متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

216- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) بن أبي شيبة، الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ)؛ أي [1] : ابن جَبْرٍ؛ بفتح الجيم وسكون المُوَحَّدة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَائِطٍ)؛ أي: بستانٍ من النَّخل [2] عليه جدارٌ (مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ) شكَّ جريرٌ، وعند المؤلِّف في «الأدب المُفرَد»: ((من حيطان المدينة))؛ بالجزم من غير شَكٍّ، ويؤيِّده رواية الدَّارقُطنيِّ في «أفراده» من حديث جابرٍ: أنَّ الحائط كان [3] لأمِّ مبشِّرٍ [4] الأنصاريَّة رضي الله عنها؛ لأنَّ حائطها كان بالمدينة، وفي رواية الأعمش: ((مرَّ بقبرين)) (فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ) حال كونهما (يُعَذَّبَانِ) حال كونهما (فِي قُبُورِهِمَا) عبَّر بالجمع في موضع التَّثنية؛ لأنَّ استعمالها في مثل هذا قليلٌ وإن كانت هي الأصل؛ لأنَّ المُضاف إلى المُثنَّى إذا كان جزء ما أُضيف إليه؛ يسوغ فيه الإفراد؛ نحو: أكلت رأس شاتين، والجمع أجود؛ نحو: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] ، وإن كان غير جزئه؛ فالأكثر مجيئه بلفظ التَّثنية؛ نحو: سلَّ [5] الزَّيدان سيفهما، وإن أُمِن اللَّبس؛ جاز جعل المُضاف بلفظ الجمع، كما في قوله: في «قبورهما»، وقد تجتمع [6] التَّثنية والجمع في نحو: [من الرَّجز] :

ظهراهما مثل ظهور التُّرسين

قاله ابن مالكٍ، ولم يُعرَف اسم المقبورين ولا أحدهما، فيحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام لم يسمِّهما؛ قصداً للسَّتر عليهما، وخوفًا من الافتضاح، على عادة ستره وشفقته على أمَّته صلى الله عليه وسلم، أو سمَّاهما؛ ليحترز [7] غيرهما عن مُباشَرة ما باشراه، وأبهمهما الرَّاوي عمدًا [8] ؛ لما مرَّ، (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يُعَذَّبَانِ) أي: صاحبا القبرين [/ج1ص286/] (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) تَرْكُه عليهما (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (بَلَى) إنَّه كبيرٌ [9] من جهة المعصية، ويحتمل أنَّه عليه الصلاة والسلام ظنَّ أنَّ ذلك غير كبيرٍ، فأُوحِي إليه في الحال بأنَّه كبيرٌ فاستدرك، وقال البغويُّ وغيره _ورجَّحه ابن دقيق العيد وغيره_: إنه [10] ليس بكبيرٍ في مشقَّة الاحتراز؛ أي: كان لا يشقُّ عليهما الاحتراز عن ذلك، والكبيرة: هي الموجبة للحدِّ، أو ما فيه وعيدٌ شديدٌ، وعند ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «يُعذَّبان عذابًا شديدًا في ذنبٍ هيِّنٍ»، (كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) بمُثنَّاتين فوقيَّتين؛ الأولى: مفتوحةٌ، والثَّانية: مكسورةٌ؛ من: الاستتار؛ أي: لا يجعل بينه وبين بوله سترةً؛ أي: لا يتحفَّظ منه، وهي بمعنى [11] رواية مسلمٍ وأبي داود من حديث الأعمش: «يستنزه»؛ بنونٍ ساكنةٍ، بعدها زايٌ، ثمَّ هاءٌ، من التَّنزُّه؛ وهو الإبعاد، ولا يُقال: إنَّ معنى «لا يستتر» يكشف عورته؛ لأنَّه يلزم منه أنَّ مُجرَّد [12] كشف العورة [13] سببٌ للعذاب المذكور لا اعتبار البول، فيترتَّب العذاب على مُجرَّد الكشف، وليس كذلك، بلِ الأقرب حمله على المجاز، ويكون المُرَاد بالاستتار: التَّنزُّه عن البول والتَّوقِّي منه، إمَّا بعدم [14] مُلابسَته وإمَّا بالاحتراز [15] عن مفسدةٍ تتعلَّق به؛ كانتقاض الطَّهارة، وعبَّر عن التَّوقِّي بالاستتار مجازًا، ووجه العلاقة بينهما: أنَّ التَّستُّر عن الشَّيء فيه بُعدٌ عنه واحتجابٌ، وذلك شبيهٌ بالبعدِ عن مُلابسة البول، وإنَّما رجح المجاز وإن [16] كان الأصل الحقيقة؛ لأنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ للبول بالنِّسبة إلى عذاب القبر خصوصيَّةً، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرِّح بهذه الخصوصيَّة أَوْلى، وأيضًا فإنَّ لفظة «من» لمَّا أُضيفَت إلى «البول»، وهي؛ لابتداء الغاية حقيقةً، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازًا؛ تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول؛ بمعنى: أنَّ ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حُمِل على كشف العورة؛ زال هذا المعنى، وفي رواية ابن عساكر: ((لا يستبرئ))؛ بمُوحَّدةٍ ساكنةٍ، من الاستبراء؛ أي: لا يستفرغ جهده بعد فراغه منه، وهو [17] يدلُّ على وجوب الاستنجاء؛ لأنَّه لمَّا عُذِّب على استخفافه بغسله وعدم التحرُّز منه؛ دلَّ على أنَّ [18] من ترك البول في مخرجه ولم يستنج منه أنَّه [19] حقيقٌ بالعذاب، (وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) «فَعِيلَةٌ»، من: نمَّ الحديث ينمُّه [20] ؛ إذا نقله عن المتكلِّم به إلى غيره، وهي حرامٌ بالإجماع إذا قصد بها الإفساد بين المسلمين، وسبب كونهما كبيرين [21] : أنَّ عدم التَّنزُّه من البول يلزم منه بطلان الصَّلاة، وتركها كبيرةٌ بلا شكٍّ، والمشيُ بالنَّميمة من السَّعيِ بالفساد، وهو من أقبح القبائح، ويُجاب عن استشكال كون النَّميمة من الصَّغائر: بأنَّ الإصرار عليها المفهوم هنا من التَّعبير بـ: «كان» المقتضية له يصير حكمها حكم الكبيرة، لا سيَّما على تفسيرها بما فيه وعيدٌ شديدٌ، ووقع في حديث أبي بكرة عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: «يُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ، وبلى [22] ، وما يُعذَّبان إلَّا في الغيبة والبول»؛ بأداة الحصر، وهي تنفي كونهما كافرين؛ لأنَّ الكافر وإن عُذِّب على ترك أحكام المسلمين، فإنَّه يُعذَّب مع ذلك على الكفر بلا خلافٍ، وبذلك جزم العلاء بن العطَّار، وقال: لا يجوز أن يُقَال: إنَّهما كانا كافرين؛ لأنَّهما لو كانا كافرين؛ لم يدعُ لهما بتخفيف العذاب عنهما [23] ، ولا ترجَّاه لهما، وقد ذكر بعضهم السَّرَّ في تخصيص البول والنَّميمة بعذاب القبر؛ وهو أنَّ القبر أوَّل منازل الآخرة، وفيه نموذجُ [24] ما يقع في القيامة من العقاب والثَّواب، والمعاصي التي يُعاقَب عليها يوم القيامة نوعان: حقٌّ لله وحقٌّ لعباده، وأوَّل ما يُقضَى فيه من حقوق الله عزَّ وجلَّ الصَّلاة، ومن حقوق العباد الدِّماء، وأمَّا البرزخ؛ فيُقضَى فيه مقدِّمات هذين الحقَّين ووسائلهما، فمُقدِّمة الصَّلاة الطَّهارة من الحدث والخَبَث، ومقدِّمة الدِّماء [25] النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما، (ثُمَّ دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِجَرِيدَةٍ) من جرائد [26] النَّخل؛ وهي التي ليس عليها ورق، فأُتي بها (فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ)؛ بكسر الكاف، تثنية كِسرَةٍ؛ وهي القطعة من الشَّيء المَكسور، وقد تبيَّن من رواية الأعمش الآتية _إن شاء الله تعالى_ [خ¦218] : أنَّها كانت نصفًا، وفي رواية جريرٍ عنه: ((باثنتين)) (فَوَضَعَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا [27] كِسْرَةً) وفي الرِّواية الآتية: ((فغرز)) [خ¦218] ، وهو يستَلزِم الوضع دون [/ج1ص287/] العكس (فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولابن عساكر: ((فقيل: يا رسول الله)) (لِمَ فَعَلْتَ هَذَا)؟ لم يعيِّن السَّائل من الصَّحابة (قَالَ صلى الله عليه وسلم: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ)؛ بضمِّ أوَّله وفتح الفاء؛ أي: العذاب، وهاء «لعلَّه» ضمير الشَّأن، وجاز تفسيره «بأنَّ» وصلتها؛ لأنَّها في حكم جملةٍ؛ لاشتمالِها على مُسنَدٍ ومُسنَدٍ إليه، ويُحتَمل أن تكون زائدةً مع كونها ناصبةً؛ كزيادة الباء مع كونها جارَّةً، قاله ابن مالكٍ، ويقوِّي الاحتمال الثَّاني حذف «أنْ» في الرِّواية الآتية؛ حيث قال: ((لعلَّه يخفَّف)) (عَنْهُمَا)؛ أي: المعذَّبين (مَا لَمْ تَيْبَسَا)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة بالتَّأنيث؛ باعتبار عود الضَّمير فيه إلى «الكسرتين»، وفتح المُوَحَّدة من باب «علم يعلم»، وقد تُكسَر، وهي لغةٌ شاذَّةٌ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((إلَّا أن تيبسا [28] ))؛ بحرف الاستثناء، وللمُستملي: ((إلى أن ييبسا))؛ بـ: «إلى» التي للغاية، والمُثنَّاة التَّحتيَّة بالتَّذكير؛ باعتبار عود الضَّمير إلى العُودين؛ لأنَّ الكسرتين هما العُودان [29] ، و«ما»: مصدريَّة زمانيَّة؛ أي: مدَّة دوامهما إلى زمن اليبس المحتمل تأقيته بالوحي، كما قاله المازريُّ [30] ، لكن تعقَّبه القرطبيُّ: بأنَّه لو كان بالوحي؛ لَمَا [31] أتى بحرف التَّرجِّي، وأُجيب: بأنَّ «لعلَّ» هنا للتَّعليل، أو أنَّه يشفع [32] لهما في التَّخفيف هذه المدة، كما صرَّح به في حديث جابرٍ، على أنَّ القصَّة واحدة كما رجَّحه النَّوويُّ، وفيه نظرٌ؛ لما في حديث أبي بكرةٍ عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ: أنَّه الذي أتى بالجريدة إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّه الذي قطع الغصنين، فدلَّ ذلك على المُغايَرة، ويؤيِّد ذلك أنَّ قصَّة الباب كانت بالمدينة، وكان معه عليه الصلاة والسلام جماعةٌ، وقصَّة جابرٍ كانت في السَّفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابرٌ وحدَه، فظهر التَّغاير بين حديث ابن عبَّاسٍ وحديث جابرٍ، بل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرويِّ في «صحيح ابن حبَّان» ما يدلُّ على الثَّالثة، ولفظه: أنَّه صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرٍ [33] ، فوقف، فقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل إحداهما عند رأسِه، والأخرى عند رجليه، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في باب: «وضع الجريدة على القبر» من «كتاب الجنائز» [خ¦1361] .

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ودارميٍّ ومكِّيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف هنا عن جريرٍ عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وفي الآتية: عن الأعمش _كمسلمٍ_ عن مجاهدٍ عن طاووسٍ عن ابن عبَّاسٍ [خ¦218] ، فأسقط المؤلِّف طاووسًا [34] الثَّابت في الثَّانية من الأولى، فانتقد عليه الدَّارقُطنيُّ ذلك، كما سيأتي مع الجواب عنه في الباب اللَّاحق إن شاء الله تعالى، وقد أخرج المؤلِّف الحديث أيضًا في «الطَّهارة» في موضعين [خ¦218] ، وفي الجنائز [خ¦1361] ، وفي [35] «الأدب» [خ¦6055] و«الحج»، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطهارة»، وكذا النَّسائيُّ فيه [36] أيضًا وفي «التَّفسير» و«الجنائز».

[1] في (د): «هو».
[2] في (د): «النَّخيل».
[3] في (م): «كانت».
[4] في (ص): «بشر».
[5] في (ص): «يسئل»، وهو تحريفٌ.
[6] في (د) و(ص): «تجمع»، وفي (م): «يجمع».
[7] في (د): «لينزجر»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمُثبَت.
[8] «عمداً»: سقط من (ص).
[9] في (م): «كبيرةٌ».
[10] في غير (ب) و(س): «أي».
[11] في (ص) و(م): (معنى».
[12] «مُجرَّد»: سقط من (م).
[13] في (م): «عورته».
[14] في (ص): «بُعْد».
[15] في (ص): «أو لاحتراز».
[16] «إن»: ليست في (م).
[17] في (م): «هذا».
[18] في غير (ب) و(س): «أنَّه».
[19] «أنَّه»: سقط من (س).
[20] في (د): «ينميه»، وفي (ص) و(م): «تنمية»، وهو تحريفٌ.
[21] في (ب) و(س): «كبيرتين».
[22] في (د): «بلى».
[23] «عنهما»: سقط من غير (ب) و(س).
[24] في (د): «أنموذج».
[25] في (ص): «العباد».
[26] في (ب) و(س): «جريد».
[27] في غير (ب) و(س): «منها».
[28] في غير (ب) و(س): «ييبسا».
[29] في (م): «لا إلى الكسرتين، وهما عودان».
[30] في (د): «المازنيُّ»، وهو تحريفٌ.
[31] «لَمَا»: ليست في (م).
[32] في (د) و(م): «شفع».
[33] في (م): «بقبرين».
[34] في (ص) و(م): «منصور»، وهو خطأٌ.
[35] «في الجنائز و»: سقط من (م).
[36] في (ب) و(س): «فيها».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

216-. حدَّثنا عُثْمانُ، قالَ: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن مُجاهِدٍ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحائِطٍ مِنْ حِيطانِ المَدِينَةِ _ أَوْ مَكَّةَ _ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسانَيْنِ يُعَذَّبانِ في قُبُورِهِما، فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُعَذَّبانِ، وَما يُعَذَّبانِ في كَبِيرٍ». ثُمَّ قالَ: «بَلَىَ، كان أَحَدُهُما لَا يَسْتَتِرُ [1] مِنْ بَوْلِهِ، وَكانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَها كِسْرَتَيْنِ [2] ، فَوَضَعَ علىَ كُلِّ قَبْرٍ منهما كِسْرَةً [3] ، فَقِيلَ لَهُ [4] : يا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذا؟ قالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُما ما لَمْ يَيْبَسا [5] »، أَوْ: «إِلَىَ [6] أَنْ يَيْبَسا».

