متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

226- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بعينَين وراءَين مُهمَلاتٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيُّ) رضي الله عنه (يُشَدِّدُ فِي) الاحتراز من (الْبَوْلِ) حتَّى كان يبول في قارورةٍ؛ خوفًا من أن يصيبه شيءٌ من رشاشه (وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بني يعقوب، وإسرائيل لقبه؛ لأنَّه لمَّا فاز بدعوة أبيه إسحاق دون أخيه عيصو؛ توعَّده بالقتل فلحق بخاله ببابل أو بحرَّان [1] فكان يسير باللَّيل ويكمن [2] بالنَّهار، فسُمِّي لذلك «إسرائيل» (كَانَ) شأنهم (إِذَا أَصَابَ) البول (ثَوْبَ أَحَدِهِمْ؛ قَرَضَهُ)؛ أي: قطعه، وللإسماعيليِّ: قرضه بالمقراض، ولـ: «مسلم»: إذا أصاب جلد أحدهم؛ أي: الذي يلبسه [3] أو جلد نفسه على ظاهره، ويؤيِّده رواية أبي داود: «إذا أصاب جسد [4] أحدهم»، لكن رواية المؤلِّف صريحةٌ في الثِّياب، فيحتمل أنَّ بعضهم رواه بالمعنى، (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان: (لَيْتَهُ)؛ أي: أبا موسى الأشعريَّ (أَمْسَكَ) نفسه عن هذا التَّشديد؛ فإنَّه خلاف السُّنَّة، فقد (أَتَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا) فلم يتكلَّفِ البول في القارورة، واستدلَّ به مالكٌ على الرُّخصة في مثل رؤوس الإبر من البول، نعم؛ يقول بغسلها استحبابًا، وأبو حنيفة يسهِّل فيها كيسير كلِّ النَّجاسات، وعند الشَّافعيِّ: يغسلها وجوبًا، وفي الاستدلال على الرُّخصة المذكورة ببوله عليه الصلاة والسلام قائمًا نظرٌ؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام في تلك الحالة لم يصل إليه منه شيءٌ، قال ابن حبَّان: إنَّما بال قائمًا؛ لأنَّه لم يجد مكانًا يصلح للقعود فقام؛ لكون الطَّرف الذي يليه من السُّباطة عاليًا، فأمن من [5] أن يرتدَّ إليه [6] شيءٌ من بوله، أو كانتِ السُّباطة [/ج1ص294/] رخوةً لا يرتدُّ إلى البائل شيءٌ من بوله.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين شاميٍّ وبصريٍّ [7] وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة.

[1] في (د): «بنجران»، وهو تحريفٌ.
[2] في (م): «يمكن»، وهو تحريف.
[3] في (د): «لبسه».
[4] في (د): «جلد».
[5] «من»: سقط من (د).
[6] في (ب) و(س): «عليه».
[7] في غير (د) و(م): «مصريٍّ»، وهو تحريفٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

226-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن مَنْصُورٍ، عن أَبِي وائلٍ، قالَ:

كانَ أبو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ في البَوْلِ، وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرائِيلَ كان إذا أَصابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فقالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ؛ أَتَىَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُباطَةَ قَوْمٍ، فَبالَ قائِمًا.

226- ( مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ) بمهملات.

( قَرَضَهُ ) براء مهملة وضاد معجمة، أي: قطعه.


لا تتوفر معاينة

226- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ): هو -بعينين مهملتين مفتوحتين، وراءين؛ الأولى ساكنة- ابن البِرِنْد، عن شُعْبَة، وعمر [1] بن أبي زائدة، وطائفة، وعنه: البخاريُّ، وبندار، والكجِّيُّ، توفِّي في سنة (213 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، تقدَّم بعيدًا، قال أَبُو حاتم: (صدوق) ، وقال النَّسائيُّ: (ليس به بأس) .

