متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

219- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ البصريُّ، ولابن عساكر بإسقاط لفظ [1] : ((ابن إسماعيل)) (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى بن دينارٍ العَوْذِيُّ؛ بفتح العين المُهمَلة وسكون الواو وبالذَّال المُعجَمَة، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وستِّين ومئةٍ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر والأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة، الأنصاريُّ، (عَنْ أَنَسِ) هو ابن مالكٍ رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى)؛ أي: أبصر (أَعْرَابِيًّا يَبُولُ)؛ أي: بائلًا (فِي الْمَسْجِدِ) فزجره النَّاس، (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (دَعُوهُ)؛ أي: اتركوا الأعرابيَّ، وهو الأقرع بن حابسٍ، فيما حكاه أبو بكرٍ التَّاريخيُّ، أو ذو الخويصرة اليمانيُّ، فيما نُقِل عن أبي الحسن بن فارسٍ، فتركوه خوفًا من مفسدة تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد، أو يقطعه فيتضرَّر به (حَتَّى إِذَا فَرَغَ)؛ أي: ((من بوله))، كما للأَصيليِّ، وهذا من كلام أنسٍ، و«حتَّى» للغاية؛ أي: فتركوه إلى أن فرغ منه [2] ، فلمَّا فرغ؛ (دَعَا) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (بِمَاءٍ)؛ أي: طلبه (فَصَبَّهُ عَلَيْهِ)؛ أي: أمر بصبِّه عليه، وللأَصيليِّ: ((فصبَّ))؛ بحذف ضمير المفعول، واستُدلَّ به على أنَّ الأرض إذا تنجَّست، تطهر بصبِّ الماء عليها؛ أي: قدِّر ما يغمرها حتَّى تستهلك فيه، وقِيلَ: إن كانت صُلْبةً _بضمِّ الصَّاد وإسكان اللَّام_ يصبُّ عليها من الماء سبعة أمثاله، ونُقِل ذلك عن الإمام الشَّافعيِّ رضي الله عنه من غير تقييدٍ بصلابةٍ، قِيلَ: ولعلَّه أخذه من نسبة بول الأعرابيِّ _في الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦220] _ إلى الذَّنوب المصبوب عليه، وإن كانت الأرض رخوةً يحفر [3] إلى [4] ما وصلت إليه النَّداوة، وينقل التُّراب بناءً على أنَّ الغسالة نجسةٌ؛ لحديث أبي داود عن عبد الله بن معقلٍ [5] رضي الله عنه: «خذوا ما بال عليه من التُّراب؛ فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماءً»، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهم، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه: لا تطهر الأرض حتَّى تُحفَر إلى الموضع الذي وصلت إليه النَّداوة ويُنقَل التُّراب، وقِيلَ: يُشتَرط في تطهير الأرض أن يُصَبَّ على بول الواحد ذنوبٌ، وعلى بول [6] الاثنين ذنوبان، وهكذا، والأظهر هو الأوَّل؛ لحديث الباب ولاحقه؛ إذ لم يأمر عليه الصلاة والسلام فيهما بقلع التُّراب، وأمَّا الحديث السَّابق الدَّالُّ على قلعه، فضعيفٌ؛ لأنَّ إسناده غير متَّصلٍ؛ لأنَّ ابن معقلٍ لم يدركِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث أيضًا من الفقه: الرِّفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيفٍ إذا لم يكن ذلك منه عنادًا، ولا سيَّما إن كان ممَّن يُحتاج إلى استئلافه، وبقيَّة ما يُستفاد من هذا [7] الحديث تأتي [8] قريبًا إن شاء الله سبحانه وتعالى.

ورواته الأربعة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في الباب التَّالي [خ¦220] ، وفي «الأدب» [خ¦6025] ، ومسلمٌ في «الطَّهارة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود وابن ماجه، والله أعلم [9] .

[1] «لفظ»: سقط من (د).
[2] «منه»: سقط من (م).
[3] في غير (د): «تُحفَر».
[4] «إلى»: سقط من (ص).
[5] في (د): «مغفل»، وهو تصحيفٌ.
[6] «بول»: سقط من (د).
[7] «هذا»: سقط من (س).
[8] في غير (س): «يأتي».
[9] «والله أعلم»: ليس في (ص) و(م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

219-. حدَّثنا مُوسَىَ بنُ إِسْماعِيلَ [1] ، قالَ: حدَّثنا هَمَّامٌ: أخبَرَنا [2] إِسْحاقُ:

عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَىَ أَعْرابِيًّا يَبُولُ في المَسْجِدِ، فقالَ: «دَعُوهُ». حَتَّىَ إذا فَرَغَ [3] ، دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ [4] عَلَيْهِ.

