن زريعٍ ثقةٌ على شرط المؤلِّف، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين؛ ((يعني: ابن ميمونٍ))، كما في رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي [2] ، ابن مهران، (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو: ((ابن يسارٍ))، كما لأبَوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها.

(ح) إشارةٌ إلى التَّحويل: (وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هو ابن زِيادٍ؛ بكسر الزَّاي ثمَّ [3] مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) بفتح العينِ؛ أي: ابن مهران السَّابق [خ¦229] ، (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) السَّابق (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، وفي السَّابق: ((سمعت)) وكذا هو في «مسلمٍ»، والسَّماع لا يستلزم السُّؤال ولا السُّؤال السَّماع، ومن ثمَّ ذكرهما؛ ليدلَّ على صحَّتهما، وتصريحه بالسَّماع هنا يردُّ على البزَّار حيث قال: إنَّ سليمان بن يسارٍ لم يسمع من [4] عائشة، (عَنِ) الحكم في (الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ) هل يُشرَع غسله أو فركه؟ (فَقَالَتْ) عائشة [5] رضي الله عنها: (كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَيَخْرُجُ) من الحجرة (إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ) هو (بُقَعُ الْمَاءِ) بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، كأنَّه قِيلَ: ما الأثر الذي في ثوبه؟ فقالت [6] : هو بقع الماء، ويجوز النَّصب على الاختصاص، والوجه الأوَّل هو الذي في «فرع اليونينيَّة»، ولفظة: «كنت» وإن اقتضت تكرار الغسل هنا [7] ؛ فلا دلالة فيها على الوجوب لحديث الفرك المرويِّ في«مسلمٍ»، فالغسل محمولٌ على النَّدب؛ جمعًا بين الحديثين كما سبق.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع والسُّؤال.

[1] «يعني»: سقط من (د).
[2] «عن المستملي»: سقط من (د).
[3] في (ب) و(س): «ومثناة».
[4] في (ص): «عن».
[5] «عائشة»: سقط من (د).
[6] في (مد): «فقال».
[7] «هنا»: سقط من (د).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

230-. حدَّثنا قُتَيْبَةُ، قالَ: حدَّثنا يَزِيدُ، قالَ: حدَّثنا عَمْرٌو [1] ، عن سُلَيْمانَ [2] ، قالَ: سَمِعْتُ عائِشَةَ:

(خ): وَحدَّثنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حدَّثنا عَبْدُ الواحِدِ، قالَ: حدَّثنا عَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ، عن سُلَيْمانَ بنِ يَسارٍ قالَ:

سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فقالتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَخْرُجُ إلى الصَّلَاةِ، وَأَثَرُ الغَسْلِ في ثَوْبِهِ: بُقَعُ [3] المَاءِ.

[1] في رواية أبي ذر والمُستملي زيادة: «يعني ابنَ مَيْمُون».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «بن يَسَار».
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

230- قوله: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ [1] ): قال الدِّمياطيُّ: (قال أَبُو مسعود: هو ابن هارون، وليس بابن زريع، وجميعًا قد روياه) انتهى.

