متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

227- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بفتح النُّون، المعروف بالزَّمِن (قَالَ: حَدَّثَنَا [1] يَحْيَى) بن سعيد القطَّان، (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزُّبير (قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ)؛ أي: زوجته بنت المنذر بن الزُّبير، (عَنْ) ذات النِّطاقين (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق، أمِّ عبد الله بن الزُّبير [2] من المهاجرات، وكانت تُسمَّى: ذات النِّطاقين؛ لِمَا ذُكِرَ في حديث «الهجرة» [خ¦3905] ، أسلمت بعد سبعة عشر إنسانًا _فيما [3] قاله ابن إسحاق_ وهاجرت بابنها عبد الله، وكانت عارفةً بتعبير الرُّؤيا حتَّى قِيلَ: أخذ ابن سيرين التَّعبير عن ابن المُسَيَّب، وأخذه ابن المُسَيَّب عن أسماء، وأخذته أسماء عن أبيها، وهي آخر المهاجرات وفاةً، تُوفِّيت في جمادى الأولى سنة ثلاثٍ وسبعين بمكَّة بعد ابنها عبد الله بأيَّامٍ، بلغت مئة سنةٍ لم يسقط لها سنٌّ ولم يُنكَر لها عقلٌ، لها في «البخاريِّ» ستَّة عشر حديثًا رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ [4] )) وللأربعة: ((إلى النَّبيِّ [5] )) (صلى الله عليه وسلم) والمرأة هي أسماء، كما وقع في رواية الإمام الشَّافعيِّ بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين، عن سفيان بن عيينة عن هشامٍ، ولا يبعد أن يبهم الرَّاوي اسم نفسه (فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ) يا رسول الله (إِحْدَانَا تَحِيضُ) حال كونها (فِي الثَّوْبِ) ومن ضرورة ذلك غالبًا وصول الدَّم إليه، وللمؤلِّف من طريق مالكٍ عن هشامٍ: «إذا أصاب ثوبها الدَّم من الحيضة»، وأطلقت الرُّؤية وأرادت الإخبار؛ لأنَّها سببه؛ أي: أخبرني، والاستفهام بمعنى الأمر؛ بجامع الطَّلب (كَيْفَ تَصْنَعُ) به؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام، وللأَصيليِّ: ((فقال)): (تَحُتُّهُ) بضمِّ الحاء؛ أي: تفركه (ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وإسكان القاف وضمِّ الرَّاء والصَّاد المُهمَلتين؛ أي: تفرك الثَّوب وتقلعه بدلكه بأطراف أصابعها أو بظفرها، مع صبِّ الماء عليه، وفي روايةٍ: ((تقرِّصه))؛ بتشديد الرَّاء المكسورة، قال أبو عبيدٍ: معنى التَّشديد: تقطعه، (وَتَنْضَحُهُ) بفتح الأوَّل والثَّالث لا بكسره، وقال الكرمانيُّ: بكسرها، وكذا قال مغلطاي، قال العينيُّ: وهو غلطٌ، وقال في «المصابيح» بكسرها، وحكى فتحها، ويُقال: إنَّ أبا حيَّان قرأ في بعض المجالس الحديثيَّة: «وانضَحْ فرجك»؛ بفتح الضَّاد، فردَّ عليه السَّراج الدَّمنهوريُّ وقال: نصَّ النَّوويُّ على أنَّه بالكسر، فقال أبو حيَّان: حقُّ النَّوويِّ أن يستفيد هذا منِّي، والذي قلت هو القياس، وكلام الجوهريِّ يشهد للنَّوويِّ، لكن نُقِلَ عن صاحب «الجامع» أنَّ الكسر لغةٌ، وأنَّ الأفصح الفتح [6] ؛ أي: تغسله بأن تصبَّ عليه الماء قليلًا قليلًا، قال الخطَّابيُّ: تحتُّ المتجسِّد من الدَّم لتزول عينه، ثمَّ تقرصه؛ بأن تقبض عليه بأصابعها [7] ثمَّ تغمزه غمزًا [8] جيِّدًا، وتدلكه حتَّى ينحلَّ ما تشرَّبه من الدَّم، ثمَّ تنضحه؛ أي: تصبُّ عليه، و«النَّضح» هنا: الغسل حتَّى يزول الأثر، وفي نسخةٍ: ((ثمَّ تنضحه)) (وَتُصَلِّي فِيهِ) ولابن عساكر: ((ثمَّ تصلِّي فيه))، وفي الحديث: تعيين الماء لإزالة جميع النَّجاسات دون غيره من المائعات؛ إذ لا فرق بين الدَّم وغيره، وهذا قول الجمهور؛ خلافًا لأبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف حيث قالا: يجوز [9] تطهير النَّجاسة بكلِّ مائعٍ طاهرٍ؛ لحديث عائشة: «ما كان لإحدانا إلَّا ثوبٌ واحدٌ تحيض فيه، فإذا أصابه شيءٌ من دم الحيض؛ قالت بريقها؛ فمصعته بظفرها»، فلو كان الرِّيق لا يطهِّر؛ لزادت النَّجاسة، وأُجيب: بأنَّها أرادت بذلك تحليل أثره، ثمَّ أزالته؛ أي: غسلته بعد ذلك، وفيه: أنَّ قليل [10] دم الحيض لا يُعفى عنه كسائر النَّجاسات؛ بخلاف سائر الدِّماء، وعن مالكٍ: يُعفَى عن قليل الدَّم ويُغسَل قليل غيره من النَّجاسات، وعن الحنفيَّة: يُعفَى عن قدر الدِّرهم.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مكيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» و«البيوع»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة».

