متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

223- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل (ابْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود رضي الله عنه، (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ) بفتح القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وذكرها الذَّهبيُّ في «تجريده» في «الكنى»، ولم يذكر لها اسمًا، وعند ابن عبد البر: اسمها: جذامة؛ بالجيم وبالذَّال المُعجَمَة، وعند السُّهيليِّ: آمنة (بِنْتِ)، ولأبي الوقت والأَصيليِّ: ((ابنة)) (مِحْصَنٍ)؛ بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصَّاد المُهمَلتين آخره نون، وهي أخت عكاشة بن مِحْصَنٍ، وهي من السَّابقات المُعمِّرات، ولها في «البخاريِّ» حديثان، (أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا) ذكرٍ (صَغِيرٍ) بالجرِّ، صفة «ابن»؛ لقوله: (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ)؛ لعدم قدرته على مضغه ودفعه لمعدته (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حجْرِهِ) بكسر الحاء وفتحها وسكون الجيم، (فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ)؛ أي: ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، (فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ)؛ أي: رشَّه بماء عمَّه وغلبه من غير سيلانٍ، كما يدلُّ عليه قوله: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ)؛ لأنَّه لم يبلغ الإسالة، وقد ادَّعى الأَصيليُّ أنَّ قوله: «ولم يغسله» من كلام ابن شهابٍ، وليس من المرفوع، والفاءات الأربعة في قوله: «فأجلسه»، «فبال»، «فدعا بماءٍ فنضحه»؛ للعطف بين الكلام بمعنى [1] : التَّعقيب [2] ، ومراده بـ: «الصَّغير» هنا: الرَّضيع؛ بدليل قوله: «لم يأكل»، وعبِّر بـ: «الابن» دون الولد؛ لأنَّ الابن لا يُطلَق إلَّا على الذَّكر، بخلاف الولد فإنه يطلق عليهما، والحكم المذكور إنَّما هو للذَّكر لا لها، ولا بدَّ في بولها من الغسل على الأصل، وقد [/ج1ص292/] روى ابن خزيمة والحاكم وصحَّحاه: «يغسل من بول الجارية، ويرشُّ من بول الغلام»، وفرَّق بينهما: بأنَّ الائتلاف بحمل الصَّبي أكثر فخفَّف في بوله، وبأنَّه [3] أرقُّ من بولها، فلا يلصق بالمحلِّ لصوقَ [4] بولها به [5] ، ولأنَّ بولها بسبب استيلاء الرُّطوبة والبرودة على مزاجها أغلظ وأنتن، ومثلها الخنثى، كما جزم به في «المجموع»، ونقله في «الرَّوضة» عن البغويِّ، وأفهم قوله: «لم يأكل الطعام» أنَّه لا يمنع النَّضح تحنيكه بتمر ونحوه، ولا تناوله [6] السَّفُوف ونحوه للإصلاح، وممَّن قال بالفرق: عليُّ بن أبي طالبٍ، وعطاءُ بن أبي رباحٍ، والحسن، وأحمد ابن حنبل، وابن راهويه، وابن وهب من المالكيَّة [7] ، وذهب أبو حنيفة ومالكٌ رحمهما الله إلى عدم الفرق بين الذَّكر والأنثى، بل قالا: بالغسل فيهما مطلقًا، سواء أكلا الطَّعام أم لا، واستدلَّ لهما: بأنَّه عليه الصلاة والسلام نضح، والنَّضح هو الغسل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في المذي: «فلينضح فرجه»، رواه أبو داود وغيره من حديث المقداد، والمُرَاد به: الغسل، كما وقع التَّصريح به في «مسلمٍ»، والقصَّة واحدةٌ كالرِّاوي، ولحديث أسماء في غسل الدَّم: «وانضحيه»، وقد ورد الرَّشُّ وأُريد به: الغسل، كما في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في «الصَّحيح» [خ¦140] لمَّا حكى الوضوء النَّبويَّ: أخذ غرفة من ماءٍ ورشَّ [8] على رجله اليمنى حتَّى غسلها، وأراد بـ: «الرِّشِّ» هنا: الصَّبُّ قليلًا قليلًا، وتأوَّلوا قوله: «ولم يغسله»؛ أي: غسلًا مبالغًا فيه بالعرك [9] ، كما تُغسَل الثِّياب إذا أصابتها النَّجاسة، وأُجيب: بأنَّ النَّضح ليس هو الغسل، كما دلَّ عليه كلام أهل اللُّغة، ففي «الصِّحاح» و«المُجمَل» لابن فارس، و«ديوان الأدب» للفارابيِّ و«المنتخب» لكراعٍ، و«الأفعال» لابن طريفٍ [10] ، و«القاموس» للفيروزآبادي: النَّضح: الرشُّ، ولا نسلِّم أنَّه في حديث المقداد وأسماء بمعنى: «الغسل»، ولئن سلَّمناه؛ فبدليلٍ خارجيٍّ، واستدلَّ بعضهم بقوله: «ولم يغسله» على طهارة بول الصَّبيِّ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثورٍ، وحُكِي عن مالكٍ والأوزاعيِّ، وأمَّا حكايته عن الشَّافعيِّ؛ فجزم النَّوويُّ بأنَّها باطلة قطعًا، فأيَّده [11] مجموع الصِّغار الذين حصل منهم بولٌ عليه صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير وابن أمِّ محصنٍ وسليمان [12] بن هشام رضي الله عنهم، قاله الذَّهبيُّ رحمة الله عليه [13] .