وقال شيخنا: (وقد رواه الإِسْمَاعِيليُّ من طريق جماعة عن يزيد بن هارون، وكذا رواه أَبُو نعيم، وأبو نصر السَّجزيُّ في «فوائده»، وقال: (خرًّجه البخاريُّ من حديثه، والحديث محفوظ لابن هارون) ، وكذا ساقه الجيَّانيُّ من حديثه أيضًا، وقال المِزِّيُّ: (الصَّحيح: أنَّه يزيد بن زُرَيع، فإنَّ قتيبة مشهور بالرِّواية عنِ ابن زريع دون ابن هارون، قلت: وكذا نسبه ابن السَّكن، فقال: يزيد؛ يعني: ابن هارون، وأشار إليه الكلاباذيُّ) انتهى، فقوله: (فقال: يزيد؛ يعني: ابن هارون): كذا قرأته عليه في الشَّرح، وهو سبق قلم؛ لأنَّ مقتضى التَّصنيف أنْ يكون ابن زريع، وكذا ذكره الجيَّانيُّ منسوبًا إلى ابن السَّكن، وأنَّه أشار إليه أبو نصر الكلاباذيُّ، فالصَّواب [2] في هذا الموضع المنسوب لابن السَّكن: ابن زريع لا ابن هارون، وعنى شيخنا بأبي نصر السَّجزيِّ عبيد الله بن سعيد في «فوائد أبي الحسن بن صخر»، وقد راجعت كلام المِزِّيِّ، فرأيته ذكر ما لفظه: (قال أَبُو مسعود في كتاب الفربريِّ وحمَّاد _ يعني: ابن [3] شاكر أيضًا-: «يزيد» مطلق -يعني: شيخ قتيبة- يقال: إنَّه ابن هارون وليس بابن زريع، وجميعًا قد روياه، زاد المِزِّيُّ: (الصَّحيح: أنَّه يزيد بن زريع، فإنَّ قتيبة مشهور بالرِّواية عنهُ دون ابن هارون) انتهى.

قوله: («ح»: وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ): تقدَّم الكلام على (ح) ، وعلى النُّطق بها وكتابتها في أوَّل هذا التَّعليق؛ فانظره إنْ أردته.

قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِد): هذا هو ابن زياد العبديُّ مولاهم، البصريُّ، عن عاصم الأحول، والأعمش، وعنه: ابن مهديٍّ، ومُسَدَّد، وقتيبة، قال النَّسائيُّ: (ليس به بأس) ، وقال أحمد وغيره: (ثقة، وله مناكير نُقِمت عليه، اجتنبها صاحبا «الصَّحيح») ، أخرج له الجماعة، توفِّي سنة (176 هـ ) ، وله ترجمة في «الميزان»، وقد تقدَّم.

قوله: (بُقَعُ): هو بالرَّفع، وهذا ظاهر، وهو جمع بقعة.

[1] في (ب): (بريد) ، وكذا في المواضع اللاحقة، وهو تحريفٌ.
[2] في (ب): (والصواب) .
[3] (ابن): ليس في (ج) .





لا تتوفر معاينة

230- وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الزَّاي المُعجَمَة؛ يعني [1] : ((ابن زُريعٍ))، كما في رواية ابن السَّكن، أحد الرُّواة عن الفربريِّ، كما نقله الغسَّانيُّ في كتاب «تقييد المُهمَل»، وكذا أشار إليه الكلاباذيُّ، وصحَّحه المزِّيُّ، أو هو: ((ابن هارون))، كما رواه الإسماعيليُّ من طريق الدَّوْرَقِيِّ وأحمد بن منيعٍ، ورجَّحه القطب الحلبيُّ والعينيُّ، وليس هذا الاختلاف مؤثِّرًا في الحديث؛ لأنَّ كلًّا من ابن هارون وابن زريعٍ ثقةٌ على شرط المؤلِّف، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين؛ ((يعني: ابن ميمونٍ))، كما في رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي [2] ، ابن مهران، (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو: ((ابن يسارٍ))، كما لأبَوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها.

(ح) إشارةٌ إلى التَّحويل: (وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هو ابن زِيادٍ؛ بكسر الزَّاي ثمَّ [3] مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) بفتح العينِ؛ أي: ابن مهران السَّابق [خ¦229] ، (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) السَّابق (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، وفي السَّابق: ((سمعت)) وكذا هو في «مسلمٍ»، والسَّماع لا يستلزم السُّؤال ولا السُّؤال السَّماع، ومن ثمَّ ذكرهما؛ ليدلَّ على صحَّتهما، وتصريحه بالسَّماع هنا يردُّ على البزَّار حيث قال: إنَّ سليمان بن يسارٍ لم يسمع من [4] عائشة، (عَنِ) الحكم في (الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ) هل يُشرَع غسله أو فركه؟ (فَقَالَتْ) عائشة [5] رضي الله عنها: (كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَيَخْرُجُ) من الحجرة (إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ) هو (بُقَعُ الْمَاءِ) بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، كأنَّه قِيلَ: ما الأثر الذي في ثوبه؟ فقالت [6] : هو بقع الماء، ويجوز النَّصب على الاختصاص، والوجه الأوَّل هو الذي في «فرع اليونينيَّة»، ولفظة: «كنت» وإن اقتضت تكرار الغسل هنا [7] ؛ فلا دلالة فيها على الوجوب لحديث الفرك المرويِّ في«مسلمٍ»، فالغسل محمولٌ على النَّدب؛ جمعًا بين الحديثين كما سبق.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع والسُّؤال.