[1] في رواية ابن عساكر: «لا يَسْتَبْرِئ».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة فوق الكاف.
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة فوق الكاف.
[4] لفظة: «له» ليست في رواية ابن عساكر.
[5] في (و، ب، ص): «تيبسا» بالمثناة الفوقية، انظر الإرشاد.
[6] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا».





216- ( بِحَائِطٍ ) أي: بستان.

( مِنْ حِيطَانِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ ) كَذَا، والصواب: المدينة.

( يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ) بتاءين مثناتين، كَذَا للبخاريِّ، وروي: «يستبرئ»، وقال الإسماعيلي: إنها أشبه الروايات.

( كِسْرَتَيْنِ ) بكاف مكسورة: قطعة من الشيء المكسور، كقطعة وقِطَع.

( لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ ) ( لعلّ ) مثل «كاد» في أن الغالب تجرد خبرها من «أنْ»؛ كقوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

( يَيْبَسَا ) بِمُثَنَّاة من أوله من فوق أو من تحت، والباء الموحدة مفتوحة، وَحَكَى السَّفاقُسِي كسرها.

( لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، ولم يذكر سوى بول الناس ) أَرَادَ بيان معنى روايته: «لا يستتر من البول»؛ أي: بول الناس لا بول سائر الحيوان؛ لأنَّه رواه مرات: ( من بوله )، فَلَيْسَ فِيْهِ حُجَّة لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ وإن كان مأكولًا. [/ج1ص102/]


216# (بِحَائِطٍ) أي: بستان [1] .

(مِنْ

@%ج1ص134%

حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ) كذا وقع هنا على الشك، وفي كتاب الأدب الجزمُ بالمدينة، قالوا: وهو الصواب.

(صوْتَ إِنْسَانينِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا) فيه شاهد على جواز جمع المضاف المثنى [2] معنىً، وإن لم يكن [3] المضاف جزءَ ما أضيف إليه؛ نحو: ((إذَا أخذْتُمَا مضاجِعَكُما)).

(وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) أي: دَفْعُه [4] ؛ لأنه يسيرٌ على من يريد التوقِّيَ منه، ولا يراد أنه من الصَّغائر لا الكبائر؛ لأنه قد ورد في الصَّحيح من الحديث: ((وإنَّهُ لكَبِيرٌ))، فيحملُ هذا على أنه كبير من الذُّنوب، وذلك [5] على سهولة الدفعِ والاحتراز، هذا كله كلام ابن دقيق العيد.

قلت: يمكن وجهٌ أظهرُ من هذا [6] ، وذلك أن تجعل ((ما)) مصدرية، وهي وصلتُها في محل رفع على الابتداء، وقوله: ((في كبيرٍ [7] )) خبرٌ؛ أي: وتعذيبُهما في كبير [8] ، وهذا هو معنى الرواية الصَّحيحة التي ذكرها.

فإن قلتَ: يمنعُ من ذلك قولُه في هذا الحديث نفسِه: ((ثمَّ قال: بلى))، وهي مختصةٌ بإيجاب النفي، ولا نفيَ مع جعلك ((ما)) مصدريةً [9] .

قلت: قد يجاب بأنا لا نسلم أنها لا تقعُ إلا بعد نفي، فقد ذهب بعضهم إلى أنها تستعملُ بعد الإيجاب المجرَّد مستدلاً بقوله:

~وَقَدْ بَعُدَتْ بِالوَصْلِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا بَلَى إِنَّ مَنْ زَارَ القُبُورَ لَيَبْعُدَا [10]

أي: ليبعدن _ بالنون الخفيفة _ نقله الرضي، سلَّمنا أنه لا بدَّ من سبق النَّفي لها، لكنهم قد يُعطون الشيءَ حكمَ ما أشبهه في لفظه، وقد فعلوا ذلك في ((ما)) المصدرية، فعاملوها معاملة ((ما)) النافية في زيادة إنْ بعدها. قال الشاعر:

@%ج1ص135%

~وَرَجِّ الفَتَى لِلخَيْرِ مَا إِنْ رَأَيْتَهُ عَلَى السِّنِّ خَيْراً لا يَزَالُ يَزِيدُ

كذلك هنا أتى ببلى بعد ((ما)) المصدرية كما يأتي بعد ((ما)) النافية، وقد يحمل [11] قوله: بلى، على إيجابِ النَّفي الذي قد يسبقُ إلى وهم السَّامع من قوله: ((وما يُعَذَّبان في كبيرٍ))، وإن كان هو في نفس الأمر غيرَ مراد للمتكلِّم، فتأمله.

(لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلهِ) بتاءين مثناتين من فوق، كذا للبخاري، فيحتمل أن يكون المراد: الاستتارَ عن العيون، فالعذابُ على كشف العورة، والاستتارُ حينئذٍ يستعملُ في حقيقته، ويُحتمل أن يراد: التوقي من البول، إمَّا بعدم [12] ملابسته، وإمَّا بالاحتراز عن مفسدة تتعلق [13] به؛ كانتقاضِ الطهارة، فيكون الاستتار مستعملاً في التوقِّي مجازاً؛ لأن المستتر عن الشيء فيه بعدٌ عنه واحتجاب، وذلك شبيهٌ بالبُعد [14] من ملابسة البول، والثاني أرجحُ [15] ؛ لما يلزمُ من اطراح خصوصية البول من الاعتبار، فظاهرُ [16] الحديث اعتبارُها في عذاب القبر.

(يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) أي: المحرَّمة، وإلا فلا تمنع [17] إذا كانت لجلب [18] مصلحةٍ [19] ، أو لدرءِ مفسدة تتعلَّق بالغير.

(فدعا [20] بِجَرِيدَةٍ) أي: بسَعَفَة.

(فَوَضَعَ عَلَى كلِّ قَبْرٍ) قال الحافظ أبو مسعود الحازمي: كان الغرسُ بإزاء الرأس، ثبت ذلك بإسناد صحيحٍ.

قال الزركشي في «تعليق العمدة»: وفي رواية: ((غَرَزَ نصْفَهُ عندَ رأسِهِ، ونصفَهُ عندَ رجلَيْهِ))، ذكرها صاحب «الترغيب».

قلت: فيكون القطعُ حينئذٍ أربعاً.

(لَعَلَّهُمَا أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا)

@%ج1ص136%

فيه وقوع أن يفعل خبرَ اسمِ عَيْن، والغالبُ خلافه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:130] {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} [طه:44].

(مَا لَمْ تَيْبَسَا) بمثناة من فوق أو من تحت في أوله، والباء الموحدة مفتوحة، وذلك لأنَّ النبات يسبِّح ما دام رَطْباً، وأخذ بعضُهم من هذا انتفاعَ الميت بقراءة القرآن على قبرهِ من باب أولى، ومما وقع السؤالُ عنه حالُ [21] صاحبي القبرين، هل كانا مسلمين؟

وروى صاحب «الترهيب» من طريق الطَّبراني: أنهما هلكا في الجاهلية، وساق الحديث، وقال: هو حسنٌ [22] ، وإن كان إسناده ليس بالقويِّ [23] ؛ لأنهما لو كانا مسلمين، لما كان لشفاعته [24] لهما إلى أن تيبس الجريدتان [25] معنى، ولكنَّه لما رآهما يعذَّبان، لم يَسْتَجِز [26] من عطفِهِ ولطفِهِ تركَهما، فشفعِ لهما إلى المدَّة المذكورة.

[1] ((أي بستان)): ليست في (ق).
[2] في (ق): ((المبني)).
[3] في (د): ((يكن المستثنى)).
[4] في (ق): ((دفع)).
[5] في (د): ((وذاك)).
[6] من قوله: ((كله كلام... إلى قوله: ...هذا)): ليست في (ق).
[7] في (د): ((كثير)).
[8] في (د): ((كثير)).
[9] في (ق) زيادة: ((وهي وصلتها في محل رفع على الابتداء)).
[10] في (ق): ((ليبعد)).
[11] من قوله: ((كذلك هنا أتى ... إلى قوله: ...وقد يحمل)): ليس في (د) و(ج).
[12] في (ق): ((بعد)).
[13] في (ق): ((مفسدته ويتعلق)).
[14] في (ق): ((بالعدو)).
[15] في (د): ((راجح)).
[16] في (ق) و(ج): ((وظاهر)).
[17] في (د): ((يمتنع)).
[18] في (ق): ((تجلب)).
[19] في (د): ((منفعة)).
[20] في المتن: ((ثم دعا)).
[21] في (د): ((قال)).
[22] في (ق): ((الحسن)).
[23] في (ق): ((القوي)).
[24] في (ق): ((لشفاعة)). في (ج): ((لشفاعتهما)).
[25] في (ق): ((أي إلى يبس الجريدتين)).
[26] في (د) و(ق): ((لم ير)).





216- قوله: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ): هو ابن أبي شيبة، وهو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة، أخو أبي بكر وأخيه، وكنيته أبو الحسن العبسيُّ -بالموحَّدة- مولاهم، الكوفيُّ الحافظ، عن شريك، وأبي الأحوص، وجرير، وطبقتهم، وعنه: البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وابنه محمَّد، وأبو يعلى، والبغويُّ، وأمم، مات في المحرَّم سنة (239 هـ ) ، قال يحيى: (ثقةٌ مأمونٌ) ، وسُئل عنه أحمد [1] ، فقال: (لا أعلم إلَّا خيرًا) ، وأثنى عليه، وله ترجمة في «الميزان»، أخرج له الجماعة، وقد تقدَّم بعيدًا.

قوله: (حَدَّثَنَا [2] جَرِيرٌ): هو بفتح الجيم، وكسر الرَّاء، وهو ابن عَبْد الحميد الضَّبِّيُّ القاضي، عن منصور، وحُصين، وعبد الملك بن عُمير، وعنه: أحمد، وإسحاق، وابن معين، وله مصنَّفات مات سنة (188 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وهو صدوقٌ مُحتَجٌّ به في الكتب، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه، تقدَّم.

قوله: (عَنْ مَنْصُورٍ): هو ابن المعتمر السُّلميُّ الكوفيُّ أبو عتَّاب، من أئمَّة الكوفة، عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وعنه: شُعْبَة، والسُّفيانان، وخلق، قال: (ما كتبت حديثًا قطُّ) ، مناقبه جمَّةٌ، توفِّي سنة (132 هـ ) ، أخرج له الجماعة، قال ابن مهديٍّ: (أثبتُ أهل الكوفة منصورُ بن المعتمر) ، وأثنى عليه غيره رحمه الله، وقد تقدَّم بعيدًا.

قوله: (بِحَائِطٍ): الحائط: البستان من النَّخيل إذا كان عليه حائط، وهو الجدار.

قوله: (مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ أَوْ مكَّة): قال الدِّمياطيُّ: (الصَّحيح [3] المدينة) انتهى، وما قاله ظاهر صحيح، وقد ذكره في كتاب «الأدب» على الصَّواب، فقال: (بالمدينة) من غير شكٍّ [4] . [/ج1ص100/]

قوله: (فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ في قُبُورِهِمَا): ذُكِر أنَّ صاحبي هذين القبرين من غير أهل القبلة، قال شيخنا الشَّارح: (وفيه بُعد، وقد عيَّن بعضُهم صاحبَ أحد القبرين بما لا أوثر ذكره وإن ذكره القرطبيُّ في «التَّذكرة» حكاه ووهاه، انتهى، وقد رأيتُه في «التَّذكرة» للقرطبيِّ، وقال: (إنَّه باطل) انتهى.

وقال ابن شيخنا البلقينيِّ: (في «الأوسط» للطَّبرانيِّ: عن أنس رضي الله عنه قال: مرَّ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بقبرين لبني النَّجَّار يعذَّبان بالنَّميمة والبول) ، قال: (فهذا نوع تعيين) انتهى، ولا شكَّ أنَّ هذا الحديث يبطل قولَ من عيَّن أحد صاحبي القبرين؛ لأنَّ في هذا تصريحًا أنَّهما من بني النَّجَّار، والمعيَّن من الأوس ليس من بني النَّجَّار.

فائدة: تقدَّم قريبًا [5] اتفق مثل هذه القصَّة للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرَّة أخرى، وهو في غزوة بُوَاطَ، كما رواها مُسْلِم في أواخر «صحيحه» من حديث جابر، وجَابِر قطع الغصنين من النَّخلة، وأرسل واحدًا يمين نفسه، وآخر عن شماله، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي [6] أَنْ يُرَفَّهَ ذاك عنهُمَا مَا دَامَ الغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ»، وهذه القصَّة كانت في غزوة بواط، كما هو مصرَّح به في «مسلم» كما تقدَّم أعلاه، وقد تفقَّه القرطبيُّ في «التَّذكرة» بأنَّهما قضيَّتان، وقد وافق المنقول في ذلك، وقد جعل ابن إسحاق بواط في ربيع الأوَّل بعد الأبواء، والأبواء على رأس اثني عشر شهرًا من الهجرة، والقصَّة الأولى كانت بالمدينة، والله أعلم.

