متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

214- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: ((أخبرنا)) (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ)؛ بالواو، الأنصاريِّ رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وللأَصيليِّ: ((أنس بن مالكٍ)). (ح) إشارةٌ إلى التَّحويل، أو إلى الحائل أو إلى صحَّ أو إلى [1] الحديث، كما مرَّ البحث فيه: (قَالَ)؛ أي: المؤلِّف رحمه الله: (وَحَدَّثَنَا [2] مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: ((أنس [3] بن مالكٍ)) رضي الله عنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) مفروضةٍ من الأوقات الخمسة، ولفظة «كان» تدلُّ على المُداوَمة، فيكون ذلك له عادةً، لكنَّ حديث سويدٍ المذكور في الباب [خ¦215] يدلُّ على أنَّ المراد الغالب، وفعله صلى الله عليه وسلم ذلك كان على جهة الاستحباب، وإلَّا؛ لَمَا كان وسعه، ولا لغيره أن يخالفه، ولأنَّ الأصل عدم الوجوب، وقال الطَّحاويُّ: يحتمل أنَّه كان واجبًا عليه خاصَّةً، ثُمَّ نُسِخ يوم الفتح؛ لحديث بريدة؛ أي: المرويِّ في «صحيح مسلم»: أنَّه عليه الصلاة والسلام صلَّى [يوم الفتح الصَّلوات الخمس] [4] بوضوءٍ واحدٍ، وأنَّ عمر رضي الله عنه سأله فقال: «عمدًا فعلته»، وتُعقِّب: بأنَّه على تقدير القول بالنَّسخ كان قبل الفتح؛ بدليل حديث سويد بن النُّعمان فإنَّه [5] كان في خيبر، وهي قبل الفتح بزمانٍ. انتهى. (قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟) القائل: «قلت» عمرو بن عامرٍ، والخطاب للصَّحابة رضي الله عنهم (قَالَ) أنسٌ رضي الله عنه: (يُجْزِئُ)؛ بضمِّ أوَّله من أجزأ؛ أي: يكفي (أَحَدَنَا الْوُضُوءُ) بالرَّفع، فاعلٌ، و«أحدَنا» منصوبٌ، مفعول «يجزئ» (مَا لَمْ يُحْدِثْ)، وعند ابن ماجه: «وكنَّا نحن نصلِّي الصَّلوات كلُّها بوضوءٍ واحدٍ»، ومذهب الجمهور: أنَّ الوضوء لا يجب إلَّا من حدثٍ، وذهبت طائفةٌ إلى وجوبه لكلِّ صلاة مُطلَقًا من غير حدثٍ، وهو مُقتَضَى الآية؛ لأنَّ الأمر فيها مُعلَّق بالقيام إلى الصَّلاة، وهو يدلُّ على تكرار الوضوء وإن لم [/ج1ص285/] يحدث، لكن

أجاب جار الله في «كشافه»: بأنَّه يحتمل أن يكون الخطاب للمُحْدِثين، أو أنَّ الأمر للنَّدب، ومنع أن يُحمَل [6] عليهما معًا على قاعدتهم في عدم حمل المُشتَرك على معنييه [7] ، لكن مذهبنا أنَّه يُحمَل عليهما [8] ، وخصَّ بعض الظَّاهريَّة والشِّيعة وجوبه لكلِّ صلاةٍ بالمقيمين دون المسافرين، وذهب إبراهيم النَّخعيُّ: إلى أنَّه لا يصلِّي بوضوءٍ واحدٍ أكثر من خمس صلواتٍ.

وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين فريابيٍّ وكوفيٍّ وبصريٍّ، وللمؤلِّف فيه سندان، ففي الأوَّل: التَّحديث بالجمع والعنعنة، وفي الثَّاني: بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، وفائدة إتيانه بالسَّندين مع أنَّ الأوَّل عالٍ؛ لأنَّ بين المؤلِّف وبين سفيان فيه رجلٌ، والثَّاني نازلٌ؛ لأنَّ بينهما فيه اثنانٌ؛ أنَّ سفيان مدلِّس، وعنعنة المدلِّس لا يُحتَجُّ بها إلَّا أن يثبت سماعه بطريقٍ آخر، ففي [9] السَّند الثَّاني [10] أنَّ سفيان قال: حدَّثني عمرٌو، وأخرجه التِّرمذي والنَّسائيُّ وابن ماجه.

