إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: مر النبي بحائط من حيطان المدينة

216- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) ابن أبي شيبة الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) أي [1]: ابن جَبْرٍ؛ بفتح الجيم وسكون المُوَحَّدة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بِحَائِطٍ) أي: بستانٍ من النَّخل [2] عليه جدارٌ (مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ) شكَّ جريرٌ، وعند المؤلِّف في «الأدب المُفرَد»: ((من حيطان المدينة)) بالجزم من غير شَكٍّ، ويؤيِّده رواية الدَّارقُطنيِّ في «أفراده» من حديث جابرٍ: أنَّ الحائط كان [3] لأمِّ مبشِّرٍ [4] الأنصاريَّة رضي الله عنها لأنَّ حائطها كان بالمدينة، وفي رواية الأعمش: ((مرَّ بقبرين)) (فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ) حال كونهما (يُعَذَّبَانِ) حال كونهما (فِي قُبُورِهِمَا) عبَّر بالجمع في موضع التَّثنية لأنَّ استعمالها في مثل هذا قليلٌ وإن كانت هي الأصل؛ لأنَّ المُضاف إلى المُثنَّى إذا كان جزء ما أُضيف إليه يسوغ فيه الإفراد؛ نحو: أكلت رأس شاتين، والجمع أجود؛ نحو: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] وإن كان غير جزئه فالأكثر مجيئه بلفظ التَّثنية نحو: سلَّ [5] الزَّيدان سيفهما، وإن أُمِن اللَّبس جاز جعل المُضاف بلفظ الجمع، كما في قوله: في «قبورهما»، وقد تجتمع [6] التَّثنية والجمع في نحو: [من الرَّجز]
~ظهراهما مثل ظهور التُّرسين
قاله ابن مالكٍ، ولم يُعرَف اسم المقبورين ولا أحدهما، فيحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام لم يسمِّهما قصدًا للسَّتر عليهما، وخوفًا من الافتضاح، على عادة ستره وشفقته على أمَّته صلى الله عليه وسلم، أو سمَّاهما ليحترز [7] غيرهما عن مُباشَرة ما باشراه، وأبهمهما الرَّواي عمدًا [8] لما مرَّ (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: يُعَذَّبَانِ) أي: صاحبا القبرين
ج1ص286
(وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) تَرْكُه عليهما (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (بَلَى) إنَّه كبيرٌ [9] من جهة المعصية، ويحتمل أنَّه عليه الصلاة والسلام ظنَّ أنَّ ذلك غير كبيرٍ، فأُوحِي إليه في الحال بأنَّه كبيرٌ فاستدرك، وقال البغويُّ وغيره _ورجَّحه ابن دقيق العيد وغيره_: إنه [10] ليس بكبيرٍ في مشقَّة الاحتراز، أي: كان لا يشقُّ عليهما الاحتراز عن ذلك، والكبيرة: هي الموجبة للحدِّ، أو ما فيه وعيدٌ شديدٌ، وعند ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «يُعذَّبان عذابًا شديدًا في ذنبٍ هيِّنٍ» (كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) بمُثنَّاتين فوقيَّتين الأولى مفتوحةٌ، والثَّانية مكسورةٌ؛ من: الاستتار، أي: لا يجعل بينه وبين بوله سترةً، أي: لا يتحفَّظ منه، وهي بمعنى [11] رواية مسلمٍ وأبي داود من حديث الأعمش: «يستنزه» بنونٍ ساكنةٍ بعدها زايٌ ثمَّ هاءٌ، من التَّنزُّه؛ وهو الإبعاد، ولا يُقال: إنَّ معنى «لا يستتر» يكشف عورته لأنَّه يلزم منه أنَّ مُجرَّد [12] كشف العورة [13] سببٌ للعذاب المذكور لا اعتبار البول، فيترتَّب العذاب على مُجرَّد الكشف، وليس كذلك، بلِ الأقرب حمله على المجاز، ويكون المُرَاد بالاستتار: التَّنزُّه عن البول والتَّوقِّي منه، إمَّا بعدم [14] مُلابسَته وإمَّا بالاحتراز [15] عن مفسدةٍ تتعلَّق به كانتقاض الطَّهارة، وعبَّر عن التَّوقِّي بالاستتار مجازًا، ووجه العلاقة بينهما: أنَّ التَّستُّر عن الشَّيء فيه بُعدٌ عنه واحتجابٌ، وذلك شبيهٌ بالبعدِ عن مُلابسة البول، وإنَّما رجح المجاز وإن [16] كان الأصل الحقيقة لأنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ للبول بالنِّسبة إلى عذاب القبر خصوصيَّةً، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرِّح بهذه