[1] «يعني»: سقط من (د).
[2] «عن المستملي»: سقط من (د).
[3] في (ب) و(س): «ومثناة».
[4] في (ص): «عن».
[5] «عائشة»: سقط من (د).
[6] في (مد): «فقال».
[7] «هنا»: سقط من (د).





230- ( يَزِيدُ ) زاد ابن السَّكن: «يعني ابن زريع».

(حَدَّثَنَا عَمرُو ) زاد أبو ذرٍّ: «يعني ابن ميمون».

( بُقَعُ الْمَاءِ ): بالرَّفع بدل من أثر.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

230- وبه قال: ((حدثنا قُتِيْبة)) هو ابن سَعِيْد؛ بضمِّ القاف، وفتح الفوقية، وسكون التحتية ((قال: حدثنا يزيد)) من الزيادة غير منسوب، قال في «عمدة القاري»: (واختلف فيه فقيل: هو يزيد بن زريع، وقيل: يزيد بن هارون، وكلاهما رويا عن عمرو بن ميمون، ووقع في رواية الفربري غير منسوب، ووقع في رواية ابن السكن أحد الرواة عن الفربري: حدثنا يزيد هو ابن زريع، وكذا أشار إليه الكلاباذي، ثم قال: (فإن قلت: الاختلاف المذكور في يزيد هل هو ابن زريع أو ابن هارون التباسٌ وهو يقدح في الحديث؟

قلت: لا التباس ولا قدح؛ لأنَّ أيَّا كان هو عدل ضابط بشرط البخاري، وإنما كان يُقْدَحُ لو كان أحدهما على غير شرطه) انتهى، والله أعلم.

ورجح القطب الحلبي أنه ابن هارون قال: (لأنَّه لم يوجد من رواية ابن زريع، ووجد من رواية ابن هارون، واعترضه ابن حجر: بأنه لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود، وقد جزم ابن مسعود: بأنه رواه، فدل على وجدانه، ورده في «عمدة القاري»: بأنه ليس كذلك، فإن أبا مسعود ما جزم به، وإنما قال: يقال: هو ابن هارون لا ابن زريع، ورواه الإسماعيلي من طريق الدورقي، وأحمد بن منيع، ويوسف بن موسى؛ قالوا: حدثنا يزيد بن هارون، ورواه أبو نعيم من حديث الحارث بن أبي أسامة أخبرنا يزيد بن هارون، وذكره الجيَّاني أيضًا، ورجح ابن حجر كلامه في كون يزيد هذا ابن زريع لا ابن هارون بشيئين لا ينهض كلامه بهما؛ أولهما: بقوله: وقد خرجه الإسماعيلي وغيره من حديث يزيد بن هارون بلفظ مخالف للسياق الذي أورده البخاري، وهذا من مرجحات كونه ابن زريع، والثاني: قال: وقتيبة معروف بالرواية عن يزيد بن زريع دون ابن هارون، ورد الأول في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: هذا الذي قاله حجة عليه، ورد لكلامه؛ لأنَّ مخالفة لفظ من روى هذا الحديث لسياق البخاري، وليست بمرجحة؛ لكون يزيد هذا هو ابن زريع مع صراحة ذكر هارون في الروايات المذكورة) ، ورد الثاني بقوله: (قلت: هذا أيضًا حجة عليه، ومردود عليه؛ لأنَّ كون قتيبة معروفًا بالرواية عن يزيد بن زريع لا ينافي روايته عن يزيد بن هارون بعد أن ثبت أن قتيبة روى عنهما جميعًا، ولقد غره في هذا ما قاله المزِّيُّ: «الصحيح أنه يزيد بن زريع، فإن قتيبة مشهور بالرواية عن ابن زريع دون ابن هارون») انتهى.