[1] قوله: «بن إسماعيل» ليس في رواية ابن عساكر.
[2] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «حدَّثنا».
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «من بوله».
[4] في رواية الأصيلي: «فَصَبَّ» بحذف الضمير.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

219- قوله: (حَدَّثَنَا [1] مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ): كذا في أصلنا، وعلى (ابن إِسْمَاعِيل) علامة نسخة، وهو التَّبُوْذَكيُّ الحافظ، تقدَّم عليه بعض الكلام، وعلى نسبته لماذا نُسِب.

قوله: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ): هذا هو ابن يحيى العَوْذيُّ البصريُّ، وهو بفتح العين المهملة، ثُمَّ واو ساكنة، ثُمَّ ذال معجمة، ثُمَّ ياء النِّسبة إلى [2] عوذ بن سُوَد بطن من الأزد، الحافظ، عنِ الحسن، وعطاء، وقتادة، وعنه: ابن مهديٍّ، وهدبة، وشيبان، قال أحمد: (ثبت في كلِّ المشايخ) ، مات سنة (163 هـ ) ، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان».

قوله: (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ): هو إسحاق بن عَبْد الله بن أبي طلحة، وهو ابن أخي أنس بن مالك لأمِّه أمِّ سليم، روى إسحاق عن عمِّه أنس، وأبيه عبد الله، وعدِّة، وعنه: مالك، وابن عيينة، وجمع، حجَّة، توفِّي سنة (132 هـ ) ، أو سنة (134 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

[1] (حدثنا): ليس في (ج) .
[2] (إلى): ليس في (ب) .





219- (يَبُولُ): صفةٌ أو حالٌ.

(حَتَّى): هي ابتدائيَّةٌ.

(إِذَا): شرطيَّةٌ.


219- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ البصريُّ، ولابن عساكر بإسقاط لفظ [1] : ((ابن إسماعيل)) (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى بن دينارٍ العَوْذِيُّ؛ بفتح العين المُهمَلة وسكون الواو وبالذَّال المُعجَمَة، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وستِّين ومئةٍ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر والأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة، الأنصاريُّ، (عَنْ أَنَسِ) هو ابن مالكٍ رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى)؛ أي: أبصر (أَعْرَابِيًّا يَبُولُ)؛ أي: بائلًا (فِي الْمَسْجِدِ) فزجره النَّاس، (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (دَعُوهُ)؛ أي: اتركوا الأعرابيَّ، وهو الأقرع بن حابسٍ، فيما حكاه أبو بكرٍ التَّاريخيُّ، أو ذو الخويصرة اليمانيُّ، فيما نُقِل عن أبي الحسن بن فارسٍ، فتركوه خوفًا من مفسدة تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد، أو يقطعه فيتضرَّر به (حَتَّى إِذَا فَرَغَ)؛ أي: ((من بوله))، كما للأَصيليِّ، وهذا من كلام أنسٍ، و«حتَّى» للغاية؛ أي: فتركوه إلى أن فرغ منه [2] ، فلمَّا فرغ؛ (دَعَا) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (بِمَاءٍ)؛ أي: طلبه (فَصَبَّهُ عَلَيْهِ)؛ أي: أمر بصبِّه عليه، وللأَصيليِّ: ((فصبَّ))؛ بحذف ضمير المفعول، واستُدلَّ به على أنَّ الأرض إذا تنجَّست، تطهر بصبِّ الماء عليها؛ أي: قدِّر ما يغمرها حتَّى تستهلك فيه، وقِيلَ: إن كانت صُلْبةً _بضمِّ الصَّاد وإسكان اللَّام_ يصبُّ عليها من الماء سبعة أمثاله، ونُقِل ذلك عن الإمام الشَّافعيِّ رضي الله عنه من غير تقييدٍ بصلابةٍ، قِيلَ: ولعلَّه أخذه من نسبة بول الأعرابيِّ _في الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦220] _ إلى الذَّنوب المصبوب عليه، وإن كانت الأرض رخوةً يحفر [3] إلى [4] ما وصلت إليه النَّداوة، وينقل التُّراب بناءً على أنَّ الغسالة نجسةٌ؛ لحديث أبي داود عن عبد الله بن معقلٍ [5] رضي الله عنه: «خذوا ما بال عليه من التُّراب؛ فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماءً»، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهم، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه: لا تطهر الأرض حتَّى تُحفَر إلى الموضع الذي وصلت إليه النَّداوة ويُنقَل التُّراب، وقِيلَ: يُشتَرط في تطهير الأرض أن يُصَبَّ على بول الواحد ذنوبٌ، وعلى بول [6] الاثنين ذنوبان، وهكذا، والأظهر هو الأوَّل؛ لحديث الباب ولاحقه؛ إذ لم يأمر عليه الصلاة والسلام فيهما بقلع التُّراب، وأمَّا الحديث السَّابق الدَّالُّ على قلعه، فضعيفٌ؛ لأنَّ إسناده غير متَّصلٍ؛ لأنَّ ابن معقلٍ لم يدركِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث أيضًا من الفقه: الرِّفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيفٍ إذا لم يكن ذلك منه عنادًا، ولا سيَّما إن كان ممَّن يُحتاج إلى استئلافه، وبقيَّة ما يُستفاد من هذا [7] الحديث تأتي [8] قريبًا إن شاء الله سبحانه وتعالى.