قوله: (وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ): هو بالموحَّدة، هذا ممَّا لا أعرف فيه خلافًا، وقد رأيت الآن في أصلنا عُمِل بالوجهين؛ (كبير وكثير) ؛ بالموحَّدة -كما أحفظه- وبالمثلَّثة [7] ، وما أظنُّ المثلَّثة إلَّا طارئة على ما كنت أعرف، والله أعلم، وحَلُّ النَّاسِ الحديثَ يأبى ذلك، و (في) هنا: لِلسبب، وكذا في قوله: «أُدخِلت امرأة النَّار في هرَّة [8] »، وهما حجَّة على من أنكر مجيئها له، والله أعلم.

وقوله: «في كبير»؛ أي: في كبير في زعمهما، وقيل: كبيرٌ تركُه عليهما؛ بدليل قوله: (بلى؛ إنَّه كبير) ، وقال شيخنا الشَّارح في (الأدب): (أي: هو شيء حقير لِيَسارِة التَّحرُّز مِنْهُ، وقوله: «وإنَّه لكبير»؛ لورود الشَّرع بالوعيد فيها إذا لَمْ يعفُ الله) انتهى، وحَكى القاضي عياض تأويلًا ثَالِثًا: (أي: ليس بأكبر الكبائر) ، قال النوويُّ: (فعلى هذا: يكون المراد بهذا: الزَّجْر وَالتَّحْذِير لغيرهما [9] ؛ أي: لا يتوهَّم أحد أنَّ التَّعذيب لا يكون إلَّا في أكبر [10] الكبائر الموبقات فإنَّه يكون في غيرها) انتهى.

قوله: (لَا يَسْتَتِرُ [11] مِنْ بَوْلِهِ): قال ابن قُرقُول: (لاَيَسْتَبْرِئ؛ أي: لا يستقصي نفسه أو ما عنده، ويروى: «يَسْتَتِر»: من السُّترة، وفي كتاب «مسلم» من حديث أحمد بن يوسف: «لا يَسْتَنْزِه»؛ أي: لا يَبعد ويتحفَّظ، وهو بمعنى: يستتر؛ أي: لا يجعل بينه وبينه سترة، وقيل: معناه: لَمْ يستر عورته عنِ النَّاس عند بوله) انتهى، وقد روي: (يستنتر) ، وعن الإِسْمَاعِيليِّ: (أنَّ أشبه الرِّوايات: «يَسْتَبْرِئ») انتهى، وإنَّما كان عدم التنزُّه من البول كبيرة؛ لأنَّه يلزم منه بطلانُ الصَّلاة، وتركها كبيرة.

قوله: (بِالنَّمِيمَةِ): هي نقل الكلام بين النَّاس على جهة الإفساد، قاله العلماء، وقال الإمام أبو حامد الغزاليُّ في «الإحياء»: (واعلم أنَّ النَّمِيمَة تُطلق في الأكثر على مَنْ ينمُّ قول الغير إلى المَقول فيه، وليست النَّمِيمَة مخصوصة بهذا، بل حَدُّ النَّمِيمَة كشف ما يُكرَه كشفه، سواء كرهه المقول عنه أو المنقول إليه أو ثَالِث، وسواء كان الكشف بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء، فحقيقة النَّميمة إفشاء السِّرِّ وهتك السِّتر عمَّا يُكرَه كشفُه، فلو رآه يُخفي مالًا لنفسه فذكره؛ فهو نميمة) قال: (وكلُّ من حُمِلت إليه نميمة؛ فعليه ستَّة أمور: لا تصدِّقه؛ لأنَّ النَّمام فاسق، الثَّاني: أنْ تنهاه، الثَّالث: أنْ تُبغضه في الله، الرَّابع: ألَّا تظنَّ بأخيك الغائب السُّوء، الخامس: ألَّا يحمله ما حُكي له على التَّجسُّس والبحث عن ذلك، السَّادس: ألَّا يرضى لنفسه ما نهى عنه النَّمَّام؛ فلا يحكي نميمة عنه) انتهى ملخَّصًا، كلُّ ذلك إذا لَمْ يكن فيها مصلحة شرَّعَيَّة، فإنْ دعت حاجة إليها؛ فلا منع منها، والله أعلم.

قوله: (ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ [12] ): رأيت بخطِّ بعض الفُّضلاء: (أنَّ الآتي بها أبو بكرة [13] رضي الله عنه، رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، وهو في «مسند أحمد» أيضًا) انتهت، وأمَّا الآتي في غزوة بواط بالغصنين؛ فهو جابر، كما هو مُصرَّح به في آواخر «مسلم».

[قوله: (كِسْرَتَيْنِ): هي بكسر الكاف؛ أي: قطعتين] [14] .

قوله: (لَعَلَّهُ..) إلى آخره: قال شيخنا الشَّارح: (قد حصل مَا ترجَّاه، فأورقا من ساعتهما، ففرح [15] بذلك، وقال: «رُفِع عنهما العذابُ بشفاعتي [16] ») انتهى.

وقال النوويُّ في «شرح مسلم»: (وأَمَّا وَضْعه صلَّى الله عليه وسلَّم الجَريد على القَبْرين؛ فقال العلماء: هو محمول على أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم سأل الشَّفاعة لهما، فأجيبت شفاعته صلَّى الله عليه وسلَّم بالتخفيف عنهما إلى أنْ يَبِسَا، وذكر مُسْلِم في آخر الكتاب في الحَدِيث الطَّويل في صاحبي القبرين: «فَأُجِيبَتْ [17] شَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ [18] عنهُمَا ذَلِكَ مَا دَامَ القَضِيبَانِ رَطْبَيْنِ»، وقيل: يحتمل أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان يدعو لهما تلك [19] المدَّة، وقيل: لكونهما يسبِّحان ما داما رَطْبَين، وليس لليابس تسبيح، وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسِّرين في قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] ، قالوا: معناه: وإنْ مِنْ شيءٍ حيٍّ، ثُمَّ قالوا: وحياة كلِّ شيء بحسبه، والمحقِّقون من المفسِّرين وغيرهم أنَّه على عمومه، وتسبيحه حقيقة لا مجاز، قاله المحقِّقون) انتهى ملخَّصًا ببعض تلخيص.

قوله: (مَا لَمْ يَيْبَسَا أَوْ إلى أَنْ يَيْبَسَا): ظاهره شكٌّ من الرَّاوي، (يَيْبِسَا) ؛ بمثنَّاتين تحتُ، ثمَّ موحَّدة، مفتوح الأوَّل، ساكن الثَّاني، مفتوح الثَّالث، ويجوز كسره، وفي أصلنا الآن: بمثنَّاة فوقُ، ثُمَّ مثنَّاة تحتُ، ثُمَّ موحَّدة، والله أعلم.

[1] زيد في (ب): (ابن حنبل) .
[2] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[3] في (ب): (على) .
[4] زيد في (أ) و (ب): (وقد تقدَّم ذلك أعلاه) ، والصواب حذفها؛ إذ قد كُتِب ذلك سابقًا في (أ) ، ثمَّ جعل عليها علامة الزيادة.
[5] (تقدم قريبًا): ليس في (ج) .
[6] (بشفاعتي): ليس في (ج) .
[7] (وبالمثلَّثة): ليس في (ج) .
[8] في (ج): (امرأة) ، وليس بصحيح.
[9] في (ج): (بغيرهما) .
[10] في (ب): (كبير) .
[11] في هامش (ق): (أي: لا يتوارى، وفي موضعٍ: يستر) .
[12] في (ج): (جريدة) .
[13] في (ج): (بكر) .
[14] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[15] زيد في (ب): (من ساعتهما) .
[16] في (ب): (لشفاعتي) .
[17] في (ج): (فأجيب) ، وفي «مسلم»: (فأحببت) .
[18] في (ب): (يرقد) ، وفي (ج): (ترقد) ، وكلاهما تحريف.
[19] في (ج): (بذلك) .





216- (فِي قُبُورِهِمَا): لهما قبرانِ لا قبورٌ، لكن هو كقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] .

قال المالكيُّ في «الشواهد»: (عُلِمَ مِنْ إضافة الـ«صَوْت» إلى «إِنْسَانَيْنِ» جوازُ إفرادِ المضافِ المثنَّى معنًى إذا كان جزءَ ما أُضيفَ إليه ؛ نحو: «أكلتُ رأس شاتين»، وجمعُه [1] أجودُ؛ كما في {قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، والتَّثنيةُ مع أصالتها قليلةُ الاستعمال، وإنْ لم يكن المضافُ جزءَه؛ فالأكثرُ مجيئُه بلفظ التثنية؛ نحوُ: «سَلَّ الزيدان [2] سيفيهما»، وإِنْ أُمِنَ اللَّبْسُ؛ جاز جَعْلُ المضافِ بلفظ الجمعِ، وفي: «يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا» شاهدٌ عليه، وكذا قولُه عليه السَّلام لعليٍّ رضي الله عنه: «إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا» [خ¦3113] ).

(فِي كَبِيرٍ): (فِي) هنا للسَّببيَّة، وقال ابنُ مالكٍ في قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ...» [خ¦2365] : (تضمَّن هذا الحديث استعمال «فِي» دالَّةً على التَّعليل، وهو ممَّا خَفِيَ على أكثرِ النَّحْويِّين مع وُرُودِه في القرآن، والحديث، والشِّعر القديم؛ فمِنَ الواردِ في القرآن: قولُه تعالى: {لمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} [الأنفال: 68] ، {لمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ} [النور: 14] ، ومِنَ الواردِ في الحديث: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ» [خ¦2365] ، «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» [خ¦216] ، ومِنَ الواردِ في الشِّعر القديم قولُ جميلٍ: [من الطويل]

~ فَلَيْتَ رِجَالًا فِيْكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنَ لَقُونِي

(لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ): شبَّه (لَعَلَّ) بـ (عَسَى) فأتى بـ (أَنْ) في خبرِه.

قال المالكيُّ: (روي: «يُخَفَّفَ عَنْهَا» على التَّوحيد والتَّأنيث، وهو ضمير النَّفس، وجاز إعادةُ الضَّميرين في «لَعَلَّهُ» و«عَنْهَا» إلى الميت باعتبار كونِه إنسانًا، وكونِه نَفْسًا، ويجوزُ كونُ الهاء في «لَعَلَّهُ» ضميرَ الشَّأن، وكونُ الضَّمير في «يُخَفَّفَ عَنْهَا» ضميرَ النَّفس، وجاز تفسيرُ ضميرِ الشَّأن بـ«أَنْ» وصلتِها مع أنَّهما في تقدير مصدرٍ؛ لأنَّهما في حكمِ جُملةٍ؛ لاشتمالهما [3] على مُسنَدٍ ومُسنَدٍ إليه؛ ولذلك سدَّت مسدَّ مفعولي «حَسِبَ» و«عَسَى» في نحو: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} [البقرة: 214 وآل عمران: 142] ، وفي {عَسَى أَنْ تَكرهوا شيئًا} [البقرة: 216] ، ويجوز في قول الأخفش أن تكون «أَنْ» زائدةً مع كونها ناصبة؛ كزيادة «الباء» و«مِنْ» مع كونهما جارَّتين).

أقول: ويَحتمل أن يكونَ الضَّميرُ مبهمًا يفسِّرُه ما بعدَه، ولا يكونَ ضميرَ الشَّأن؛ كقوله: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الجاثية: 24] .

(ومِن تفسيرِ ضميرِ الشَّأن بـ«أَنْ» وصلتها: قولُ عمرَ رضي الله عنه: «فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ» [خ¦4454] ).

[1] في (ب): (وجهه)، والصواب الموافق لمصدره ما أثبت من (أ).
[2] في (ب): (الزايدان).
[3] في (أ) و(ب): (أنها... لأنها... لاشتمالها)، ولعلَّ الصَّواب المثبت.





216- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) بن أبي شيبة، الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ)؛ أي [1] : ابن جَبْرٍ؛ بفتح الجيم وسكون المُوَحَّدة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَائِطٍ)؛ أي: بستانٍ من النَّخل [2] عليه جدارٌ (مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ) شكَّ جريرٌ، وعند المؤلِّف في «الأدب المُفرَد»: ((من حيطان المدينة))؛ بالجزم من غير شَكٍّ، ويؤيِّده رواية الدَّارقُطنيِّ في «أفراده» من حديث جابرٍ: أنَّ الحائط كان [3] لأمِّ مبشِّرٍ [4] الأنصاريَّة رضي الله عنها؛ لأنَّ حائطها كان بالمدينة، وفي رواية الأعمش: ((مرَّ بقبرين)) (فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ) حال كونهما (يُعَذَّبَانِ) حال كونهما (فِي قُبُورِهِمَا) عبَّر بالجمع في موضع التَّثنية؛ لأنَّ استعمالها في مثل هذا قليلٌ وإن كانت هي الأصل؛ لأنَّ المُضاف إلى المُثنَّى إذا كان جزء ما أُضيف إليه؛ يسوغ فيه الإفراد؛ نحو: أكلت رأس شاتين، والجمع أجود؛ نحو: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] ، وإن كان غير جزئه؛ فالأكثر مجيئه بلفظ التَّثنية؛ نحو: سلَّ [5] الزَّيدان سيفهما، وإن أُمِن اللَّبس؛ جاز جعل المُضاف بلفظ الجمع، كما في قوله: في «قبورهما»، وقد تجتمع [6] التَّثنية والجمع في نحو: [من الرَّجز] :