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين تِنِّيسيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة.

[1] زيد في (م): «والتعقيب».
[2] في (ص): «التَّعيُّب»، وهو تحريفٌ.
[3] في (م): «لأنَّه».
[4] في (س): «كلصوق».
[5] «به»: سقط من (س).
[6] في (د): «تناول»، وفي (ص) و(م): «بتناوله».
[7] «المالكيَّة»: سقط من (ص).
[8] في (د): «فرشَّ».
[9] في (د): «بالعرك».
[10] في (م): «ظريف»، وهو تصحيفٌ.
[11] في (د): «فائدة»، وهو تصحيفٌ.
[12] في (د): «سلمان»، وهو تصحيفٌ.
[13] قوله: «فأيَّده مجموع الصِّغار الذين حصل منهم... قاله الذَّهبيُّ رحمة الله عليه»، مثبتٌ من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

223-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا مالِكٌ، عن ابْنِ شِهابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ:

عن أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ [1] مِحْصَنٍ: أَنَّها أَتَتْ بِابْنٍ لَها صَغِيرٍ لَمْ يَأكُلِ الطَّعامَ إلىَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حَجْرِهِ [2] ، فَبالَ علىَ ثَوْبِهِ، فَدَعا بِماءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.

[1] في رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ابنةِ».
[2] قوله: «في حَجْرِه» ليس في رواية [عط] .





223- ( فِي حِجْرِهِ ) بفتح الحاء وكسرها.


223# (فِي حِجْره) بفتح الحاء المهملة وكسرها.


223- قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم مرارًا أنَّه الزُّهْرِيُّ، وهو محمَّد بن مُسْلِم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب.

قوله: (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ): (أمُّ قيس): هذه أسَديَّة -بفتح السِّين- وهي أخت عكاشة بن محصن، قال السُّهيليُّ: (اسمها آمنة بنت وهب بن محصن) انتهى، وقد رأيت ذلك في «الرَّوض»، قال شيخنا: (وقال ابن عبد البَرِّ: اسمها جدامة) انتهى، كذا قال شيخنا الشَّارح، ولم أره في «الاستيعاب»، فلعلَّه ذكره في غيره، ولأمِّ قيس بنت محصن [1] ترجمة في «الاستيعاب»، ولم يسمِّها، وفي الأسماء ذكر: (جدامة بنت وهب الأسديَّة، أسلمت بمكَّة، وبايعتِ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهاجرت مع قومها إلى المدينة، وكانت تحت ابن قتادة بن ربيعة من بني عَمرو بن عوف، روت عنها: عائشة حديث الغيلة) انتهى، وجدامة هذه المذكورة في حديث الغيلة روى لها مُسْلِم، والأربعة، وأحمد في «المسند»، واختُلف في ضبطها، فيقال: إنَّها بالجيم المضمومة، وبالدَّال المهملة، وقيل: بالمعجمة، والأوَّل الصَّحيح، قاله الزكيُّ المنذريُّ، وكذا قال غيره من المتقدِّمين، والصَّواب: الضَّبط الأوَّل، وأمُّ قيس بنت محصن من المهاجرات الأول، روى عنها: مولياها عديُّ بن دينار وأبو الحسن، ووابصة بن معبد، وعبيد الله بن عَبْد الله بن عتبة [2] ، وغيرهم، معمَّرة رَضِيَ اللهُ عنها، أخرج لها الجماعة.

قوله: (بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ): هذا الابن لا أعرف أحدًا سمَّاه، ولا أعرفه.

