متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

218- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: ((حدَّثني)) (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى)؛ بضمِّ الميم وفتح المُثلَّثة وتشديد النُّون، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ)؛ بالخاء المُعجَمَة والزَّاي، أبو معاوية الضَّرير الكوفيُّ، أحفظ النَّاس لحديث الأعمش، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، الكوفيُّ الأسديُّ، (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ، (عَنْ طَاوُوسٍ) هو ابن كيسان، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه [1] (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ) أسند العذاب إلى القبرين وهو [2] من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) يشقُّ الاحتراز عنه وإن كان كبيرًا في المعصية، (أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ) من الاستتار؛ وهو بمعنى: التَّنزُّه منه، والمرويُّ [3] في «مسلمٍ» و«سنن أبي داودٍ»، ولابن عساكر: ((لا يستبرئ))؛ بالمُوَحَّدة، من الاستبراء، (وَأَمَّا الآخَرُ) من المقبورَين (فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) بقصد [4] الإضرار، فأمَّا ما اقتضى فعل مصلحةٍ أو ترك مفسدةٍ؛ فهو مطلوبٌ، وقيل: ليس ذلك بكبيرٍ [5] بمُجرَّده، وإنَّما صار كبيرًا بالمُواظَبة عليه، ويرشد إلى ذلك السِّياق، فإنَّه وقع التَّعبير عن كلٍّ منهما بما يدلُّ على تجدُّد ذلك منه واستمراره عليه؛ للإتيان بصيغة المضارعة بعد حرف [6] «كان»، كما أُشير إليه فيما سبق، (ثُمَّ أَخَذَ) صلى الله عليه وسلم (جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ) وفي رواية وكيعٍ في «الأدب» [7] [خ¦6052] : ((فغرس))؛ بالسِّين، وهما بمعنًى واحدٍ (فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا)؛ أي: الصَّحابة رضي الله عنهم: (يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ)؟ زاد أبو الوقت والأَصيليُّ وابن عساكر: ((هذا))، وهي ساقطةٌ عند المُستملي والسَّرخسيِّ، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ) بفتح الفاء الأولى المُشدَّدة (عَنْهُمَا) العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) بالتَّذكير والتَّأنيث _كما مرَّ_.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومكيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، ووقع بينه وبين السَّابق [خ¦216] اختلافٌ؛ لأنَّه هناك عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ، وهنا عن الأعمش عن مجاهدٍ عن طاووسٍ عن ابن عبَّاسٍ، ومن الوجه الثَّاني أخرجه مسلمٌ وباقي الأئمَّة السِّتَّة _كالمؤلِّف_ من طريقٍ [8] أخرى [خ¦1361] ، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ من الوجه الأوَّل، وانتقد الدَّارقُطنيُّ على المؤلِّف إسقاط [9] طاووس من السَّند الأوَّل، وقال التِّرمذيُّ بعد أن أخرجه: رواه منصورٌ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ، وحديث الأعمش أصحُّ؛ يعني: المتضمِّن للزِّيادة [10] . انتهى. وأُجيب: بأنَّ مجاهدًا غير مدلِّسٍ، وسماعه من [11] ابن عبَّاسٍ صحيحٌ في جملة الأحاديث، ومنصورٌ عندهم أتقن من الأعمش، مع أنَّ الأعمش أيضًا من الحفَّاظ، فالحديث كيفما دار؛ دار على ثقةٍ، والإسناد كيفما دار؛ كان متَّصلًا، والحاصل أنَّ إخراج المؤلِّف له من هذين [12] الطَّريقين صحيحٌ؛ لأنَّه يحتمل أنَّ مجاهدًا سمعه تارةً عن ابن عبَّاسٍ، وتارةً عن طاووسٍ.

(قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى) وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((وقال محمَّد بن المُّثنَّى)): (وَحَدَّثَنَا)؛ بواو العطف على قوله: حدَّثنا [13] محمَّد بن خازمٍ (وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثْلَهُ) صرَّح بسماع الأعمش عن [14] مجاهدٍ، ومن ثمَّ ذكر المؤلِّف هذا الإسناد؛ لأنَّ الأوَّل مُعنعنٌ، والأعمش مدلِّسٌ، وعنعنة المدلِّس غير مُعتبَرةٍ إلَّا إن عُلِمَ سماعه، وقد وصل أبو نُعيمٍ هذا في «مُستخرَجه» من طريق محمَّد بن المُثنَّى عن وكيعٍ [/ج1ص289/] وأبي معاوية، جميعًا عن الأعمش، وعبَّر هنا بـ: «قال»؛ رعايةً للفرق بينه وبين «حدَّثني»، فإنَّ «قال» أحطُّ رتبةً [15] .