ظهراهما مثل ظهور التُّرسين

قاله ابن مالكٍ، ولم يُعرَف اسم المقبورين ولا أحدهما، فيحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام لم يسمِّهما؛ قصداً للسَّتر عليهما، وخوفًا من الافتضاح، على عادة ستره وشفقته على أمَّته صلى الله عليه وسلم، أو سمَّاهما؛ ليحترز [7] غيرهما عن مُباشَرة ما باشراه، وأبهمهما الرَّاوي عمدًا [8] ؛ لما مرَّ، (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يُعَذَّبَانِ) أي: صاحبا القبرين [/ج1ص286/] (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) تَرْكُه عليهما (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (بَلَى) إنَّه كبيرٌ [9] من جهة المعصية، ويحتمل أنَّه عليه الصلاة والسلام ظنَّ أنَّ ذلك غير كبيرٍ، فأُوحِي إليه في الحال بأنَّه كبيرٌ فاستدرك، وقال البغويُّ وغيره _ورجَّحه ابن دقيق العيد وغيره_: إنه [10] ليس بكبيرٍ في مشقَّة الاحتراز؛ أي: كان لا يشقُّ عليهما الاحتراز عن ذلك، والكبيرة: هي الموجبة للحدِّ، أو ما فيه وعيدٌ شديدٌ، وعند ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «يُعذَّبان عذابًا شديدًا في ذنبٍ هيِّنٍ»، (كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) بمُثنَّاتين فوقيَّتين؛ الأولى: مفتوحةٌ، والثَّانية: مكسورةٌ؛ من: الاستتار؛ أي: لا يجعل بينه وبين بوله سترةً؛ أي: لا يتحفَّظ منه، وهي بمعنى [11] رواية مسلمٍ وأبي داود من حديث الأعمش: «يستنزه»؛ بنونٍ ساكنةٍ، بعدها زايٌ، ثمَّ هاءٌ، من التَّنزُّه؛ وهو الإبعاد، ولا يُقال: إنَّ معنى «لا يستتر» يكشف عورته؛ لأنَّه يلزم منه أنَّ مُجرَّد [12] كشف العورة [13] سببٌ للعذاب المذكور لا اعتبار البول، فيترتَّب العذاب على مُجرَّد الكشف، وليس كذلك، بلِ الأقرب حمله على المجاز، ويكون المُرَاد بالاستتار: التَّنزُّه عن البول والتَّوقِّي منه، إمَّا بعدم [14] مُلابسَته وإمَّا بالاحتراز [15] عن مفسدةٍ تتعلَّق به؛ كانتقاض الطَّهارة، وعبَّر عن التَّوقِّي بالاستتار مجازًا، ووجه العلاقة بينهما: أنَّ التَّستُّر عن الشَّيء فيه بُعدٌ عنه واحتجابٌ، وذلك شبيهٌ بالبعدِ عن مُلابسة البول، وإنَّما رجح المجاز وإن [16] كان الأصل الحقيقة؛ لأنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ للبول بالنِّسبة إلى عذاب القبر خصوصيَّةً، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرِّح بهذه الخصوصيَّة أَوْلى، وأيضًا فإنَّ لفظة «من» لمَّا أُضيفَت إلى «البول»، وهي؛ لابتداء الغاية حقيقةً، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازًا؛ تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول؛ بمعنى: أنَّ ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حُمِل على كشف العورة؛ زال هذا المعنى، وفي رواية ابن عساكر: ((لا يستبرئ))؛ بمُوحَّدةٍ ساكنةٍ، من الاستبراء؛ أي: لا يستفرغ جهده بعد فراغه منه، وهو [17] يدلُّ على وجوب الاستنجاء؛ لأنَّه لمَّا عُذِّب على استخفافه بغسله وعدم التحرُّز منه؛ دلَّ على أنَّ [18] من ترك البول في مخرجه ولم يستنج منه أنَّه [19] حقيقٌ بالعذاب، (وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) «فَعِيلَةٌ»، من: نمَّ الحديث ينمُّه [20] ؛ إذا نقله عن المتكلِّم به إلى غيره، وهي حرامٌ بالإجماع إذا قصد بها الإفساد بين المسلمين، وسبب كونهما كبيرين [21] : أنَّ عدم التَّنزُّه من البول يلزم منه بطلان الصَّلاة، وتركها كبيرةٌ بلا شكٍّ، والمشيُ بالنَّميمة من السَّعيِ بالفساد، وهو من أقبح القبائح، ويُجاب عن استشكال كون النَّميمة من الصَّغائر: بأنَّ الإصرار عليها المفهوم هنا من التَّعبير بـ: «كان» المقتضية له يصير حكمها حكم الكبيرة، لا سيَّما على تفسيرها بما فيه وعيدٌ شديدٌ، ووقع في حديث أبي بكرة عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: «يُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ، وبلى [22] ، وما يُعذَّبان إلَّا في الغيبة والبول»؛ بأداة الحصر، وهي تنفي كونهما كافرين؛ لأنَّ الكافر وإن عُذِّب على ترك أحكام المسلمين، فإنَّه يُعذَّب مع ذلك على الكفر بلا خلافٍ، وبذلك جزم العلاء بن العطَّار، وقال: لا يجوز أن يُقَال: إنَّهما كانا كافرين؛ لأنَّهما لو كانا كافرين؛ لم يدعُ لهما بتخفيف العذاب عنهما [23] ، ولا ترجَّاه لهما، وقد ذكر بعضهم السَّرَّ في تخصيص البول والنَّميمة بعذاب القبر؛ وهو أنَّ القبر أوَّل منازل الآخرة، وفيه نموذجُ [24] ما يقع في القيامة من العقاب والثَّواب، والمعاصي التي يُعاقَب عليها يوم القيامة نوعان: حقٌّ لله وحقٌّ لعباده، وأوَّل ما يُقضَى فيه من حقوق الله عزَّ وجلَّ الصَّلاة، ومن حقوق العباد الدِّماء، وأمَّا البرزخ؛ فيُقضَى فيه مقدِّمات هذين الحقَّين ووسائلهما، فمُقدِّمة الصَّلاة الطَّهارة من الحدث والخَبَث، ومقدِّمة الدِّماء [25] النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما، (ثُمَّ دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِجَرِيدَةٍ) من جرائد [26] النَّخل؛ وهي التي ليس عليها ورق، فأُتي بها (فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ)؛ بكسر الكاف، تثنية كِسرَةٍ؛ وهي القطعة من الشَّيء المَكسور، وقد تبيَّن من رواية الأعمش الآتية _إن شاء الله تعالى_ [خ¦218] : أنَّها كانت نصفًا، وفي رواية جريرٍ عنه: ((باثنتين)) (فَوَضَعَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا [27] كِسْرَةً) وفي الرِّواية الآتية: ((فغرز)) [خ¦218] ، وهو يستَلزِم الوضع دون [/ج1ص287/] العكس (فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولابن عساكر: ((فقيل: يا رسول الله)) (لِمَ فَعَلْتَ هَذَا)؟ لم يعيِّن السَّائل من الصَّحابة (قَالَ صلى الله عليه وسلم: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ)؛ بضمِّ أوَّله وفتح الفاء؛ أي: العذاب، وهاء «لعلَّه» ضمير الشَّأن، وجاز تفسيره «بأنَّ» وصلتها؛ لأنَّها في حكم جملةٍ؛ لاشتمالِها على مُسنَدٍ ومُسنَدٍ إليه، ويُحتَمل أن تكون زائدةً مع كونها ناصبةً؛ كزيادة الباء مع كونها جارَّةً، قاله ابن مالكٍ، ويقوِّي الاحتمال الثَّاني حذف «أنْ» في الرِّواية الآتية؛ حيث قال: ((لعلَّه يخفَّف)) (عَنْهُمَا)؛ أي: المعذَّبين (مَا لَمْ تَيْبَسَا)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة بالتَّأنيث؛ باعتبار عود الضَّمير فيه إلى «الكسرتين»، وفتح المُوَحَّدة من باب «علم يعلم»، وقد تُكسَر، وهي لغةٌ شاذَّةٌ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((إلَّا أن تيبسا [28] ))؛ بحرف الاستثناء، وللمُستملي: ((إلى أن ييبسا))؛ بـ: «إلى» التي للغاية، والمُثنَّاة التَّحتيَّة بالتَّذكير؛ باعتبار عود الضَّمير إلى العُودين؛ لأنَّ الكسرتين هما العُودان [29] ، و«ما»: مصدريَّة زمانيَّة؛ أي: مدَّة دوامهما إلى زمن اليبس المحتمل تأقيته بالوحي، كما قاله المازريُّ [30] ، لكن تعقَّبه القرطبيُّ: بأنَّه لو كان بالوحي؛ لَمَا [31] أتى بحرف التَّرجِّي، وأُجيب: بأنَّ «لعلَّ» هنا للتَّعليل، أو أنَّه يشفع [32] لهما في التَّخفيف هذه المدة، كما صرَّح به في حديث جابرٍ، على أنَّ القصَّة واحدة كما رجَّحه النَّوويُّ، وفيه نظرٌ؛ لما في حديث أبي بكرةٍ عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ: أنَّه الذي أتى بالجريدة إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّه الذي قطع الغصنين، فدلَّ ذلك على المُغايَرة، ويؤيِّد ذلك أنَّ قصَّة الباب كانت بالمدينة، وكان معه عليه الصلاة والسلام جماعةٌ، وقصَّة جابرٍ كانت في السَّفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابرٌ وحدَه، فظهر التَّغاير بين حديث ابن عبَّاسٍ وحديث جابرٍ، بل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرويِّ في «صحيح ابن حبَّان» ما يدلُّ على الثَّالثة، ولفظه: أنَّه صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرٍ [33] ، فوقف، فقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل إحداهما عند رأسِه، والأخرى عند رجليه، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في باب: «وضع الجريدة على القبر» من «كتاب الجنائز» [خ¦1361] .

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ودارميٍّ ومكِّيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف هنا عن جريرٍ عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وفي الآتية: عن الأعمش _كمسلمٍ_ عن مجاهدٍ عن طاووسٍ عن ابن عبَّاسٍ [خ¦218] ، فأسقط المؤلِّف طاووسًا [34] الثَّابت في الثَّانية من الأولى، فانتقد عليه الدَّارقُطنيُّ ذلك، كما سيأتي مع الجواب عنه في الباب اللَّاحق إن شاء الله تعالى، وقد أخرج المؤلِّف الحديث أيضًا في «الطَّهارة» في موضعين [خ¦218] ، وفي الجنائز [خ¦1361] ، وفي [35] «الأدب» [خ¦6055] و«الحج»، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطهارة»، وكذا النَّسائيُّ فيه [36] أيضًا وفي «التَّفسير» و«الجنائز».

[1] في (د): «هو».
[2] في (د): «النَّخيل».
[3] في (م): «كانت».
[4] في (ص): «بشر».
[5] في (ص): «يسئل»، وهو تحريفٌ.
[6] في (د) و(ص): «تجمع»، وفي (م): «يجمع».
[7] في (د): «لينزجر»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمُثبَت.
[8] «عمداً»: سقط من (ص).
[9] في (م): «كبيرةٌ».
[10] في غير (ب) و(س): «أي».
[11] في (ص) و(م): (معنى».
[12] «مُجرَّد»: سقط من (م).
[13] في (م): «عورته».
[14] في (ص): «بُعْد».
[15] في (ص): «أو لاحتراز».
[16] «إن»: ليست في (م).
[17] في (م): «هذا».
[18] في غير (ب) و(س): «أنَّه».
[19] «أنَّه»: سقط من (س).
[20] في (د): «ينميه»، وفي (ص) و(م): «تنمية»، وهو تحريفٌ.
[21] في (ب) و(س): «كبيرتين».
[22] في (د): «بلى».
[23] «عنهما»: سقط من غير (ب) و(س).
[24] في (د): «أنموذج».
[25] في (ص): «العباد».
[26] في (ب) و(س): «جريد».
[27] في غير (ب) و(س): «منها».
[28] في غير (ب) و(س): «ييبسا».
[29] في (م): «لا إلى الكسرتين، وهما عودان».
[30] في (د): «المازنيُّ»، وهو تحريفٌ.
[31] «لَمَا»: ليست في (م).
[32] في (د) و(م): «شفع».
[33] في (م): «بقبرين».
[34] في (ص) و(م): «منصور»، وهو خطأٌ.
[35] «في الجنائز و»: سقط من (م).
[36] في (ب) و(س): «فيها».





216- ( بِحَائِطٍ ) أي: بستان.

( مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ ): شكَّ ابن جرير وجزم في «الأدب» [خ:6055] [/ج1ص340/]بالأوَّل، وفي «الأفراد» للدَّارقطنيِّ من حديث جابر أنَّ الحائط كان لأمِّ مُبَشِّر الأنصاريَّة.

( وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، ثمَّ قَالَ: بَلَى ) أي: وإنَّه لكبير كما صرَّح به في «الأدب»، [خ:6055] والمعنى: أنَّه ليس بكبير في مشقَّة الاحتراز وفيما عند النَّاس، وهو كبير في الذُّنوب وفيما عند الله، كقوله: { وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } [النور:15] ، وقيل: ضمير و«إنَّه» عائد إلى النَّميمة فقط، وقيل: إلى العذاب لما في «صحيح ابن حبَّان»: «يعذَّبان عذابًا شديدًا في ذنب هيِّن».

( لاَ يَسْتَتِرُ ): من الاستتار، ولابن عساكر: «يستبرىء» من الاستبراء، ولمسلم: «يستنزه» من الاستنزاه بالزَّاي والهاء، وهو المتُنزِّهُ من ملاقاة البول، ولأبي نعيم: «لا يتوقَّى»، والمراد برواية: (لا يستتر ): لا يجعل بينه وبين بوله سترة، يعني: لا يتحفَّظ منه ليوافق سائر الرِّوايات.

( النَّمِيمَةِ ): نقل كلام النَّاس على وجه الإفساد.

( بِجَرِيدَةٍ ) وفي لفظ: «بعسيب رطب».

( كِسْرتين ) بكسر الكاف، أي: قطعتين.

( يُخفَّف ) بالبناء للمفعول.

( ما لم تَيْبَسَا ) بالفوقيَّة أوَّله؛ أي: الكسرتان، وللمُسْتملي: «إلى أن ييبسا» بالتَّحتيَّة أوَّله، أي: العودان، وللكُشْمِيهنيِّ: «إلَّا أن ييبسا» بحرف الاستثناء.