تنبيه: مجموع الصِّغار الذين حصل منهم بول عليه عليه الصَّلاة والسَّلام: الحسن، والحسين، وعبد الله بن الزُّبير، وابن أمِّ قيس بنت [3] محصن، وَسُلَيْمَانُ بْنُ هاشم المذكور قبله، قال الذَّهبيُّ: (سُلَيْمَانُ بْنُ هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عَبْد شمس وضعه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حجره) انتهى، ذكره في «تجريد الصَّحابة»، [وفي «زوائد معجمي الطَّبرانيِّ الصَّغير والأصغر» من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: (أنَّ رسول الله أتي بصبيٍّ، فبال عليه فنضحه، وأتي بجارية فبالت عليه فغسله) ، وهؤلاء خمسة أشخاص [4] ، والله أعلم] [5] .

قوله: (في حَجْرِهِ): هو بفتح الحاء، وتكسر، ذكرهما الجوهريُّ.

قوله: (فَنَضَحَهُ): هو -بالحاء المهملة- الرَّش.

[1] (قيس بنت): سقط من (ج) ، وكذا في الموضع اللاحق.
[2] في (ب): (عقبة) ، وهو تحريفٌ.
[3] (قيس بنت): ليس في (ج) .
[4] (وهؤلاء خمسة أشخاص): ليس في (ب) .
[5] ما بين معقوفين ليس في (ج) .





223- (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ): هو في موضعِ خفضٍ صفةً لـ (ابْنٍ).


223- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل (ابْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود رضي الله عنه، (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ) بفتح القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وذكرها الذَّهبيُّ في «تجريده» في «الكنى»، ولم يذكر لها اسمًا، وعند ابن عبد البر: اسمها: جذامة؛ بالجيم وبالذَّال المُعجَمَة، وعند السُّهيليِّ: آمنة (بِنْتِ)، ولأبي الوقت والأَصيليِّ: ((ابنة)) (مِحْصَنٍ)؛ بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصَّاد المُهمَلتين آخره نون، وهي أخت عكاشة بن مِحْصَنٍ، وهي من السَّابقات المُعمِّرات، ولها في «البخاريِّ» حديثان، (أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا) ذكرٍ (صَغِيرٍ) بالجرِّ، صفة «ابن»؛ لقوله: (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ)؛ لعدم قدرته على مضغه ودفعه لمعدته (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حجْرِهِ) بكسر الحاء وفتحها وسكون الجيم، (فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ)؛ أي: ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، (فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ)؛ أي: رشَّه بماء عمَّه وغلبه من غير سيلانٍ، كما يدلُّ عليه قوله: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ)؛ لأنَّه لم يبلغ الإسالة، وقد ادَّعى الأَصيليُّ أنَّ قوله: «ولم يغسله» من كلام ابن شهابٍ، وليس من المرفوع، والفاءات الأربعة في قوله: «فأجلسه»، «فبال»، «فدعا بماءٍ فنضحه»؛ للعطف بين الكلام بمعنى [1] : التَّعقيب [2] ، ومراده بـ: «الصَّغير» هنا: الرَّضيع؛ بدليل قوله: «لم يأكل»، وعبِّر بـ: «الابن» دون الولد؛ لأنَّ الابن لا يُطلَق إلَّا على الذَّكر، بخلاف الولد فإنه يطلق عليهما، والحكم المذكور إنَّما هو للذَّكر لا لها، ولا بدَّ في بولها من الغسل على الأصل، وقد [/ج1ص292/] روى ابن خزيمة والحاكم وصحَّحاه: «يغسل من بول الجارية، ويرشُّ من بول الغلام»، وفرَّق بينهما: بأنَّ الائتلاف بحمل الصَّبي أكثر فخفَّف في بوله، وبأنَّه [3] أرقُّ من بولها، فلا يلصق بالمحلِّ لصوقَ [4] بولها به [5] ، ولأنَّ بولها بسبب استيلاء الرُّطوبة والبرودة على مزاجها أغلظ وأنتن، ومثلها الخنثى، كما جزم به في «المجموع»، ونقله في «الرَّوضة» عن البغويِّ، وأفهم قوله: «لم يأكل الطعام» أنَّه لا يمنع النَّضح تحنيكه بتمر ونحوه، ولا تناوله [6] السَّفُوف ونحوه للإصلاح، وممَّن قال بالفرق: عليُّ بن أبي طالبٍ، وعطاءُ بن أبي رباحٍ، والحسن، وأحمد ابن حنبل، وابن راهويه، وابن وهب من المالكيَّة [7] ، وذهب أبو حنيفة ومالكٌ رحمهما الله إلى عدم الفرق بين الذَّكر والأنثى، بل قالا: بالغسل فيهما مطلقًا، سواء أكلا الطَّعام أم لا، واستدلَّ لهما: بأنَّه عليه الصلاة والسلام نضح، والنَّضح هو الغسل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في المذي: «فلينضح فرجه»، رواه أبو داود وغيره من حديث المقداد، والمُرَاد به: الغسل، كما وقع التَّصريح به في «مسلمٍ»، والقصَّة واحدةٌ كالرِّاوي، ولحديث أسماء في غسل الدَّم: «وانضحيه»، وقد ورد الرَّشُّ وأُريد به: الغسل، كما في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في «الصَّحيح» [خ¦140] لمَّا حكى الوضوء النَّبويَّ: أخذ غرفة من ماءٍ ورشَّ [8] على رجله اليمنى حتَّى غسلها، وأراد بـ: «الرِّشِّ» هنا: الصَّبُّ قليلًا قليلًا، وتأوَّلوا قوله: «ولم يغسله»؛ أي: غسلًا مبالغًا فيه بالعرك [9] ، كما تُغسَل الثِّياب إذا أصابتها النَّجاسة، وأُجيب: بأنَّ النَّضح ليس هو الغسل، كما دلَّ عليه كلام أهل اللُّغة، ففي «الصِّحاح» و«المُجمَل» لابن فارس، و«ديوان الأدب» للفارابيِّ و«المنتخب» لكراعٍ، و«الأفعال» لابن طريفٍ [10] ، و«القاموس» للفيروزآبادي: النَّضح: الرشُّ، ولا نسلِّم أنَّه في حديث المقداد وأسماء بمعنى: «الغسل»، ولئن سلَّمناه؛ فبدليلٍ خارجيٍّ، واستدلَّ بعضهم بقوله: «ولم يغسله» على طهارة بول الصَّبيِّ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثورٍ، وحُكِي عن مالكٍ والأوزاعيِّ، وأمَّا حكايته عن الشَّافعيِّ؛ فجزم النَّوويُّ بأنَّها باطلة قطعًا، فأيَّده [11] مجموع الصِّغار الذين حصل منهم بولٌ عليه صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير وابن أمِّ محصنٍ وسليمان [12] بن هشام رضي الله عنهم، قاله الذَّهبيُّ رحمة الله عليه [13] .