[1] «هذا»: سقط من (د).
[2] «وهو»: سقط من (د) و(س).
[3] في (د) و(س): «المروي».
[4] في (م): «يقصد».
[5] في (د): «بكبيرةٍ».
[6] «حرف»: سقط من (س).
[7] زيد في غير (م): «المفرد»، وهو خطأٌ.
[8] في (م): «طرق».
[9] في غير (ب) و(س): «إسقاطه»، ولا يصحُّ.
[10] في (م): «الزِّيادة».
[11] في غير (ص): «عن».
[12] في (د) و(م): «بهذين».
[13] «حدَّثنا»: سقط من غير (ب) و(س).
[14] في (م): «من».
[15] زيد في (م): «ولأبي الوقت: ليستتر من بوله»، ولعلَّه زيادة ناسخٍ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

218-. حدَّثنا [1] مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّىَ، قالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ خَازِمٍ [2] ، [/ج1ص53/] قالَ: حدَّثنا الأَعْمَشُ، عن مُجاهِدٍ، عن [3] طاؤُوسٍ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ، فقالَ: «إِنَّهُما لَيُعَذَّبانِ، وَما يُعَذَّبانِ في كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُما فَكانَ لَا يَسْتَتِرُ [4] مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّها نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ في كُلِّ قَبْرٍ واحِدَةً. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذا [5] ؟ قالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُما ما لَمْ يَيْبَسا».

قالَ ابْنُ المُثَنَّىَ [6] : وحدَّثنا [7] وَكِيعٌ قالَ: حدَّثنا الأَعْمَشُ قالَ: سَمِعْتُ مُجاهِدًا مِثْلَهُ: «لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» [8] .

[1] في رواية أبي ذر: «حدَّثني»، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ زيادة: «بابٌ» قبل الحديث، وهو مثبت في متن (ب، ص).
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[4] هكذا في روايةٍ لابن عساكر أيضًا (ب، ص)، وفي أخرىَ عنه: «لا يَسْتَبْرِئُ».
[5] لفظة: «هذا» ثابتة في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا، قارن بما في السلطانية.
[6] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «وقال محمد بن المثنىَ».
[7] في رواية ابن عساكر: «حدَّثنا» بإسقاط الواو.
[8] قوله: «لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» ليس في رواية ابن عساكر وأبي ذر والأصيلي ولا في [عط] . «لا الحمرة إلىَ».





218- ( مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ ) بخاء وزاي معجمتين.


218# (مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ) بخاء معجمة وزاي.


218- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِم): هو -بالخاء المعجمة- أبو معاوية الضَّرير الحافظ، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ): تقدَّم مرَّاتٍ أنَّه سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ أبو محمَّد الكاهليُّ، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (قَالَ ابْنُ المُثَنَّى): هو محمَّد بن المثنَّى المذكور في الأوَّل أبو موسى العنزيُّ، الحافظ، عنِ ابن عيينة، وعبد العزيز العمِّيِّ، وغُنْدر، وعنه: الجماعة، وأبو عروبة، والمحامليُّ، ثقة ورع، مات سنة (252 هـ ) ، له ترجمة في «الميزان»، وإنَّما ذكره هنا يقال: لأنَّه أخذه عنه في حال المذاكرة، وقد تقدَّم نظيره، وتكلَّمت عليه وعلى قول البخاريِّ: (قال فلان) وفلان شيخه، أو (قال لنا) أو (قال لي) ، وإنَّما أتى بهذا الطَّريق؛ لأنَّ الطَّريق الأولى عنعن فيها الأعمش، وهو مدلِّس، فلا تُقبَل [1] ، فأتى بهذه الطَّريق الثَّانية؛ لأنَّ فيها تصريح الأعمش بالسَّماع من مجاهد، والله أعلم.

وحكمة أخرى: وهو أنَّ شيخه ابن المثنَّى له في الحديث شيخان؛ وكيع وأبو معاوية الضَّرير محمَّد بن خازم، فقُوِّي، وتعليقه هذا أخرجه البخاريُّ في (الطَّهارة) .

[1] في (ب): (يقبل) .





