متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

212- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ)؛ أي: ((ابن عروة))، كما للأَصيليِّ (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي) جملةٌ اسميَّةٌ في موضع الحال؛ (فَلْيَرْقُدْ)؛ أي: فلينمْ احتياطًا؛ لأنَّه علَّل بأمرٍ محتملٍ، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_، وللنَّسائيِّ من طريق أيُّوب عن هشامٍ: «فلينصرف»؛ أي: بعد أن يتمَّ صلاته، لا أنَّه يقطع الصَّلاة بمُجرَّد النُّعاس؛ خلافًا للمُهلَّب حيث حمله على ظاهره، (حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ)، فالنُّعاس سببٌ للنَّوم أو سببٌ للأمر بالنَّوم (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ)؛ أي: يريد أن يستغفر (فَيَسُبَّ نَفْسَهُ)؛ أي: يدعو عليها، و«الفاء» عاطفةٌ على «يستغفر»، وفي بعض الأصول: ((يسبُّ))؛ بدونها، جملةٌ حاليَّةٌ، و«يسبَّ» [1] ؛ بالنَّصب: جوابًا لـ: «لعلَّ» [2] ، والرَّفع: عطفًا على «يستغفر»، وجعل ابن أبي جمرة علَّة النَّهيِ خشية أن يوافق ساعة إجابةٍ، والتَّرجِّي في «لعلَّ» عائدٌ إلى المصلِّي لا إلى المتكلِّم به؛ أي: لا يدري أمستغفرٌ أم سابٌّ؟ مترجِّيًا للاستغفار؛ وهو في الواقع بضدِّ ذلك وغاير بين لفظي النُّعاس فقال في الأوَّل: «نعس»؛ بلفظ الماضي، وهنا بلفظ اسم الفاعل؛ تنبيهًا على أنَّه لا يكفي تجدُّد أدنى نعاسٍ وتقضيه في الحال، بل لا بدَّ من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول، وعدم علمه بما يقرأ، فإن قلت: هل بين قوله: «نعس وهو يصلِّي»، و«صلَّى وهو ناعسٌ» فرقٌ؟ أُجيب: الفرق الذي بين «ضرب قائمًا»، و«قام ضاربًا»، وهو احتمال القيام بدون الضَّرب في الأوَّل، واحتمال الضَّرب بدون القيام في الثَّاني، فإن قلت: لِمَ اختار ذلك وهذا هنا؟ أُجيب [3] : بأنَّ الحال قيدٌ وفضلةٌ، والقصد [4] في الكلام ما له القيد، ففي الأوَّل: لا شكَّ أنَّ النُّعاس هو علَّة الأمر بالرُّقاد، لا الصَّلاة، فهو المقصود الأصليُّ في التَّركيب، وفي الثَّاني: الصَّلاة علَّة الاستغفار؛ إذ [5] تقدير الكلام: فإنَّ أحدكم إذا صلَّى وهو ناعسٌ يستغفر، والفرق بين التَّركيبين هو الفرق بين «ضرب قائمًا»، و«قام ضاربًا»، فإنَّ [6] الأوَّل يحتمل قيامًا بلا ضربٍ، والثَّاني ضربًا بلا قيامٍ، واختُلِف هلِ النَّوم في ذاته حدثٌ أو هو مظنَّة الحدث؟ فنقل ابن المنذر وغيره عن بعض الصَّحابة والتَّابعين رضي الله عنهم أجمعين _وبه قال إسحاق والحسن والمزنيُّ وغيرهم_: أنَّه في ذاته ينقض الوضوء مطلقًا، وعلى كلِّ حالٍ وهيئةٍ؛ لعموم حديث صفوان بن عسَّالٍ رضي الله عنه، المرويِّ في «صحيح [7] ابن خزيمة»؛ إذ فيه: «إلَّا من غائطٍ أو بولٍ أو نومٍ»، فسوَّى بينهما [8] في الحكم، وقال آخرون: بالثَّاني؛ لحديث أبي داود وغيره: «العينان وكاء السَّه، فمن نام؛ فليتوضَّأ»، واختلف هؤلاء؛ فمنهم من قال: لا ينقض القليل، وهو قول الزُّهريِّ ومالكٍ وأحمد رحمهم الله تعالى في إحدى الرِّوايتين عنه، ومنهم من قال: ينقض مُطلَقًا إلَّا نوم ممكِّنٍ مقعدته من مقرِّه، فلا ينقض؛ لحديث أنسٍ رضي الله عنه المرويِّ عند [9] «مسلمٍ»: أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا ينامون ثمَّ [/ج1ص284/] يصلُّون ولا يتوضَّؤون، وحُمِل على نوم الممكِّن؛ جمعًا بين الأحاديث، ولا تمكين لمن نام على قفاه ملصقًا مقعده [10] بمقرِّه، ولا لمن نام محتبيًا وهو هزيلٌ؛ بحيث [11] لا تنطبق أليتاه [12] على مقرِّه، على ما نقله في «الشَّرح الصَّغير» عن الرُّوْيَانيِّ، وقال الأذرعيُّ: إنَّه الحقُّ، لكن نقل في «المجموع» عن الماورديِّ خلافًا، واختار أنَّه متمكِّنٌ، وصحَّحه في «الرَّوضة» و«التَّحقيق»؛ نظرًا إلى أنَّه متمكِّنٌ بحسب قدرته، ولو نام جالسًا فزالت أليتاه [13] أو إحداهما [14] عن الأرض؛ فإن زالت قبل الانتباه؛ انتقض وضوءه، أو بعده أو معه، أو لم يدرِ أيُّهما سبق [15] ؛ فلا؛ لأنَّ الأصل بقاء الطَّهارة [16] ، وسواءٌ وقع يده أم لا، وهذا مذهب الأستاذ الشَّافعيِّ وأبي حنيفة رحمهما الله ورضي عنهما، وقال مالكٌ رحمه الله ورضي عنه: إن طال؛ نقض، وإلَّا؛ فلا، وقال آخرون: لا ينقض النَّوم الوضوء [17] بحالٍ، وهو مَحكِيٌّ عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، وابن عمر ومكحولٍ وغيرهم رضي الله عنهم، ويُقاس على النَّوم الغلبة على العقل جنونٍ أو إغماءٍ أو سُكْرٍ؛ لأنَّ ذلك أبلغ في الذُّهول من النَّوم الذي هو مظنَّة الحدث على ما لا يخفى.

ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّلاة».

[1] في (ص): «يصبُّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ص): «للكلِّ».
[3] قوله: «الفرق الذي بين «ضرب قائمًا»... لِمَ اختار ذلك وهذا هنا؟ أُجيب»، مثبتٌ من (م).
[4] في (م): «الأصل».
[5] «إذ»: سقط من (د).
[6] في (ص) و(م): «بأنَّ».
[7] في (د): «حديث»، وفي هامشهما نسخةٌ كالمُثبَت.
[8] في (ب) و(س): «بينها».
[9] في (د) و(ص): «في».
[10] في (س): «مقعدته».
[11] «بحيث»: ليست في (ص).
[12] في (ب) و(س): «ألياه».
[13] في غير (د): «ألياه».
[14] في (م): «أحديهما».
[15] في (س): «أسبق».
[16] في (د) و(م): «الطُّهر».
[17] «الوضوء»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

212-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا مالِكٌ، عن هِشامٍ [1] ، عن أَبِيهِ:

عن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «إِذا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وهو يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ، حَتَّىَ يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذا صَلَّىَ وهو ناعِسٌ، لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ [2] نَفْسَهُ».

[1] في رواية الأصيلي زيادة: «بنِ عُروةَ».
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: بالرفع وهو المثبت عطفًا على: «يستغفر» وبالنصب جوابًا ل «لعلَّ»، وكتب فوقها «معًا». وبالنصب رواية الأصيلي.





212- ( نَعَسَ ) بفتحتين.

( والْخَفْقَةِ ) بسكون الفاء هي النعسة، وإنَّمَا كَرَّر لاختلاف اللَّفظ.