قالوا: وفيه نظر، ووجهه ما ذكرناه، وكان قصد هذا القائل توهية كلام الحلبي، والدليل عليه ذكره إياه بما ذكره، ولا يخفى ذلك على من له فطانة، انتهى كلامه رضي الله عنه.

((قال: حدثنا عَمرو)) بفتح العين، وفي رواية؛ (يعني: ابن ميمون) ، ((عن سليمان)) ؛ بضمِّ السين المهملة، هو ابن يسار، كما في رواية ((قال: سمعت عائشة)) ؛ الصديقة رضي الله عنها.

((ح)) إشارة إلى التحويل من إسناد قبل ذكر متن الحديث إلى إسناد آخر له: ((وحدثنا مسدد)) هو ابن مسرهد ((قال: حدثنا عبد الواحد)) هو ابن زياد البصري أبو بشر ثقة صدوق، المتوفى سنة سبع وسبعين ومئة بالبصرة، قال في «عمدة القاري»: (وفي طبقته عبد الواحد بن زيد البصري، ولم يخرِّج له المؤلف شيئًا) ((قال: حدثنا عمرو)) بفتح العين؛ ((يعني: ابن ميمون)) أشار به إلى أن شيخه لم ينسبه، وهذا تفسير له من تلقاء نفسه، وفي رواية عمرو غير منسوب، ((عن سُليمان)) بضمِّ المهملة: هو ابن يسار ((قال: سألت عائشة)) ؛ الصديقة رضي الله عنها، وأشار المؤلف في الإسناد الأول بقوله: سمعت، وفي هذا الثاني (سألت) إلى الرد على من زعم أن سليمان بن يسار لم يسمع من عائشة رضي الله عنها؛ منهم: أحمد ابن حنبل، والبزار، وقد صرح المؤلف بسماعه منها، وكذا هو في «صحيح مسلم»، قال في «عمدة القاري» بعد ذكره وفي (سمعت) ، و (سألت) لطيفة أخرى لم يأت بها الشراح، وهي أن كل واحدة من هاتين اللفظتين لا تسلتزم الأخرى؛ لأنَّ السماع لا يستلزم السؤال، ولا السؤال يستلزم السماع، فلذلك ذكرهما في الإسنادين؛ ليدل على صحة السؤال، وصحة السماع؛ فافهم، والله أعلم، ((عن المني)) أي: عن حكم المني ((يصيب الثوب)) هل يُغْسَلُ رطبًا، ويُفْرَكُ يابسًا؟ ((فقالت)) ؛ أي: عائشة رضي الله عنها: ((كنت أغسله)) أي: المني ((من ثوب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم))