والحكمة في ذلك: أنَّ الرَّطب يسبِّح فيحصل التَّخفيف ببركة التَّسبيح.

وقال الطِّيبيُّ: الحكمة في ذلك غير معقولة.

وقد اختلف في المقْبُورَينِ: هل هما كافران أو مسلمان ؟ والصَّواب الأوَّل، وبه جزم أبو موسى المدينيُّ، بدليل قصر تخفيف العذاب على مدَّة رطوبة الكسرتين، ولو كانا مسلمين لقُبِلَتِ الشَّفاعة منه صلَّى الله عليه وسلَّم في حقِّهما أبدًا، والشَّفاعة منه في التَّخفيف عن الكافر غير مستنكر بدليل قصَّة أبي طالب، فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لفرط رحمته لما سمع صوتهما لم يَستَجِزْ أن يجاوزهما لما عنده من [الرَّحمة] [1] حتَّى يفعل الممكن من طلب التَّخفيف فيشفع لهما إلى المدَّة المذكورة. [/ج1ص341/]

وما وقع في «تذكرة القرطبيِّ» من أنَّ أحدهما فلان، وسمَّى رجلًا جليلًا؛ [فهو باطل] [2] لا يحلُّ ذكره إلَّا لبيان بطلانه. [/ج1ص342/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (الرأفة)
[2] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





56/216# قال الإمام أبو عبد الله: حدَّثني عُثْمانُ، قالَ: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن مُجاهِدٍ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحائطٍ مِنْ حِيطانِ مكَّة أو المَدِينَةِ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسانَيْنِ [1] يُعَذَّبانِ في قُبُورِهِما، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «يُعَذَّبانِ، وَما يُعَذَّبانِ في كَبِيرٍ [2] ». ثُمَّ [3] قالَ: «بَل [4] كان أَحَدُهُما لَا يستتر [5] مِنْ بَوْلِهِ، وَكانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعا بِجَرِيدَةٍ، فَـُكَسَرَها كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ علىَ كُلِّ قَبْرٍ منهما [6] كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذا؟ قالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفَ عَنْهُما [7] ما لَمْ يَيْبَسا»، أَوْ: «إِلَّا [8] أَنْ يَيْبَسا».

قوله: (يُعذبان في كبير) معناه: أنَّ التَّنَزُّه من البول، وتركَ النميمة غير كبيرين ولا شاقَّين [9] على فاعلهما، ولم يُرِدْ أنَّ المعصية فيما أتياه هيِّنة صغيرة، ألا تراه كيف استدرك المعنى في ذلك بقوله: «بَلْ [10] »؛ لئلاَّ يُتَوَهَّم أنَّ المُرادَ به تَهوينُ الأمر وتصغيرهُ، وكلمة «بل» يُستدرَكُ بها المتقدِّمُ من الكلام.

وفيه إثباتُ عذاب القبر.

وأمَّا وضعُه شَقَّ الجريدة على القبر، وقوله حين سُئل عن العِلَّة [11] في ذلك: «لعلَّه [12] يُخَفَّفُ عنهما ما لم يَيبَسا» فقد يُحتمل أن يكونَ ذلك لدُعاءٍ كان منه، ومَسْألَةٍ في التخفيف عنهما مُدَّةَ بقاء النَّدَاوة في الجريدة، وليس ذلك من أجل أنَّ في الجريدة عينِها مَعنىً يُوجبُه.

وقد قيل: إنَّ المعنى في ذلك أنَّ الرَّطْبَ منه يُسَبِّح، وليس ذلك لليابس [13] ، وقد [14] قُدِّم إلى الحسن مائدةٌ، فقيل له: يا أبا [15] سعيد، هل يُسَبِّح هذا الخشب؟ قال: كان يُسَبِّحُ، فأمَّا الآن

@%ص71%

فلا.

فيكون على [16] هذا المعنى فيه دليل على استحباب تلاوة القرآن على القبور، لأنَّه إذا كان يرجى أن يُخفَّف عن الميِّت بتسبيح الشجر فتِلاوةُ القرآن أعظم رجاءً وأكثرُ بركةً، والله أعلم [17] .

[1] في (ط): (النسائين) تصحيفاً.
[2] في (ط): (من كبير).
[3] (ثم) ليست في (ط).
[4] في النسخ الفروع: (بلى).
[5] هكذا في النسخ كلها إلا (ر): (لا يستنثر)، وصححت في الأصل إلى: (يستنزه).
[6] في (ف): (منها) وفوقها كتب الناسخ (منهما).
[7] في (ط): (فيهما).
[8] في (ر) و (ف): (إلى) وفي (أ): (أن لا).
[9] في النسخ الفروع: (غير كبير ولا شاق).
[10] في النسخ الفروع: (بلى).
[11] في (ط): (عن العلم).
[12] في الأصل (لعلة) وفي (ط): (فعلم) والمثبت هو الصواب.
[13] في (أ): (كاليابس).
[14] (قد) سقطت من (ط)
[15] في (ف): (يابا).
[16] قوله: (على) زيادة من (ط).
[17] (والله أعلم) ليست في (ط).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

216# قوله: (بِحَائِطٍ [مِنْ حِيطَانِ] الْمَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ): على الشَّكِّ.

أمَّا (النَّمِيْمَة): هي نقل كلام النَّاس بعضهم إلى بعض على وجه الفساد.

قوله: (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ): أي: عندهما وهو عند الله كبير، وإليه يرشد قوله: «بلى»؛ أي: بلى إنَّه كبير عند الله.

وقوله: (لَعَلَّهُ [أَنْ] يُخَفَّفَ عَنْهُمَا): قيل: إنَّ صاحب هذين القبرين كانا من غير أهل القبلة.

فيه: إثبات عذاب القبر، ويحثُّ على الاستنثار من البول، وإذا كان [1] الشَّجر الأخضر يسبِّح ويرفع عن الميِّت عذاب القبر؛ فقراءة القرآن عند القبر أنفع وأجلُّ وأعظم من الجريد وغيره.

[1] زيد في (أ) و(ب): (تسبيح).





216- وبه قال: ((حدثنا عثمان)) : هو ابن أبي شيبة الكوفي ((قال: حدثنا جَرير)) ؛ بفتح الجيم: هو ابن عبد الحميد، ((عن منصور)) : هو ابن المعتمر، ((عن مُجاهد)) ؛ بضم الميم: ابن جَبر _بفتح الجيم وسكون الموحدة_ الإمام في التفسير، وهذا الحديث رواه الأعمش عن مجاهد، فأدخل بينه وبين ابن عباس طاووسًا، كما يأتي عن قريب أن المؤلف أخرجه هكذا، وإخراجه بهذين الوجهين يقتضي أن كليهما صحيح عنده، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاووس عن ابن عباس، وسمعه أيضًا من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيد ذلك أن في سياق مجاهد عن طاووس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معًا، وقال الترمذي: (رواية الأعمش أصح) ، وقال الترمذي في «العلل»: (سألت محمدًا أيهما [1] أصح؟ فقال: الأعمش أصح) ، فإن قيل: إذا كان حديث الأعمش أصح؛ فَلِمَ لمْ يخرجه وخرج الذي هو غير صحيح؟ قلت له: كلاهما صحيح، فحديث الأعمش أصح، فالأصح يستلزم الصحيح، كما لا يخفى، ويؤيده: أن شعبة بن الحجاج رواه عن الأعمش كما رواه منصور ولم يذكر طاووسًا، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر.

قلت: ولا مانع من جعلهما حديثين مستقلين لا سيما مع الاختلاف في كثير من المسند وألفاظ المتن، فيكون هذا رواه مجاهد عن ابن عباس بدون واسطة، والآتي رواه عنه بواسطة طاووس؛ فتأمل.

((عن ابن عباس)) رضي الله عنهما: أنَّه ((قال: مرَّ النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم بحائط)) ؛ بالحاء والطاء المهملتين؛ أي: بستان من النخل إذا كان عليه جدار، ويجمع على حيطان وحوائط، وأصله: حواوط؛ بالواو، قلبت ياء؛ لأنَّه من الحوط؛ وهو الحفظ والحراسة، والبستان إذا عمل حواليه جدران؛ يحفظ من الداخل، لا يسمى البستان حائطًا إلا إذا كان عليه جدران، ((من حيطان المدينة)) المنورة، وعند المؤلف في (الأدب) ، ولفظه: (خرج رسول الله عليه السلام من حيطان المدينة) ، وبين هذه وبين ما هنا منافاة، أجاب في «عمدة القاري»: (بأن معناه: أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مرَّ به، وفي «أفراد الدارقطني» من حديث جابر: «أن الحائط كان لأم مبشر الأنصارية») انتهى، ((أو مكة)) : شك من جرير، وأخرجه المؤلف في (الأدب) : (من حيطان المدينة) ؛ بالجزم من غير شك، ويؤيده رواية الدارقطني؛ لأنَّ حائط أم مبشر كان بالمدينة، وإنما عرَّف (المدينة) ولم يعرِّف (مكة) ؛ لأنَّ مكة عَلَم، فلا يحتاج إلى التعريف، والمدينة اسم جنس، فعرفت بالألف واللام؛ ليكون معهودًا عن مدينة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: هذا الحديث رواه ابن عباس، وعلى تقدير كون هذه في مكة على ما دل عليه السند كيف يتصور هذا؟ وكان ابن عباس عند هجرة النبي عليه السلام من مكة ابن ثلاث سنين، فكيف ضبط ما وقع في مكة؟

الجواب فيه من وجوه؛ الأول: أنه يحتمل وقوع هذه القضية بعد مراجعة النبي عليه السلام إلى مكة سنة الفتح أو سنة الحج، الثاني: أنه يحتمل أنه سمع من النبي عليه السلام ذلك، الثالث: أنه يكون ما رواه من مراسيل الصحابة، الرابع: أنه يحتمل أن يكون ابن عباس سمع ذلك من صحابي، فأسقط ذكره من بينه وبين النبي عليه السلام، ونظائره كثيرة، وفي الحقيقة هذا داخل في الوجه الثالث، كذا قرره في «عمدة القاري»؛ فافهم.

((فسمع)) ؛ أي: النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ((صوت إنسانين)) ؛ أي: بشرين، تثنية إنسان، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والعامة تقول: إنسانة، ويجمع على أناسي، قال الله تعالى: {وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان: 49] ، وقد خفي هذا الجمع على من تصدر في زماننا؛ ليقال له أعلم العلماء وأفقه الفقهاء؛ فليحفظ، وقال الجوهري: الإنس: البشر [2] ، الواحد إِنْسي وأَنَسي؛ بالتحريك، والجمع: أناسي، وإن شئت جعلته إنسانًا، ثم جمعته أناسي، فتكون الياء عوضًا عن النُّون، وقال قوم: أصل إنسان: إنسيان على وزن (إفعلان) [3] ، فحذفت الياء؛ استخفافًا لكثير ما يجري على ألسنتهم، وإذا صغروها؛ ردوها، وقال ابن عباس: إنَّما سمي إنسانًا؛ لأنَّه عهد إليه فنسي، ويقال: من الإنس خلاف الوحشة، ويقال للمرأة أيضًا: إنسان، ولا يقال: إنسانة، والعامة تقوله، كذا في «عمدة القاري»، ((يعذبان)) : جملة وقعت حالًا من (إنسانين) أو صفة لهما ((في قبورهما)) ؛ أي: حال كونهما يعذبان وهما في قبورهما، وإنما قال: (في قبورهما) مع أن لهما قبرين؛ لأنَّ في مثل هذا استعمال التثنية قليل، والجمع أجود، كما في قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، والأصل فيه: أن المضاف إلى المثنَّى إذا كان جزء ما أضيف إليه، يجوز فيه الإفراد والجمع، ولكن الجمع أجود؛ نحو: أكلت رأس الشاتين، وإن كان غير جزئه؛ فالأكثر مجيؤه بلفظ التثنية؛ نحو: سلَّ الزيدان سيفيهما [4] ، وإن أمن اللبس؛ جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، كما في قوله: (في قبورهما) ، وقد يجتمع التثنية والجمع في قوله: ظهراهما مثل ظهور الترسين، وفي رواية الأعمش: (مر بقبرين) ، وزاد ابن ماجه في روايته: (بقبرين جديدين، فقال: «إنهما يعذبان») .

فإن قلت: [المعذب] ما في القبرين، فكيف أسند العذاب إلى القبرين؟

قلت: هذا من باب ذكر المحل وإرادة الحال، وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن يكون الضمير عائدًا على غير مذكور؛ لأنَّ سياق الكلام يدل عليه، ورده في «عمدة القاري»: بأن هذا ليس بشيء؛ لأنَّ الذي يرجع إليه الضمير موجود، وهو القبران، ولو لم يكن موجودًا؛ لكان لكلامه وجه، والوجه ما ذكرناه؛ فافهم.

ولم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما.

قال في «عمدة القاري»: (والحكمة في عدم بيان اسمي المقبورين ولا أحدهما[/ص188/] يحتمل أنه عليه السلام لم يبين ذلك؛ قصدًا للتستر عليهما خوفًا من الافتضاح، وهو عمل مستحسن، ولا سيما من حضرة النبي الأعظم عليه السلام الذي من شأنه الرحمة والرأفة على عباد الله تعالى، ويحتمل أنه قد بينه؛ ليحترز عنه غيره عن مباشرة ما باشر صاحب القبرين، ولكن الراوي أبهمه عمدًا، كما ذكرنا) انتهى.

قلت: ويؤيد الأول أن عادته عليه السلام الإبهام عن مثل ذلك، فإن عائشة رضي الله عنها حين أرادت شراء بريرة وشرطوا عليها الولاء؛ فأخبرت بذلك النبي عليه السلام، فأمرها بالشراء، وصعد المنبر، وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله عز وجل...» إلى آخر القصة، فأبهم الشارط، وهذه عادته عليه السلام؛ سترًا على أمَّته.