قوله: (عَنْ مَنْصُورٍ): تقدَّم أعلاه أنَّه ابن المعتمر، وتقدَّم بعيدًا بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ): تقدَّم أعلاه أنَّه شقيق بن سلمة.

قوله: (كَانَ أَبُو مُوسَى): هو الأشعريُّ عَبْد الله بن قيس بن سُليم بن حَضَّار، الصَّحابيُّ، تقدَّم شيء من ترجمته.

قوله: (ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ): هو بالضَّاد المعجمة؛ أي: قطعه، وفي «مسلم»: «إِذَا أَصَابَ جِلدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ؛ قَرَضَهُ»، ويعني بالجلد: التي كانوا يلبسونها، كما قاله القرطبيُّ، قال: (وحمله بعض مشايخنا على ظاهره، وأنَّ ذلك من الإصر الذي حُمِّلوه) .

قوله: (سُبَاطَةَ): تقدَّم الكلام على ضبطها، وما هي قريبًا.

[1] في (ب): (وعمرو) ، وهو تحريفٌ.





226- (كَانَ): مرفوعُه ضميرُ الشَّأنِ، وإلَّا لقال: كانوا، والجملةُ الشرطيَّةُ خبرُه.

(أَصَابَ): أي: البولُ؛ فالفاعلُ ضميرٌ يعودُ عليه.


226- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بعينَين وراءَين مُهمَلاتٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيُّ) رضي الله عنه (يُشَدِّدُ فِي) الاحتراز من (الْبَوْلِ) حتَّى كان يبول في قارورةٍ؛ خوفًا من أن يصيبه شيءٌ من رشاشه (وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بني يعقوب، وإسرائيل لقبه؛ لأنَّه لمَّا فاز بدعوة أبيه إسحاق دون أخيه عيصو؛ توعَّده بالقتل فلحق بخاله ببابل أو بحرَّان [1] فكان يسير باللَّيل ويكمن [2] بالنَّهار، فسُمِّي لذلك «إسرائيل» (كَانَ) شأنهم (إِذَا أَصَابَ) البول (ثَوْبَ أَحَدِهِمْ؛ قَرَضَهُ)؛ أي: قطعه، وللإسماعيليِّ: قرضه بالمقراض، ولـ: «مسلم»: إذا أصاب جلد أحدهم؛ أي: الذي يلبسه [3] أو جلد نفسه على ظاهره، ويؤيِّده رواية أبي داود: «إذا أصاب جسد [4] أحدهم»، لكن رواية المؤلِّف صريحةٌ في الثِّياب، فيحتمل أنَّ بعضهم رواه بالمعنى، (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان: (لَيْتَهُ)؛ أي: أبا موسى الأشعريَّ (أَمْسَكَ) نفسه عن هذا التَّشديد؛ فإنَّه خلاف السُّنَّة، فقد (أَتَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا) فلم يتكلَّفِ البول في القارورة، واستدلَّ به مالكٌ على الرُّخصة في مثل رؤوس الإبر من البول، نعم؛ يقول بغسلها استحبابًا، وأبو حنيفة يسهِّل فيها كيسير كلِّ النَّجاسات، وعند الشَّافعيِّ: يغسلها وجوبًا، وفي الاستدلال على الرُّخصة المذكورة ببوله عليه الصلاة والسلام قائمًا نظرٌ؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام في تلك الحالة لم يصل إليه منه شيءٌ، قال ابن حبَّان: إنَّما بال قائمًا؛ لأنَّه لم يجد مكانًا يصلح للقعود فقام؛ لكون الطَّرف الذي يليه من السُّباطة عاليًا، فأمن من [5] أن يرتدَّ إليه [6] شيءٌ من بوله، أو كانتِ السُّباطة [/ج1ص294/] رخوةً لا يرتدُّ إلى البائل شيءٌ من بوله.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين شاميٍّ وبصريٍّ [7] وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة.