[/ص210/] وأتت بـ (كنت) ؛ إشارة إلى تكرار الفعل منها واستمراره، ففيه: دليل واضح على أن المني نجس؛ لأنَّ الطاهر لا يغسل، هذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك، والجمهور وهو حجة على الشافعي؛ حيث قال بطهارته، ولا دليل يدل على ما قاله، فإن أحاديث الباب واضحة الدلالة على أنه نجس؛ فليحفظ، ((فيخرج)) أي: النبيُّ الأعظم عليه السلام من الحجرة ((إلى الصَّلاة)) أي: في المسجد الشريف ((وأثر الغسل في ثوبه)) ؛ أي: لم يجفَّ ((بُقَعُ الماء)) ؛ بضمِّ الموحدة، وفتح القاف، مرفوع على جواب سؤال مقدر؛ تقديره: أن يقال ما ذلك الأثر؟ فأجاب بقوله: بقع الماء، وفي الحقيقة؛ أي: هو بقع الماء يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، ويجوز فيه النصب على الاختصاص؛ أي: أعني بقع الماء، وقول ابن حجر: هو بدل ليس بشيء، أفاده في «عمدة القاري»، وقدمنا أن ترجمة الباب مشتملة على ثلاثة أحكام ولم يذكر المؤلف فيه إلا حكم غسل المني، والحكم الثالث: ذكره في أواخر كتاب (الغسل) ، وأما الحكم الثاني؛ فقد أفصح عنه في «عمدة القاري» حيث قال: (ثم إن بعضهم ذكر كلامًا لا يَذْكُرُه من له بصيرة ورؤية، وفيه رد لما ذهب إليه الأئمَّة الحنفية، ومع هذا أخذ كلامه هذا من الخطابي مع تغييره، وهو أنه قال: وليس بين حديث الغسل وحديث الفرك تعارض؛ لأنَّ الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني بأن يُحْمَل الغسل على الاستحباب؛ للتنظيف لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعية وأحمد، وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطبًا، والفرك على ما كان يابسًا، وهذه طريقة الحنفية، والطريقة الأولى أرجح؛ لأنَّ فيها العمل بالخبر والقياس معًا؛ لأنَّه لو كان نجسًا؛ لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه؛ كالدم وغيره، وهم لا يكتفون فيما لا يُعْفَى عنه من الدم بالفرك.

ورده في «عمدة القاري» بقوله: (قلت: من هذا الذي ادَّعى تعارضًا بين الحديثين المذكورين حتى يحتاج إلى التوفيق، ولا نسلم التعارض بينهما أصلًا، بل حديث الغسل يدلُّ على نجاسة المني بدلالة غسله، وكان هذا هو القياس أيضًا في يابسه، ولكن خُصَّ بحديث الفرك.

وقوله: (بأن يحمل الغسل على الاستحباب؛ للتنظيف لا على الوجوب) كلام واهٍ، وهو كلام من لا يدري مراتب الأمر الوارد في الشرع فأعلى مراتب الأمر الوجوب وأدناها الإباحة، وهنا لا وجه للثاني؛ لأنَّه عليه السلام لم يتركه على ثوبه أبدًا، وكذلك الصحابة من بعده، ومواظبته عليه السلام على فعل شيء من غير ترك في الجملة تدل على الوجوب بلا نزاع فيه، وأيضًا الأصل في الكلام الكمال، فإذا أطلق اللفظ؛ ينصرف إلى الكامل إلا أن يصرف ذلك بقرينة تقدم، فيدل عليه حينئذٍ، وهو فحوى كلام أهل الأصول أن الأمر المطلق -أي: المجرد عن القرائن- يدل على الوجوب.

وقوله: (والطريقة الأولى أرجح...) إلخ؛ هذه غير راجحة فضلًا على أن تكون أرجح، بل هو غير صحيح أصلًا؛ لأنَّه قال فيها: العمل بالخبر؛ لأنَّ من يقول بطهارة المني يكون غير عامل بالخبر؛ لأنَّ الخبر يدل على نجاسته، كما قلنا، وكذلك قوله فيها: العمل بالقياس، غير صحيح أيضًا؛ لأنَّ القياس وجوب غسله مطلقًا، ولكن خُصَّ بحديث الفرك، كما ذكرنا.

فإن قلت: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه؛ كالمخاط؟

قلت: لا نسلم أن القياس غير صحيح؛ لأنَّ المخاط لا يتعلق بخروجه حدث ما أصلًا، والمني موجب لأكبر الحدثين؛ وهو الجنابة، وسقوط الغسل في يابسه لا نسلم أنه يدل على الطهارة؛ لأنَّه لا يلزم من سقوط الغسل الطهارة، كما في موضع الاستنجاء.