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين تِنِّيسيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة.

[1] زيد في (م): «والتعقيب».
[2] في (ص): «التَّعيُّب»، وهو تحريفٌ.
[3] في (م): «لأنَّه».
[4] في (س): «كلصوق».
[5] «به»: سقط من (س).
[6] في (د): «تناول»، وفي (ص) و(م): «بتناوله».
[7] «المالكيَّة»: سقط من (ص).
[8] في (د): «فرشَّ».
[9] في (د): «بالعرك».
[10] في (م): «ظريف»، وهو تصحيفٌ.
[11] في (د): «فائدة»، وهو تصحيفٌ.
[12] في (د): «سلمان»، وهو تصحيفٌ.
[13] قوله: «فأيَّده مجموع الصِّغار الذين حصل منهم... قاله الذَّهبيُّ رحمة الله عليه»، مثبتٌ من (م).





223- ( أُمِّ قَيْسٍ ): اسمها جُذَامَة بالجيم والمعجمة، وقيل: آمنة، وهي أخت عكاشة.

( حجْرِهِ ): بفتح الهاء وكسرها.

( وَلَمْ يَغْسِلْهُ ): ادعى الأَصِيلي أنَّ هذه الجملة مدرجة من قول ابن شهاب. [/ج1ص345/]


58/223# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرنا مالِكٌ، عن ابْنِ شِهابٍ، عن عُبَيْدِ اللهِ [1] بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ بن مسعود [2] :

عن أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ: أَنَّها أَتَتْ بِابْنٍ لَها صَغِيرٍ لَمْ يَأكُلِ الطَّعامَ إلىَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم

@%ص72%

_يعني في حَجْرِهِ_ فَبالَ علىَ ثَوْبِهِ، فَدَعا بِماءٍ، فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ.

(النَّضْح): إمرارُ الماء عليه [3] دَفقاً [4] من [5] غير مَرْس ولا دَلْك، ومنه قيل للبعير الذي يُستقى [6] عليه الماء: النَّاضح. والغسل المعروف إنَّما يكون بصبِّ الماء ومَرس الثوب وعَصْره.

وفيه بيان أنَّ إزالةَ أعيان النجاسات إنَّما تُعتَبر بقَدر غِلظ النجاسة وخِفَّتها، فما غَلُطَ منها زِيدَ في التطهير، وما خَفَّ منها اقتُصِرَ فيه على إمرار الماء من غير مبالغةٍ وتوكيدٍ.

