متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

220- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الابن وتكبير الأب (ابْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة (ابْنِ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ)؛ أي: شرع في البول (فِي الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ، ولأبي ذَرٍّ: ((في المسجد فبال)) [1] ، (فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ) بألسنتهم لا بأيديهم، وفي رواية أنسٍ الآتية: ((فزجره النَّاس)) [خ¦221] ، و«لمسلمٍ»: «فقال الصَّحابة: مَهْ مَهْ»، وللبيهقيِّ من طريق عبدان شيخ [2] المِّؤلف: «فصاح النَّاس به»، وكذا للنَّسائيِّ من طريق ابن مُبارَكٍ، (فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: دَعُوهُ) يبول، زادَ الدَّارقُطنيُّ في روايةٍ له: «عسى أن يكون من أهل الجنَّة»، (وَهَرِيقُوا) وعنده [/ج1ص290/] في «الأدب»: «وأهريقوا» (عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ)؛ بفتح المُهمَلة وسكون الجيم: الدَّلو الملأى [3] ماءً لا فارغةٌ، أوِ الدَّلو الواسعة، (أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ)؛ بفتح الذَّال المُعجَمَة: الدَّلو الملأى لا فارغةٌ، أو العظيمة، وحينئذٍ فعلى التَّرادف، أو للشَّكِّ من الرَّاوي، وإلَّا؛ فهي للتَّخيير، (فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ) حال كونكم (مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا) حال كونكم (مُعَسِّرِينَ) أكَّد السَّابق بنفي ضدِّه؛ تنبيهًا [4] على المُبالَغة في اليسر [5] ، وأسند البعث إلى الصَّحابة رضي الله عنهم على طريق المجاز؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام هو المبعوث حقيقةً، لكنَّهم لمَّا كانوا في مقام التَّبليغ عنه في حضوره وغيبته؛ أطلق عليهم ذلك، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا بعث بعثًا إلى جهةٍ من الجهات يقول: «يسِّروا ولا تعسِّروا» [خ¦69] ، وفي قوله: «إنَّما بُعِثْتم ميسِّرين»: إشارةٌ إلى تضعيف وجوب حفر الأرض؛ إذ لو وجب؛ لزال معنى التَّيسير وصاروا معسِّرين.

ورواته الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث بالجمع والإخبار به، وبالتَّوحيد والعنعنة، وأمَّا قوله: «أخبرني عبيد الله»؛ فرواه كذلك أكثر الرُّواة عن الزُّهريِّ، ورواه سفيان بن عيينة عنه عن سعيد بن المُسَيَّب بدل «عبيد الله»، وتابعه سفيان بن حسينٍ، قاله في «الفتح»، فالظَّاهر أنَّ الرِّوايتين صحيحتان.

[1] قوله: «ولأبي ذَرٍّ: «في المسجد فبال»»، سقط من (ص).
[2] في (ص): «عبد الله بن شيخ»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (ص): «المملأة».
[4] في (م): «تنبُّهًا».
[5] في (ص): «التَّيسير».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

220-. حدَّثنا أبو اليَمانِ، قالَ: أخبَرَنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخبَرَني عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ:

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: قامَ أَعْرابِيٌّ فَبالَ في المَسْجِدِ [1] ، فَتَناوَلَهُ النَّاسُ، فقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا علىَ بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ ماءٍ _أَوْ ذَنُوبًا مِنْ ماءٍ_ فَإِنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».

[1] في رواية أبي ذر: «قام أعرابيٌّ في المسجدِ فبالَ».





220- ( السَّجْل ) بسين مفتوحة وجيم ساكنة: الدلو العظيم.

( والذَّنوب ) بذال معجمة: الدلو مملوء ماء.


220# (سَجْلاً) بسين مهملة مفتوحة وجيم ساكنة: الدلو المملوءة ماء [1] ، ولا يقال لها: سجل، إلا وهي مملوءةٌ، وإلا فهي دلو.

(أَوْ ذَنُوباً) بفتح الذال المعجمة: مثل السَّجل.

[1] في (ق): ((بالماء)).





220- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ): تقدَّم مرارًا أنَّه الحكم بن نافع، وَتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم مرارًا أنَّه أبو بكر محمَّد بن مُسْلِم [1] بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب العالم المشهور.

قوله: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه عَبْد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (قَامَ أَعْرَابِيٌّ في المَسْجِدِ فَبَالَ): تقدَّم اسم هذا الأعرابيِّ أعلاه؛ فانظره [2] .