ورواته الأربعة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في الباب التَّالي [خ¦220] ، وفي «الأدب» [خ¦6025] ، ومسلمٌ في «الطَّهارة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود وابن ماجه، والله أعلم [9] .

[1] «لفظ»: سقط من (د).
[2] «منه»: سقط من (م).
[3] في غير (د): «تُحفَر».
[4] «إلى»: سقط من (ص).
[5] في (د): «مغفل»، وهو تصحيفٌ.
[6] «بول»: سقط من (د).
[7] «هذا»: سقط من (س).
[8] في غير (س): «يأتي».
[9] «والله أعلم»: ليس في (ص) و(م).





219- ( أعْرَابِيًّا )، قيل: هو الأقرع بن حَابِس التَّميميُّ، وقيل: ذو الخُويْصِرَة، وفي التِّرمذيِّ أنَّه القائل: «اللَّهم ارحمني ومحمَّدًا ولا ترحم معنا أحدًا».


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

219- وبه قال: ((حدثنا موسى بن إسماعيل)) ؛ هو التبوذكي البصري، وسقط في رواية: (ابن إسماعيل) ((قال: حدثنا هَمَّام)) ؛ بفتح الهاء، وتشديد الميم الأولى، هو ابن يحيى بن دينار العَوْذي؛ بفتح العين المهملة، وسكون الواو، وبالذال المعجمة، كان ثبتًا في كل المشايخ، المتوفى

[/ص194/] سنة ثلاث وستين ومئة ((قال: حدثنا)) وفي رواية: (أخبرنا) ((إسحاق)) ؛ هو ابن عبد الله بن أبي طلحة بن سهل الأنصاري، ((عن أنس بن مالك)) رضي الله عنه، وعند مسلم: (حدثني أنس) : ((أن النبي)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم رأى)) بمعنى: أبصر ((أعرابيًّا)) ؛ بالنصب مفعوله ((يبول)) : جملة في محل النصب على أنَّها صفة لـ ((أعرابيًّا)) ؛ والتقدير: أبصر أعرابيًّا بائلًا، وجوَّز الكرماني أن تكون حالًا، ومنعه في «عمدة القاري»، وتبعه العجلوني لقول «الألفية»:

~وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ [أَوْ يَبِنْ]

وعلله في «عمدة القاري» بأنَّه لا يقع الحال على النَّكرة إلا إذا كان مقدمًا على الحال؛ أي: غالبًا، انتهى وهذا مراده؛ فافهم، وبه سقط زعم العجلوني؛ فافهم.

قال في «عمدة القاري»: (وعن عبد الله بن نافع المدني: أن هذا الأعرابي كان الأقرع بن حابس، حكاه أبو بكر التاريخي، وأخرج أبو مسلم المدني هذا الحديث في «الصحابة» من طريق محمَّد بن عطاء، عن سليمان بن يسار قال: «اطلع ذو الخويصرة اليماني، وكان رجلًا جافيًا...»؛ فذكر الحديث تامًّا بمعناه وزيادة، ولكنه مرسل، وفي إسناده أيضًا مبهم، ولكن فهم منه أن الأعرابي المذكور هو ذو الخويصرة، ولا يبعد ذلك لجلافته وقلة أدبه) انتهى، وقيل: إنه عيينة بن حصن.