[1] في (ط): (عبد الله) مكبراً.
[2] قوله: (بن مسعود) زيادة من (ر).
[3] في (ط): (غلب).
[4] في النسخ الفروع: (دفعاً).
[5] (من): سقط من (ط)
[6] في (ط): (يُسقى) بإسقاط التاء.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

223# (أُمُّ قَيْسٍ): اسمها آمنة بنت وهب بن محصن، وقيل: اسمها جذامة.

قولها: (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ): فائدة: بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللَّحم والدَّم. وفيه: التَّبرك بآثار الصَّالحين.


223- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) ؛ هو التِّنِّيسي ((قال: حدثنا مالك)) ؛ هو ابن أنس الأصبحي، ((عن ابن شهاب)) ؛ محمَّد بن مسلم الزُّهْرِي، ((عن عبيد الله)) بالتصغير ((بن عبد الله)) بالتكبير ((بن عُتْبَة)) ؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، وفتح الموحدة، ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ((عن أم قَيْس)) بفتح القاف، وسكون التحتية ((بنت مِحْصَن)) ؛ بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الصاد المهملة، آخره نون، وهي أخت عكاشة بن مِحْصَن، أسلمت بمكة قديمًا، وبايعت النبي الأعظم عليه السلام [/ص198/]

وهاجرت إلى المدينة وهي من المعمرات، وقال ابن عبد البر: (اسمها جذامة؛ بالجيم، والذال المعجمة) ، وقال السهيلي: (اسمها آمنة) ، وذكرها الذهبي في «التجريد»، ولم يذكر لها اسمًا، كذا في «عمدة القاري»، ((أنها أتت بابن لها)) : جملة محلها الجر صفة لـ (ابن) ، وهو ذكر؛ لأنَّ الابن لا يطلق إلا على الذكر، بخلاف الولد ولم يعلم اسم هذا الولد، كذا في «عمدة القاري»، قلت: ولعله لم يسمَّ حين صدور هذه الواقعة؛ لأنَّه مات وهو صغير في عهد النبي الأعظم عليه السلام؛ فتأمل، ((صغير)) ؛ بالجر صفة لـ (ابن) أيضًا، وهو ضد الكبير، ولكن المراد منه: الرضيع؛ لأنَّه فسره بقوله: ((لم يأكل الطعام)) فإذا أكل؛ سمي فطيمًا، وغلامًا أيضًا إلى سبع سنين، فعن هذا عرفنا أن الصغير يطلق إلى حد الالتحاء من حين يولد، فلذلك قيد في الحديث بقوله: (لم يأكل الطعام) ، و (الطعام) في اللغة: ما يؤكل، وربما خص بطعام البر، وفي حديث أبي سَعِيد: (كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله عليه السلام صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير) ، والطَّعم؛ بالفتح: ما يؤديه الذوق، يقال: طعمه مر، والطُّعم؛ بالضم: الطعام، وقد طعم يطعم طعمًا، فهو طاعم؛ إذا أكل أو ذاق؛ مثل غنم يغنم غنمًا؛ فهو غانم، قال تعالى: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا} [الأحزاب: 53] ، وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [البقرة: 249] ؛ أي: من لم يذقه، قاله الجوهري، وقال الفاضل الزمخشري: (ومن لم يذقه، من طعم الشيء: إذا ذاقه، ومنه: طعم الشيء لمذاقه، قال الشاعر:

~ .... ... .. وإن شِئْتِ لم أَطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا

ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم.

قلت: أول البيت:

~فإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِواكمُ .........

والنُّقاخ؛ بضمِّ النون، وبالقاف، والخاء المعجمة: الماء العذب، كذا في «عمدة القاري»، وقال ابن حجر وقد أخذ من كلام النووي: المراد بالطعام: ما عدا اللبن الذي يرضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها، ورده في «عمدة القاري»: بأنه لا يحتاج إلى هذه التقديرات؛ لأنَّ المراد من قوله: (لم يأكل الطعام) : لم يقدر على مضغ الطعام، ولا على دفعه إلى باطنه؛ لأنَّه رضيع لا يقدر على ذلك، أما اللبن؛ فلأنَّه مشروب غير مأكول فلا يحتاج إلى استثنائه؛ لأنَّه لم يدخل في (لم يأكل الطعام) حتى يستثنى منه، وأما التمر الذي يحنك به والعسل الذي يلعقه؛ فليس ذلك باختياره، بل بغصب من فاعله؛ قصدًا للتبرك أو المداواة؛ فلا حاجة أيضًا إلى استثنائها، فعلم بما ذكرنا أن المراد من قوله: (لم يأكل الطعام) ؛ أي: قصدًا أو استقلالًا أو تقويًّا، فهذا شأن الصغير الرضيع، وقد علمت من هذا أن الذي نقله القائل المذكور عن النووي، ومن نكت التنبيه صادر عن غير روية ولا تحقيق، وكذلك لا يحتاج إلى سؤال الكرماني وجوابه ههنا بقوله: (فإن قلت: اللبن طعام، فهل يختص الطعام بغير اللبن أم لا؟قلت: الطعام هو ما يؤكل، واللبن: مشروب لا مأكول، فلا يخصص) انتهى كلامه رحمه الله، ورضي الله عنه.

((إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) متعلق بـ (أتت) ، قال ابن حجر: (ومن فوائد إتيانها به للنبي عليه السلام إما ليحنكه، أو ليبرك عليه) ، ورده في «عمدة القاري»: بأنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك صريحًا وإن كان جاء هذا في أحاديث أخرى؛ لأنَّ ظاهر الحديث يدل على أن أم قَيْس إنَّما أتت به إلى النبي عليه السلام لأجل التبرك فقط، ولدعائه له هذا النبي الكريم بسعد في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

((فأجلسه)) هذه الفاء وما بعدها من الفاءات عاطفات لإفادة التعقيب ((رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) الضمير المنصوب فيه يرجع إلى (الابن) ؛ أي: أقامه عن مضجعه، وزعم ابن حجر: (أي: وضعه؛ إن قلنا: إنه كان كما ولد، ويحتمل أن يكون الجلوس منه على العادة؛ إن قلنا: إنه كان في سن من يحبو) ، ورده في «عمدة القاري»: بأن المعنى ليس كذلك؛ لأنَّ الجلوس يكون عن نوم أو اضطجاع، وإذا كان قائمًا؛ كانت الحال التي تخالفها القعود، والمعنى ههنا: أقامه عن مضجعه؛ لأنَّ الظاهر أنَّ أم قَيْس أتت به وهو في قماطه مضطجع، فأجلسه النبي الأعظم عليه السلام؛ أي: أقامه ((في حجره)) وإن كانت أتت به وهو في يدها؛ فإن كان عمره قد كان مقدار سنة أو جاوزها قليلًا والحال أنه رضيع؛ يكون المعنى: تناوله منها وأجلسه في حجره، وهو يمسكه لعدم مسكته؛ لأنَّ أصل تركيب هذه المادة يدلُّ على ارتفاع في الشيء، والحِّجر؛ بكسر الحاء المهملة وفتحها، وسكون الجيم، لغتان مشهورتان، انتهى كلامه وهو في التحقيق بمكان؛ فافهم، ((فبال على ثوبه)) يحتمل رجوع الضمير إلى (الابن) ؛ أي: بال الابن على ثوب نفسه وهو في حجره عليه السلام، وهو الظاهر، كما قاله ابن شيبان، ويحتمل رجوعه إلى النبي الأعظم عليه السلام، ولا ينافيه أن البول يصل إلى ثوب النبي عليه السلام على المعنى الأول؛ لأنَّ الولد المذكور وضعه عليه السلام وهو مقمط بحفاضه وثيابه، وهو في هذه الحالة لا ينفذ منه شيء إلى حامله، كما هي عادة الصغار؛ فافهم.