قوله: (وَهَرِيقُوا): قَالَ الجوهريُّ: (وهَراق الماء يُهريقه -بفتح الهاء- هِراقة؛ أي: صبَّه، وأصله: أراق يُريق إراقة...) إلى أنْ قال: (وفيه لغة أُخرى: أَهْرَقَ [3] الماء يُهْرِقُه إهْراقًا على أَفْعَلَ يُفْعِلُ...) إلى أنْ قال: (وفيه لغة ثَالِثة: أَهْرَاقُ يُهْرِيق إهْرِياقًا؛ فهو مُهْريق، والشَّيء مُهْراق ومُهَراق أَيضًا بالتحريك، وهذا شاذٌّ) ، وقد قدَّمت أنا ذلك.

قوله: (سَجْلًا): هو بفتح السِّين المهملة، ثُمَّ جيم ساكنة، قال الدِّمياطيُّ: (السَّجل: الدَّلو الممتلئ، وكذا الذَّنوب) انتهى، وكذا قال غيره، ثُمَّ قال: (وفيه من الفقه: أنَّ الماء إذا غلب على النَّجاسة ولم يظهر فيه شيء منها؛ فقد طهَّرها، ولا يضرُّه [4] ممازجة الماء لها إذا غلب عليها، سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا، وقال بعض المالكيَّة: هذا الحديث يردُّ حديث القلَّتين) انتهى.

قوله: (أَوْ ذَنُوبًا): هو بفتح الذَّال المعجمة، ثُمَّ نون، وبعد الواو موحَّدة، وقد تقدَّم تفسيره أعلاه في كلام الدِّمياطيِّ، وكذا قاله غيره، وهي تؤنَّث وتذكَّر، ويحتمل أنْ تكون (أو) للشَّكِّ من الرَّاوي، ولا يحتمل أنْ تكون للتخيير، قلتُه ولم أر ذلك لأحد، والله أعلم.

قوله: (فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ): هما مبنيَّان لما لَمْ يسمَّ فاعلهما [5] .

[1] (بن مسلم): ليس في (ج) .
[2] زيد في النسخ وهو تكرار لما سبق ببعض اختلاف: (قوله: «حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ»: تقدَّم مرارًا أقربها أعلاه أنَّه الحكم بن نافع، وتقدَّم بعيدًا بعض ترجمته.
قوله: «عن الزُّهْرِيِّ»: تقدَّم أعلاه اسمه واسم أبيه وجده، رحمة الله عليه.
قوله: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ»: تقدَّم مرارًا الكلام على اسمه واسم أبيه أدناها أعلاه.
قوله: «قَامَ أَعْرَابِيٌّ»: تقدَّم أعلاه اسمه؛ فاعلمه) .
[3] في (ج): (أهراق) ، وهو خطأ.
[4] كذا في النسخ، ولعله: (لا يضرُّ) .
[5] في (ج): (فاعله) .





220- (مُيَسِّرِينَ): حالٌ.


220- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الابن وتكبير الأب (ابْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة (ابْنِ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ)؛ أي: شرع في البول (فِي الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ، ولأبي ذَرٍّ: ((في المسجد فبال)) [1] ، (فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ) بألسنتهم لا بأيديهم، وفي رواية أنسٍ الآتية: ((فزجره النَّاس)) [خ¦221] ، و«لمسلمٍ»: «فقال الصَّحابة: مَهْ مَهْ»، وللبيهقيِّ من طريق عبدان شيخ [2] المِّؤلف: «فصاح النَّاس به»، وكذا للنَّسائيِّ من طريق ابن مُبارَكٍ، (فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: دَعُوهُ) يبول، زادَ الدَّارقُطنيُّ في روايةٍ له: «عسى أن يكون من أهل الجنَّة»، (وَهَرِيقُوا) وعنده [/ج1ص290/] في «الأدب»: «وأهريقوا» (عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ)؛ بفتح المُهمَلة وسكون الجيم: الدَّلو الملأى [3] ماءً لا فارغةٌ، أوِ الدَّلو الواسعة، (أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ)؛ بفتح الذَّال المُعجَمَة: الدَّلو الملأى لا فارغةٌ، أو العظيمة، وحينئذٍ فعلى التَّرادف، أو للشَّكِّ من الرَّاوي، وإلَّا؛ فهي للتَّخيير، (فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ) حال كونكم (مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا) حال كونكم (مُعَسِّرِينَ) أكَّد السَّابق بنفي ضدِّه؛ تنبيهًا [4] على المُبالَغة في اليسر [5] ، وأسند البعث إلى الصَّحابة رضي الله عنهم على طريق المجاز؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام هو المبعوث حقيقةً، لكنَّهم لمَّا كانوا في مقام التَّبليغ عنه في حضوره وغيبته؛ أطلق عليهم ذلك، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا بعث بعثًا إلى جهةٍ من الجهات يقول: «يسِّروا ولا تعسِّروا» [خ¦69] ، وفي قوله: «إنَّما بُعِثْتم ميسِّرين»: إشارةٌ إلى تضعيف وجوب حفر الأرض؛ إذ لو وجب؛ لزال معنى التَّيسير وصاروا معسِّرين.

