إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان النبي يتوضأ عند كل صلاة

214- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: ((أخبرنا)) (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ) بالواو، الأنصاريِّ رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وللأَصيليِّ: ((أنس بن مالكٍ)). (ح) إشارةٌ إلى التَّحويل، أو إلى الحائل أو إلى صحَّ أو إلى [1] الحديث، كما مرَّ البحث فيه: (قَالَ) أي: المؤلِّف رحمه الله تعالى: (وَحَدَّثَنَا [2] مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: ((أنس [3] بن مالكٍ)) رضي الله عنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) مفروضةٍ من الأوقات الخمسة، ولفظة «كان» تدلُّ على المُداوَمة، فيكون ذلك له عادةً، لكنَّ حديث سويدٍ المذكور في الباب [خ¦215] يدلُّ على أنَّ المراد الغالب، وفعله صلى الله عليه وسلم ذلك كان على جهة الاستحباب، وإلَّا لَمَا كان وسعه، ولا لغيره أن يخالفه، ولأنَّ الأصل عدم الوجوب، وقال الطَّحاويُّ: يحتمل أنَّه كان واجبًا عليه خاصَّةً، ثُمَّ نُسِخ يوم الفتح لحديث بريدة، أي: المرويِّ في «صحيح مسلم»: أنَّه عليه الصلاة والسلام صلَّى يوم الفتح الصَّلوات الخمس [4] بوضوءٍ واحدٍ، وأنَّ عمر رضي الله عنه سأله فقال: «عمدًا فعلته»، وتُعقِّب بأنَّه على تقدير القول بالنَّسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النُّعمان فإنَّه [5] كان في خيبر، وهي قبل الفتح بزمانٍ. انتهى. (قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟) القائل: «قلت» عمرو بن عامرٍ، والخطاب للصَّحابة رضي الله عنهم (قَالَ) أنسٌ رضي الله عنه: (يُجْزِئُ) بضمِّ أوَّله من أجزأ، أي: يكفي (أَحَدَنَا الْوُضُوءُ) بالرَّفع فاعلٌ، و«أحدَنا» منصوبٌ مفعول «يجزئ» (مَا لَمْ يُحْدِثْ) وعند ابن ماجه: «وكنَّا نحن نصلِّي الصَّلوات كلُّها بوضوءٍ واحدٍ»، ومذهب الجمهور أنَّ الوضوء لا يجب إلَّا من حدثٍ، وذهبت طائفةٌ إلى وجوبه لكلِّ صلاة مُطلَقًا من غير حدثٍ، وهو مُقتَضَى الآية لأنَّ الأمر فيها مُعلَّق بالقيام إلى الصَّلاة، وهو يدلُّ على تكرار الوضوء وإن لم يحدث، لكن
ج1ص285
أجاب جار الله في «كشافه» بأنَّه يحتمل أن يكون الخطاب للمُحْدِثين، أو أنَّ الأمر للنَّدب، ومنع أن يُحمَل [6] عليهما معًا على قاعدتهم في عدم حمل المُشتَرك على معنييه [7]، لكن مذهبنا أنَّه يُحمَل عليهما [8]، وخصَّ بعض الظَّاهريَّة والشِّيعة وجوبه لكلِّ صلاةٍ بالمقيمين دون المسافرين، وذهب إبراهيم النَّخعيُّ: إلى أنَّه لا يصلِّي بوضوءٍ واحدٍ أكثر من خمس صلواتٍ.
وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين فريابيٍّ وكوفيٍّ وبصريٍّ، وللمؤلِّف فيه سندان، ففي الأوَّل: التَّحديث بالجمع والعنعنة، وفي الثَّاني: بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، وفائدة إتيانه بالسَّندين _مع أنَّ الأوَّل عالٍ لأنَّ بين المؤلِّف وبين سفيان فيه رجلٌ، والثَّاني نازلٌ لأنَّ بينهما فيه اثنانٌ_ أنَّ سفيان مدلِّس، وعنعنة المدلِّس لا يُحتَجُّ بها إلَّا أن يثبت سماعه بطريقٍ آخر، ففي [9] السَّند الثَّاني [10] أنَّ سفيان قال: حدَّثني عمرٌو، وأخرجه التِّرمذي والنَّسائيُّ وابن ماجه.
ج1ص286


[1] «إلى»: سقط من (د) و(م).
[2] في (د): «حدَّثنا».
[3] «أنس»: سقط من (د) و(م).
[4] في (ص): «الصَّلوات يوم الفتح».
[5] في (د): «وأنَّه».
[6] في (م): «يحلَّ».
[7] في (ص): «نفسه».
[8] «عليهما»: سقط من غير (ب) و(س).
[9] في (م): «فعلى».
[10] في (د): «الآخر».