[1] في (د): «بنجران»، وهو تحريفٌ.
[2] في (م): «يمكن»، وهو تحريف.
[3] في (د): «لبسه».
[4] في (د): «جلد».
[5] «من»: سقط من (د).
[6] في (ب) و(س): «عليه».
[7] في غير (د) و(م): «مصريٍّ»، وهو تحريفٌ.





226- ( يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ ) بيَّن ابن منذر وجهه، وهو أنَّه رأى رجلًا يبول قائمًا فقال: «ويحك، أفلا تبول قاعدًا ؟» ثمَّ ذكر قصَّة بني إسرائيل، وبهذا تظهر مطابقة حديث أبي حذيفة في تعقُّبه عليه.

( ثَوْبَ أَحَدِهِمْ ) لمسلم: «جلد أحدهم»، ولأبي داود: «جسد أحدهم»، فقيل: إنَّه من الإصر الذي حمِّلوه، وقيل غير ذلك كما أوضحته في «الدِّيباج».

( قَرَضَهُ ) أي: قطعه بالمقراض.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

226- وبالسَّند قال: ((حدثنا محمَّد بن عَرْعَرَة)) ؛ بعينين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة، ثم أخرى بعدها مفتوحة؛ لوقوع هاء التأنيث بعدها ((قال: حدثنا شعبة)) هو ابن الحجاج، ((عن منصور)) هو ابن المعتمر، ((عن أبي وائل)) هو شقيق الكوفي ((قال: كان أبو موسى)) هو عبد الله بن قَيْس ((الأشعري)) رضي الله تعالى عنه ((يشدد في البول)) : جملة محلها النصب خبر (كان) ؛ أي: أنه كان يحتاط احتياطًا عظيمًا في الاحتراز عن رشاش البول حتى إنه كان يبول في القارورة؛ خوفًا من أن يصيبه من رشاشه شيء، وأخرج ابن المُنْذِر من طريق عبد الرحمن بن الأسودعن أبيه: أنه سمع أبا موسى ورأى رجلًا يبول قائمًا، فقال: ويحك! أفلا قاعدًا؟ ثم ذكر قصة بني إسرائيل، ((ويقول: إن بني إسرائيل)) ؛ أي: أولاد يعقوب عليه السلام، وإسرائيل لقبه، ووجه تلقيب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام بإسرائيل ما قاله في «عمدة القاري»: (من أنه كان يعقوب وعيصوا أخوين [1] كانا في بطن [2] أمهما معًا، فلما جاء وقت وضعهما؛ اقتتلا في بطنها لأجل الخروج أولًا، فقال عيصو: والله لئن خرجت قبلي؛ لأعترض في بطن أمي لأقتلها، فتأخَّر يعقوب وخرج عيصو قبله فسمِّي عيصوا، وسُمِّي يعقوب؛ لأنَّه خرج آخرًا عقب عيصو، وكان يعقوب أكبرهما في البطن، وكان أحبهما إلى أمه، وكان عيصو أحبهما إلى أبيه، وكان صاحب صيد، فلما كبر أبوهما إسحاق وغشي على عينيه؛ قال لعيصو: يا بني؛ أطعمني لحم صيد أدعو لك بدعاء كان أبي دعا لي به، وكان أشعر، وكان يعقوب أجرد، فخرج عيصو إلى الصيد، فقالت أمه ليعقوب: خذ شاة واشوها، والبس جلدها، وقدمها إلى أبيك، وقل: أنا ابنك عيصو، ففعل فمسَّه إسحاق، فقال: المسُّ مسُّ عيصو، والريح ريح يعقوب، فقالت أمه: ابنك عيصو فادع له، فأكل منها، ودعا له بأن يجعل الله في ذريته الأنبياء والملوك، ثم جاء عيصو بالصيد فقال إسحاق: يا بني؛ لقد سبقك أخوك فغضب، وقال: والله لأقتلنه، فقال إسحاق: يا بني؛ قد بقيت دعوة، فدعا له بأن يكون ذريته عدد التراب ولا يملكهم أحد غيرهم، وقالت أمُّ يعقوب له: الحق بخالك، فكن عنده خشية أن يقتلك عيصو، فانطلق يعقوب إلى خاله لابان، فكان ببابل، وقيل: بحران، فكان يسري بالليل ويمكن بالنهار؛ فلذلك سمي إسرائيل، فأخذ من السرى والليل، وقيل: معناه: عبد الله؛ لأنَّ إيل اسم من أسماء الله تعالى بالسريانية، كما يقال: جبرائيل، وميكائيل [3] ) انتهى.