واعلَم بأنَّ التَّرْجَمَةَ مُشْعِرَةٌ بِأَن النُّعاس لا يوجب الوضوء، والحديث مشْعِرُ بالنَّهي عن الصلاة ناعسًا؟

والجواب أنَّه استنبط عدم الانتقاض بالنعاس من قوله: «إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ» والواو للحال، فجعله مصليًا مع النعاس، فدلَّ على بقاء وضوئه.


212# (لاَ يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ) تعليل النَّهي عن الصلاة حينئذٍ بذهاب العقل المؤدي إلى عكس الأمر يدلُّ على أن النُّعاس الخفيفَ [1] إذا لم يبلغْ هذا المبلغَ، صلَّى به، وهذا هو مضمون الترجمة من أنَّ النعاس الخفيف لا يوجبُ الوضوء.

وقال الزركشي: استنبطَ عدم الانتقاض بالنعاس من قوله: ((إذا صَلَّى وهو ناعسٌ))، والواو للحال، فجعله مصلياً مع النُّعاس، فدل على بقاء وضوئه.

قلت: فيه ضعفٌ؛ إذ لا يمتنع [2] مثلُ قولك: إذا صلى الإنسان وهو محدث، كان كذا، فيحمل على أنه إذا فعل صورة الصَّلاة، فلا تقوى دَلالة الحديث على ما أراده.

قال ابنُ مالك: وفي قوله: ((فيسُبَّ نفسَه)) جوازُ الرفع باعتبار عطف الفعل على الفعل، وجوازُ النصب بجعلِ ((فيسُبَّ [3] )) جواباً لـ ((لعلَّ))؛ كَليْتَ، وهو ممَّا خفي [4] على أكثرهم، ونحوه: {فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى } [عبس:4]، نصبه عاصم {فَأطَّلَعَ} [الصافات:55] نصبه حَفْصٌ [5] .

[1] ((الخفيف)): ليست في (ق) و(ج).
[2] في (ق): ((يمنع)).
[3] في (د) و(ج) زيادة: ((نفسه)).
[4] في (ق): ((يخفى)).
[5] في (د): ((خفض)).





212- قوله: (إِذَا نَعَسَ): هو بفتح العين، ومضارعه بِضَمِّها، وحكي فتحها فيه [1] .

قوله: (يَسْتَغْفِرُ): (يستغفر) هنا؛ أي: يدعو، قاله القاضي عياض، انتهى، ويدلُّ لذلك ما جاء في بعض طرقه، لعلَّه يريد أنَّ يستغفر فيدعُو على نفسه.

قوله: (فَيَسُبَّ نَفْسَهُ): هو بنصب (يسبَّ) ، ويجوز رفعها، وكذا هو في أصلنا بالقلم.

[1] في (ج): (في المضارع) ، وكذا كانت في (أ) قبل الإصلاح.





212- (وَهُوَ نَاعِسٌ): جملةٌ حاليَّةٌ.

(لَا يَدْرِي): مفعولُه محذوفٌ؛ أي: لا يدري ما يَفعل، وما بعدَه مستأنَفٌ بيانٌ، قاله الطِّيبيُّ.

وقال غيرُه: (لَا يَدْرِي) جزاءٌ إنْ [1] جُعلتْ (إِذَا) شرطيَّةً، وإلَّا فهو خبرٌ للكلمةِ المحقِّقة [2] .

(فَيَسُبّ): قال المالكيُّ: (جاز في «فَيَسُبّ» الرَّفعُ باعتبارِ عطفِ الفعل على الفعل، والنَّصبُ باعتبار أنَّه جوابٌ لـ«لَعَلَّ»؛ فإنَّها مثلُ «ليتَ»).

وقال الطِّيبيُّ: (الفاء في «فَيَسُبّ» للسَّببية؛ كاللَّام في قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُّوًا وَحَزَنًا} [القصص: 8] انتهى.

وفي بعضها بلا فاءٍ على أنَّه حالٌ.

[1] في النسختين: (خبرُ «إنَّ» إن)، ولا يصح، والتصويب من «الكواكب الدراري» (3/60)، «اللامع الصبيح» (2/287).
[2] أي: وإن كانت (إذا) ظرفية؛ فهو خبر للكلمة المحققة، وفي (ب): (المخففة)، وهو خطأ، والمراد بها (إنَّ).





212- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ)؛ أي: ((ابن عروة))، كما للأَصيليِّ (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي) جملةٌ اسميَّةٌ في موضع الحال؛ (فَلْيَرْقُدْ)؛ أي: فلينمْ احتياطًا؛ لأنَّه علَّل بأمرٍ محتملٍ، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_، وللنَّسائيِّ من طريق أيُّوب عن هشامٍ: «فلينصرف»؛ أي: بعد أن يتمَّ صلاته، لا أنَّه يقطع الصَّلاة بمُجرَّد النُّعاس؛ خلافًا للمُهلَّب حيث حمله على ظاهره، (حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ)، فالنُّعاس سببٌ للنَّوم أو سببٌ للأمر بالنَّوم (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ)؛ أي: يريد أن يستغفر (فَيَسُبَّ نَفْسَهُ)؛ أي: يدعو عليها، و«الفاء» عاطفةٌ على «يستغفر»، وفي بعض الأصول: ((يسبُّ))؛ بدونها، جملةٌ حاليَّةٌ، و«يسبَّ» [1] ؛ بالنَّصب: جوابًا لـ: «لعلَّ» [2] ، والرَّفع: عطفًا على «يستغفر»، وجعل ابن أبي جمرة علَّة النَّهيِ خشية أن يوافق ساعة إجابةٍ، والتَّرجِّي في «لعلَّ» عائدٌ إلى المصلِّي لا إلى المتكلِّم به؛ أي: لا يدري أمستغفرٌ أم سابٌّ؟ مترجِّيًا للاستغفار؛ وهو في الواقع بضدِّ ذلك وغاير بين لفظي النُّعاس فقال في الأوَّل: «نعس»؛ بلفظ الماضي، وهنا بلفظ اسم الفاعل؛ تنبيهًا على أنَّه لا يكفي تجدُّد أدنى نعاسٍ وتقضيه في الحال، بل لا بدَّ من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول، وعدم علمه بما يقرأ، فإن قلت: هل بين قوله: «نعس وهو يصلِّي»، و«صلَّى وهو ناعسٌ» فرقٌ؟ أُجيب: الفرق الذي بين «ضرب قائمًا»، و«قام ضاربًا»، وهو احتمال القيام بدون الضَّرب في الأوَّل، واحتمال الضَّرب بدون القيام في الثَّاني، فإن قلت: لِمَ اختار ذلك وهذا هنا؟ أُجيب [3] : بأنَّ الحال قيدٌ وفضلةٌ، والقصد [4] في الكلام ما له القيد، ففي الأوَّل: لا شكَّ أنَّ النُّعاس هو علَّة الأمر بالرُّقاد، لا الصَّلاة، فهو المقصود الأصليُّ في التَّركيب، وفي الثَّاني: الصَّلاة علَّة الاستغفار؛ إذ [5] تقدير الكلام: فإنَّ أحدكم إذا صلَّى وهو ناعسٌ يستغفر، والفرق بين التَّركيبين هو الفرق بين «ضرب قائمًا»، و«قام ضاربًا»، فإنَّ [6] الأوَّل يحتمل قيامًا بلا ضربٍ، والثَّاني ضربًا بلا قيامٍ، واختُلِف هلِ النَّوم في ذاته حدثٌ أو هو مظنَّة الحدث؟ فنقل ابن المنذر وغيره عن بعض الصَّحابة والتَّابعين رضي الله عنهم أجمعين _وبه قال إسحاق والحسن والمزنيُّ وغيرهم_: أنَّه في ذاته ينقض الوضوء مطلقًا، وعلى كلِّ حالٍ وهيئةٍ؛ لعموم حديث صفوان بن عسَّالٍ رضي الله عنه، المرويِّ في «صحيح [7] ابن خزيمة»؛ إذ فيه: «إلَّا من غائطٍ أو بولٍ أو نومٍ»، فسوَّى بينهما [8] في الحكم، وقال آخرون: بالثَّاني؛ لحديث أبي داود وغيره: «العينان وكاء السَّه، فمن نام؛ فليتوضَّأ»، واختلف هؤلاء؛ فمنهم من قال: لا ينقض القليل، وهو قول الزُّهريِّ ومالكٍ وأحمد رحمهم الله تعالى في إحدى الرِّوايتين عنه، ومنهم من قال: ينقض مُطلَقًا إلَّا نوم ممكِّنٍ مقعدته من مقرِّه، فلا ينقض؛ لحديث أنسٍ رضي الله عنه المرويِّ عند [9] «مسلمٍ»: أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا ينامون ثمَّ [/ج1ص284/] يصلُّون ولا يتوضَّؤون، وحُمِل على نوم الممكِّن؛ جمعًا بين الأحاديث، ولا تمكين لمن نام على قفاه ملصقًا مقعده [10] بمقرِّه، ولا لمن نام محتبيًا وهو هزيلٌ؛ بحيث [11] لا تنطبق أليتاه [12] على مقرِّه، على ما نقله في «الشَّرح الصَّغير» عن الرُّوْيَانيِّ، وقال الأذرعيُّ: إنَّه الحقُّ، لكن نقل في «المجموع» عن الماورديِّ خلافًا، واختار أنَّه متمكِّنٌ، وصحَّحه في «الرَّوضة» و«التَّحقيق»؛ نظرًا إلى أنَّه متمكِّنٌ بحسب قدرته، ولو نام جالسًا فزالت أليتاه [13] أو إحداهما [14] عن الأرض؛ فإن زالت قبل الانتباه؛ انتقض وضوءه، أو بعده أو معه، أو لم يدرِ أيُّهما سبق [15] ؛ فلا؛ لأنَّ الأصل بقاء الطَّهارة [16] ، وسواءٌ وقع يده أم لا، وهذا مذهب الأستاذ الشَّافعيِّ وأبي حنيفة رحمهما الله ورضي عنهما، وقال مالكٌ رحمه الله ورضي عنه: إن طال؛ نقض، وإلَّا؛ فلا، وقال آخرون: لا ينقض النَّوم الوضوء [17] بحالٍ، وهو مَحكِيٌّ عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، وابن عمر ومكحولٍ وغيرهم رضي الله عنهم، ويُقاس على النَّوم الغلبة على العقل جنونٍ أو إغماءٍ أو سُكْرٍ؛ لأنَّ ذلك أبلغ في الذُّهول من النَّوم الذي هو مظنَّة الحدث على ما لا يخفى.

ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّلاة».

[1] في (ص): «يصبُّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ص): «للكلِّ».
[3] قوله: «الفرق الذي بين «ضرب قائمًا»... لِمَ اختار ذلك وهذا هنا؟ أُجيب»، مثبتٌ من (م).
[4] في (م): «الأصل».
[5] «إذ»: سقط من (د).
[6] في (ص) و(م): «بأنَّ».
[7] في (د): «حديث»، وفي هامشهما نسخةٌ كالمُثبَت.
[8] في (ب) و(س): «بينها».
[9] في (د) و(ص): «في».
[10] في (س): «مقعدته».
[11] «بحيث»: ليست في (ص).
[12] في (ب) و(س): «ألياه».
[13] في غير (د): «ألياه».
[14] في (م): «أحديهما».
[15] في (س): «أسبق».
[16] في (د) و(م): «الطُّهر».
[17] «الوضوء»: سقط من (م).





212- ( نَعَسَ ): بفتح العين، وغلَّطوا من ضمَّها.

( فَيَسُبَّ ): بالنَّصب والرَّفع، وللنَّسائيِّ: «يدعو على نفسه»، ولمحمَّد بن نصر في «قيام اللَّيل» أنَّ سبب هذا الحديث ما تقدَّم في [باب] [1] : «أحبُّ الدِّين أدومه» من قصَّة الحَوْلاء بنت تُوَيت.