[1] «إلى»: سقط من (د) و(م).
[2] في (د): «حدَّثنا».
[3] «أنس»: سقط من (د) و(م).
[4] في (ص): «الصَّلوات يوم الفتح».
[5] في (د): «وأنَّه».
[6] في (م): «يحلَّ».
[7] في (ص): «نفسه».
[8] «عليهما»: سقط من غير (ب) و(س).
[9] في (م): «فعلى».
[10] في (د): «الآخر»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمُثبَت.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

214-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ، قالَ: حَدَّثَنا [1] سُفْيانُ، عن عَمْرِو بنِ عامِرٍ، قالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا [2] .

(خ) قالَ: وَحدَّثنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حدَّثنا يَحْيَىَ، عن سُفْيانَ، قالَ: حدَّثني عَمْرُو بنُ عامِرٍ:

عن أَنَسٍ [3] ، قالَ: كان النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنا الوُضُوءُ ما لَمْ يُحْدِثْ.

[1] في رواية ابن عساكر: «أخبَرَنا».
[2] في رواية الأصيلي زيادة: «بن مالك».
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «بن مالك».





214- ( يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ ) هذا موضع الترجمة، وأن الوضوء من غير حدَثٍ ليس بواجب.


214# (يُجْزِئُ) مضارع أجزأ بالهمزة [1] بمعنى: كفى.

(أَحَدَناَ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ) هذا موضعُ الترجمة، وأن الوضوء من غير حدثٍ غيرُ واجب، وساق هذا عقيبَ الحديث الأول؛ دليلاً على أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ بالأفضلِ في تجديد الوضوء من غير حدثٍ، لا أنه [2] واجب.

[1] في (ق): ((أجزأنا هم)).
[2] في (ج): ((حدث لأنه)).





214- قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هذا هو ابن سعيد الثَّوريُّ، العلمُ المشهورُ المعروف التَّرجمة، رحمة الله عليه.

قوله: (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا [1] ): اعلم أنَّ هذا عمرو بن عامر الأنصاريُّ الكوفيُّ، قال المِزِّيُّ في «أطرافه»: (وليس بوالد أسد بن عَمرو) انتهى، يروي صاحب التَّرجمة عن أنس، وعنه: شُعْبَة، ومسعر، وسفيان، وجماعة، وثَّقه أَبُو حاتم، أخرج له الجماعة، وأمَّا الذِي احترز [2] عنه المِزِّيُّ في «أطرافه»؛ فهو عمرو بن عامر الكوفيُّ، والد القاضي أسد بن [3] عَمرو البجليِّ، صاحب الرَّأي، عنِ الحسن، وعمر بن عَبْد العزيز، ووهب بن مُنَبِّه، وعنه: ابن عيينة، والمحاربيُّ، وأبو نعيم، وجماعة، ذكره في «التهذيب» المِزِّيُّ للتمييز، وكذا ذكره الذَّهبيُّ في «تذهيبه»، ثُمَّ قال: (وأمَّا أَبُو داود وحده؛ فقال: هو الرَّاوي عن أنس، وإنَّما ذاك أنصاريٌّ لا بجليٌّ) ؛ يعني: الذي قدَّمت ترجمته، وهذا الثَّاني لَمْ يخرِّج له أحد من أصحاب الكتب شيئًا، والله أعلم.

قوله: («ح» [قال] : وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ): تقدَّم الكلام في أوَّل هذا التَّعليق على (ح) ما معناه، وكيف النُّطق بها؛ فانظره.

قوله: (حَدَّثَنَا [4] يَحْيَى): هذا هو ابن سعيد، كما نسبه التِّرمذيُّ في «جامعه»، وهو القطَّان.

قوله: (عَنْ [5] سُفْيَانَ): تقدَّم أعلاه أنَّه ابن سعيد الثَّوريُّ.

تنبيه: إن قلت: ما الحكمة في ذكر البخاريِّ هذا السَّند الثَّاني نازلًا بعد أنْ ذكره عاليًا؟

وجوابه: أنَّ السَّند الأوَّل عالٍ بلا شكٍّ، لكن سفيان _ هو [6] الثَّوريُّ- قد عنعن فيه، وفي السَّند الثَّاني النَّازل صرَّح سفيان فيه بالتحديث من [7] عَمرو بن عامر، وسفيان الثَّوريُّ وكذا ابن عيينة أيضًا مدلِّسان، فأراد بالطَّريق الثَّاني تصريح سفيان الثَّوريِّ فيه بالتحديث؛ لأنَّ عنعنة المدلِّس لا تقبل، والله أعلم.