[1] في (ص): «حدَّثني».
[2] «ابن الزُّبير»: سقط من (د).
[3] في (ب) و(س): «كما».
[4] في (د): «للنَّبيِّ».
[5] في (ص) و(م): «للنَّبيِّ».
[6] قوله: «وقال الكرمانيُّ: بكسرها، وكذا... وأنَّ الأفصح الفتح»، مثبتٌ من (م).
[7] في غير (د) و(م): «بإصبعها».
[8] في غير (م): «تغمره غمرًا»، ولعلَّه تصحيفٌ.
[9] في (ب) و(س): «بجواز»
[10] زيد في (ص): «الدَّم من».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

227-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّىَ، قالَ: حدَّثنا يَحْيَىَ، عن هِشامٍ، قالَ: حَدَّثَتْنِي فاطِمَةُ:

عن أَسْمَاءَ، قالتْ: جاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدانا تَحِيضُ في الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قالَ [2] : «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ [3] بِالْماءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصلِّي [4] فِيهِ».

[1] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية أبي ذر عن الحَمُّويي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «إلى النَّبيِّ».
[2] في رواية الأصيلي: «فقال».
[3] بهامش اليونينية: «قال القاضي عياض: تُقَرِّصه بالتثقيل وكسر الراء، وبالتخفيف وضم الراء، بمعنىَ تقطعه بظفرها».اهـ.
[4] في رواية ابن عساكر: «ثم تصلي».





227- ( تَحُتُّهُ ) بمثناة.

( وتَقْرُصُهُ ) بصاد مهملة، قال القاضي: هو بالتثقيل وكسر الراء وبالتخفيف وضم الراء بمعنى: تقطعه بظفرها.

( وَتَنْضَحُهُ ) بضاد معجمة تكسر وتفتح، أي: تغسله.


227# (تَحُتُّهُ) من الحتِّ _ بمثناة من فوق _، وهو القشرُ والإزالة بالحكِّ والتَّقليع.

(تَقْرُصُهُ) بصاد مهملة. قال القاضي: هو بالتَّثقيل، وكسر الراء، وبالتخفيف وضم الراء، بمعنى: تقطعه بظفرها. وفي السَّفاقسي: سُئل عنه الأخفش، فضم إصبعيه [1] الإبهام والسبَّابة، وأخذ بهما شيئاً من ثوبه، فقال: هكذا يُفعل بالماء في موضع الدم، كما [2] يقرص الرجل جاريته.

(وَتنضَحُهُ) أي: تغسله، وهو بكسر الضاد المعجمة، وحكي فتحها.

ويقال: إن أبا حيَّان قرأ في بعض المجالس الحديثية: ((وانضَح فَرْجَك)) بفتح الضاد، فرد عليه السراج الدَّمنهوري، وقال: نصَّ النوويُّ على أنه بالكسر، فقال أبو حيَّان: حق النووي أن يستفيَد هذا مني، والذي قلت [3] هو القياس، وكلام الجوهري يشهد للنووي.

لكن نُقل عن صاحب «الجامع»: أن الكسر لغةً، وأن الأفصح الفتح.

[1] في (م) و(د): ((إصبعه)).
[2] في (ق): ((لما)).
[3] في (ق): ((قبله)).





227- قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى): هو ابن سعيد القطَّان حافظ الإسلام، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ): هذه هي زوج هشام بن عروة الرَّاوي عنها، وهي بنت المنذر بن الزُّبير بن العوَّام، روت عن جدِّتها أسماء بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنها، وأمِّ سلمة، وعنها: زوجها هشام، وابن سوقة، وابن إسحاق، قال زوجها: (كانت أكبر منِّي بثلاثَ عشرةَ سنة) ، قال العجليُّ: (مدينيَّة ثقة) ، أخرج لها [1] الجماعة، وقد تقدَّمت.

قوله: (عَنْ أَسْمَاءَ): تقدَّم أعلاه أنَّها بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنهما، مشهورة التَّرجمة.

قوله: (جَاءَت امْرَأَةٌ إِلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): قال شيخنا الشَّارح: (إنَّ هذه المرأة السَّائلة هي أسماء نفسها، وضعَّفه النَّوويُّ، وليس كما ذكر، كما أوضحته في «تخريج أحاديث الرَّافعيِّ») انتهى.

قال شيخنا المؤلِّف فيما قرأته عليه في «الخلاصة» مختصر «البدر تخريج أحاديث الرَّافعيِّ»: (رواه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» و«المسند» عن سفيان بن عيينة، عن هشام، عن فاطمة) ، قال: (وهذا إسناد على شرط أهل العلم كلِّهم...) إلى أنْ قال: (وفي «الصَّحيحين» من حديث أسماء: «أنَّ امرأة سألت»، والعجب من النَّوويِّ كيف يقول: إنَّ الشَّافعيَّ قال في «الأمِّ»: «إنَّ أسماء هي السَّائلة بسند ضعيف»، وهو كما مرَّ، لكنَّه تبع ابن الصَّلاح في ذلك) انتهى.

قوله: (تَحُتُّهُ): الحتُّ؛ بالحاء المهملة، وبالتَّاء المثنَّاة فوق المشدَّدة: القشر والإزالة بالحكِّ والتَّقليع.