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (بار) والمثبت من غيرها





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

212- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) ؛ أي: التِّنِّيسي ((قال: أخبرنا مالك)) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي، ((عن هشام)) ؛ أي: ابن عروة، كما في روايةٍ، ((عن أبيه)) ؛ أي: عروة بن الزبير بن العوام، ((عن عائشة)) : أم المؤمنين رضي الله عنها: ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نَعَس)) بفتح العين المهملة على صيغة الماضي ((أحدكم)) خطاب خاص أريد به عام ((وهو يصلي)) : جملة اسمية محلها نصب على الحال؛ ((فليَرقُد)) ؛ بفتح [التحتية وضم] القاف؛ أي: فلينم استحبابًا؛ أي: بعد فراغه وإتمامه صلاته، لكنه يتجوز، ويخفف فيها، وعند النسائي من طريق أيوب عن هشام: (فلينصرف) ؛ أي: بعد أن يتم صلاته لا أنه يقطعها بمجرد النعاس، كما زعمه المهلب حيث حمله على ظاهره، ويرده قوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ، ((حتى يذهب عنه النوم)) : فالشرط سبب للجزاء، وهنا النعاس سبب للنوم، أو سبب للأمر بالنوم، واستظهر الأول الكرماني على حد: اضرب زيدًا تأديبًا، ولا ينافي ما ذكر من الأمر بالنوم ما جاء في حديث ابن عباس من نومه في بيت ميمونة، وأنه قال: (قمت إلى الصلاة، فجعلت إذا أغفيت؛ يأخذ بشحمة أذني) ، ولم يأمره بالنوم؛ لأنَّه جاء تلك الليلة ليتعلَّم، ففعل ذلك ليكون أثبت له؛ فتأمل.

واختلف في أن النوم عينه ناقض فيكون حدثًا، أو ما لا يخلو عنه النائم فيكون ليس بحدث؛ فقال في «المبسوط» وتبعه شراح «الهداية» بالثاني، وهو الصحيح، كما في «الفتاوى الشلبية» و«السراج»، واختاره فخر الدين الزيلعي، وحكى الاتفاق عليه، ويدل له حديث أبي داود وغيره: «العينان وكاء السَّه، فمن نام؛ فليتوضأ»، وقال بعضهم بالأول، وبه قال إسحاق، والحسن، والمزني، ويدل له عموم حديث صفوان المروي عند ابن خزيمة، وفيه: «إلا من غائط أو بول أو نوم»، فسوَّى بينها في الحكم.

وفيه: أنه لا يلزم من اقترانها في اللفظ مساواتها في الحكم، وهذا في حقنا؛ أمَّا في حق النبي الأعظم عليه السلام؛ فمن خصائصه أنَّه لا ينتقض وضوءه بالنوم مطلقًا، وألحق به بقية الأنبياء عليهم السلام؛ لحديث ابن عباس المذكور في هذا «الصحيح»: (نام رسول الله عليه السلام حتى سمعت غطيطه، وصلى ولم يتوضأ) ، وللحديث المشهور: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا».

وقوله: ((فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس)) ؛ بلفظ اسم الفاعل؛ ((لا يدري لعلَّه يستغفر)) ؛ أي: يريد أن يستغفر ((فيسب نفسه)) ؛

[/ص185/] أي: يدعو على نفسه، كما صرح به النسائي؛ تعليل للرقاد أو للأمر به، والفاء في (فيسب) : عاطفة على (يستغفر) ، فهو مرفوع، كهو على حذفها الموجود في بعض الأصول، قال ابن مالك: (جاء في «فيسب» الرفع، باعتبار عطف الفعل على الفعل، والنصب باعتبار أنه جواب لـ«لعلَّ»، فإنها مثل «ليت») ، وجملة (وهو ناعس) : حالية أو معترضة؛ كقوله: (وهو يصلي) ، والفائدة في تغيير الأسلوب بين التركيبين حيث قال في الأول: (نعس) بالماضي، وهنا بلفظ اسم الفاعل، كما قال في «عمدة القاري»: (الدلالة على أنه لا يكفي تجدد أدنى نعاس وانقضاؤه في الحال، بل لا بدَّ من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول ويقرأ، والفرق بينهما كالفرق بين ضرب زيد قائمًا وقام ضاربًا، وهو احتمال القيام بدون الضرب في الأول، والعكس في الثاني، وإنما اختار ما اختار في كل منهما؛ لأنَّ الحال قيد وفضلة، والأصل في الكلام ما له القيد، ففي الأول: لا شك أن النعاس هو علة الأمر بالرقاد لا الصلاة، فهو المقصود الأصلي في التركيب، وفي الثاني: الصلاة علة للاستغفار؛ لأنَّ تقدير الكلام: فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس؛ يستغفر، فلفظ (لعلَّه يستغفر) : خبر (إنَّ) ، ولفظ: (لا يدري) وقع موقع جزاء (إذا) إن جعلناها شرطية، وإلا؛ فخبر (إنَّ) هو جملة: (لا يدري) ، وجملة: (لعلَّه يستغفر) : معمول لـ (لا يدري) ، والمراد من (لعلَّه يستغفر) : يريد الاستغفار، فلا ينافي أنه يسب؛ أي: يدعو على نفسه، كما سبق؛ فافهم.