قوله: (يَجْزِي [8] أَحَدَنَا الوُضُوءُ): أمَّا (يَجْزِي) [9] ؛ فثلاثيٌّ غير مهموز، ورباعيٌّ مهموز؛ لغتان، وأمَّا (أَحَدَنَا) ؛ فمنصوب، مفعول مقدَّم، و (الوُضُوءُ): مرفوع فاعل [10] ، وهو بضمِّ الواو: الفعل، وتفتح واوه أيضًا؛ لغتان، تقدَّم مرارًا.

[1] في النسخ: (عامر عن أنس) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] في (ب): (أخبر) .
[3] (بن): سقط من (ب) .
[4] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[5] في النسخ: (حدثنا) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[6] (هو): ليس في (ب) .
[7] في (ج): (عن) .
[8] في حاشية (ق): (أجزأَ الشيءُ؛ بالهمز: كفى، وفلان عنك؛ مثله، وجزأت بالشيء جزأً: اكتفيت به، قاله ابن القوطية في كتاب «الأفعال».
[9] (أمَّا يجزئ): ليس في (ج) .
[10] (فاعل): ليس في (ج) .





214- (يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ): (أَحَدَنَا): منصوبٌ مفعولٌ مقدَّمٌ، و (الْوُضُوءُ): مرفوعٌ فاعلٌ.


214- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: ((أخبرنا)) (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ)؛ بالواو، الأنصاريِّ رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وللأَصيليِّ: ((أنس بن مالكٍ)). (ح) إشارةٌ إلى التَّحويل، أو إلى الحائل أو إلى صحَّ أو إلى [1] الحديث، كما مرَّ البحث فيه: (قَالَ)؛ أي: المؤلِّف رحمه الله: (وَحَدَّثَنَا [2] مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: ((أنس [3] بن مالكٍ)) رضي الله عنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) مفروضةٍ من الأوقات الخمسة، ولفظة «كان» تدلُّ على المُداوَمة، فيكون ذلك له عادةً، لكنَّ حديث سويدٍ المذكور في الباب [خ¦215] يدلُّ على أنَّ المراد الغالب، وفعله صلى الله عليه وسلم ذلك كان على جهة الاستحباب، وإلَّا؛ لَمَا كان وسعه، ولا لغيره أن يخالفه، ولأنَّ الأصل عدم الوجوب، وقال الطَّحاويُّ: يحتمل أنَّه كان واجبًا عليه خاصَّةً، ثُمَّ نُسِخ يوم الفتح؛ لحديث بريدة؛ أي: المرويِّ في «صحيح مسلم»: أنَّه عليه الصلاة والسلام صلَّى [يوم الفتح الصَّلوات الخمس] [4] بوضوءٍ واحدٍ، وأنَّ عمر رضي الله عنه سأله فقال: «عمدًا فعلته»، وتُعقِّب: بأنَّه على تقدير القول بالنَّسخ كان قبل الفتح؛ بدليل حديث سويد بن النُّعمان فإنَّه [5] كان في خيبر، وهي قبل الفتح بزمانٍ. انتهى. (قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟) القائل: «قلت» عمرو بن عامرٍ، والخطاب للصَّحابة رضي الله عنهم (قَالَ) أنسٌ رضي الله عنه: (يُجْزِئُ)؛ بضمِّ أوَّله من أجزأ؛ أي: يكفي (أَحَدَنَا الْوُضُوءُ) بالرَّفع، فاعلٌ، و«أحدَنا» منصوبٌ، مفعول «يجزئ» (مَا لَمْ يُحْدِثْ)، وعند ابن ماجه: «وكنَّا نحن نصلِّي الصَّلوات كلُّها بوضوءٍ واحدٍ»، ومذهب الجمهور: أنَّ الوضوء لا يجب إلَّا من حدثٍ، وذهبت طائفةٌ إلى وجوبه لكلِّ صلاة مُطلَقًا من غير حدثٍ، وهو مُقتَضَى الآية؛ لأنَّ الأمر فيها مُعلَّق بالقيام إلى الصَّلاة، وهو يدلُّ على تكرار الوضوء وإن لم [/ج1ص285/] يحدث، لكن