قوله: (ثُمَّ يَقْرُصُهُ): هو بفتح أوَّله، وإسكان ثانيه، وضمِّ ثَالِثه، ويجوز ضمُّ أوَّله، وفتح ثانيه، وكسر ثَالِثه مشدَّدًا، وقد ضبطه ابن قُرقُول بالوجهين، وقال الدِّمياطيُّ في (باب غسل المحيض): (قرصته أقرصه قرصًا؛ إذا غسلتَه بأطراف أصابعك، وقرَّصته تقريصًا؛ إذا قطَّعته تقطيعًا) انتهى.

قوله: (وَتَنْضحُهُ): هو بكسر الضَّاد المعجمة، وهو الذي ذكره الجمهور، ويجوز فيه الفتح، حكاه بعضهم، وقد نظم شيخنا حافظ العصر العراقيُّ هذا الفعل في جملة (أفعال ذكرها صاحب «المحكم»، وقد أنشدني ذلك في الرِّحلة الثَّانية إلى القاهرة) [2] ، فقال:

وليس في كلامهم من (فَعَلَا، يَفْعِل) ممَّا لامُه حاءٌ خلا

~ينكِحه ينطِحه ويمنِحهْ ويملِح القَدْرَ كذاك ينضِحهْ

~ينبِح مع يرجِح وهو يأْنِح [3] فكسروا العين كذاك يأْزِح

وفي بعض ما ذكره الفتحُ [4] ، فرأيته في ينكِح، وينطَح، ويمنَح، وينضَح، وينبَح، ويرجَح، بل في [5] يرجح ثلاث لغات.

[1] في النسخ: (له) .
[2] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[3] في (ب): (يألخ) .
[4] (الفتح): ليس في (ب) .
[5] (في): ليس في (ج) .





227- (أَرَأَيْتَ): أي: أخبرني، قاله [1] الزَّمخشريُّ، وفيه تجوُّزان: إطلاقُ الرُّؤيةِ وإرادةُ الإخبارِ؛ لأنَّ الرُّؤيةَ سببُ الإخبار، وجعلُ الاستفهامِ بمعنى الأمرِ بجامعِ الطَّلبِ.

و (كَيْفَ تَصْنَعُ؟): متعلِّق بالاستخبارِ.

[1] في (ب): (قال) وكذا في «اللامع الصبيح» (2/315)، والأولى الموافق للكرماني ما أثبت من (أ).





227- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بفتح النُّون، المعروف بالزَّمِن (قَالَ: حَدَّثَنَا [1] يَحْيَى) بن سعيد القطَّان، (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزُّبير (قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ)؛ أي: زوجته بنت المنذر بن الزُّبير، (عَنْ) ذات النِّطاقين (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق، أمِّ عبد الله بن الزُّبير [2] من المهاجرات، وكانت تُسمَّى: ذات النِّطاقين؛ لِمَا ذُكِرَ في حديث «الهجرة» [خ¦3905] ، أسلمت بعد سبعة عشر إنسانًا _فيما [3] قاله ابن إسحاق_ وهاجرت بابنها عبد الله، وكانت عارفةً بتعبير الرُّؤيا حتَّى قِيلَ: أخذ ابن سيرين التَّعبير عن ابن المُسَيَّب، وأخذه ابن المُسَيَّب عن أسماء، وأخذته أسماء عن أبيها، وهي آخر المهاجرات وفاةً، تُوفِّيت في جمادى الأولى سنة ثلاثٍ وسبعين بمكَّة بعد ابنها عبد الله بأيَّامٍ، بلغت مئة سنةٍ لم يسقط لها سنٌّ ولم يُنكَر لها عقلٌ، لها في «البخاريِّ» ستَّة عشر حديثًا رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ [4] )) وللأربعة: ((إلى النَّبيِّ [5] )) (صلى الله عليه وسلم) والمرأة هي أسماء، كما وقع في رواية الإمام الشَّافعيِّ بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين، عن سفيان بن عيينة عن هشامٍ، ولا يبعد أن يبهم الرَّاوي اسم نفسه (فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ) يا رسول الله (إِحْدَانَا تَحِيضُ) حال كونها (فِي الثَّوْبِ) ومن ضرورة ذلك غالبًا وصول الدَّم إليه، وللمؤلِّف من طريق مالكٍ عن هشامٍ: «إذا أصاب ثوبها الدَّم من الحيضة»، وأطلقت الرُّؤية وأرادت الإخبار؛ لأنَّها سببه؛ أي: أخبرني، والاستفهام بمعنى الأمر؛ بجامع الطَّلب (كَيْفَ تَصْنَعُ) به؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام، وللأَصيليِّ: ((فقال)): (تَحُتُّهُ) بضمِّ الحاء؛ أي: تفركه (ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وإسكان القاف وضمِّ الرَّاء والصَّاد المُهمَلتين؛ أي: تفرك الثَّوب وتقلعه بدلكه بأطراف أصابعها أو بظفرها، مع صبِّ الماء عليه، وفي روايةٍ: ((تقرِّصه))؛ بتشديد الرَّاء المكسورة، قال أبو عبيدٍ: معنى التَّشديد: تقطعه، (وَتَنْضَحُهُ) بفتح الأوَّل والثَّالث لا بكسره، وقال الكرمانيُّ: بكسرها، وكذا قال مغلطاي، قال العينيُّ: وهو غلطٌ، وقال في «المصابيح» بكسرها، وحكى فتحها، ويُقال: إنَّ أبا حيَّان قرأ في بعض المجالس الحديثيَّة: «وانضَحْ فرجك»؛ بفتح الضَّاد، فردَّ عليه السَّراج الدَّمنهوريُّ وقال: نصَّ النَّوويُّ على أنَّه بالكسر، فقال أبو حيَّان: حقُّ النَّوويِّ أن يستفيد هذا منِّي، والذي قلت هو القياس، وكلام الجوهريِّ يشهد للنَّوويِّ، لكن نُقِلَ عن صاحب «الجامع» أنَّ الكسر لغةٌ، وأنَّ الأفصح الفتح [6] ؛ أي: تغسله بأن تصبَّ عليه الماء قليلًا قليلًا، قال الخطَّابيُّ: تحتُّ المتجسِّد من الدَّم لتزول عينه، ثمَّ تقرصه؛ بأن تقبض عليه بأصابعها [7] ثمَّ تغمزه غمزًا [8] جيِّدًا، وتدلكه حتَّى ينحلَّ ما تشرَّبه من الدَّم، ثمَّ تنضحه؛ أي: تصبُّ عليه، و«النَّضح» هنا: الغسل حتَّى يزول الأثر، وفي نسخةٍ: ((ثمَّ تنضحه)) (وَتُصَلِّي فِيهِ) ولابن عساكر: ((ثمَّ تصلِّي فيه))، وفي الحديث: تعيين الماء لإزالة جميع النَّجاسات دون غيره من المائعات؛ إذ لا فرق بين الدَّم وغيره، وهذا قول الجمهور؛ خلافًا لأبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف حيث قالا: يجوز [9] تطهير النَّجاسة بكلِّ مائعٍ طاهرٍ؛ لحديث عائشة: «ما كان لإحدانا إلَّا ثوبٌ واحدٌ تحيض فيه، فإذا أصابه شيءٌ من دم الحيض؛ قالت بريقها؛ فمصعته بظفرها»، فلو كان الرِّيق لا يطهِّر؛ لزادت النَّجاسة، وأُجيب: بأنَّها أرادت بذلك تحليل أثره، ثمَّ أزالته؛ أي: غسلته بعد ذلك، وفيه: أنَّ قليل [10] دم الحيض لا يُعفى عنه كسائر النَّجاسات؛ بخلاف سائر الدِّماء، وعن مالكٍ: يُعفَى عن قليل الدَّم ويُغسَل قليل غيره من النَّجاسات، وعن الحنفيَّة: يُعفَى عن قدر الدِّرهم.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مكيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» و«البيوع»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة».