ورواته الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث بالجمع والإخبار به، وبالتَّوحيد والعنعنة، وأمَّا قوله: «أخبرني عبيد الله»؛ فرواه كذلك أكثر الرُّواة عن الزُّهريِّ، ورواه سفيان بن عيينة عنه عن سعيد بن المُسَيَّب بدل «عبيد الله»، وتابعه سفيان بن حسينٍ، قاله في «الفتح»، فالظَّاهر أنَّ الرِّوايتين صحيحتان.

[1] قوله: «ولأبي ذَرٍّ: «في المسجد فبال»»، سقط من (ص).
[2] في (ص): «عبد الله بن شيخ»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (ص): «المملأة».
[4] في (م): «تنبُّهًا».
[5] في (ص): «التَّيسير».





220- ( فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ ) أي: بألسنتهم، وفي «الأدب»: «فثاروا إليه»، [خ:6025] وفي رواية: «فقاموا إليه»، وللبيهقيِّ: «فصاح النَّاس به».

( سَجْلًا ): بفتح المهملة وسكون الجيم. قال أبو حاتم السِّجستانيُّ: هي الدَّلو ملأى، ولا يقال لها ذلك وهي فارغة، وقال ابن دريد: الدَّلو الواسعة، وفي «الصَّحاح»: الضَّخمة.

( أَوْ ذَنُوبًا ) بفتح المعجمة، قال الخليل: هي الدَّلو ملأى، ولا يقال لها فارغة، والشَّكُّ من أحد الرُّواة.

( بُعِثْتُمْ ) نسبة البعث إليهم مجاز؛ لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم هو المبعوث بما ذكر، لكنَّهم لمـَّا كانوا في مقام التَّبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، أو هم مبعوثون من قبله بذلك. [/ج1ص344/]


57/220# قال الإمام أبو عبد الله: حدَّثنا [1] أبو اليَمانِ، قالَ: حدَّثنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخبَرني عُبَيْدُ اللهِ [2] بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ [3] عُتْبَةَ [4] بنِ مَسْعُودٍ:

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: قامَ أَعْرابِيٌّ فَبالَ في المَسْجِدِ، فَتَناوَلَهُ النَّاسُ، فقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «دَعُوهُ، وَأهرِيقُوا علىَ بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ ماءٍ _أَوْ ذَنُوباً مِنْ ماءٍ_ فَإِنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».

(السِّجل): الدلو الكبيرة.

و (الذَّنُوبُ): ملئ دَلوٍ ماءً.

وفيه من الفقه أنَّ الماءَ إذا أتى على النجاسة على سبيل الغلبة والاستهلاك لها طَهَّرها [5] ، وأنَّ غَسُولَ النجاسة مع استهلاك عين النجاسة بأوصافها طاهرٌ، ولو لم يكن كذلك [6] لكان الغَاسل لموضع النجاسة من المسجد أكثر تَنجيساً له من البائل.

فأمَّا ما رُوي من حَفْر [7] المكان ونقل تُرابه فإسناده غيرُ مُتَّصل، إنَّما رُوي ذلك عن عبد الله بن مَعقِل بن مُقَرِّن، وهو مُرسلٌ [8] ، وعبد الله بن معقل لم يُدرك النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، ولو وجب ذلك لزالَ معنى التيسير [9] ، ولَصَارُوا إلى أن يكونوا مُعَسِّرين أقرب.

وبلغنا عن سفيان الثوريِّ أنَّه قال: لم نَجد في أمر الماء إلَّا السَّعَة.

وقال الربيع بن سليمان: سُئل الشافعيُّ عن الذُّبابَة تقع على النَّتن، ثمَّ تطير فتقع على ثوب رجل. فقال الشافعيُّ: يجوز أن يكونَ في طيرانها ما يُيبِسُ مَا برِجلها فإن كان كذلك وإلَّا فالشيءُ إذا ضاقَ اتَّسع.