قلت: قيل: إن ذرية عيصو الإفرنج المشهورين بالروسية الموسكوف، وقال البغوي: (قال ابن عباس، ومُجَاهِد، وغيرهما: أقبل يعقوب من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو، وكان رجلًا قويًّا، فلقيه مَلَك، فظن يعقوب أنه لصٌّ فعالجه أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب، ثم صعد إلى السماء ويعقوب ينظر إليه فهاج به عرق النسا، ولقي من ذلك شدة فكان لا ينام الليل من الوجع، ويبيت وله زقاء؛ أي: صياح، فحلف يعقوب لئن شفاه الله؛ لا يأكل عرقًا ولا طعامًا فيه عرق، فحرَّمه على نفسه، فكان بنوه بعد ذلك يتبعون العروق يخرجونها من اللحم) انتهى.

قلت: وهذا مشاهد معلوم من اليهود، فإن لهم جماعة عند الجزارين ينقُّون العروق، قيل: إن يعقوب لما استوطن في بيت المقدس وجاءه أولاده المذكورون [4] في القرآن العظيم وكبروا؛ ذهب عيصو يدِّور على أخيه إلى أن قرب إلى بيت المقدس، فأُخبِر يعقوب بمجيئه، فقال لأولاده: اذهبوا إلى باب البلد وقفوا عنده، فإذا جاء عيصو ومرَّ عليكم؛ فقبِّلوا يديه، وقولوا له: نحن عبيد عيصو، فإن سأل عني وعنكم؛ فأخبروه ففعلوا، فلما رآهم عيصو؛ سألهم، فأجابوه، فسألهم عن أبيهم يعقوب، فقالوا [5] : في محل كذا، فذهب إليه وقبَّلوا بعضهم بعضًا، وعفا عنه، ورضي، وتمامه في «عقود الجمان في أخبار الزمان» للشيخ بدر الدين العيني صاحب «عمدة القاري» قُدِّس سرُّه، فإنه كتاب لم أجد [من] سبقه إليه، جمع فيه فأوعى، وأودع فأغنى، وهو يبلغ نحوًا من عشرة مجلدات، وكان عندي منه مجلد واحد رضي الله عن هذا المؤلف ما أغزر علمه واطلاعه!

((كان)) ؛ للشأن، وليس ضميرها يعود على (بني إسرائيل) حتى يرد أنهم جمع، وهو مفرد، بل هو ضمير الشأن، والجملة الشرطية من (كان) وخبرها خبر (إنَّ) ، ويحتمل عوده على (بني) ؛ لأنَّه بمعنى ولد أو سبط مثلًا، والأظهر الأول؛ فتأمل، ((إذا أصاب)) أي: البول ((ثوبَ أحدهم)) ؛ بنصب (ثوب) على المفعولية، ووقع في رواية مسلم: (إذا أصاب جلد أحدهم) ، قال القرطبيُّ: (مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها) ، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الأمر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود، عن عبد الرحمن بن حسنة، قال: انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبيِّ عليه السلام فخرج ومعه درقة، ثم استتر بها، ثم قال: فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمع ذلك فقال: ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول؛ قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم فعُذِّبَ في قبره، قال منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى: جلد أحدهم، وقال عاصم، عن أبي وائل، عن أبي موسى: جسد أحدهم) .