[1] في (ص): «حدَّثني».
[2] «ابن الزُّبير»: سقط من (د).
[3] في (ب) و(س): «كما».
[4] في (د): «للنَّبيِّ».
[5] في (ص) و(م): «للنَّبيِّ».
[6] قوله: «وقال الكرمانيُّ: بكسرها، وكذا... وأنَّ الأفصح الفتح»، مثبتٌ من (م).
[7] في غير (د) و(م): «بإصبعها».
[8] في غير (م): «تغمره غمرًا»، ولعلَّه تصحيفٌ.
[9] في (ب) و(س): «بجواز»
[10] زيد في (ص): «الدَّم من».





227- ( جَاءَتِ امْرَأَةٌ ): هي أسماء الرَّاوية، كما في رواية الشَّافعيِّ بإسناد صحيح، ولا بدع في أن يبهم الرَّاوي نفسه كما سيأتي في حديث أبي سعيد في قصَّة الرُّقية بالفاتحة [خ:2276] .

( تَحُتُّهُ ): بضمِّ المهملة والمثنَّاة الفوقانيَّة المشدَّدة، أي: تحكُّه.

( تَقْرُصُهُ ): بالفتح وسكون القاف وضمِّ الرَّاء والصَّاد المهملتين، وحكى عياض وغيره بالضَّمِّ وفتح القاف وتشديد الرَّاء المكسورة؛ أي تدلك مواضع الدَّم بأطراف أصابعها.

( وَتَنْضَحُهُ ) بفتح الضَّاد المعجمة: تغسله. [/ج1ص347/]


60/227# قال الإمام أبو عبد الله: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّىَ [1] ، قالَ: حدَّثنا يَحْيَىَ، عن هِشامٍ، قالَ: حَدَّثَتْنِي فاطِمَةُ:

عن أَسْمَاءَ، قالتْ: جاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقالتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدانا [2] تَحِيضُ في الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْماءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصلِّي فِيهِ».

قوله: (تحتُّه) يريد: المُسْتَجْسِدَ [3] من الدم؛ ليتَحَاتَّ [4] ويَنقلِعَ عن وجه الثوب.

(ثمَّ تقرصه): وهو أن تُفيض عليه بإصبعيها [5] ، ثمَّ تغمزه غمزاً جيِّداً، وتدلكه بهما حتَّى ينحلَّ ما تشرَّبَه من الدَّم، ثمَّ تنضحه بالماء، أي تصبُّ عليه، والنَّضح هاهنا بمعنى الغُسْل.