الخصوصيَّة أَوْلى، وأيضًا فإنَّ لفظة «من» لمَّا أُضيفَت إلى «البول»، وهي لابتداء الغاية حقيقةً، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازًا؛ تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، بمعنى أنَّ ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حُمِل على كشف العورة زال هذا المعنى، وفي رواية ابن عساكر: ((لا يستبرئ)) بمُوحَّدةٍ ساكنةٍ، من الاستبراء، أي: لا يستفرغ جهده بعد فراغه منه، وهو [17] يدلُّ على وجوب الاستنجاء لأنَّه لمَّا عُذِّب على استخفافه بغسله وعدم التحرُّز منه دلَّ على أنَّ [18] من ترك البول في مخرجه ولم يستنج منه أنَّه [19] حقيقٌ بالعذاب (وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) «فَعِيلَةٌ» من: نمَّ الحديث ينمُّه [20] إذا نقله عن المتكلِّم به إلى غيره، وهي حرامٌ بالإجماع إذا قصد بها الإفساد بين المسلمين، وسبب كونهما كبيرين [21] أنَّ عدم التَّنزُّه من البول يلزم منه بطلان الصَّلاة، وتركها كبيرةٌ بلا شكٍّ، والمشيُ بالنَّميمة من السَّعيِ بالفساد، وهو من أقبح القبائح، ويُجاب عن استشكال كون النَّميمة من الصَّغائر بأنَّ الإصرار عليها المفهوم هنا من التَّعبير بـ «كان» المقتضية له يصير حكمها حكم الكبيرة، لا سيَّما على تفسيرها بما فيه وعيدٌ شديدٌ، ووقع في حديث أبي بكرة عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: «يُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ، وبلى [22]، وما يُعذَّبان إلَّا في الغيبة والبول»؛ بأداة الحصر، وهي تنفي كونهما كافرين لأنَّ الكافر وإن عُذِّب على ترك أحكام المسلمين فإنَّه يُعذَّب مع ذلك على الكفر بلا خلافٍ، وبذلك جزم العلاء بن العطَّار، وقال: لا يجوز أن يُقَال: إنَّهما كانا كافرين لأنَّهما لو كانا كافرين لم يدعُ لهما بتخفيف العذاب عنهما [23]، ولا ترجَّاه لهما، وقد ذكر بعضهم السِّرَّ في تخصيص البول والنَّميمة بعذاب القبر؛ وهو أنَّ القبر أوَّل منازل الآخرة، وفيه نموذجُ [24] ما يقع في القيامة من العقاب والثَّواب، والمعاصي التي يُعاقَب عليها يوم القيامة نوعان: حقٌّ لله وحقٌّ لعباده، وأوَّل ما يُقضَى فيه من حقوق الله عزَّ وجلَّ الصَّلاة، ومن حقوق العباد الدِّماء، وأمَّا البرزخ فيُقضَى فيه مقدِّمات هذين الحقَّين ووسائلهما، فمُقدِّمة الصَّلاة الطَّهارة من الحدث والخَبَث، ومقدِّمة الدِّماء [25] النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما (ثُمَّ دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِجَرِيدَةٍ) من جرائد [26] النَّخل؛ وهي التي ليس عليها ورق، فأُتي بها (فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ) بكسر الكاف، تثنية كِسرَةٍ؛ وهي القطعة من الشَّيء المَكسور، وقد تبيَّن من رواية الأعمش الآتية _إن شاء الله تعالى_ [خ¦218]: أنَّها كانت نصفًا، وفي رواية جريرٍ عنه: ((باثنتين)) (فَوَضَعَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا [27] كِسْرَةً) وفي الرِّواية الآتية: ((فغرز)) [خ¦218] وهو يستَلزِم الوضع دون
ج1ص287
العكس (فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولابن عساكر: ((فقيل: يا رسول الله)) (لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟) لم يعيِّن السَّائل من الصَّحابة (قَالَ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ) بضمِّ أوَّله وفتح الفاء، أي: العذاب، وهاء «لعلَّه» ضمير الشَّأن، وجاز تفسيره «بأنَّ» وصلتها لأنَّها في حكم جملةٍ؛ لاشتمالِها على مُسنَدٍ ومُسنَدٍ إليه، ويُحتَمل أن تكون زائدةً مع كونها ناصبةً؛ كزيادة الباء مع كونها جارَّةً، قاله ابن مالكٍ، ويقوِّي الاحتمال الثَّاني حذف «أنْ» في الرِّواية الآتية حيث قال: ((لعلَّه يخفَّف)) (عَنْهُمَا) أي: المعذَّبين (مَا لَمْ تَيْبَسَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بالتَّأنيث