لا تتوفر معاينة

218- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: ((حدَّثني)) (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى)؛ بضمِّ الميم وفتح المُثلَّثة وتشديد النُّون، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ)؛ بالخاء المُعجَمَة والزَّاي، أبو معاوية الضَّرير الكوفيُّ، أحفظ النَّاس لحديث الأعمش، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، الكوفيُّ الأسديُّ، (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ، (عَنْ طَاوُوسٍ) هو ابن كيسان، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه [1] (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ) أسند العذاب إلى القبرين وهو [2] من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) يشقُّ الاحتراز عنه وإن كان كبيرًا في المعصية، (أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ) من الاستتار؛ وهو بمعنى: التَّنزُّه منه، والمرويُّ [3] في «مسلمٍ» و«سنن أبي داودٍ»، ولابن عساكر: ((لا يستبرئ))؛ بالمُوَحَّدة، من الاستبراء، (وَأَمَّا الآخَرُ) من المقبورَين (فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) بقصد [4] الإضرار، فأمَّا ما اقتضى فعل مصلحةٍ أو ترك مفسدةٍ؛ فهو مطلوبٌ، وقيل: ليس ذلك بكبيرٍ [5] بمُجرَّده، وإنَّما صار كبيرًا بالمُواظَبة عليه، ويرشد إلى ذلك السِّياق، فإنَّه وقع التَّعبير عن كلٍّ منهما بما يدلُّ على تجدُّد ذلك منه واستمراره عليه؛ للإتيان بصيغة المضارعة بعد حرف [6] «كان»، كما أُشير إليه فيما سبق، (ثُمَّ أَخَذَ) صلى الله عليه وسلم (جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ) وفي رواية وكيعٍ في «الأدب» [7] [خ¦6052] : ((فغرس))؛ بالسِّين، وهما بمعنًى واحدٍ (فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا)؛ أي: الصَّحابة رضي الله عنهم: (يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ)؟ زاد أبو الوقت والأَصيليُّ وابن عساكر: ((هذا))، وهي ساقطةٌ عند المُستملي والسَّرخسيِّ، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ) بفتح الفاء الأولى المُشدَّدة (عَنْهُمَا) العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) بالتَّذكير والتَّأنيث _كما مرَّ_.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومكيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، ووقع بينه وبين السَّابق [خ¦216] اختلافٌ؛ لأنَّه هناك عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ، وهنا عن الأعمش عن مجاهدٍ عن طاووسٍ عن ابن عبَّاسٍ، ومن الوجه الثَّاني أخرجه مسلمٌ وباقي الأئمَّة السِّتَّة _كالمؤلِّف_ من طريقٍ [8] أخرى [خ¦1361] ، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ من الوجه الأوَّل، وانتقد الدَّارقُطنيُّ على المؤلِّف إسقاط [9] طاووس من السَّند الأوَّل، وقال التِّرمذيُّ بعد أن أخرجه: رواه منصورٌ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ، وحديث الأعمش أصحُّ؛ يعني: المتضمِّن للزِّيادة [10] . انتهى. وأُجيب: بأنَّ مجاهدًا غير مدلِّسٍ، وسماعه من [11] ابن عبَّاسٍ صحيحٌ في جملة الأحاديث، ومنصورٌ عندهم أتقن من الأعمش، مع أنَّ الأعمش أيضًا من الحفَّاظ، فالحديث كيفما دار؛ دار على ثقةٍ، والإسناد كيفما دار؛ كان متَّصلًا، والحاصل أنَّ إخراج المؤلِّف له من هذين [12] الطَّريقين صحيحٌ؛ لأنَّه يحتمل أنَّ مجاهدًا سمعه تارةً عن ابن عبَّاسٍ، وتارةً عن طاووسٍ.

(قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى) وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((وقال محمَّد بن المُّثنَّى)): (وَحَدَّثَنَا)؛ بواو العطف على قوله: حدَّثنا [13] محمَّد بن خازمٍ (وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثْلَهُ) صرَّح بسماع الأعمش عن [14] مجاهدٍ، ومن ثمَّ ذكر المؤلِّف هذا الإسناد؛ لأنَّ الأوَّل مُعنعنٌ، والأعمش مدلِّسٌ، وعنعنة المدلِّس غير مُعتبَرةٍ إلَّا إن عُلِمَ سماعه، وقد وصل أبو نُعيمٍ هذا في «مُستخرَجه» من طريق محمَّد بن المُثنَّى عن وكيعٍ [/ج1ص289/] وأبي معاوية، جميعًا عن الأعمش، وعبَّر هنا بـ: «قال»؛ رعايةً للفرق بينه وبين «حدَّثني»، فإنَّ «قال» أحطُّ رتبةً [15] .