وقوله: (كالدم وغيره...) إلخ؛ قياس فاسد؛ لأنَّه لم يأت نصٌّ بجواز الفرك في الدم ونحوه، وإنما جاء في يابس المني على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص.

فإن قلت: قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا} [الفرقان: 54] ، سمَّاه ماء وهو في الحقيقة ليس بماء، فدل على أنه أراد به التشديد في الحكم، ومن حكم الماء أن يكون طاهرًا؟

قلت: إن تسميته ماء لا يدل على طهارته؛ فإن الله تعالى سمَّى من الدواب بقوله: والله خلق كل دابة من ماء، فلا يدل ذلك على طهارة ماء الحيوان.

فإن قلت: إنه أصل الأنبياء والأولياء، فيجب أن يكون طاهرًا.

قلت: هو أيضًا أصل الأعداء؛ كنمرود، وفرعون، وهامان، وغيرهم، على أنا نقول: العلقة أقرب إلى الإنسان من المني، وهو أيضًا أصل الأنبياء عليهم السلام، ومع هذا لا يقال: إنها طاهرة، وقال هذا القائل أيضًا: وترد الطريقة الثانية أيضًا ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة رضي الله عنها: (كان يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه) ، فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين.

قلت: رد الطريقة الثانية بهذا غير صحيح، وليس فيه دليل على طهارته، وقد يجوز أن يكون عليه السلام يفعل بذلك فيطهر الثوب، والحال أن المني في نفسه نجس، كما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى، وهو ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ عليه السلام: «إذا وطئ الأذى بخفيه؛ فطهورهما التراب»، ورواه الحافظ الطحاوي أيضًا، ولفظه: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه أو نعله؛ فطهورهما التراب»، وقال الحافظ الطحاوي: (مكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما، وليس في ذلك دليل على طهارة الأذى في نفسه، فكذلك ما روي في المني) .

فإن قلت: في سنده محمَّد بن كثير الصغاني، وقد تكلموا فيه.

قلت: قد وثقه ابن حبَّان وغيره، وروى الحديث في «صحيحه»، وأخرجه الحاكم في «مستدركه»، وقال: (صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه) ، وقال النوويُّ في «الخلاصة»: (رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولا يلتفت إلى قول ابن القطان،هذا حديث رواه أبو داود من طريق لا يظن بها الصحة، ورواه أبو داود أيضًا من حديث عائشة بمعناه، والمراد من الأذى: النجاسة، وقال هذا القائل أيضًا، وأما مالك؛ فلم يعرفِ الفركَ، والعمل عندهم على وجوب الغسل؛ كسائر النجاسات) .

ورده في «عمدة القاري»: بأنه لا يلزم من عدم معرفته الفرك أن يكون المني طاهرًا عنده، فإن عنده المني نجس كما هو عندنا، وذكر في «الجواهر» للمالكية: المني نجس، وأصله دم، وهو يمر في ممرِّ البول، فاختُلف في سبب التنجيس: هل هو رده إلى أصله، أو مروره في مجرى البول؟ وقال هذا القائل أيضًا: وقال بعضهم الثوب الذي اكتفت عائشة فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصَّلاة، وهو مردود أيضًا بما له في إحدى روايات مسلم من حديثها أيضًا: (لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله عليه السلام فركًا، فيصلي فيه) ، وهذا التعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصَّلاة، وأصرح منه رواية ابن خزيمة: (أنها كانت تحكه من ثوبه، وهو يصلي) .