((فدعا)) ؛ أي: النبي: الأعظم عليه السلام ((بماء)) خوفًا من أن يكون طار على ثوبه منه شيء، ((فنضحه)) ؛ بالحاء المهملة، قال ابن سيده: (نضح الماء عليه ينضحه نضحًا: إذا ضربه به) ، وقال ابن الأعرابي: (النضح: ما كان على اعتماد، والنضخ: ما كان على غير اعتماد، وقيل: هما لغتان) ، قلت: الأول بالحاء المهملة، والثاني بالخاء المعجمة، فالمراد بالنضح: هو صب الماء؛ لأنَّ العرب تسمي ذلك نضحًا، وقد يُذْكَر ويراد به الغسل كما هنا، وكذلك الرش يُذْكَر ويراد به الغسل، ويدل لذلك ما روى أبو داود وغيره عن المقداد ابن الأسود: أن عليَّ بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول الله عليه السلام عن الذي إذا دنا من أهله فخرج منه المذي؛ ماذا عليه؟ قال علي: فإن عندي ابنته، وأنا أستحي أن أسأله، قال المقداد: فسألت رسول الله عليه السلام عن ذلك، فقال: «إذا وجد أحدكم، فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة»، فإن المراد بالنضح: الغسل؛ لأنَّ المذي يجب غسله بالإجماع، ويدل لذلك ما رواه مسلم وغيره عن علي قال: كنت رجلًا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله عليه السلام لمكان ابنته، فأمرت المقداد ابن الأسود فسأله، فقال: «يغسل ذكره ويتوضأ»، والقضية واحدة، والراوي عن النبي عليه السلام واحد، فهذا يعين أن المراد بالنضح: الغسل، ويدل لذلك ما رواه الترمذي وغيره عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر منه الغسل، فسألت رسول الله عليه السلام، فقال: «إنما يجزئك من ذلك الوضوء»، فقلت: يا رسول الله؛ فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ فقال: «يكفيك أن تأخذ ماء، فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصابه»، فأراد بالنضح: الغسل، ويدل لذلك ما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أنه لما حكى وضوء رسول الله عليه السلام؛ أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها) ، وأراد بالرش هنا: صب الماء قليلًا، وهو الغسل بعينه، ويدل لذلك قوله عليه السلام في حديث أسماء رضي الله عنها في غسل الدم: «تحتِّيه، ثم تقرضيه بالماء، ثم تنضحيه، ثم تصلي»؛ ومعناه: تغسليه، هذا رواية الشيخين، وفي رواية الترمذي: «حتِّيه، ثم اقرضيه، ثم رشيه وصلي فيه»، وأراد: اغسليه، قاله البغوي والجويني، فلما ثبت أن النضح والرش يُذْكَران ويراد بهما الغسل؛ وجب حمل ما جاء في هذا الباب من النضح والرش على الغسل بمعنى إسالة الماء عليه من غير عرك؛ لأنَّه متى صب الماء عليه قليلًا قليلًا حتى تقاطر وسال؛ حصل الغسل؛ وهو الإسالة، فلا فرق بين النضح والغسل، كما قاله الجويني، والبغوي، وقال المهلب: (والدليل على أن النضح يراد به كثرة الصب والغسل قول العرب للجمل الذي يستخرج به الماء: ناضح) ، وقال ابن القصار: النضح يذكر، ويراد به الغسل، والدليل على صحة ذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت: [/ص199/] ((فأتبعه إياه)) ، ولم تقل: ولم يغسله، وإتباع الماء حكمه حكم الغسل؛ لأنَّه صبٌّ، وهو غسل وزيادة، وإنما قال في الحديث: (لم يأكل الطعام) ؛ ليحكي القصة كما وقعت لا للفرق بين اللبن والطعام؛ لأنَّه لا فرق في نجاسة البول بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، ويجب غسله بالماء وبكل مائع مزيل، هذا مذهب رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، والإمام مالك، وأكثر أصحابه، وهو مذهب إبراهيم النخعي، وسَعِيد بن المسيب، والحسن ابن حي، وسفيان الثوري، وغيرهم، وخالفهم الشافعي وأحمد وقالا: إن بول الصبي الذي لم يأكل الطعام؛ يكتفى برش الماء عليه، وأما بول الصبية ولو لم تطعم؛ يغسل، ولا حجة لهما في حديث الباب؛ لأنَّ المراد بالنضح: الغسل، كما قدمناه.

وقوله: ((ولم يغسله)) ؛ أي: بالعرك والعصر كما تغسل الثياب التي أصابتها النجاسة بل يكفي الصب والسيلان على أنَّ الأصيلي قال: إن قوله: (ولم يغسله) من كلام ابن شهاب راوي الحديث، وأن المرفوع ينتهي عند قوله: (فنضحه) ، قال: وكذلك رواه معمر عن ابن شهاب، ولم يزد على (فنضحه) ، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، قال: (فرشَّه) ، ولم يزد على ذلك، وعند مسلم من طريق الليث عن ابن شهاب: (فلم يزد على أن نضحه بالماء) ، ولا تخالف بين الروايتين؛ لأنَّ النضح والرش بمعنى الغسل، كما قدمناه، ويدل لذلك رواية مسلم في حديث عائشة من طريق جرير عن هشام: (فدعا بماء، فصبه عليه) ، وعند أبي عوانة: (فصبه على البول يتبعه إياه) ، فإن هذه أثبتت أن النضح بمعنى الصب؛ لأنَّ الأحاديث المذكورة في هذا الباب باختلاف ألفاظها تنتهي إلى معنى واحد [دفعًا] للتضاد، ألا ترى أن أم الفضل لبابة بنت الحارث قد روي عنها حديثان؛ أحدهما فيه النضح، والثاني فيه الصب، فحمل النضح على الصب دفعًا للتضاد وعملًا بالحديثين، على أن الأحاديث الواردة في ذلك في حكم واحد باختلاف ألفاظها يفسر بعضها بعضًا، ومن الدلائل على أن النضح هو صب الماء والغسل من غير عرك: قول العرب: غسلني السماء، وإنما يقولون ذلك عند انصباب المطر عليهم، وكذلك يقال: غسلني التراب؛ إذا انصب عليه، إذا علمت هذا؛ فلا يكون الحديث حجة للشافعي وأحمد.