[1] «هذا»: سقط من (د).
[2] «وهو»: سقط من (د) و(س).
[3] في (د) و(س): «المروي».
[4] في (م): «يقصد».
[5] في (د): «بكبيرةٍ».
[6] «حرف»: سقط من (س).
[7] زيد في غير (م): «المفرد»، وهو خطأٌ.
[8] في (م): «طرق».
[9] في غير (ب) و(س): «إسقاطه»، ولا يصحُّ.
[10] في (م): «الزِّيادة».
[11] في غير (ص): «عن».
[12] في (د) و(م): «بهذين».
[13] «حدَّثنا»: سقط من غير (ب) و(س).
[14] في (م): «من».
[15] زيد في (م): «ولأبي الوقت: ليستتر من بوله»، ولعلَّه زيادة ناسخٍ.





218- ( ابن خَازِمٍ ) بالمعجمة والزَّاي.

( فَغَرَزَ )، في «الأدب»: «غرس» [خ:6052] وهما بمعنى، وأفاد سعد الدِّين الحارثيُّ أنَّ ذلك كان عند رأس القبر. وقال: إنَّه ثبت بسند صحيح.

( لِمَ فَعَلْت ) زاد غير المُسْتملي والسَّرخسيِّ: «هذا».

( قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى ) / للأَصِيلي: «وقال». [/ج1ص343/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

218- وبه قال: ((حدثنا)) وفي رواية بالإفراد ((محمَّد بن المُثَنَّى)) ؛ بضمِّ الميم، وفتح المثلثة، وتشديد النون، البصري المعروف بالزَّمِن ((قال: حدثنا محمَّد بن خازم)) ؛ بالخاء المعجمة، والزاي المعجمة، أبو معاوية الضرير، عمي وعمره أربع سنين، الكوفي، المتوفى سنة خمس وتسعين ومئة ((قال: حدثنا الأعمش)) : هو سليمان بن مهران الكوفي التابعي، ((عن مُجَاهِد)) ؛ بضمِّ الميم، هو ابن جبر، ((عن طاووس)) : هو ابن كيسان، ((عن ابن عباس)) رضي الله تعالى عنهما، ((قال: مر النبي)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم بقبرين، فقال)) عليه السلام: ((إنَّهما ليُعَذَّبان)) ؛ أي: مَن في القبرين، فإسناد العذاب إلى القبرين من باب ذكر المحل وإرادة الحالِّ، ((وما يُعَذَّبان في كبير)) ؛ بالموحدة، و (ما) نافية على الأظهر؛ أي: بكبير تركه عليهما إلا أنَّه كبير من حيث المعصية، ((أما أحدهما)) ؛ أي: أحد المقبورين، وأتى بـ (أما) للتفصيل؛ ((فكان)) في حياته بدار الدنيا ((لا يستتر)) ؛ بفوقيتين، من الاستتار ((من البول)) ؛ أي: بول الإنسان، ولابن عساكر: (لا يستبرئ) ؛ بالموحدة، من الاستبراء؛ أي: لا يطلب البَرَاءة من البول، ((وأما الآخر)) من المقبورين؛ ((فكان يمشي بالنميمة)) ؛ أي: بين الناس بالفساد والإضرار، فإن كان على سبيل مصلحة أو ترك مفسدة؛ فهو مطلوب شرعًا، وأفاد التعبير بـ (ان)) إلى أنه كانت عادتهما ذلك على سبيل الدوام والاستمرار، وماتا ولم يتوبا من ذلك، ويدل لذلك التعبير بصيغة المضارعة بعد (كان) .

((ثم أخذ)) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((جريدة)) من النخل ((رطْبة)) ؛ بسكون الطاء، وكأنَّه عليه السلام أخذها من أصلها؛ أي: قطعها بيده الشريفة، ((فشقها نصفين)) ، وإنما شقَّها كذلك؛ إما ليسهل غرزها، أو لكبرها، أو غير ذلك، والله أعلم، ((فغرز)) ؛ بالغين والزاي المعجمتين، بينها راء، وفي رواية وكيع في (الأدب) : (فغرس) ، وهما بمعنى واحد، وبين الزاي والسين تناوب، كما في «عمدة القاري» ((في كل قبر واحدة)) ، وكان غرزه عليه السلام عند رأس القبر، كما قاله في «عمدة القاري»، وقال: إنه ثبت بإسناد صحيح.

