إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي فيخرج إلى الصلاة

229- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين وسكون المُوَحَّدة، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: ((ابن المُبارَك)) كما لأبَوي الوقت وذَرٍّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) بفتح العين، وفي نسخةٍ زيادة: ((ابن مهران)) بدل ((ابن ميمون)) [1] (الْجَزَرِيُّ) بالزَّايِ المنقوطة والرَّاء؛ نسبةً إلى الجزيرة (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة المُخفَّفة، مولى ميمونة أمِّ المؤمنين، فقيه المدينة، المُتوفَّى سنة سبعٍ ومئةٍ (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ) أي: أثرها؛ لأنَّ الجنابة معنًى فلا تُغسَل، أو عبَّرت بها عن ذلك مجازًا، والمُراد [2]: المنيَّ، من باب تسمية الشَّيء باسم سببه، فإنَّ وجوده سببٌ لبعده عن الصَّلاة ونحوها، أو [3] أطلقت على المنيِّ اسم الجنابة، وحينئذٍ فلا حاجة إلى التَّقدير بالحذف أو بالمجاز (مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ) ولابن عساكر [4]: ((رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فَيَخْرُجُ) من الحجرة (إِلَى) المسجد لأجل (الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ) بضمِّ المُوَحَّدة وفتح القاف وآخره عينٌ مُهمَلةٌ، جمع: بقعةٍ، أي: موضعٌ يخالف [5] لونه ما يليه، أي: أثر (الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ) الشَّريف عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه خرج مبادرًا للوقت، ولم يكن له ثيابٌ يتداولها، ولابن ماجه: «وأنا أرى أثر الغَسل فيه» أي: لم يجفَّ، ولـ «مسلم»: من حديث عائشة: «كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ولابني خزيمة وحبَّان بسندٍ صحيحٍ: «كانت تحكُّه وهو يصلِّي»، ويُجمَع بينهما وبين حديث الباب على القول بطهارته، كما هو مذهب الإمام الشَّافعيِّ وأحمد والمحدِّثين، بحمل الغَسل على النَّدب، أو غسله لنجاسة الممرِّ، أو لاختلاطه برطوبة الفرج على القول بنجاسة [6] الفرج، وعُورِض التَّعليل بنجاسة الممرِّ: بأنَّ علماء التَّشريح قالوا: إنَّ مُستقَرَّ المنيِّ في غير مُستقَرِّ البول فكذلك مخرجهما، وأُجيب: على تقدير ثبوته، فقد يلتقي المنيُّ والبول في رأس الحشفة؛ لأنَّه ليس في رأس الإحليل إلَّا ثقبٌ واحدٌ [7]، وحمل الحنفيَّة الغسل على الرَّطب، والفرك على اليابس، لنا: ما في
ج1ص296
رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة: «كان [8] يَسْلُتُ المنيَّ من ثوبه عليه الصلاة والسلام بعرق الإذخر ثمَّ يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا ثمَّ يصلِّي فيه» فإنَّه يتضمَّن ترك الغسل في الحالين [9]، وأيضًا لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه، والحنفيَّة لا يكتفون فيما لا يُعفَى عنه من الدَّم بالفرك، وأُجيب: بأنَّه لم يأتِ نصٌّ بجواز الفرك في الدَّم ونحوه، وإنَّما جاء [10] في يابس المنيِّ على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النَّصِّ، وحاصل ما في هذه المسألة أنَّ مذهب الشَّافعيِّ وأحمد: طهارة المنيِّ، وقال أبو حنيفة ومالكٌ رضي الله عنهما: نجسٌ [11]، إلَّا أنَّ أبا حنيفة يكتفي في تطهير اليابس منه بالفرك، ومالكٌ: يوجب غسله رطبًا ويابسًا، وصحَّح النَّوويُّ: طهارة منيِّ غير الكلب والخنزير وفرع أحدهما، ولم يذكر المؤلِّف حديثًا للفرك المذكور في التَّرجمة اكتفاءً بالإشارة إليه فيها كعادته [12]، أو كان غرضه سَوْق حديثٍ يتعلَّق به فلم يتَّفق له ذلك [13]، أو لم يجده على شرطه، وأمَّا حكم ما يصيب من رطوبة فرج المرأة فلأنَّ المنيَّ يختلط بها عند الجماع، أو اكتفى بما سيجيء _إن شاء الله تعالى_ في أواخر «كتاب الغسل» [خ¦292] من حديث عثمان.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مروزيٍّ ورقِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ _وقال: حسنٌ صحيحٌ_ والنسائيُّ وابن ماجه؛ كلُّهم في «الطَّهارة».
ج1ص297


[1] «بدل ابن ميمون»: سقط من (م).
[2] في غير (س): «أو المراد».
[3] في (ص): «وأطلقت»، وهو خطأٌ.
[4] زيد في (ص) و(م): «من ثوب».
[5] في (م): «مخالف».
[6] في غير (م): «بنجاسته».
[7] قوله: «الفرج، وعُورِض التَّعليل بنجاسة... الإحليل إلَّا ثقبٌ واحدٌ» مثبتٌ من (م).
[8] في غير (د) و(ص): «كانت».
[9] في (م): «الحالتين».
[10] في غير (ص) و(م): «جاز».
[11] «نجسٌ»: سقط من (ص).
[12] في (م): «على عادته».
[13] «له ذلك»: سقط من (د).