[1] (حدثنا محمد بن المثنى) سقط من (ط)
[2] في (أ): (إن إحدانا) وسقط من سائر الفروع قوله (أرأيت).
[3] المستجسد: الدم اليابس، انظر....
ويقال للدم اليابس الجَسَد (التاج _ جسد _).
[4] في (ر): (لينجاب).
[5] في النسخ الفروع: (بإصبعها).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

227# قوله: (تَقْرُصُهُ): هو الدَّلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صبِّ الماء عليه حتَّى يذهب أثره.

و(تَنْضَحُهُ): أي: تغسله.

ووجوب غسل قليله وكثيره، وقال ابن بطَّال: إنَّه محمول عند العلماء على الدَّم الكثير، وعند أهل الكوفة دون الدِّرهم.


227- وبالسَّند إليه قال: ((حدثنا محمَّد بن المثنى)) بضمِّ الميم، وفتح المثلثة، وتشديد النون المفتوحة، المعروف بالزمن ((قال: حدثنا) ) وفي رواية بالإفراد ((يحيى)) ؛ هو ابن سَعِيْد القطان، ((عن هشام)) بكسر الهاء: هو ابن عروة بن الزبير ((قال: حدثتني فاطمة)) ؛ هي بنت المُنْذِر بن الزبير زوجة هشام المذكور، وابنة عمه، ((عن أسماء)) ؛ بالمد؛ هي بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وجدة فاطمة، وزوجها لأبويهما، المعروفة بذات النطاقين أم عبد الله بن الزبير، وهي من المهاجرات، عارفة بتعبير الرؤيا؛ حتى قيل: إن ابن سيرين أخذ التعبير عن ابن المسيب، عن أسماء، وهي أخذته عن أبيها، وهي آخر المهاجرات وفاة، توفيت في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بمكة بعد ابنها عبد الله بأيام، بلغت مئة سنة لم يسقط لها سنٌّ، ولم ينكر لها عقل رضي الله عنها ((قالت)) ؛ أي: أسماء: ((جاءت امرأة للنبيِّ)) الأعظم، وللأربعة: (إلى النبيِّ) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) والمرأة السائلة: هي أسماء بنت يزيد التي يقال لها: خطيبة النساء، أو أسماء بنت شَكَل؛ بفتحتين، قال جماعة من المحدثين: والأولى [1] هي الصواب، واعتمده وقوَّاه النووي، وقيل: إنه يجوز أن تكون فاطمة بنت حبيش الآتية.

قلت: وهو ممنوع؛ لأنَّه لا دليل يدل على ذلك، وأي عذر كان في إبهامها هنا؟ فإن المخبرة فيما يأتي عائشة، وهنا أسماء، وكل قصة على حدة، فلو كانت هذه؛ لأخبرت أسماء بها أنها فاطمة، وعدم ذلك دليل على أنها غيرها، والصواب الأول، ووقع في رواية الشافعيِّ: أن السائلة هي أسماء بنت أبي بكر المذكورة، ولا يبعد أن يبهم الراوي نفسه، كما وقع لأبي سَعِيْد الخدري في الرقية بفاتحة الكتاب، وضعف هذا النووي.

قلت: ويدل لذلك أنها لو كانت هي السائلة؛ لم تُبْهِم نفسها، بل صرَّحت وقالت: قلت للنبيِّ عليه السلام، أو قالت: أتيت النبيَّ عليه السلام فقلت: يا رسول الله عليه السلام، على أنه لا عذر ولا غرض لها في هذا الإبهام، بل التصريح أشرف وأحسن لها، وإبهام أبي سَعِيْد نفسه لا يدل على هذا؛ لأنَّه لما رقي وأخبر النبيَّ عليه السلام؛ خشي من النبيِّ عليه السلام عدم الرضا؛ فأبهم نفسه، فلما علم الرضا؛ أظهر نفسه بأنه الراقي؛ فافهم.

وأما أسماء هذه؛ فلا عذر لها في الإبهام، لا يقال: إن الحياء منعها من التصريح؛ لأنا نقول: هذا حكم شرعي، والنبيُّ عليه السلام أمر بعدم الحياء في الأحكام الشرعية والسؤال عنها، ولذا فإن [2] أم سليم لما أتته تسأله؛ قالت: إن الله لا يستحي من الحق، فالحياء من الحق مذموم، وأسماء هي أشد اتباعًا لسنة النبيِّ عليه السلام، فلا يمنعها ذلك؛ فافهم.

((فقالت: أرأيت)) ؛ أي: أخبرني يا رسول الله؛ قال الفاضل الزمخشري: فيه تجوز لإطلاق الرؤية وإرادة الإخبار؛ لأنَّ الرؤية سبب الإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر؛ بجامع الطلب، كذا في «عمدة القاري» ((إحدانا)) ؛ بالنصب مفعول (أرأيت) على معنى: أخبرني عن إحدانا، واستظهر بعضهم أنه على حذف مضاف؛ أي: أخبرني خبر زيد أو حاله؛ لأنَّ النصب بإسقاط الخافض غير مقَيْس، ولا يجوز رفعه كما نص عليه سيبويه، قال: لأنك لو قلت: أرأيت أبو من زيد؛ لم يحسن؛ لأنَّ فيه معنى أخبرني عن زيد، وجوز في «عمدة القاري» رفعه على الابتداء، و (تحيض) خبره.

قلت: والمعنى عليه صحيح حسن؛ لأنَّه على معنى الاستئناف، فكأنه قال: أخبرني حكم الله تعالى وهو (إحدانا تحيض) ؛ فتأمل.