وعلى كلٍّ؛ فهذا الأعرابي كان من جفاة الأعراب؛ لما في «أبي داود» من حديث الزُّهْرِي، عن سَعِيْد، عن أبي هريرة: أن أعرابيًّا دخل المسجد ورسول الله عليه السلام جالس، فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمَّدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي عليه السلام له: «لقد تحجرت واسعًا»، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي عليه السلام وقال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تُبْعَثُوا معسرين، صبوا عليه سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من ماء»، وعند ابن ماجه: «لقد حصرت واسعًا أو اختصرت واسعًا، ويلك! أو ويحك! لو عممت؛ لاستجيب لك»، وقوله: (حصرت) من الحصر؛ بالصاد المهملة، وهو الحبس والمنع، لكن لما رفق به النبي عليه السلام وعلَّمه من غير عنف وفقه في الإسلام؛ قام إلى النبي عليه السلام، وقال له: بأبي أنت وأمي، فلم تؤنِّب ولم تسب، انتهى.

((في المسجد)) الألف واللام فيه للعهد الذهني؛ أي: مسجد النبي الأعظم عليه السلام، وهو متعلق بـ (يبول) لا صفة (أعرابيًّا) ، أو حال من فاعل (يبول) إلا أن قُدِّر: يبول فيه؛ فتأمل.

((فقال)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام، وهو عطف على مقدر؛ أي: فتناوله الناس بألسنتهم، فقال: ((دعُوه)) ؛ بضمِّ العين المهملة؛ أي: اتركوه، وهو أمر بصيغة الجمع من (يدع) [1] تقول: دع دعا دعوا؛ بضمِّ العين، والعرب أماتت ماضيه، إلا ما جاء شاذًّا في قوله تعالى: (مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ) [الضحى: 3] بالتخفيف، وفي رواية مسلم: (لا تزرموه ودعوه) ، وهو بتقديم الزاي على الراء المهملة؛ بمعنى: لا تقطعوا عليه بوله، يقال: زرم الدمع والدم؛ انقطعا، وأزرمته أنا، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى الأعرابي، ففيه المبادرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه مبادرة الصحابة إلى الإنكار بحضرة الرسول عليه السلام من غير مراجعة.

فإن قلت: أليس هذا من باب التقدم بين يدي الله ورسوله؟

قلت: لا؛ لأنَّ ذلك مقرر عندهم في الشرع من مقتضى الإنكار، فأَمْرُ الشارع متقدم على ما وقع منهم في ذلك.

وإن لم يكن في هذه الواقعة الخاصة إذن، فدل على أنه لا يشترط الإذن الخاص، ويكفي الإذن العام، وفيه دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، وفيه مراعاة التيسير على الجاهل، والتألف للقلوب؛ لأنَّه لو لم يتركوه؛ لتنجس بدنه، أو ثوبه، أو موضع آخر من المسجد، أو يقطعه فيتضرر بذلك، أفاده في «عمدة القاري».