[1] في الأصل (قال حدثنا) وحذفت (قال) لتكرارها.
[2] في (ط): (عبد الله) مكبراً.
[3] قوله: (عبد الله بن) زيادة من (ط).
[4] في (ط): (عبد الله عتبة).
[5] في (م): (طهَّر).
[6] في النسخ الفروع: (ولولا ذلك) إلَّا في (م): (ولولا ذاك).
[7] في النسخ الفروع: (أنه أمر بحفر).
[8] سنن أبي داود (381).
[9] في (ر): (المعنى التيسير) وفي (ف): (المعنى المقصود من التيسير).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

220# و(السَّجْل): الدَّلو المملوء.

و(الذَّنُوب): الدَّلو العظيم.

وفيه: أنَّ الأرض تطهر بصبِّ الماء عليها، ولا يشترط حفرها، وهو مذهب الجمهور، وقال الإمام [1] أبو حنيفة: لا تطهر إلَّا بحفرها.

وفيه حديث مرسل، وفيه الرِّفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيفٍ ولا إيذاءٍ.

قوله: (لا ترزموه): أي: لا تقطعوا عليه بوله؛ لئلَّا يتضرَّر بقطع البول.

وفيه تطهير المساجد من النَّجاسات وتنزيهها عن الأقذار.

[1] (الإمام): ليس في (أ).





220- وبالسَّند قال: ((حدثنا أبو اليَمَان)) ؛ بفتح التحتية، وتخفيف الميم، الحكم بن نافع ((قال: أخبرنا شعيب)) ؛ هو ابن أبي حمزة الحمصي، ((عن الزُّهْرِي)) ؛ محمَّد بن مسلم ابن شهاب، ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((عبيد الله)) بالتصغير ((بن عبد الله)) بالتكبير ((بن عُتْبَة)) ؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الفوقية، وفتح الموحدة، ((بن مسعود)) ؛ هو أخٌ لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وروى سفيان بن عيينة، عن الزُّهْرِي: (عن سَعِيد بن المسيب) بدل (عبيد الله) ، وتابعه سفيان بن جبير قال: (ظاهر أن الراويتين صحيحتان) : ((أن أبا هريرة)) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، ((قال: قام أعرابي)) ؛ بفتح الهمزة، الأقرع بن حابس التميمي، أو ذو الخويصرة اليماني، أو غيرهما.

وزاد ابن عيينة عند الترمذي وغيره: أنه صلى، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمَّدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له النبي عليه السلام: «لقد تحجرت واسعًا»، فلم يلبث أن بال في المسجد، وعند ابن ماجه: «لقد اختصرت واسعًا»، وعنده من حديث واثلة بن الأسقع: «لقد حصرت واسعًا»، وعنده أيضًا: «لقد حصرت واسعًا ويلك أو ويحك!»، وقوله: (لقد تحجرت واسعًا) ؛ أي: ضيَّقْتَ ما وسَّعَه الله تعالى، وخصصتَ به نفسك دون غيرك، ويروى: (احتجزت) بمعناه [1] ، ومادته حاء مهملة، ثم جيم، ثم راء، وقوله: (احتصرت) ؛ بالمهملتين من الحصر؛ وهو الحبس والمنع، كذا في «عمدة القاري».

((فبال في المسجد)) ؛ أي: شرع في البول في ناحية من المسجد النبوي، ولأبي ذر: (قام أعرابي في المسجد فبال) ؛ أي: فيه، ((فتناوله الناس)) ؛ أي: وقعوا فيه يؤذونه بألسنتهم لا بأيديهم، وعند المؤلف في (الأدب) : (فثار إليه الناس) ، وله في رواية عن أنس: (فقاموا إليه) ، وفي رواية أنس أيضًا في هذا الباب: (فزجره الناس) ؛ أي: بقولهم له: مه مه، كما للنسائي، وأخرجه البيهقي من طريق عبدان، وفيه: (فصاح به الناس) ، ولمسلم من طريق إسحاق عن أنس: (فقال الصحابة رضي الله عنهم: مه مه) ، قلت: و (مه) كلمة بنيت على السكون، وهي اسم سمي به الفعل؛ ومعناه: اكفف؛ لأنَّه للزجر، فإن وصلت؛ نونت، فقلت: مهٍ مهْ، و (مه) الثاني تأكيد كما تقول: صه صه، وفي رواية للدارقطني: (فأقاموه، فقال عليه السلام: «دعوه عسى أن يكون من أهل الجنة، فصبوا على بوله الماء») ، كذا في «عمدة القاري».