وقوله: ((تَحِيض)) ؛ بفتح الفوقية، وكسر المهملة، جملة محلها النصب حال من (إحدانا) ، أو الرفع خبر (إحدانا) كما علمت ((في الثوب)) إما حال، أو متعلق بـ (تحيض) ؛ والمعنى: تحيض حال كونها في الثوب، ومن ضرورة ذلك وصول الدم إلى الثوب، كذا قاله في «عمدة القاري»، ويدل لذلك ما عند المؤلف عن عائشة: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم؛ قالت [/ص205/] بريقها، فمصعته بظفرها) ، وما عند أحمد عن أبي هريرة: أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله؛ ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه، قال: «فإذا طهرت؛ فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه»، قالت: يا رسول الله؛ أرى لم يخرج أثره، قال: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره»، وقال الكرماني، وتبعه ابن حجر: أن معنى (تحيض في الثوب) أن دم الحيض يصل إليه، ويدل له ما رواه المؤلف من طريق مالك عن هشام: (إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة) ، وما رواه مسلم: (أرأيت المرأة يصيب ثوبها من دم الحيضة) .

قلت: وما قاله في «عمدة القاري» أظهر وأحسن للمعنى؛ فليحفظ.

وجملة (كيف تصنع) إما في محل نصب على أنه مفعول ثان لـ (أرأيت) المذكورة إن قلنا: بأنها تعلق، أو بدل من الأول، وإما لا محل لها، وإن قلنا: بأنها تعلق؛ لأنَّها مستأنفة؛ لبيان الحال المستخبر عنها، كما قاله الرضي، وكذا إن قلنا بعدم تعليق (أرأيت) المذكورة بناء على أحد قولي الإمام الزمخشري: إن شرط التعليق أن يذكر بعد العامل ما يسد مسد منصوبيه معًا، وكذا لا محل لها إن قلنا لا تتعدى (أرأيت) إلى اثنين، والكلام على (أرأيت) المذكورة، ومتعلقاتها مستوفًى في «التسهيل» وشروحه، والله أعلم.

((قال)) وللأصيلي: (فقال) ؛ أي: النبيُّ الأعظم عليه السلام: ((تحُتُّه)) ؛ أي: الثوب، بضمِّ الحاء المهملة، وبالفوقية المشددة؛ من حتَّ الشيء عن الثوب وغيره تحتُّه حتًّا، وفي «المنتهى»: (الحت: حتك الورق من الشجر، والمني، والدم، ونحوهما من الثوب وغيره، وهو دون النحت) ، وعند ابن طريف: (حت الشيء نفضه [3] ، وقيل: معناه: تحكه) ، كما وقع في رواية ابن خزيمة، والمراد من ذلك: إزالة عينه المتجسدة، ((ثم تَقرُضه)) ؛ أي: الثوب، وهو بضمِّ الراء، والضاد المعجمة مع فتح أوله، وسكون ثانيه، وفي رواية: (قرِّضيه) ؛ بالتشديد، قال أبو عبيد: (أي: قطِّعيه) ، وقال عياض: (رُوِّيناه: بفتح المثناة فوق، وإسكان القاف، وضم الراء، وبضمِّ المثناة، وفتح القاف، وكسر الراء المشددة) ، قال: (وهو الدلك بأطراف الأصابع مع صبِّ الماء عليه حتى يذهب أثره) ، وفي «المغرب»: (الحت: القرض باليد، والقرض بأطراف الأصابع) ، وفي «المحكم»: (القرض: التخميش والغمز بالإصبع، والمقرض: المقطوع المأخوذ من شيئين) ، وفي «الجامع»: (كل مقطوع مقرض) ، وفي «الصحاح»: (اقرضيه بماء) ؛ أي: اغسليه بأطراف أصابعك، والمراد من ذلك: أنها تفرك مواضع الدم بأطراف أصابعها ((بالماء)) ؛ أي: مع صبِّ الماء عليه؛ ليتخلل بذلك ويخرج ما تشرَّبه الثوب منه، ولا يضر بقاء أثر شق زواله حتى يتكلف إلى إزالته بنحو صابون، أو أشنان، أو ماء حار، فإن ذلك غير لازم للحرج، وهو مدفوع بالنص.

فإن قلت: وقع في حديث أم قَيْس بنت محصن عند ابن خزيمة: (واغسليه بالماء والسدر وحكيه ولو بضلع) ، وعند أبي أحمد العسكري: (حكيه بضلع، وأتبعيه بالماء والسدر) ، وعند أبي داود عن امرأة من غفار: أن رسول الله عليه السلام لما رأى ثيابها من الدم؛ قال: «أصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء واطرحي فيه ملحًا، ثم اغسلي ما أصاب من الدم، ثم عودي لركبك»

قلت: ذكر السدر والحك بالضلع بالملح إن صح؛ فهو أمر محمول على الندب لا الوجوب، وقد قال ابن القطان: (الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر الضلع والسدر، وعاب على أبي أحمد [قوله] ، ويدل لذلك ما رواه أحمد في «مسنده» من حديث أبي هريرة قال: «يكفيك الماء، ولا يضرك أثره» كما تقدم قريبًا، وعند الدارمي عن أم سَلَمَة: (إن إحداهن تسبقها القطرة [4] خفيةً من الدم، فقال عليه السلام: «إذا أصاب إحداكن ذلك؛ فلتقصعه بريقها»، وعند ابن خزيمة: (وقيل لها: كيف كنتن تصنعن بثيابكنَّ إذا طمثن على عهد رسول الله عليه السلام؟ قالت: إن كنا لنطمث في ثيابنا أو في دروعنا، فما نغسل منه إلا أثر ما أصابه الدم) ، ويدل لذلك أحاديث يطول سردها، وعلى كل؛ فهو محمول على الندب والإرشاد لا الوجوب؛ فليحفظ.