أجاب جار الله في «كشافه»: بأنَّه يحتمل أن يكون الخطاب للمُحْدِثين، أو أنَّ الأمر للنَّدب، ومنع أن يُحمَل [6] عليهما معًا على قاعدتهم في عدم حمل المُشتَرك على معنييه [7] ، لكن مذهبنا أنَّه يُحمَل عليهما [8] ، وخصَّ بعض الظَّاهريَّة والشِّيعة وجوبه لكلِّ صلاةٍ بالمقيمين دون المسافرين، وذهب إبراهيم النَّخعيُّ: إلى أنَّه لا يصلِّي بوضوءٍ واحدٍ أكثر من خمس صلواتٍ.

وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين فريابيٍّ وكوفيٍّ وبصريٍّ، وللمؤلِّف فيه سندان، ففي الأوَّل: التَّحديث بالجمع والعنعنة، وفي الثَّاني: بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، وفائدة إتيانه بالسَّندين مع أنَّ الأوَّل عالٍ؛ لأنَّ بين المؤلِّف وبين سفيان فيه رجلٌ، والثَّاني نازلٌ؛ لأنَّ بينهما فيه اثنانٌ؛ أنَّ سفيان مدلِّس، وعنعنة المدلِّس لا يُحتَجُّ بها إلَّا أن يثبت سماعه بطريقٍ آخر، ففي [9] السَّند الثَّاني [10] أنَّ سفيان قال: حدَّثني عمرٌو، وأخرجه التِّرمذي والنَّسائيُّ وابن ماجه.

[1] «إلى»: سقط من (د) و(م).
[2] في (د): «حدَّثنا».
[3] «أنس»: سقط من (د) و(م).
[4] في (ص): «الصَّلوات يوم الفتح».
[5] في (د): «وأنَّه».
[6] في (م): «يحلَّ».
[7] في (ص): «نفسه».
[8] «عليهما»: سقط من غير (ب) و(س).
[9] في (م): «فعلى».
[10] في (د): «الآخر»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمُثبَت.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

214- وبه قال: ((حدثنا محمد بن يوسف)) ؛ أي: الفريابي ((قال: حدثنا)) : وفي رواية: (أخبرنا) ((سفيان)) : هو الثوري، ((عن عَمرو)) بفتح العين ((بن عامر)) : الكوفي الأنصاري ((قال: سمعت أنسًا)) ؛ أي: ابن مالك، كما في رواية، ومفعول (قال) : (كان النبي...) إلخ الواقع بعد الإسناد الثاني قاله الكرماني.

((ح)) : إشارة إلى التحويل على الأصح، أو إلى الحائل، أو إلى (صح) ، أو إلى الحديث، كما سبق ((قال)) أي: المؤلف: ((وحدثنا)) : وسقطت الواو في رواية ((مسدد)) : هو ابن مسرهد ((قال: حدثنا يحيى)) : هو ابن سعيد القطان، ((عن سفيان)) : هو الثوري ((قال: حدثني)) بالإفراد ((عَمرو)) بفتح العين ((بن عامر)) ؛ أي: الأنصاري السابق، ((عن أنس)) : وللأصيلي زيادة: (ابن مالك) رضي الله عنه، وفائدة الإسناد الثاني وإن كان الأول أعلى التصريحُ من سفيان فيه بالتحديث؛ لأنَّ سفيان مدلِّس، وعنعنة المدلِّس لا يحتج بها ((قال: كان النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة)) ؛ أي: مفروضة من الأوقات الخمسة، زاد الترمذي من طريق حميد عن أنس: (طاهرًا أو [1] غير طاهر) ولفظة: (كان) تدل على الدوام والاستمرار، فيكون عادته الوضوء لكل صلاة من الخمس المعلومة، وروى ابن أبي شيبة بسنده إلى ابن سيرين قال: (كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة) ، وفي لفظ آخر: (كان أبو بكر وعمر وعثمان يتوضؤون لكل صلاة، فإذا كانوا بالمسجد؛ دعوا بالطشت، فقال: كان فرضًا، ثم نسخ بالتخفيف) انتهى.