((حتى إذا فرغ)) ؛ أي: من بوله، كما صرح به في رواية، وهذا وما بعده من كلام أنس رضي الله عنه؛ ((دعا)) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: جواب (إذا) الشرطية، و (حتى) ابتدائية، ويحتمل أن تكون (حتى) للغاية لمقدر؛ أي: فتركوه، و (إذا) ظرفية فقط، و (دعا) جواب (لمَّا) مقدرة؛ أي: فلما فرغ؛ دعا ((بماء)) ؛ أي: طلب النبي عليه السلام ماء، فهو متعلق بـ (دعا) ؛ لتضمنه معنى ما يتعدى بالباء، أو زائدة في المفعول؛ لأنَّه بمعنى: طلب، وفي رواية ابن صاعد عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سَعِيْد، عن أنس: فقال عليه السلام: «احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوبًا من ماء»، وفي رواية أبي داود عن عبد الله بن معقل [2] بن مقرن: «خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء»، وعند المؤلف الآتي: (فلما قضى بوله؛ أمر عليه السلام بذنوب من ماء فأهريق عليه) ، وفي رواية مسلم: (فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو فشنه عليه) ، وفي رواية النسائي: (فلما فرغ؛ دعا بدلو فصب عليه) ، وفي رواية ابن ماجه: (ثم أمر بسَجْلٍ من ماء فأفرغ على بوله) ، ((فصبه)) ؛ أي: أمر بسكب الماء على البول، فالصب: السكب، يقال: صببت الماء فانصب؛ أي: سكبته فانسكب، والماء منصب من الجبل؛ أي: ينحدر، ويقال: ماء صب، وهو كقولك: ماء سكب، ويأتي (فصب) بدون ضمير المفعول، وفي رواية مسلم: (فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو فسنه عليه) ؛ بالسين المهملة، وفي رواية الطحاوي بالمعجمة، والفرق بينهما أن السن بالمهملة: الصب المتصل، وبالمعجمة: الصب المنقطع، قاله ابن الأثير، والذَّنوب؛ بفتح الذال المعجمة: الدلو العظيم، وقيل: لا تسمى ذَنوبًا إلا إذا كان فيها ماء، كذا في «عمدة القاري»، واستنبط الشافعي من الحديث: أن الأرض إذا أصابتها نجاسة وصب عليها الماء؛ تطهر، ولا يشترط حفرها، وقال أئمتنا الأعلام أصحاب الإمام الأعظم التابعي الجليل الهمام: إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة؛ فإن كانت الأرض رخوة؛ صب عليها الماء حتى يتسفل فيها، فإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة وتسفل الماء؛ يحكم بطهارتها ولا يعتبر العدد فيه وإنما هو على اجتهاده وغالب ظنه أنها طهرت، ويقوم في الأرض مقام العصر فيما يحتمل العصر، وعلى قياس ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم أنه يصب عليها الماء ثلاث مرات، ويستفل [3] في كل مرة، وروي عن الإمام أبي يوسف أنه يصب عليها بحيث لو كانت هذه النجاسة في الثوب؛ طهر، واستحسن هذا في «الذخيرة»، وإن كانت الأرض صلبة؛ فإن كانت صعودًا يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل [4] إلى الحفيرة، ثم يكبس الحفيرة، وإن كانت صلبة مستوية؛ صُبَّ عليها الماء ثلاث مرات وجُففت كل مرة بخرقة طاهرة، وكذا لو صب عليها الماء بكثرة حتى لا يظهر أثر النجاسة، ثم يتركها حتى تنشف؛ طهرت، وكذا لو قلبها بجعل الأعلى أسفل وعكسه، أو كبسها بتراب ألقاه عليها فلم يوجد ريح النجاسة؛ طهرت، وإن كانت الأرض مجصصة، فقال في «الواقعات»: يصب عليها الماء، ثم يدلكها وينشفها بخرقة ثلاث مرات، فتطهر، وجعل ذلك بمنزلة غسل الثوب في الإجانة، والتنشف بمنزلة العصر، كذا في «البحر» عن «السراج»، ومثله في «الخلاصة»، و«المحيط»، وفي «الذخيرة» عن الحسن بن أبي مطيع: أنه إذا صب عليها الماء فجرى قدر ذراع؛ طهرت الأرض والماء طاهر بمنزلة الماء الجاري، وفي «المنتقى»: أصابها المطر غالبًا فجرى عليها؛ فذلك مطهر لها، ولو قليلًا لم يجر عليها؛ لم تطهر، انتهى.

ودليل ما قلناه أحاديث كثيرة منها ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن معقل بن مقرن قال: صلى أعرابي في مسجد النبي عليه السلام فبال فيه، فقال النبي عليه السلام: «خذوا ما بال عليه من التراب وألقوه وأهريقوا مكانه ماء»، ثم قال أبو داود: (وهو مرسل، وابن معقل لم يُدْرِكِ النبي عليه السلام) ، وقال الخطابي: (هذا [/ص195/] الحديث ذكره أبو داود وضعفه، وقال: هو مرسل) ، ورده في «عمدة القاري» بأن أبا داود لم يقل: هذا ضعيف، وإنما قال: هو مرسل، وهو مرسل من طريقين؛ أحدهما: ما رواه أبو داود، والآخر ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»، وقد روي هذا الحديث من طريقين مسندين؛ أحدهما: عن سمعان بن مالك، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: جاء أعرابي فبال في المسجد فأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بمكانه، فاحتفر وصب عليه دلو من ماء، أخرجه الدارقطني في «سننه»، والثاني: أخرجه الدارقطني أيضًا عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سَعِيْد، عن أنس: أن أعرابيًّا بال في المسجد فقال عليه السلام: «احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذَنوبًا من ماء»، وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: بال أعرابي في المسجد فأرادوا أن يضربوه فنهاهم النبي عليه السلام، وقال: «احفروا مكانه واطرحوا عليه دلوًا من ماء، علِّموا ويسروا»، والقياس أيضًا يقتضي هذا الحكم؛ لأنَّ الغسالة نجسة، فلا تطهر الأرض ما لم تحفر وينقل التراب.