فإن قلت: قد ذكر القرطبي عن بعضهم: أن أحدهما كان سعد بن معاذ رضي الله عنه.

قلت: قد ردَّه في «عمدة القاري»: (بأن هذا قول فاسد لا يُلتَفَتُ إليه، ومما يدل على فساده أنَّ النبي الأعظم عليه السلام حضر جنازته كما ثبت في «الصحيح»، وسماه النبي عليه السلام سيدًا، حيث قال لأصحابه: «قوموا إلى سيدكم»، وقال: «إن حكمه وافق حكم الله تعالى»، وقال: «إن عرش الرحمن اهتز لموته»، وغير ذلك من مناقبه العظيمة، وقد حضر النبي عليه السلام دفن المقبورين دل عليه حديث أبي أمامة رواه أحمد، ولفظه: أنه عليه السلام قال لهم: «من دفنتم اليوم ههنا؟»، ولم ينقل عنه [5] عليه السلام ما ذكره القرطبي عن البعض، فدل ذلك على بطلانه في هذه القضية) انتهى.

((فقال النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: يُعَذَّبان)) ؛ أي: الإنسانين، وفي حديث أبي بكرة من «تاريخ المؤلف» بسند جيد: مر النبي عليه السلام بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أمَّا أحدهما؛ فيُعَذَّبُ في البول، وأمَّا الآخر؛ فيُعَذَّب في الغيبة»، وفي حديث أبي هريرة من «صحيح ابن حبان»: مر عليه السلام بقبر، فوقف عليه، وقال: «ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه يخفف عنه بعض عذاب القبر»، وهو عند أبي موسى بلفظ: «قبرين؛ رجل لا يتطهر من البول، وامرأة تمشي بالنميمة»، وعند ابن أبي شيبة من حديث يعلى بن شبابة: مر عليه السلام بقبر يُعذَّب صاحبه، فقال: «إن هذا القبر يُعَذَّبُ صاحبهُ في غير كبير»، ولمَّا ذكره البرقي في «تاريخه»؛ فقال: «قبرين؛ أحدهما: يأكل لحوم الناس ويغتابهم، وكان هذا لا يتقي بوله»، وفي حديث الأعمش عن جابر: دخل النبي عليه السلام حائطًا لأبي مبشر، فإذا بقبرين؛ فدعا بجريدة رطبة فشقها، ثم وضع واحدة على أحد القبرين، والأخرى على الآخر، ثم قال: «لا يرفعان عنهما حتى يجفا»، وقال: «أمَّا أحدهما؛ فكان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يتنزه من البول»، وفي حديث أنس: مر عليه السلام بقبرين من بني النجار يعذبان في النميمة والبول، فأخذ سعفة رطبة فشقها، وجعل على ذا نصفًا، وعلى ذا نصفًا، وقال: «لا يزال يخفف عنهما العذاب ما داما رطبتين»، وورد في عذاب القبر أحاديث كثيرة، كذا في «عمدة القاري».

((وما يُعَذَّبان في كبير)) ؛ بالموحدة، و (ما) : نافية على الأظهر؛ أي: بكبير تركه عليهما إلا أنه كبير من حيث المعصية، وقيل: يحمل (كبير) على أكبر؛ تقديره: ليس هو أكبر الذنوب؛ إذ الكبائر متفاوتة، وقال القاضي عياض: إنه غير كبير عندكم؛ لقوله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ} [النور: 15] ، وذلك أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة وتركها كبيرة، وفي «شرح السنة»: (ومعنى: «وما يعذبان في كبير»: أنهما لا يعذبان في أمر كان يكبر ويشق عليهما الاحتراز عنه؛ إذ لا مشقة في الاستتار عند البول، وترك النميمة، ولم يُرِد أنهما غير كبير في أمر الدين) ، وقال المازري: (الذنوب تنقسم: إلى ما يشق تركه طبعًا؛ كالملاذ المحرمة، وإلى ما ينفر منه طبعًا؛ كتارك السموم، وإلى ما [لا] يشق تركه طبعًا؛ كالغيبة والبول) ، كذا في «عمدة القاري».

ثم قال: وفيه: أن عذاب القبر حق حتى يجب الإيمان به والتسليم له، وعلى ذلك أهل السنة والجماعة خلافًا للمعتزلة، ولكن ذكر القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة في «الطبقات»: (إن قيل: مذهبكم أدَّاكم إلى إنكار عذاب القبر، وهو قد أطبقت عليه الأمة؛ قلت: إن هذا الأمر إنَّما أنكره أولًا ضرار بن عمرو لما كان من أصحاب واصل ظنوا أن ذلك بما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان؛ أحدهما: يجوِّز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني: يقطع بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، وإنما ينكرون قول جماعة من الجهلة: إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك) ، ونحوه ذكره أبو عبيد الله المرزباني في «الطبقات»، وقال القرطبي: إن الملحدة ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه أيضًا، والإيمان به واجب لازم حسب ما أخبر به الصَّادق عليه السلام، وإن الله يحيي العبد ويرد إليه الحياة والعقل، وهذا نطقت به الأخبار، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك يكمل العقل للصغار؛ ليعلموا منزلتهم وسعادتهم، وقد جاء أن القبر ينضمُّ عليه كالكبير، وصار أبو الهذيل وبشر إلى أن من خرج عن سمة الإيمان؛ فإنه يُعَذَّبُ بين النفختين، وإأن المسألة إنَّما تقع في تلك الأوقات، وأثبت البلخي والجبائي وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه للكافرين والفاسقين، وقال بعضهم: عذاب القبر جائز، وإنه يجري على الموتى من غير رد روحهم إلى الجسد، وإن الميت يجوز أن يتألم ويحس، وهذا مذهب جماعة من الكرامية، وقال بعض المعتزلة: إن الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا؛ وجدوا تلك الآلام، وأمَّا باقي المعتزلة مثل: ضرار بن عمرو، وبشر المريسي، ويحيى بن كامل، وغيرهم؛ فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلًا، وهذه الأقوال كلها فاسدة تردُّها الأحاديث الثابتة، وإلى الإنكار أيضًا ذهب الخوارج وبعض المرجئة، ثم المُعَذَّبُ عند أهل السنة: الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إلى جسده أو إلى جزئه، وخالف في ذلك محمد بن جرير وطائفة، وقالوا: لا يشترط إعادة الروح، وهذا أيضًا فاسد، والله أعلم، انتهى.

((ثم قال)) ؛ أي: النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: ((بلى)) ؛ معناه: أي: إنَّه لكبير، وقد صرح بذلك المؤلف في رواية من طريق عبيدة بن حميد عن منصور، فقال: «وما يُعَذَّبان في كبير، وإنَّه لكبير»، وهذا من زيادات رواية منصور عن الأعمش، ومسلم لم يذكر الروايتين.

وقال الكرماني: فإن قلت: لفظ: (بلى) يختص بإيجاب النفي؛ فمعناه: بل إنهما ليُعَذَّبان في كبير، فما وجه التلفيق بينه وبين (ما يعذبان في كبير) ؟قلت: قال ابن بطال: (وما يعذبان بكبير) ؛ يعني: عندكم، (وهو كبير) ؛ يعني: عند الله تعالى، وقد ذكرناه، وقال عبد الملك البوني في قوله: «وإنَّه لكبير»: يحتمل أنه عليه السلام ظن أن ذلك غير كبير، فأوحى الله إليه في الحال بأنه كبير، وفيه نظر، قاله في «عمدة القاري».

ووجهه أنه يستلزم أن يكون نسخًا، وهو لا يدخل في الخبر.

وأجيب: بأن الخبر بالحكم يجوز نسخه، وهذا منه، وأجيب عن أصل الإيراد: بأن الضمير في (وإنَّه لكبير) الذي في الرواية الثانية يعود على العذاب؛ لما في «صحيح ابن حبان» من حديث أبي هريرة: «يُعَذَّبان عذابًا شديدًا في ذنب هين»، وقيل: إن الضمير يعود على أحد الذنبين، وهو النميمة؛ لأنَّها من الكبائر بخلاف كشف العورة، ورد: بأنه ضعيف، ومع ضعفه غير مستقيم؛ لأنَّ الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط، وأجيب: بأن (كبير) المنفي؛ بمعنى: أكبر، والمثبت واحد الكبائر، وقيل: المعنى: ليس بكبير في الصورة؛ لأنَّ تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة، وهو كبير في الذنب، وقيل: ليس بكبير في اعتقاد المخاطبين، وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز عنه، وجزم بهذا البغوي، ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة، وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، ويدل له لفظ السياق، فإنه وصف كلًّا منهما بما يدل على تجدده منه، واستمراره عليه؛ حيث إنه أتى بالمضارع بعد (كان) ، واستظهر بعضهم أن يقال: إن (ما) مصدرية، وهي وصلتها في محل رفع على الابتداء، و (في كبير) : خبره؛ أي: وتعذيبهما في كبير، وهذا معنى الرواية الصحيحة، ولا يمنع من ذلك ذكر (بل) المختصة بإيجاب النفي؛ لأنَّها تستعمل بعد الإيجاب، كما نقله الرضي؛ كقوله:

~وقد بعدت بالوصل بيني وبينها بل إن من زارَ القبورَ ليبعدا

سلمنا أنه لا بد من تقديم النفي،[/ص189/] لكنهم قد يعطون الشيء حكم ما يشبهه في لفظه، كما فعلوا في (ما) المصدرية؛ عاملوها معاملة (ما) النافية في زيادة (إن) بعدها؛ كقوله:

~ورَجِّ الفَتى لِلْخيرِ مَا إِنْ رأَيتَهُ عَلَى السِّنِ خَيرًا لا يزالُ يَزيدُ

انتهى.

وفيه: أن (بعدت) في البيت الأول فيه معنى النفي، ولعلَّه لهذا قال: (سلمنا...) إلخ، وقد ذكر بعضهم: أن (في كبير) متعلق بـ (يُعَذَّبان) الأول، وجملة: (وما يُعَذَّبان) معترضة؛ أي: بين المتعلِّق والمتعلَّق، و (ما) : استفهامية؛ للتعظيم وتأكيد للتعذيب؛ فتأمل، والله أعلم.

وقوله: ((كان أحدهما لا يستَتِر من بوله)) ؛ استئناف بيانيٌّ وتعليل لما مر؛ بفتح المثناة فوق وكسر الثانية، من السترة؛ ومعناه: لا يستر جسده ولا ثوبه من مماسَّة البول، ووقع في رواية زيادة (كان) ثانيًا، فـ (كان) الثانية تأكيد لـ (كان) الأولى أو زائدة، والظاهر: أن معناه ما في رواية ابن عساكر: (لا يستَبْرئ) ؛ بالموحدة الساكنة بعد المثناة الفوقية المفتوحة، من الاستبراء؛ وهو طلب البراءة من البول، وقيل: معناه ما في رواية مسلم وأبي داود من حديث الأعمش: (لا يستَنْزِه) ؛ بمثناة فوقية مفتوحة، ونون ساكنة، وزاي مكسورة، بعدها هاء، من التنزه؛ وهو الإبعاد، وقيل: معناه ما في رواية: (لا يستَنْثِر) ؛ بمثناة فوقية مفتوحة، ونون ساكنة، ومثلثة مكسورة، من الاستنثار؛ وهو طلب النثر؛ يعني: نثر البول عن المحل، وروي: (لا ينْتتر) ؛ بمثناتين فوقيتين بعد النُّون الساكنة، من النتر؛ وهو جذب فيه قوةوجفوة [6] ، وفي الحديث: «إذا بال أحدكم؛ فليستنثر»، وروى أبو نعيم في «المستخرج»: (كان يتوقى) ؛ بالقاف بعد الواو، لكن الظاهر أن معناه: الاستبراء، كما ذكرنا.

ففي الحديث: وجوب الاستبراء؛ أي: افتراضه، وهو حجة لإمامنا الأعظم رئيس المجتهدين، وحجة على الشافعي بقوله: إنه سنة، وذلك فإن المراد بعدم الاستتار من البول: أنه لم يطلب البراءة منه، بل تركه يجري على أفخاذه، أو يقطر على سراويله، ثم يتوضأ ويصلي، وهو على هذه الحالة كما يفعله الأتراك في زماننا، وما قيل: إن معناه: لا يستر عورته؛ بعيد؛ لأنَّ التعذيب لو وقع على كشف العورة؛ لاستقل الكشف بالسببية، فيترتب العذاب عليه دون البول مع أن الحديث ظاهر في دلالته على اعتبار البول في السببية لعذاب القبر، كالحديث الذي صححه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعًا: «أكثر عذاب القبر من البول»، بل المراد بالاستتار: الاستبراء، كما دلت عليه الرواية، وهو التحقيق، ويكون الاحتراز عن مفسدة تتعلق به كانتقاض الطهارة، كما ذكرنا، وعبر بالاستتار مجازًا عن الاحتراز؛ لأنَّ المستتر عن الشيء بعيد عنه، ومحتجب وهو شبيه بالبعد عن ملابسة البول، وأيضًا فـ (من) لما أضيفت إلى البول وهي لابتداء الغاية حقيقة أو مجازًا؛ اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول؛ بمعنى: أن ابتداء سبب العذاب من البول، وإذا حمل على حقيقته؛ يلزم منه أن يكون سبب العذاب مجرد كشف العورة، وهو غير مراد، فتعين أن يكون المعنى ما ذكرناه، وتعين الحمل على المجاز؛ لتتفق ألفاظ الحديث على معنى واحد ولا تختلف، ويؤيده رواية أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه: (أمَّا أحدهما؛ فيُعَذَّبُ في البول) ، ومثله عند الطبراني عن أنس، وكلمة (في) : للتعليل؛ أي: يُعَذَّبُ بسبب البول.