باعتبار عود الضَّمير فيه إلى «الكسرتين»، وفتح المُوَحَّدة من «باب علم يعلم»، وقد تُكسَر وهي لغةٌ شاذَّةٌ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((إلَّا أن تيبسا [28])) بحرف الاستثناء، وللمُستملي: ((إلى أن ييبسا)) بـ «إلى» التي للغاية، والمُثنَّاة التَّحتيَّة بالتَّذكير باعتبار عود الضَّمير إلى العُودين؛ لأنَّ الكسرتين هما العُودان [29]، و«ما»: مصدريَّة زمانيَّة، أي: مدَّة دوامهما إلى زمن اليبس المحتمل تأقيته بالوحي كما قاله المازريُّ [30]، لكن تعقَّبه القرطبيُّ بأنَّه لو كان بالوحي لَمَا [31] أتى بحرف التَّرجِّي، وأُجيب بأنَّ «لعلَّ» هنا للتَّعليل، أو أنَّه يشفع [32] لهما في التَّخفيف هذه المدة، كما صرَّح به في حديث جابرٍ، على أنَّ القصَّة واحدة كما رجَّحه النَّوويُّ، وفيه نظرٌ لما في حديث أبي بكرةٍ عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ: أنَّه الذي أتى بالجريدة إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّه الذي قطع الغصنين، فدلَّ ذلك على المُغايَرة، ويؤيِّد ذلك أنَّ قصَّة الباب كانت بالمدينة، وكان معه عليه الصلاة والسلام جماعةٌ، وقصَّة جابرٍ كانت في السَّفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابرٌ وحدَه، فظهر التَّغاير بين حديث ابن عبَّاسٍ وحديث جابرٍ، بل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرويِّ في «صحيح ابن حبَّان» ما يدلُّ على الثَّالثة، ولفظه: أنَّه صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرٍ [33]، فوقف، فقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل إحداهما عند رأسِه، والأخرى عند رجليه، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في «باب وضع الجريدة على القبر» من «كتاب الجنائز» [خ¦1361].
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ودارميٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف هنا عن جريرٍ عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وفي الآتية: عن الأعمش _كمسلمٍ_ عن مجاهدٍ عن طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ [خ¦218] فأسقط المؤلِّف طاوسًا [34] الثَّابت في الثَّانية من الأولى، فانتقد عليه الدَّارقُطنيُّ ذلك، كما سيأتي مع الجواب عنه في الباب اللَّاحق إن شاء الله تعالى، وقد أخرج المؤلِّف الحديث أيضًا في «الطَّهارة» في موضعين [خ¦218] وفي «الجنائز» [خ¦1361] [خ¦1378] وفي [35] «الأدب» [خ¦6052] [خ¦6055] و«الحج» [36]، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطهارة»، وكذا النَّسائيُّ فيه [37] أيضًا وفي «التَّفسير» و«الجنائز».
ج1ص288


[1] في (د): «هو».
[2] في (د): «النَّخيل».
[3] في (م): «كانت».
[4] في (ص): «بشر».
[5] في (ص): «يسئل»، وهو تحريفٌ.
[6] في (د) و(ص): «تجمع»، وفي (م): «يجمع».
[7] في (د): «لينزجر».
[8] «عمدًا»: سقط من (ص).
[9] في (م): «كبيرةٌ».
[10] في غير (ب) و(س): «أي».
[11] في (ص) و(م): «معنى».
[12] «مُجرَّد»: سقط من (م).
[13] في (م): «عورته».
[14] في (ص): «بُعْد».
[15] في (ص): «أو لاحتراز».
[16] «إن»: ليست في (م).
[17] في (م): «هذا».
[18] في غير (ب) و(س): «أنَّه».
[19] «أنَّه»: سقط من (س).
[20] في (د): «ينميه»، وفي (ص) و(م): «تنمية»، وهو تحريفٌ.
[21] في (ب) و(س): «كبيرتين».
[22] في (د): «بلى».
[23] «عنهما»: سقط من غير (ب) و(س).
[24] في (د): «أنموذج».
[25] في (ص): «العباد».
[26] في (ب) و(س): «جريد».
[27] في غير (ب) و(س): «منها».
[28] في غير (ب) و(س): «ييبسا».
[29] في (م): «لا إلى الكسرتين، وهما عودان».
[30] في (د): «المازنيُّ»، وهو تحريفٌ.
[31] «لَمَا»: ليست في (م).
[32] في (د) و(م): «شفع».
[33] في (م): «بقبرين».
[34] في (ص) و(م): «منصور»، وهو خطأٌ.
[35] «في الجنائز و»: سقط من (م).
[36] لم أجده في الحج.
[37] في (ب) و(س): «فيها».