((فقال لهم)) ؛ أي: للصحابة ((النبي)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم: دعُوه)) ؛ بضمِّ العين المهملة؛ أي: اتركوه يتمم بوله، وفي رواية الدارقطني: (دعوه عسى أن يكون من أهل الجنة) ، كما سبق؛ فافهم، ((وهَريقوا)) ؛ بفتح الهاء، وعند المؤلف في (الأدب) : (وأهريقوا) ، وأصله: أريقوا، من الإراقة، فالهاء زائدة، وعلى الرواية الأولى تكون الهاء بدلًا من الهمزة؛ أي: صبوا ((على بوله)) ؛ أي: بول الأعرابي بعد أن يَجِفَّ حتى يتسفل الماء، على التفصيل الذي سبق، فإن الحديث مطلق، والأحاديث التي تقدمت مقيدة وعليها المعول ((سَجْلًا)) ؛ بفتح السين المهملة، وسكون الجيم: الدلو الضخم المملوء ماء، وهو مذكر ((من ماء)) صفة لـ (سَجْلًا) ، ونكر (ماء) ليشمل المائعات فإن حكمها حكم الماء في الإزالة؛ فافهم، ((أو ذَنوبًا من ماء)) ؛ بفتح الذال المعجمة: الدلو العظيمة، ولا تسمى ذَنوبًا إلا إذا كان فيها ماء، وهو يذكر ويؤنث، قال الكرماني: (ولفظ «من» زائدة، وزيدت تأكيدًا، وكلمة «أو» تحتمل أن تكون من كلامه عليه السلام فتكون للتخيير، وأن تكون من الراوي، [/ص196/]

فتكون للترديد) ، ورده في «عمدة القاري» بأن اعتبار الأداء باللفظ وإن كان الجمهور على عدم اشتراطه وأن المعنى كافٍ، ويحمل (أو) ههنا على الشك ولا معنى فيه للتنويع، ولا للتخيير، ولا للعطف، فلو كان الراوي يرى جواز الرواية بالمعنى؛ لاقتصر على أحدهما، فلمَّا تردد في التفرقة بين الدلو والسجل، وهما بمعنى واحد؛ عُلِم أن ذلك التردد لموافقة اللفظ، قاله القشيري، ولقائل أن يقول: إنَّما يتم هذا لو اتحد المعنى في السجل والدلو لغة، لكنه غير متحد، فالسجل: الدلو الضخمة المملوءة، ولا يقال لها فارغةً: سجل، هذا هو الصواب،انتهى.

((فإنما بعثتم ميَسِّرين)) ؛ بتشديد السين المهملة المكسورة، قبلها تحتية مفتوحة، منصوب على الحال، فإن قلت: المبعوث هو النبي الأعظم عليه السلام؛ قلت: لما كان المخاطبون مقتدين به ومهتدين بهديه كانوا مبعوثين أيضًا، فجمع اللفظ لذلك [2] ، والحاصل أنه على طريقة المجاز؛ لأنَّهم لما كانوا في مقام التبليغ منه في حضوره وغيبته؛ أطلق عليهم ذلك، أو لأنَّهم لما كانوا مأمورين قبله بالتبليغ فكأنهم مبعوثون من جهته، كذا في «عمدة القاري».

((ولم تبعثوا معَسِّرين)) ؛ بكسر السين المهملة، وفتح العين المهملة، حال لـ (ميسرين) ، وفائدة هذا مع أنه قد حصل المراد من قوله: (بعثتم) التأكيد بعد التأكيد، ودلالة على أنَّ الأمر مبني على اليسر قطعًا، فأشار عليه السلام بهذا إلى أنَّ بني إسرائيل إذا تنجس لهم ثوب؛ لا يطهره الماء بل يقرضوه، وإذا تنجست الأرض؛ لا تطهر أبدًا، على أنَّ في شريعتهم لا تصح الصَّلاة إلا في المسجد، كما يأتي في «الصحيح».

وبهذا التقرير اضمحلَّ ما زعمه العجلوني من أن (فيه رد على من أوجب الحفر في الأرض إذ لو وجب؛ لزال التيسير) انتهى.

ولم يدر الأحاديث التي وردت في الحفر التي قدَّمناها الصحيحة المسندة والمرسلة، والذي أوجب الحفر إنَّما هو النبي الأعظم عليه السلام؛ فانظر إلى قلة الأدب، وعدم الحياء؛ فليحفظ، ومنشأ ذلك التعصب والعناد، وقد سرق طبعه من طبع ابن حجر فإنَّ له العصبية الزائدة، والعنادية المكابرة؛ فافهم.

[1] في الأصل: (معناه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (ذلك)، ولعل المثبت هو الصواب.