ففي الحديث: دليل على نجاسة الأبوال مطلقًا سواء كانت من بني آدم أو غيره، ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه: أنه يعفى في النجاسة المائعة عن قدر مقعر الكف، وفي الجامدة يعفى عن قدر الدرهم؛ لما روي عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سئل عن قليل النجاسة، فقال: (مثل ظفري هذا لا يمنع) ، وظفره كان قدر الدرهم، وبهذا قال إبراهيم النخعي، وقد رخص الكوفيون في مثل رؤوس الإبر من البول؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه، وإنما كان المعفو قدر الدرهم؛ اعتبارًا للمشقة، وقياسًا على المخرجين، وسهل في البول القاسم بن محمد، ومحمد بن علي، والشعبي.

وفي «الجواهر» للمالكية: (أن البول والعذرة من بني آدم نجسان، وطاهران من كل حيوان مباح الأكل، ومكروهان من المكروه أكله) ، وقيل: بل نجسان، وعامة الفقهاء لم يخففوا من الدم إلا اليسير.

واختلف أصحاب مالك في مقدار اليسير، والأرجح أنه قدر الدرهم الكبير، وهذا أيضًا مذهب رئيس المجتهدين الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وقال الشافعي: قليل النجاسة وكثيرها سواء، لا يُعْفى عن شيء منها إلا ما لا يدركه الطرف، وفي هذا مشقة وعسر وحرج، وهو مدفوع بالنص؛ فافهم، ولا حجة له في هذا الحديث؛ لأنَّه عُذِّبَ على عدم صحة وضوئه مع نزول البول، وهو عدم الاستبراء من البول، أو لأنَّه يفعله عمدًا بغير عذر، فيبقى على بدنه من النجاسة زائدًا على قدر المعفو عنه، ولا شك أن هذا يوجب العذاب مع ما يلزم عليه من أداء الصلاة بغير طهارة، وإن تعمد ذلك؛ يخشى عليه الكفر، ويكفر عند بعض العلماء، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب».

((وكان الآخر يمشي بالنميمة)) ؛ أي: يسعى بنقلها وإفشائها بين الناس، ولهذا قال بعضهم: حقيقة النميمة: إفشاء السر وهتك الستر عما يُكْرَهُ كشفه، وفاعلها يقال له: نمام، وفي حديث الشيخين: «لا يدخل الجنة نمام»، وفي رواية: (قتات) ؛ بالقاف ومثناتين، النمام: الذي يكون مع الجمع يتحدثون حديثًا فينم عليهم، والقتات: الذي يستمع عليهم وهم لا يعلمون، ثم ينم، وعرَّفها في «عمدة القاري» بأنها هي نقل كلام الناس، وقال النووي: (هي نقل كلام الغير بقصد الإضرار) ، قلت: وتفسير الإمام في «عمدة القاري» تفسير بالأعم.

ثم إن النووي قال: (والمشي بالنميمة من أقبح القبائح) ؛ أي: من أكبر الكبائر، واعترضه الكرماني بأنه لا يصح على قاعدة الفقهاء؛ لأنَّهم يقولون: الكبيرة: هي الموجبة للحد، ولا حد على الماشي بالنميمة إلا أن يقال: الاستمرار المستفاد منه يجعله كبيرة؛ لأنَّ الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة، أو لا يريد بالكبيرة معناها الاصطلاحي.

وزعم ابن حجر: (وما نقله عن الفقهاء ليس قول جميعهم؛ لأنَّ كلام الرافعي يشعر ترجيحه؛ حيث حكى وجهين؛ أحدهما: هذا، والثاني: ما فيه وعيد شديد، قال: وهم إلى الأول أميل، والثاني أوفق) ، ورده في «عمدة القاري»: (بأنه لا وجه لتعقيبه على الكرماني؛ لأنَّه لم يميز قول الجميع عن قول البعض حتى يعترض على قوله: (على قاعدة الفقهاء) على أن الذنب المستمر عليه صاحبه وإن كانت صغيرة؛ فهي كبيرة في الحكم، وفيه وعيد؛ لقوله: «لا صغيرة مع الإصرار») انتهى، وهو جواب صحيح، وعليه جرى القسطلاني حيث قال: (ويجاب عن استشكال كون النميمة من الصغائر بأن الإصرار عليها المفهوم هنا من التعبير بـ«كان» المقتضية له يصير حكمها حكم الكبيرة) انتهى، وقد ركب العجلوني هنا متن عمياء، وخبط خبط عشواء، والصواب ما علمته؛ فليحفظ.

وإنما خص البول والنميمة بعذاب القبر؛ لأنَّ القبر أول منازل الآخرة، وفيه نموذج ما يقع في القيامة من العقاب والثواب، والمعاصي التي يُعاقَب عليها يوم القيامة نوعان: حق الله تعالى، وحق العباد، وأول ما يقضى فيه من حقوق الله: الصلاة، ومن حقوق العباد: الدماء، وأما البرزخ؛ فيقضى فيه مقدمات هذين الحقين ووسائلهما، فمقدمة الصلاة الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما.

نسأله سبحانه العفو عن ذنوبنا والستر علينا، وأن يفرج عنا وعن المسلمين، ويكشف عنا هذا الضيق والمقت والقهر إنه على ما يشاء قدير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

((ثم دعا)) ؛ أي: النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ((بجريدة)) ؛ من جريد النخل، وفي رواية الأعمش: (بعَسِيب رطب) ، وهو بفتح العين المهملة، وكسر السين المهملة، على وزن (فَعِيل) ؛ نحو: (كَرِيم) ؛ وهي الجريدة التي لم[/ص190/] ينبت فيها خوص، فإن نبت؛ فهي السعفة، وعُلم من هذا أن الجريدة هي الغصن من النخل بدون الورق، كذا في «عمدة القاري».

قيل: خص الجريد بذلك؛ لأنَّه بطيء الجفاف، والآتي بالجريدة بلال رضي الله عنه، كما في مشيخة يعقوب الفسوي من حديث أبي رافع بسند ضعيف: أن بلالًا قال: كنا مع النبي عليه السلام في جنازة؛ إذ سمع شيئًا في قبر، فقال لبلال: «ائتني بجريدة خضراء...»؛ الحديث، وقيل: الآتي بها أبو بكر الصديق كما عند أحمد والطبراني.

قلت: والظاهر أن هذه القصة غير قصة الباب؛ لأنَّه صرح فيها بقبرين، وصرح في حديث بلال بقبر واحد، وسيأتي تمامه؛ فافهم.

((فكسَرها)) ؛ بتخفيف المهملة؛ أي: بنفسه أو أمر غيره، والظاهر الأول ((كِسْرتين)) ؛ بكسر الكاف، وسكون المهملة، تثنية كسرة؛ وهي القطعة من الشيء المكسور، وقد تبين من رواية الأعمش أنه منصوب على الحال، وأنها كانت نصفًا، وفي رواية جرير عنه: (باثنتين) ، قال النووي: الباء زائدة؛ للتأكيد، وهو منصوب على الحال، كذا في «عمدة القاري».

ثم قال: (إن في متن الحديث: «ثم دعا بجريدة، فكسرها كِسْرتين»؛ يعني: أتي بها فكسرها؛ أي: فالفاء عاطفة على مقدر، وفي حديث أبي بكرة وجابر كما رواه مسلم وأحمد والطبراني أنه الذي قطع الغصنين، فهل هذه قضية واحدة أو قضيتان؟

الجواب: أنهما قضيتان، والمغايرة بينهما من أوجه؛ الأول: أن هذه كانت في المدينة، وكان مع النبي عليه السلام جماعة، وقضية جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابر وحده، الثاني: أن في هذه القضية أنه عليه السلام غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين، كما في رواية الأعمش الآتية، وفي حديث جابر: أمر عليه السلام جابرًا فقطع غصنين من شجرتين كان عليه السلام استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابرًا، فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النبي عليه السلام جالسًا، وأن جابرًا سأله عن ذلك، فقال: «مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفعه عنهما ما دام الغصنان رطبين»، الثالث: لم يذكر في قصة جابر ما كان السبب في عذابهما، الرابع: لم يذكر فيه كلمة الترجي، فدل ذلك كله على أنهما قضيتان مختلفتان، بل روى ابن حبان في «صحيحه» عن أبي هريرة: أنه عليه السلام مر بقبر، فوقف عليه، فقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، فهذا بظاهره يدل على أنَّها قضية ثالثة، فسقط بهذا كلام من ادعى أن القضية واحدة، كما مال إليه النووي والقرطبي، انتهى كلامه رحمه الله ورضي عنه، ومثله في «ابن حجر».

قلت: ويؤيد هذا الظاهر حديث أبي رافع، فإن فيه: (فسمع شيئًا في قبر، فكسرها باثنتين، وترك بعضها عند رأسه، وبعضها عند رجليه) ، وفي قصة الواحد: جعل نصفًا عند رأسه ونصفًا عند رجليه، وفي قصة الاثنين: جعل على كل قبر جريدة، ولا ريب أن هذه قضايا مختلفة في أحوال متعددة في أماكن متغايرة، فكل صحابي عبر بما رأى؛ فافهم، والله أعلم.

((فوضع)) ؛ أي: النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ((على كل قبر منهما كِسْرة)) ؛ بكسر الكاف؛ أي: واحدة؛ يعني: وضع كل كسرة منهما على ظهر القبر من جهة الرأس، وعلى الآخر كذلك، كما اعتيد في زماننا؛ لأنَّ كلمة (على) تفيد الاستعلاء، فالكسرة الموضوعة على كل قبر نصف، قال في «عمدة القاري»: (وفي رواية الأعمش: «فغرز»، والغرز مستلزم الوضع بدون العكس) انتهى.

والغرز بإزاء الرأس ثابت بإسناد صحيح، كما في «المصابيح»، وقول الزركشي: وفي رواية غندر: (نصفه عند رأسه، ونصفه عند رجليه) ، كما ذكره صاحب «الترغيب»؛ محمول على أنَّ القبر واحد؛ لما في «صحيح ابن حبان» من حديث أبي هريرة أنَّه قال: مر عليه السلام بقبر فوقف عليه، وقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ثم قال: «لعلَّه يخفف عنه بعض عذاب القبر»، لا أنه في هذه القصة، فيكون القطع حينئذ أربعًا، كما زعمه العجلوني؛ لأنَّ القضايا مختلفة في القبر والقبرين، ولأن مقصود النبي عليه السلام تخفيف العذاب ما دام الجريد رطبًا، ومع شقه أربع شقق لا يستقيم رطبًا؛ لصغر جرمه، والحر حر الحجاز؛ فافهم.

((فقيل له)) : وفي رواية: إسقاط لفظة: (له) ؛ أي: للنبي الأعظم عليه السلام: ((يا رسول الله)) : وفي رواية الأعمش: (قالوا) ؛ أي: الصحابة: ((لم فعلت هذا؟)) : الإشارة إلى وضع الجريدتين على القبرين، قال في «عمدة القاري»: (ولم يُعْلَم القائل من هو) انتهى ومثله في «ابن حجر»، قلت: وقد يقال: إن القائل له ذلك إما جابر كما في حديثه، أو بلال كما في حديثه، أو أبو بكر الصديق كما في حديثه، وكل قضية على حسبها، وهو الظاهر؛ فافهم.

((قال)) ؛ أي: النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: ((لعلَّه أنْ يخفف عنهما)) ؛ بضمير التثنية يعود إلى الإنسانين، و (يخفف) : مبني للمفعول، شبه (لعلَّ) بـ (عسى) ، فأتى بـ (أنْ) في خبره، وهو جائز، وإن كان الأكثر حذفها، كما في قوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} [طه: 44] ، وقال في «عمدة القاري»: (الرواية: «أن يخفف عنها» على التوحيد والتأنيث، وهو ضمير النفس، فيجوز إعادة الضميرين في «لعلَّه» و«عنها» إلى الميت باعتبار كونه إنسانًا وكونه نفسًا، ويجوز أن يكون الضمير في «لعلَّه» ضمير الشأن، وفي «عنها» للنفس، وجاز تفسير الشأن بـ«أن» وصلتها مع أنها في تقدير مصدر؛ لأنَّها في حكم جملة؛ لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ولذلك سدت مسد مفعولي «حسب» و«عسى» في نحو: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ} [آل عمران: 142] ، وفي: {عَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا} [البقرة: 216] ، ويجوز على قول الأخفش أن تكون «أن» زائدة مع كونها ناصبة؛ كزيادة الباء و«من» مع كونهما جارَّتين، ومن تفسير ضمير الشأن بـ«أن» وصلتها قول عمر رضي الله عنه: «فما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى ما يقلني رجلاي»، وقال الطيبي: لعلَّ الظاهر أن يكون الضمير مبهمًا يفسره ما بعده، كما في قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [المؤمنون: 37] ، وقال العلَّامة جار الله الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا ما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة إلا الحياة الدنيا، ثم وضع «هي» موضع الحياة؛ لأنَّ الخبر يدل عليها ويبينها [7] ، ومنه: هي النفس تحمل ما حملت، والرواية بتثنية الضمير في «عنهما» لا يستدعي إلا هذا التأويل) انتهى كلامه رحمه الله ورضي عنه.

ثم قال: (وهل للجريد معنى يخصه في الغرز على القبر ليخفف العذاب؟

والجواب: أنه لا لمعنى يخصه، بل المقصود أن يكون ما فيه رطوبة من أي شجر كان، ولهذا أنكر الخطابي ومن تبعه وضع الجريد اليابس، وكذلك ما يفعله أكثر الناس من وضع ما فيه الرطوبة من الرياحين والبقول ونحوهما على القبور ليس بشيء، وإنما السنة الغرز.

فإن قلت: في الحديث: «فوضع على كل قبر منهما كِسرة».

قلت: في رواية الأعمش: «فغرز»، فينبغي الغرز؛ لأنَّ الوضع يوجد في الغرز بخلاف الوضع، كما قدمناه.

فإن قيل: إنه عليه السلام قد علل غرزهما على القبر بأمر معين من العذاب، ونحن لا نعلم ذلك مطلقًا.