((قالوا)) ؛ أي: الصحابة رضي الله عنهم: ((يا رسول الله؛ لم فعلت)) ؛ أي: هذا؟ كما صرح به في رواية، ((قال)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام: ((لعله يخفَّف)) بفتح الفاء الأولى المشددة ((عنهما)) ؛ أي: عن صاحبي القبرين العذاب ((ما لم ييبَسا)) ؛ بتحتيتين، بعدهما موحدة، وفي رواية: (ما لم تيبَسا) ؛ بفوقية، وبعدها تحتية، وبعدها موحدة، وفي أخرى: (إلا أن ييبَسا) ؛ بحرف الاستثناء، والموحدة مفتوحة في الكل، ويجوز التذكير والتأنيث، فالتذكير نظرًا إلى رجوع الضمير إلى العُود؛ لأنَّ الجريدة عود، والتأنيث باعتبار رجوع الضمير فيه إلى الشقين، قال في «عمدة القاري»: (وهذا الحديث في نفس الأمر هو الذي ترجم له المؤلف بقوله: «من الكبائر...» إلخ؛ لأنَّ مخرجهما واحد غير أن الاختلاف في السند وبعض المتن؛ لأنَّ هناك عن مُجَاهِد، عن ابن عباس، وهنا عن مُجَاهِد، عن طاووس، عن ابن عباس، وقد قلنا هناك: إن إخراج المؤلف بهذين الطريقين صحيح عنده؛ لأنَّه يحتمل أن مُجَاهِدًا سمعه تارة عن ابن عباس، وتارة عن طاووس، عن ابن عباس، فإذا بان الأمر كذلك؛ فلا يحتاج إلى طلب ترجمة هذا الحديث لهذا الباب على تقدير وجود لفظة «باب»؛ لأنَّ وجه الترجمة والمطابقة لها قد ذكر هناك.

فإن قلت: بينهما باب آخر، وهو قوله: (باب ما جاء في غسل البول) ؟

قلت: هذا تابع للباب الأول؛ لأنَّه في بيان حكم من أحكامه، وليس للتابع استقلال في شأنه، فعلى هذا قول الكرماني.

فإن قلت: كيف دلالة الحديث على الترجمة؟

قلت: من جهة إثبات العذاب على ترك استتار جسده من البول وعدم غسله غير رشيد مستغنى عنه؛ لأنَّه [إن] اعتبر فيما قاله لفظة «باب» مفردًا؛ فليس فيه ترجمة، وإن لم يعتبر ذلك؛ فيكون الحديث في باب «ما جاء في غسل البول»، وليس له مناسبة ظاهرًا، والتحقيق ما ذكرته؛ فافهم) انتهى كلامه.

((وقال ابن المثنى)) وفي رواية: (وقال محمَّد بن المثنى) ؛ أي: المذكور: ((وحدثنا وكيع)) ؛ أي: ابن الجراح، وهو معطوف على قوله: (حدثنا محمَّد بن خازم) ، ووقع في رواية بحذف واو العطف، فليس هذا بتعليق، كما زعمه ابن حجر؛ فليحفظ، نبَّه عليه في «عمدة القاري»، وتبعه الشراح، وقد وصله أبو نعيم في «المستخرج» من طريق محمَّد بن المثنى هذا عن وكيع، ومحمَّد بن خازم، عن الأعمش، والثلاثة في هذا الإسناد الذي أفرده للتقوية للإسناد الأول.

((قال: حدثنا الأعمش)) ؛ سليمان بن مهران الأسدي: ((سمعت مُجَاهِدًا مثلَه)) ؛ بالنصب مفعول لمحذوف؛ أي: يقول مثله، وصرح بالسماع؛ لأنَّ الأعمش مدلس، وعنعنة المدلس لا تعتبر إلا إذا علم سماعه، وأراد التصريح بالسماع؛ لأنَّ الإسناد الأول معنعن.

فإن قلت: [قال في الأول: (حدثنا محمد بن المثنى) ، وقال ههنا] [1] : (قال ابن المثنى) هل بينهما فرق؟

قلت: بلى أشار به إلى أنَّ (قال) أحط رتبة ودرجة من (حدَّث) كما تقول في بعض المواضع في إسناد واحد: (حدثني) ؛ بالإفراد، و (حدثنا) ؛ بالجمع.

فإن قلت: مُجَاهِد في هذه الطريقة يروي عن طاووس أو عن ابن عباس؟

قلت: الظاهر أنه يروي عن طاووس، عن ابن عباس؛ لأنَّه قال: (مثله) ، ومثل الشيء: غيره، انتهى «عمدة القاري»، والله تعالى الهادي.

[1] ما بين معقوفين سقط من الأصل، وهو مثبت من «عمدة القاري».