فإن قلت: لا يتعين استدلالهما بهذا الحديث بل بغيره من الأحاديث؛ فمنها: حديث زينب بنت جحش، أخرجه الطبراني في «الكبير» مطولًا، وفيه: (أنه يصب من الغلام، ويغسل من الجارية) ، ومنها: حديث أبي السمح، أخرجه أبو داود والنسائي قال: (كنت أخدم النبي عليه السلام...) ؛ الحديث وفيه: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام»، ومنها: حديث أنس، أخرجه الطبراني في «الكبير» مطولًا، وفيه: (فصب على بول الغلام، ويغسل بول الجارية) ، ومنها: حديث أبي أمامة، أخرجه أيضًا في «الكبير»: (أنه عليه السلام أتي بالحسين فجعل يقبله، فبال، فذهبوا ليتناولوه، فقال: «ذروه» فتركه حتى فرغ من بوله) .

قلت: وهذه الأحاديث كلها ضعيفة لا يحتج بها، أما حديث زينب بنت جحش؛ ففي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وأما حديث أبي السَّمْح؛ بفتح السين المهملة، وسكون الميم، آخره حاء مهملة، لا يعرف له اسم، ولا يعرف له غير هذا الحديث، كذا قاله أبو زرعة الرازي؛ أي: فهو مجهول، وأما حديث أنس؛ ففي إسناده نافع بن هرم، وأجمعوا على ضعفه، وأما حديث أبي أمامة؛ ففي إسناده عمرو بن معدان، وأجمعوا على ضعفه، وكذلك كل ما ورد من ذلك؛ فهو ضعيف لا يصح الاحتجاج به.

وزعم ابن دقيق العيد أن الحنفية اتبعوا في ذلك القياس، وتركوا الأحاديث الصحيحة.

قلت: وهذا الزعم باطل فإن الأئمَّة الحنفية قد اتبعوا في ذلك الأحاديث الصحيحة التي قدَّمناها، وأما أخصامنا؛ فقد اتبعوا الأحاديث الضعيفة التي لا يصح الاحتجاج بها، وفرقوا بين بول الذكر والأنثى، وهو فرق فاسد، وأي فرق بينهما؟! ألا ترى أن الدم منهما متحد لونًا وحرارةً، ويلزم على قياسهم هذا أن يفرقوا بين بول المرأة والرجل مع أنهم وغيرهم لم يفرقوا بينهما.

فإن قالوا: إن بول الطفلين رقيق خفيف، لكن بول الغلام أخف؛ لاستيلاء الرطوبة والبرودة على مزاجه ففي رطوبته لزوجة فيكون ألصق بالمحل، بخلاف بولها؛ فإنه مجتمع فيظهر أثره في المحل.

قلنا: هذا تفريق فاسد وكلام باطل، فإنَّ علماء طب الأبدان قد قالوا: إن بول الغلام أشد حرارة من بول الجارية، وليس فيه رطوبة ولا برودة، فإن البول من طبع البدن، ولا ريب أن بول الغلام حار حرارة غريزية، وبول الجارية بحسب بدنها رطب بارد، فما قالوه قياس فاسد، وفرق باطل، وقد قال المتقدمون من التابعين: إن الأبوال كلها نجسة سواء كانت بول ذكر أو أنثى، وبه قال سَعِيْد بن المسيب، والحسن البصري، وغيرهم، لا يقال: إن قول التابعي لا يلزمنا؛ لأنَّه رأي له؛ لأنا نقول مثل هذا لا يقال من قبيل الرأي، بل بسماع من الصحابة، وقول الصحابي حجة؛ لأنَّه لا يقوله برأيه بل بسماع من النبي الأعظم عليه السلام؛ فافهم.

ونقل الشافعية عن بعض أهل اللغة أن النضح: الرش.

قلت: وكأنهم لما بطل دليلهم من الأحاديث استندوا إلى بعض أهل اللغة، وهو لا ينهض دليلًا لهم، فإن أهل اللغة قالوا: إذا ذكر الرش في كلام العرب؛ فالمراد به: الغسل، وقد فسره النبي الأعظم عليه السلام الذي هو أفصح العرب بأنه الغسل، فإذا كان هذا تفسير النبي عليه السلام؛ فكيف يجوز العدول عنه؟! وما ذاك إلا قول غير مرضي وباطل، والله تعالى أعلم.

ولنا أحاديث كثيرة دالة وشاهدة على أن النضح في ذلك الغسل، وقد سردها الإمام الهمام شيخ الإسلام بدر الدين العيني في «عمدة القاري»، والله تعالى الهادي.