فإن قلت: قد تركتم الحديث الصحيح واستدللتم بالحديث الضعيف وبالمرسل.

قلت: قد عملنا معاشر الحنفية بالحديث الصحيح فيما إذا كانت الأرض صلبة، وعملنا بالحديث الضعيف -على زعمكم لا عندنا- فيما إذا كانت الأرض رخوة، والعمل بالكل أولى من العمل بالبعض وإهمال البعض كما زعمتم، وأما المرسل؛ فهو حجة ومعمول به عندنا، والذي يترك العمل بالمرسلات يترك العمل بأكثر الأحاديث، وفي اصطلاح المحدثين: أن مرسلَيْن صحيحَيْن إذا عارضا حديثًا صحيحًا مسندًا؛ كان العمل بالمرسلَيْن أولى فكيف مع عدم المعارضة، على أن حديث الباب مطلق، وأحاديثنا مقيدة، والقاعدة عند المحققين أنه يحمل المطلق على المقيد، فيتعين العمل بأحاديثنا؛ فليحفظ.

وفي الحديث دليل على صيانة المساجد وتنزيهها من الأقذار والنجاسات، يدل لذلك أن هذا الحديث أخرجه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق مطولًا، وزاد فيه: ثم إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم دعاه -أي: الأعرابي- فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنَّما هي لذكر الله، والصَّلاة، وقراءة القرآن»، قال في «عمدة القاري»: وقوله: (وإنما هي لذكر الله) من قصر الموصوف على الصفة، ولفظ (الذكر) عام يتناول قراءة القرآن، وقراءة العلم، ووعظ الناس، و (الصَّلاة) أيضًا عام يتناول المكتوبة والنافلة، لكن النافلة في المنزل أفضل، ثم غير هذه الأشياء؛ ككلام الدنيا، والضحك، واللبث فيه بغير نية الاعتكاف مشتغلًا بأمر من أمور الدنيا؛ مكروه، وأما الجلوس فيه لعبادة، أو قراءة علم، أو درسه، أو سماع وعظ، أو انتظار صلاة، أو غير ذلك؛ فمستحب ويثاب على ذلك، وإن لم يكن لشيء من ذلك؛ كان مباحًا، وتركه أولى؛ لما في الحديث: «الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»، وأما النوم فيه؛ فمذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التفصيل؛ فإن كان مسافرًا؛ لا يكره سواء كان مقيلًا أو مبيتًا، وإن كان مقيمًا متوطنًا؛ فمكروه، وهو قول مالك، والحسن، وعطاء، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق؛ لأنَّ عليًّا رضي الله عنه، وأهل الصفة، والمرأة صاحبة الوشاح، والعرنيين [5] ، وثمامة بن أثال، وصفوان بن أمية؛ كانوا ينامون في المسجد، وهي أخبار مشهورة صحيحة كما ذكره اليعمري، وأما الوضوء فيه؛ فإن كان في مكان معد لذلك من زمن واقفه؛ فمباح، وإن توضأ في مكان غير معد لذلك، فإن كان في طشت أو نحوه؛ فلا بأس به، وإن كان على الأرض فيبلها ويتأذى منه الناس؛ فمكروه، هذا مذهبنا، وهو منقول عن ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاووس، والنخعي، وابن القاسم صاحب مالك، وإذا افتصد في المسجد؛ فإن كان في غير الإناء؛ فحرام، وإن كان في الإناء؛ فمكروه، ويجوز الاستلقاء في المسجد ومد الرجل وتشبيك الأصابع؛ للأحاديث الواردة الثابتة في ذلك، وتمامه في «عمدة القاري،» اللهم فرج عنا وعن المسلمين يا أرحم الراحمين.

[1] في الأصل: (يدل)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (مغفل)، وهو تصحيف، وكذا في المواضع اللاحقة.
[3] في الأصل: (ويستقل)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (ويستقل)، ولعل المثبت هو الصواب.
[5] في الأصل: (والمغربيين)، ولعل المثبت هو الصواب.