ويحتمل أن يكون علة النهي خشية أن يوافق ساعة الإجابة، والترجي هنا عائد إلى المصلي لا إلى المتكلم به؛ أي: لا يدري أمستغفر هو أم سابٌّ مترجيًّا الاستغفار؟ وهو في الواقع بضد ذلك، أو يستغفر؛ بمعنى: يتمكن من الاستغفار والسب؛ كما أن المترجي بين حصول المرجو وعدمه ومتمكن منهما لا على السوية.

ووجه الدلالة من الحديث على الترجمة: أنه أمره بالرقاد، فلولا أن صلاته في هذه الحالة قريبة للبطلان؛ لما أمره بذلك، فدلَّ على أن ما لا يخلو عنه النائم ناقض؛ لأنَّه علله بأنَّه يختلط، فلا يدري أيسب أم يستغفر؟ وذلك من النوم المزيل للعقل، فيكون بمنزلة من سكر، وقد قال الله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] ، ومن ثَمَّ أُلحِق بالنوم غيره من كل ما يزيل العقل؛ كالجنون والإغماء والسكر؛ لأنَّ ذلك أبلغ في الذهول من النوم الذي هو مظنة الحدث، وقد يقال: أشار المؤلف بذكر النوم في الترجمة إلى الحديث المشهور عن علي رضي الله عنه: «العينان وكاء السَّه، فمن نام؛ فليتوضأ»، وأخرجه مسلم وأبو داود في (الصلاة) ؛ فتأمل.

وقال المهلب: (وفي قوله: «فإن أحدكم...» إلخ: إشارة إلى العلَّة الموجبة لقطع الصلاة، فمن صار في هذه الحالة؛ فقد انتقض وضوءُه بالإجماع) ، واعترض بأن الإشارة إنَّما هي إلى جواز قطع الصلاة أو الانصراف إذا سلَّم منها، وأما النقض؛ فلا يتبين من الحديث؛ لأنَّ جريان ما ذكر على اللسان ممكن من الناعس، مع أنَّه قائل بأن قليل النوم لا ينقض، فكيف بالنعاس؟! وما ادعاه من الإجماع منقوض، فقد صح عن أبي موسى الأشعري، وابن عمر، وسعيد بن المسيب: أن النوم لا ينقض مطلقًا، انتهى.

وفيه نظر، فإن الإشارة في الحديث إلى التجوز والتخفيف في الصلاة لا إلى جواز قطعها؛ لأنَّه غير جائز، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ، والصلاة خير الأعمال، فلا ريب في عدم جواز قطعها؛ فافهم.

واستظهر في «عمدة القاري» أن الإشارة إلى اقتصار إتمام ما هو فيه، وعدم استئناف صلاة أخرى، قال: (فتماديه على ما كان فيه يدل على أن النعاس اليسير لا ينافي الطهارة) ، وتمامه فيه.

اللهم إني أسألك بما في المؤلَّف من الأحاديث النبوية، وبجاهِ قائلها عليه السلام أن تفرج عنا وعن المسلمين، فإنه قد ضاق الحال، وطال المآل، آمين.