وحديث سويد الآتي يدل على أن ذلك غالب أحواله عليه السلام، وحينئذ فيدل على الاستحباب، وإلا لما وسعه الترك، ولأنَّ الأصل عدم الوجوب، وقال الحافظ الطحاوي: يحتمل أنه كان واجبًا عليه خاصة، ثم نسخ يوم الفتح؛ لحديث بريدة المروي في «صحيح مسلم»: أنه عليه السلام صلَّى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: صنعْتَاليوم شيئًا لم تكن تصنعه، فقال: «عمدًا صنعْتُه يا عمر»، ولهذا ذهب النخعي إلى أنه لا يصلي بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات، وادعاء النسخ نقله ابن عبد البر عن جماعة؛ منهم: عكرمة، وابن سيرين، وغيرهما من السلف، واستدلوا بحديث عامر وبريدة.

((قلت: كيف كنتم تصنعون؟)) : القائل (قلت) : هو عَمرو بن عامر مخاطبًا لأنس ومن معه من الصحابة، ((قال)) أي: أنس: ((يُجزئُ)) ؛ بضم التحتية، وضم الهمزة؛ لأنَّ (أجزأ) ؛ بالهمزة أولًا وآخرًا؛ بمعنى: يكفي، وهي رواية الأصيلي، ((أحدَنا)) ؛ بالنصب مفعول مقدم ((الوضوءُ)) ؛ بالرفع فاعل مؤخر ((ما لم يحدث)) ؛ أي: مدة دوام عدم حدثه، فـ (ما) : مصدرية، وعند ابن ماجه: (وكنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد) ، وهذا مذهب الجمهور، وقال ابن شاهين: ولم يبلغنا أن أحدًا من الصحابة والتابعين كانوا يتعمدون الوضوء لكل صلاة إلا ابن عمر، فالجمهور على أنَّه لا يجب الوضوء إلا من حدث، وقدروا في الآية: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، واستدل الدارمي في «مسنده» على ذلك بقوله عليه السلام: «لا وضوء إلا من حدث»، وذهب قوم إلى وجوبه لكل صلاة، ولو كان من غير حدث، وهو ظاهر آية الوضوء؛ لأنَّ الأمر فيها مشروط بالقيام إلى الصلاة، وهو يدل على تكرار الوضوء لكل صلاة وإن لم يحدث، وأجاب الفاضل جار الله الزمخشري في «الكشاف»: (بأنه يحتمل أن يكون الخطاب للمحدثين، أو أن الأمر فيه للندب لا للوجوب) ، ولا يصح الحمل عليهما معًا؛ بناءً على قواعد مذهب الإمام الأعظم في عدم جواز حمل المشترك على معنييه؛ لأنَّ تناول الكلمة الواحدة إلى معنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية، وهو لا يجوز) انتهى، خلافًا للشافعي، وخص بعض الظاهرية وجوبه لكل صلاة بالمقيمين دون المسافرين.

واختلف العلماء هل نسخ أو استمر حكمه؟ والجمهور على النسخ، ويدل له ما أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة من حديث عبد الله بن حنظلة: (أنَّ النبي عليه السلام أمر بالوضوء لكل صلاة، فلمَّا شق عليه؛ أمر بالسواك) ، وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث حنظلة بن أبي عامر الغسيل: (أنه عليه السلام أُمِر بالوضوء عند كل صلاة، فلمَّا شق ذلك عليه؛ أُمِر بالسواك عند كل صلاة، ووُضِع عنه الوضوء إلا من حدث) .

وقد انعقد الإجماع واستقر على أنه يصلي بالوضوء ما شاء وأن تجديده لكل صلاة مندوب، فالإجماع استقر على عدم الوجوب، كما حكاه النووي، ثم قال: (ويمكن حمل الآية على ظاهرها من غير نسخ، ويكون الأمر في حق المُحْدِثين على الوجوب، وفي حق غيرهم على الندب) انتهى، واعترضه في «عمدة القاري»، فقال: (هذا لا يصح؛ لأنَّه يكون من باب الإلغاز، فلا يجوز) انتهى، أي: والتعمية فلا يجوز، على أنه لا حاجة إلى هذا الحمل بعد استقرار الإجماع؛ فإنه حجة من حجج الشرع؛ فليحفظ.

[1] في الأصل: (و)، والمثبت موافق لما في «سنن الترمذي».