والجواب: أنه لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن نترك ذلك، ألا ترى أنَّا ندعو للميت بالرحمة، ولا نعلم أنه يرحم أم لا؟

فإن قلت: وهل لأحد أن يأمر بذلك لأحد أم الشرط أن يباشره بيده؟

والجواب: ظانه لا يلزم ذلك، والدليل عليه أن بريدة [بن] الحصيب [8] رضي الله عنه أوصى أن يوضع على قبره جريدتان، كما يأتي في هذا الكتاب) .

وزعم ابن حجر أنه ليس في السياق ما يقطع أنه باشر الوضع بيده الكريمة عليه السلام، بل يحتمل أن يكون أمر به، وردَّه في «عمدة القاري»: بأن هذا كلام واهٍ جدًّا، وكيف يقول ذلك وقد صرح في الحديث: (ثم دعا بجريدتين، فكسرهما، فوضع على كل قبر منهما كسرة) ؟! وهذا تصريح في أنه عليه السلام وضعه بيده الكريمة، ودعوى احتمال الأمر لغيره به بعيدة، وهذه كدعوى احتمال مجيء غلام زيد في قولك: جاء زيد، ومثل هذا الاحتمال لا يعتد به؛ فافهم، انتهى كلامه رحمه الله ورضي عنه.

((ما لم ييبَسا)) ؛ بمثناتين تحتيتين،[/ص191/] ثم موحدة، وهذه في أكثر الروايات، وفي رواية: (ما لم تيبَسا) ؛ بمثناة فوقية بعدها تحتية، ثم موحدة؛ أي: الكسرتان، وفي رواية: (إلا أن تيبَسا) ؛ بحرف الاستثناء، وفي رواية: (إلى أن ييبَسا) ؛ بكلمة (إلى) التي للغاية، ويجوز فيه التذكير والتأنيث، أمَّا التأنيث؛ فباعتبار رجوع الضمير فيه إلى الكسرتين، وأمَّا التذكير؛ فباعتبار رجوع الضمير إلى العُود؛ لأنَّ الكسرتين عودان، والباء الموحدة مفتوحة في جميع الروايات؛ لأنَّه من باب (علم يعلم) ، وفيه لغة شاذة، وهي الكسر، وكلمة (ما) : مصدرية زمانية، وأصله: لعلَّه يخفف مدة دوامهما إلى زمن اليبس، أو مدة عدم يبسهما، وذلك بسبب التبرك بأثره عليه السلام، ودعائه بالتخفيف عنهما، فكأنه عليه السلام جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًّا لما وقعت له المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الرطب معنى ليس في اليابس، وقال النووي: (قال العلماء: هو محمول على أنه عليه السلام سأل الشفاعة لهما، فأجيبت شفاعته بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا) ، وقال ابن الملقن: وقد حصل ما ترجَّاه في الحال، فأورقا في ساعتهما، ففرح بذلك، وقال: «رُفِعَ العذابُ عنهما بشفاعتي»، وقيل: يحتمل أنه عليه السلام يدعو لهما تلك المدة، وقيل: لأنَّهما يسبحان ما داما رطبين، وليس لليابس تسبيح، قالوا في قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] ؛ معناه: وإن من شيء حي، ثم حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشبة ما لم تيبس، وحياة الحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون إلى أنه على عمومه، ثم اختلفوا هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع، فيكون مسبحًا منزهًا بصورة حاله؟ وأهل التحقيق على أنه يسبح حقيقة، وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به؛ وجب المصير إليه، واستحب العلماء قراءة القرآن والأذكار عند القبر؛ لهذا الحديث؛ لأنَّه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريدة؛ فتلاوة القرآن والذكر أولى.

فإن قلت: ما الحكمة في كونهما ما داما رطبين يمنعان العذاب بعد دعوى العموم في تسبيح كل شيء؟

قلت: يمكن أن يكون معرفة هذا كمعرفة [عدد] الزبانية في أنه تعالى هو المختص بها، كذا في «عمدة القاري».

وقال المازري: (يحتمل أن يكون أوحي إليه أن العذاب يُخَفَّفُ عنهما هذه المدة) ، واعترضه القرطبي بأنه لو علم بالوحي؛ لما أتى بحرف الترجي، قال ابن حجر: (وإذا حملناها على التعليل؛ لا يرد هذا) ، قلت: وهذا الحمل فاسد، فإن النحاة أجمعوا على أن معنى (لعلَّ) : الترجي، وهو مراد النبي عليه السلام؛ بدليل أن هذه الكيفية من أخذ الجريدة وغرزها ونحوه شفاعة، وهي ترجى بلا ريب، وأما التعليل؛ فإنه معنى شاذ، على أنه إنَّما يأتي بالتعليل في مقام الجزم واليقين، وهنا المقام مقام تردد بين التخفيف وعدمه؛ فافهم.

قال في «عمدة القاري»: واختلفوا في المقبورَيْن هل كانا مسلمين أو كافرين؟

فقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المديني في كتاب «الترغيب»، واحتج على ذلك بما رواه من حديث ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال: «مر نبي الله عليه السلام على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة»، قال: هذا حديث حسن، وإن كان إسناده ليس بالقوي؛ لأنَّهما لو كانا مسلمين؛ لما كان لشفاعته عليه السلام لهما إلى أن ييبسا معنًى، ولكنه لما رآهما يعذبان؛ لم يستجز من عطفه ولطفه عليه السلام حرمانهما من ذلك، فشفع لهما إلى المدة المذكورة، ولما رواه الطبراني في «الأوسط»: «مر النبي عليه السلام على قبور نساء من بني النجار هلكن في الجاهلية، فسُمِعْنَ يُعَذَّبْنَ في النميمة»، قال: لم يروه عن أسامة إلا ابن لهيعة.

وقيل: كانا مسلمين، وجزم به بعضهم؛ لأنَّهما لو كانا كافرين؛ لم يَدْعُ عليه السلام لهما بتخفيف العذاب، ولا ترجاه لهما، ويقوي هذا ما في بعض طرق حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «مرَّ بقبرَيْن من قبور الأنصار جديدَيْن»، فإن تعددت الطرق وهو الأقرب لاختلاف الألفاظ؛ فلا بأس، وإن لم يتعدد؛ فهو بالمعنى المذكور؛ لأنَّ بني النجار من الأنصار، وهو لقب إسلامي لقبوا به؛ لنصرهم النبي عليه السلام، ولم يعرف بهما سَمِيٌّ في الجاهلية، ويقويه أيضًا ما في رواية مسلم: «فأجيبت بشفاعتي»، والشفاعة لا تكون إلا للمؤمن، وما في رواية أحمد المذكورة، فقال: «من دفنتم اليوم ههنا؟»، فهذا أيضًا يدل على أنهما كانا مسلمَيْن؛ لأنَّ البقيع مقبرة المسلمين، والخطاب لهم.

فإن قلت: لمَ لا يجوز أن يكونا كافرين، كما ذهب إليه أبو موسى، وكان دعاء النبي عليه السلام لهما من خصائصه كما في قصة أبي طالب؟

قلت: لو كان ذلك من خصائصه عليه السلام؛ لبينه، على أنا نقول: إن هذه القضية متعددة كما ذكرنا، فيجوز تعدد حال المقبورَيْن.

فإن قلت: ذكر البول والنميمة ينافي ذلك؛ لأنَّ الكافر وإن عُذِّبَ على أحكام الإسلام؛ فإنه يُعَذَّبُ مع ذلك على الكفر بلا خلاف.

قلت: لم يبين في حديث جابر المذكور سبب العذاب ما هو، ولا ذكر فيه الترجي لرفع العذاب، كما في حديث غيره، فظهر من ذلك صحة ما ذكرنا من تعدد الحال.

ورد بعضهم احتجاج أبي موسى بالحديث المذكور بأنه ضعيف كما اعترف به، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم، وليس فيه ذكر سبب التعذيب، فهو من تخليط ابن لهيعة.

قلت: هذا من تخليط هذا القائل؛ لأنَّ أبا موسى لم يصرح بأنه ضعيف، بل قال: (هذا حديث حسن وإن كان إسناده ليس بقوي) ، ولم يعلم هذا القائل الفرق بين الحسن والضعيف؛ لأنَّ بعضهم عد الحسن من الصحيح لا قسيمه، ولذلك يقال للحديث الواحد: إنه حسن صحيح، وقال الترمذي: الحسن: ما ليس في إسناده من اتُّهم بالكذب، وعبد الله بن لهيعة المصري لا يتهم بالكذب، على أن طائفة منهم قد صححوا حديثه ووثقوه؛ منهم: الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى انتهى كلامه رحمه الله ورضي الله.

والمراد بهذا القائل: ابن حجر العسقلاني، وهذا داء به يذكر الكلام مخبطًا من غير تحرير، وقد بين ذلك في «كشف الحجاب عن العوام» وفي «منهل العليل المطل»؛ فليحفظ.

قال الخطابي: فيه دليل على استحباب تلاوة الكتاب العزيز على القبور؛ لأنَّه إذا يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر؛ فتلاوة القرآن العظيم أعظم رجاء وبركة.

قال في «عمدة القاري»: (قلت: اختلف الناس في هذه المسألة؛ فذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين وأصحابه والإمام أحمد ابن حنبل رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلى وصول ثواب القرآن إلى الميت؛ لما روى أبو بكر النجار في كتاب «السنن» عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مر بين المقابر، فقرأ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} أحد عشر مرة، ثم وهب أجرها للأموات؛ أعطي من الأجر بعدد الأموات»، وفي «سننه» أيضًا عن أنس يرفعه: «من دخل المقابر، فقرأ سورة (يس) ؛ خفف الله عنهم يومئذ»، وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: قال رسول الله عليه السلام: «من زار قبر والديه أو أحدهما، فقرأ عنده أو عندهما (يس) ؛ غفر له»، وروى أبو حفص بن شاهين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه السلام: «من قال: الحمد لله رب العالمين رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، لله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله العظمة في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، هو الملك رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله النور في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، مرة واحدة، ثم قال: اللهم اجعل ثوابها لوالدي؛ لم يبق لوالديه حق إلا أداه إليهما»، وقال الثوري: المشهور عند الشافعي وجماعة أن قراءة القرآن لا تصل إلى الميت، والأخبار المذكورة حجة عليهم، ولكن أجمع العلماء على أن الدعاء ينفعهم ويصلهم ثوابه؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر: 10] ، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المشهورة؛ منها: قوله عليه السلام: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»، ومنها: قوله عليه السلام: «اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا»، وغير ذلك.

فإن قلت: هل يَبْلُغُه ثواب الصوم أو الصدقة أو العتق؟

قلت: روى أبو بكر النجار في كتاب «السنن» من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه سأل النبي عليه السلام، فقال: يا رسول الله؛

[/ص192/]

إن العاصي بن وائل كان نذر في الجاهلية أن ينحر مئة بدنة، وإن هشام بن العاصي نحر حصته خمسين، أفيجزئ عنه؟ فقال عليه السلام: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصُمْتَ عنه، أو تصدَّقْتَ عنه، أو أعتقْتَ عنه؛ بَلَغَهُ ذلك»، وروى الدارقطني: قال رجل: يا رسول الله؛ كيف أبر أَبَوَيَّ بعد موتهما؟ فقال: «إن من البر بعد البر أن تصلِّي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تصدق عنهما مع صدقتك»، وفي كتاب القاضي الإمام أبي الحسين ابن الفراء عن أنس رضي الله عنه: أنه سأل رسول الله عليه السلام، فقال: يا رسول الله؛ إنا نتصدق عن موتانا، ونحج عنهم، وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ قال: «نعم»، وعن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين: (أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كانا يعتقان عن علي رضي الله عنه) ، وفي «الصحيح»: قال رجل: يا رسول الله؛ إن أمي توفيت أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم».

فإن قلت: قال الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] ، وهو يدل على عدم وصول ثواب القرآن للميت؟

قلت: اختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال:

أحدها: أنها منسوخة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ } [الطور: 21] أدخل الآباء الجنة بصلاح الأبناء، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.

الثاني: أنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى عليهما السلام، وأمَّا هذه الأمة؛ فلهم ما سعوا أو ما سعى لهم غيرهم، قاله عكرمة.

الثالث: المراد بـ (الإنسان) : الكافر، قاله الربيع بن أنس.

الرابع: ليس للإنسان إلا ما سعى بطريق العدل، فأمَّا من باب الفضل؛ فجائز أن يزيده الله تعالى ما يشاء، قاله الحسين بن فضل.

الخامس: أن معنى {مَا سَعَى}: ما نوى، قاله أبو بكر الوراق.

السادس: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا، فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة شيء، ذكره الثعلبي.

السابع: أن اللام في {للإنسان} بمعنى (على) ؛ تقديره: ليس على الإنسان إلا ما سعى.

الثامن: أنه ليس له إلا سعيه غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء بنفسه، وتارة يكون سعيه في تحصيله سببه مثل سعيه في تحصيل قرابة [9] وولد يترحم عليه، وصديق يستغفر له، وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة فيكتسب محبة [10] أهل الدين فيكون ذلك سببًا حصل بسيعه، حكاه أبو الفرج عن شيخه ابن الزعفراني، انتهى كلام صاحب «عمدة القاري» رحمه الله ورضي عنه، وسيأتي مزيد لذلك في (الجنائز) إن شاء الله تعالى.

اللهم فرج عنا وعن المسلمين، وارفع البلاء عنا وعنهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

[1] في الأصل: (أيما).
[2] في الأصل: (الشيء)، والمثبت موافق لما في «الصحاح».
[3] في الأصل: (إفعال) .
[4] في الأصل: (سيفهما)، ولعل المثبت هو الصواب.
[5] زيد في الأصل: (أنه).
[6] في الأصل: (وهو حدث فيه قعرة وجفرة)، وهو تحريف.
[7] في الأصل: (وبينها) .
[8] في الأصل: (الخطيب)، وهو تحريف.
[9] في الأصل: (قواته)، ولعل المثبت هو الصواب.
[10] في الأصل: (بحبه)، ولعل المثبت هو الصواب.