((وتنضَحُه)) وفي رواية: (ثم تنضحه) وهو بفتح الضاد المعجمة، وضم الحاء المهملة من باب (فتَح يفتَح) ؛ بفتح عين الفعل فيهما، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه في «فتح الباري»، وقال الكرماني، وتبعه مغلطاي: (إنه بكسر الضاد المعجمة) ، قال في «عمدة القاري»: (وهو غلط) .

قلت: ووجه الغلط، إما أنه من حيث الرواية؛ فإن الرواية بالفتح، وإما من حيث اللغة، وفي «المصابيح»: (أن أبا حيَّان قرأ في بعض المجالس: وانضَح فرجك؛ بفتح الضاد المعجمة، فرد عليه الدمنهوري وقال: نص النوويُّ على أنه بالكسر،فقال أبوحيان: حق النووي أن يستفيد هذا مني، والذي قلته هو القياس) انتهى.

فهذا دليل على أنه بالفتح لا غير، لكن نقل صاحب «الجامع» أن الفتح أفصح والكسر لغة، ولا ريب أن غير الفصيح شاذ وغلط، فتعيَّن الفتح فقط؛ فافهم.

والضمير في (تنضحه) يرجع إلى الماء لا غير، والمراد بالنضح: الغسل؛ أي: تغسله، قاله الخطابي، وقدمنا ذلك مفصلًا، ويدل له قوله في الحديث الآتي بعد هذا: «فاغسلي عنك الدم» فهو يعيِّن أن المراد بالنضح في كلامهم الغسل لا غير؛ فليحفظ.

واستدل الإمام محمَّد والشافعي بهذا الحديث على أن النجاسات إنَّما تُزَال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأنَّ جميع النجاسات بمثابة الدم إجماعًا، وهو مردود؛ فإن الماء في الحديث خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط؛ والمعنى في ذلك: أن الماء أكثر وجودًا من غيره، فصرح به باعتبار الغالب أو الكثرة، ورد أيضًا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، ورد أيضًا بأن هذا مفهوم اللقب وهو غير حجة عند الشافعي، ويدل لهذا حديث عائشة رضي الله عنها: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض؛ قالت بريقها فمصعته [5] بظفرها) ، وعند أبي داود: (بلته بريقها) ، فلولا أن الريق مطهر؛ لزادت النجاسة، واعترض باحتمال أن تكون قصدت بذلك تحليل أثره، ثم غسلته بعد ذلك، ورُدَّ بأن هذا احتمال بعيد؛ لأنَّه لا دليل يدل على أنها غسلته بعد ذلك، ولئن سلَّمنا أنها غسلته؛ فبالغسل يحصل تحليل أثره من غير احتياج إلى مضغه أو بله بريقها، فمضغه أو بله بريقها دليل على أنها لم تغسله وهو كذلك؛ لأنَّه لم يثبت عنها ذلك ولا أحد نقله عنها، فهذا مجرد دعوى بلا دليل، وهي باطلة لا يعتد بها، على أن المقصود من تطهير النجاسات إزالة عينها وأثرها، والمائعات الطاهرات، وكذا الريق لا ريب أنها تزيل العين والأثر، وبها يحصل المقصود؛ فلا خصوصية بالماء، وهذا مذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور رضي الله تعالى عنهم.

((وتصلي فيه)) وفي رواية: (ثم تصلي فيه) ، فقد علمت أن الضمير المنصوب في (تحته) وفي (تقرضه) يرجع إلى الثوب، وفي قوله: (وتنضحه) يرجع إلى الماء، وقد ذكرنا عن قريب أن الخطابي قال: (تنضحه) ؛ أي: تغسله؛ لأنَّ المراد بالنضح في كلام العرب: الغسل) ، وقال القرطبي: (المراد به: الرش؛ لأنَّ غسل الدم استفيد من قوله: (تقرضه بالماء) ، وأما النضح؛ فهو لما شكَّت فيه من الثوب) ، وقال ابن حجر: (فعلى هذا؛ الضمير في قوله: (تنضحه) يعود إلى الثوب بخلاف (تحته) ، فإنه يعود إلى الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل، ورده في «عمدة القاري»: بأنه لا نسلم ذلك؛ لأنَّ لفظ الدم غير مذكور صريحًا، والأصل في عود الضمير أن يكون إلى شيء مذكور صريح، والمذكور هنا صريحًا الثوب والماء، فالضميران الأوَّلان يرجعان إلى الثوب؛ لأنَّه المذكور قبلهما، والضمير الثالث يرجع إلى الماء؛ لأنَّه المذكور قبله، وهذا هو الأصل؛ فافهم.

وزعم ابن حجر أيضًا [/ص206/] أن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا؛ لأنَّه إن كان طاهرًا؛ فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسًا؛ لم يطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابي.