ورده في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: أراد بقوله: (وقال بعضهم) : الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي؛ فإنه قال في «معاني الآثار»: حدثنا ابن مرزوق: حدثنا بشر بن عمر قال: حدثنا شعبة عن الحكم، عن همام بن الحارث: أنه كان نازلًا على عائشة رضي الله عنها، فاحتلم، فرأته جارية لعائشة، فقالت عائشة: (لقد رأيتني وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله عليه السلام) ، وأخرج الحافظ الطحاوي [/ص211/]

هذا من أربعة عشر طريقًا، وأخرجه مسلم أيضًا، ثم قال: (فذهب الذاهبون: إلى أن المني طاهر وأنه لا يُفْسِدِ الماء وإن وقع فيه، وأن حكمه في ذلك حكم النجاسة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار) ، وأراد بهؤلاء الذاهبين: الشافعي، وأحمد، وغيرهما، ثم قال: (وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل هو نجس) ، وأراد بالآخرين: الإمام الأعظم، وأصحابه، والأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالكًا، والليث بن سعد، والحسن ابن حيٍّ، وهو رواية عن أحمد، ثم قال الحافظ الطحاوي: (وقالوا لكم في هذه الآثار؛ لأنَّها إنَّما جاءت في ذكر ثياب ينام فيها، ولم تأت في ثياب يصلي فيها، وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط، والدم، والبول لا بأس بها، ولا تجوز الصَّلاة فيها، فقد يجوز أن يكون المني كذلك، وإنما يكون هذا الحديث حجة علينا إن لو كنا نقول: لا يصلح النوم في الثوب النجس، فأما إذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم عن النبيِّ عليه السلام، وقد جاء عن عائشة فيما كانت تفعل بثوب رسول الله عليه السلام الذي كان يصلي فيه إذا أصابه الشيء: حدثنا يونس: حدثنا يحيى بن حسان قال: حدثنا عبد الله بن المبارك وبشر بن المفضل، عن عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، عن عائشة قالت: (كنت أغسل المني من ثوب رسول الله عليه السلام، فيخرج إلى الصَّلاة وإن بقع الماء لفي ثوبه) ، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه الجماعة أيضًا على ما يأتي بيانه) ، قال الحافظ الطحاوي: (فهكذا كانت تفعل عائشة بثوب رسول الله عليه السلام الذي كان يصلي فيه؛ تغسل المني منه وتفركه من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه) ، ثم قال هذا القائل واستدلَّ في رده على الحافظ الطحاوي فيما ذكرناه بأن قال: (وهذا التعقيب بالفاء ينفي...) إلخ، ورده في «عمدة القاري»: بأن هذا الاستدلال فاسد؛ لأنَّ كون الفاء للتعقيب لا تنفي احتمال تخلُّل الغسل بين الفرك والصَّلاة؛ لأنَّ أهل العربية قالوا: التعقيب في كل شيء بحسبه، لا يقال: إنه يقال تزوَّج فلان فولد له إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل؛ وهو مدة متطاولة، فيجوز على هذا أن يكون معنى قول عائشة: (لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله عليه السلام) ، وأرادت به ثوب النوم، ثم تغسله فيصلي فيه.

ويجوز أن تكون الفاء بمعنى (ثم) ، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون: 14] ، فالفاءات فيها بمعنى (ثم) ؛ لتراخي معطوفاتها، فإذا ثبت جواز التراخي في المعطوف؛ يجوز أن يتخلَّل بين المعطوف والمعطوف عليه مدة، ويجوز وقوع الغسل في تلك المدة، ويؤيد ذلك: ما رواه البزار في «مسنده»، والحافظ الطحاوي في «معاني الآثار» عن عائشة قالت: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله عليه السلام، ثم يصلي فيه) .

وقوله: (وأصرح منه رواية ابن خزيمة...) إلخ؛ لا يساعده أيضًا فيما ادَّعاه؛ لأنَّ قوله: (وهو يصلي) : جملة اسمية وقعت حالًا منتظرة؛ لأنَّ عائشة ما كانت تحك المني من ثوب النبيِّ عليه السلام حال كونه في الصَّلاة، فإذا كان كذلك؛ يحتمل تخلل الغسل بين الفرك والصَّلاة، انتهى كلامه رحمه الله ورضي عنه.

اللهم؛ فرج عنا وعن المسلمين بجاه سيد المرسلين، فإنه قد ضاق الحال، وتغيِّرت الأحوال، وعدمت الرجال، وكثر القيل والقال.