وقوله: (انظروا يبول كما تبول المرأة) ، وهذا القول منهما وقع من غير قصد، أو وقع بطريق التعجب، أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل؛ فلذلك قال عليه السلام: «ألم تعلموا...إلخ»، ولم يقولا هذا بطريق الاستهزاء والاستخفاف؛ لأنَّ الصحابة براء [6] من هذا الكلام، وأراد بـ (صاحب بني إسرائيل) : موسى الكليم عليه السلام.

فإن قلت: كيف يترتب قوله على قوله: فنهاهم؟

قلت: فيه حذف؛ تقديره: فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا، فعذبهم الله، والفاء في (فعذب) فاء السببية؛ نحو قوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15] ، كذا في «عمدة القاري».

((قَرَضَه)) ؛ بفتح القاف والراء، والضاد المعجمة؛ أي: قطعه، وفي رواية الأصيلي، والإسماعيلي: (قرضه) بالمقراض، وهذه الرواية ترد قول من يقول: بالقرض الغسل بالماء، وهذا من الأمر المدفوع عن هذه الأمة، ورواية المؤلف هنا صريحة في أنَّ المراد: الجلد الملبوس؛ لتصريحه بالثياب، فلعل ما في «أبي داود» تصرُّف من بعض الرواة؛ لظنه أن المراد بالجلد الواقع في بعض الروايات: الجسد، وليس كذلك، كما علمت؛ فافهم وتأمل، ((فقال حذيفة)) أي: ابن اليمان، عن أبي موسى الأشعري: ((ليته أمسك)) ؛ أي: ليت أبا موسى أمسك نفسه عن هذا التشديد في أمر البول أو لسانه عن هذا القول، أو كليهما عن كليهما، ومقصوده: أن هذا التشديد خلاف السنة، فالإمساك عنه خير، ((فقد أتى)) بفتح الهمزة ((النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم سُباطة)) بضمِّ السين المهملة: كناسة ((قوم)) ؛ أي: جماعة من الأنصار، ((فبال قائمًا)) وفي رواية الإسماعيلي: (لوددت أن صاحبكم لا يشدِّد هذا التشديد) ؛ أي: ولا شك في كون القائم معرَّضًا للرشاش، ولم يلتفت عليه السلام إلى هذا الاحتمال ولم يتكلَّف البول في القارورة، قال ابن بطال: (وهذا الحديث حجة لمن رخَّص في يسير البول؛ لأنَّ المعهود ممن بال قائمًا أن يتطاير إليه مثل رؤوس الإبر، وفيه يسر وسماحة على هذه الأمة حيث لم يوجب القرض كما أوجب على بني إسرائيل) ، وقال سفيان الثوري: كانوا يرخِّصون في [/ص204/]

القليل من البول.

قلت: والمراد من رؤوس الإبر محل إدخال الخيط وإن امتلأ منه الثوب والبدن للضرورة؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه، لا سيما في مهبِّ الريح، فسقط اعتباره، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذا، فقال: إنا لنرجو من الله تعالى أوسع من هذا، كما في «السراج الوهاج»، فهذا حجة ودليل ظاهر لإمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم رضي الله عنه في قوله: إنه معفوٌّ عنه، وسهل فيها كما سهل في يسير كل النجاسات، وقال مالك: يغسلها استحبابًا وتنزُّهًا، وهو قول الإمام أبي يوسف، وشدد الأمر الشافعي، وقال: يجب غسل ما يدركه الطرف من سائر النجاسات، وهذا الحديث حجة عليه؛ لأنَّ الاحتراز عنه غير ممكن ضرورة، وفيه حرج بيِّنٌ وهو مدفوع، وروي عن محمَّد بن علي زين العابدين: أنه تكلَّف لبيت الخلاء ثوبًا، ثم تركه، وقال: لم يتكلَّف لهذا من هو خير مني؛ يعني: رسول الله عليه السلام، والخلفاء رضي الله عنهم، ويدل لذلك: حديث أبي هريرة السابق، وفيه: «فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين»، فهو يشير إلى عدم اعتبار نجاسة الرشاش من النجاسات؛ لأنَّه لو اعتبرناه نجسًا؛ لزال معنى التيسير المأمور به، ولثبت معنى التعسير وهو خلاف المأمور به، والله تعالى أعلم، اللهم؛ فرج عنا وعن المسلمين، واكشف يا ربنا هذا الهم والغم عن أمة نبيك محمَّد عليه السلام.