ورده في «عمدة القاري» قال: (قلت: الذي قاله القرطبي هو الأحسن؛ لأنَّه يلزم التكرار من قول الخطابي، فلا فائدة فيه؛ لأنا قد ذكرنا أن الحت: هو الفرك، والقرض: هو الدلك بأطراف الأصابع مع صبِّ الماء عليه حتى يذهب أثره لما نقلناه عن القاضي عياض، ففهم الغسل من لفظة القرض، فإذا قلنا الرش بمعنى الغسل؛ يلزم التكرار.

وقوله: (إن الرش...) إلخ كلام من غير روية؛ لأنَّ الرش ههنا لإزالة الشك المتردد في الخاطر، كما في الحديث: في رش المتوضئ الماء على سراويله بعد فراغه من الوضوء، وليس معناه على الوجه الذي ذكره؛ فافهم، انتهى.

قلت: وهو في غاية من التحقيق؛ فليحفظ.

والمراد بالوضوء؛ أي: الاستنجاء، أو أنه من العادة أن الإنسان إذا أراد الاستنجاء؛ حل سراويله، وبعده استنجى وتوضأ، ثم يلبسها ويرشها لأجل الوسوسة من الشيطان الرجيم؛ فافهم واحفظ.

وقال ابن بطال: (حديث أسماء أصل عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب، وهذا الحديث محمول عندهم على الدم الكثير الفاحش إلا أن الفقهاء اختلفوا في مقدار ما يتجاوز عنه من الدم، فاعتبر الكوفيُّون فيه وفي سائر النجاسات دون الدرهم في الفرق بين قليله وكثيره) ، قال في «عمدة القاري»: (فلما ذكره صاحب «الأسرار» عن علي وابن مسعود رضي الله عنها أنهما قدرا النجاسة بالدرهم، وكفى بها حجة في الاقتداء، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي «المحيط»: (أنه قدره بظفره أيضًا، وكان ظفره قريبًا من كفنا) ، فدل على أن ما دون الدرهم لا يمنع، وقال في «المحيط» أيضًا: (الدرهم الكبير: ما يكون مثل عرض الكف، وفي صلاة الأصل الدرهم الكبير المثقال؛ يعني: يبلغ مثقالًا، وعند شمس الأئمَّة السرخسي: (يعتبر بدرهم زمانه، وأما الحديث الذي رواه الدارقطني في «سننه» عن روح بن عطيف، عن الزُّهري، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ عليه السلام قال: «تعاد من قدر درهم من الدم»، وفي لفظ: «إذا كان في الثوب قدر الدرهم من الدم؛ غسل الثوب وأعيدت الصَّلاة»؛ فاتفق الحفَّاظ على أنه حديث منكر؛ بل قال البخاري: إنه حديث باطل؛ فلهذا لم يحتج به الإمام الأعظم، وأصحابه رضي الله عنهم.

فإن قلت: النص _وهو قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] _ لم يفصل بين القليل والكثير، فلا يعفى عن القليل.

قلت: القليل غير مراد من النص بالإجماع بدليل عفو موضع الاستنجاء، فتعيَّن الكثير، وقد قدر الكثير بالآثار، انتهى.

وقال ابن بطال: (وقال مالك: قليل الدم معفوٌّ عنه، ويغسل من قليل سائر النجاسات، وروى عنه ابن وهب: أن قليل دم الحيض كالكثير؛ لقوله عليه السلام لأسماء: «حتيه، ثم اقرضيه» حيث لم يفرق بين قليله وكثيره، ولا سألها عن مقداره، ولم يجد فيه مقدار الدرهم، ولادونه.

قلت: حديث عائشة: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد فيه نحيض، فإن أصابه شيء من دم؛ بلته بريقها، ثم قصعته بريقها) ، رواه أبو داود، وأخرجه البخاري أيضًا، ولفظه: (قالت بريقها، فمصعته) يدل على الفرق بين القليل والكثير، انتهى.

وقال البيهقي: (هذا في اليسير الذي يكون معفوًّا عنه، وأما الكثير منه؛ فصحَّ عن عائشة أنها كانت تغسله، فهذا دليل على عدم الفرق بين القليل والكثير من النجاسة، وهو حجة على الشافعي في قوله: إنَّ يسير الدم يُغْسَل كسائر النجاسات إلا دم البراغيث، فإنه لا يمكن التحرُّز عنه) انتهى.

ورده ابن بطال: بأنه قد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان لا يرى بأسًا بالقطرة والقطرتين من الدم في الصَّلاة، وعصر ابنُ عمر رضي الله عنهما بثرة فخرج منها دم، فمسحه بيده وصلى، فالشافعية ليسوا بأكثر احتياطًا من أبي هريرة، وابن عمر، ولا أكثر دراية منهما حتى خالفوهما؛ حيث لم يفرقوا بين القليل والكثير، على أن قليل الدم موضع ضرورة؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو في غالب ضرورة من بثرة، أو دمل، أو برغوث فعفي عنه، ولهذا حرَّم الله المسفوح منه، فدل على أن غيره ليس بمحرَّم) انتهى.

وفي الحديث: دلالة على أن الدم نجس بالإجماع، وفيه دلالة على أن العدد ليس بشرط في إزالة النجاسة؛ بل المراد الاتِّقاء، وفيه: دلالة على أنها إذا لم تر في ثوبها شيئًا من الدم؛ ترش عليه وتصلي فيه، انتهى «عمدة القاري»؛ أي: لأجل الوسوسة من الشيطان.

[1] في الأصل: (الأول)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (إن)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (نقصه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (القرطة)، وليس بصحيح.
[5] في الأصل: (فمصغته)، وهو تصحيف.