وقال القسطلاني: (وفي الاستدلال على الرخصة المذكورة ببوله عليه السلام قائمًا نظر؛ لأنَّه عليه السلام في تلك الحالة لم يصل إليه منه شيء) ، قال ابن حبَّان: (إنما بال قائمًا؛ لأنَّه لم يجد مكانًا يصلح للقعود، فقام لكون الطرف الذي يليه من السباطة عاليًا، فأمن من أن يرتد عليه شيء من بوله، أو كانت السباطة رخوة لا يرتد إلى البائل شيء من بوله) انتهى.

قلت: وهذا ممنوع، فإن بوله عليه السلام قائمًا وكذا غيره لا بدَّ وأن يصل إليه الرشاش من البول غالبًا، والغالب كالمتحقق.

وقوله: (لم يصل إليه منه شيء) دعوة باطلة؛ لتضمنها النفي وهو غير مقبول، ودعوانا مثبتة، والمثبت مقدم على النافي، على أنه لا دليل يدل على عدم الوصول، بل الظاهر المتبادر من هذه الحالة إنَّما هو الوصول لا غير.

وقوله: (لأنَّه لم يجد مكانًا يصلح للقعود) ممنوع، فإن الأرض واسعة صالحة للقعود، وليس لأحد إنكار ذلك، وإنكاره كإنكار وجود الشمس في السماء في رابعة النهار.

وقوله: (لكون الطرف الذي يليه من السباطة عاليًا...) إلخ ممنوع؛ لأنَّ السباطة على وجه الأرض في العادة ليست عالية ولا متسفلة، وأي دليل على أنها عالية؟ وإذا كانت ليست بعالية؛ فالطرف منها غير عالٍ ضرورة، وفي هذه الحالة إذا بال أحد؛ فلا ريب أنه يصله الرشاش، فدعوى عدم الوصول باطلة لا دليل عليها.

وقوله: (فأمن من أن يرتد...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه لا دليل على ذلك، فإن السباطة ليس لها أطراف، وإنما هي مكان على وجه الأرض معد لرمي الأوساخ المجتمعة في البيوت، وهي تضمحل وتذهب بالريح أو يأخذها أرباب البساتين.

وقوله: (أو كانت السباطة رخوة...) إلخ ممنوع؛ فإن السباطة ليست ببناء ولا من غيره، وإنما هي أرض صلبة بدليل أنها في فناء البيوت، وفناؤها أرض صلبة غير رخوة، وتارة يكون محلها صخر أو جبل كما هو العادة في القرى والبلدان، فلا ريب أنه في الحالة المذكورة إذا بال؛ يرتد عليه شيء من الرشاش لما ذكرنا؛ لأنَّ الصخر والجبل لصلابته، وكذا الأرض المعهودة كذلك صلبة؛ لعدم ورود الماء عليها ودائمًا الشمس عليها صلبة، لا يستقر البول عليها، بل يتطاير على البائل غالبًا، والغالب كالمتحقق؛ فافهم.

ولا داعي لهذا التشديد حتى يدخل في تشديد بني إسرائيل، فإن الله تعالى أمر باليسر ونبيُّه عليه السلام كذلك كما علمت، وقال تعالى: { [اجْتَبَاكُمْ] وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، ولا ريب أن اعتبار ذلك حرج بيِّنٌ، وقد أمرنا سبحانه وتعالى باجتنابه ورفعه عنا، فباعتباره إلزام الحرج علينا، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (أخوان)، وليس بصحيح.
[2] زيد في الأصل: (واحد)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (فجبرائل ومكائل)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (المذكورين)، وليس بصحيح.
[5] في الأصل: (فقال)، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (بريئات).