متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

206- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) [1] ابن أبي زائدة، الكوفيُّ، (عَنْ عَامِرٍ) هو ابن شراحيل، الشَّعبيُّ التَّابعيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وزكريَّا مدلِّسٌ، ولم أرَه من حديثه إلَّا بالعنعنة، لكن أخرجه الإمام أحمد عن يحيى [2] القطَّان عن زكريَّا، والقطَّان لا يحمل عن شيوخه [3] المدلِّسين إلَّا ما كان مسموعًا لهم، صرَّح بذلك الإسماعيليُّ، انتهى. (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ) المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ) في رجب سنة تسعٍ في غزوة تبوك (فَأَهْوَيْتُ)؛ أي: مددت يدي، أو قصدت، أو أشرت، أو أومأت؛ (لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ) صلى الله عليه وسلم، (فَقَالَ: دَعْهُمَا)؛ أي: الخفَّين، (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا)؛ أي: الرِّجلين حال كونهما (طَاهِرَتَيْنِ) من الحدثين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وهما طاهرتان)): جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، ولأبي داود: «فإنِّي أدخلت القدمين الخفَّين وهما طاهرتان [4] . ..»؛ الحديث، ثمَّ أحدث عليه الصلاة والسلام، (فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا)، ولابنَي خزيمة وحبَّان: أنَّه صلى الله عليه وسلم أرخص [5] للمسافر ثلاثة أيَّامٍ ولياليهنَّ، وللمقيم يومًا وليلةً إذا تطهَّر فلبس خفَّيه أن يمسح عليهما؛ أي: من الحدث بعد اللُّبس؛ لأنَّ وقت المسح يدخل بانتهاء [6] الحدث على الرَّاجح [7] ، فاعتبرت مدَّته منه [8] ، واختار في «المجموع» قول أبي ثورٍ وابن المنذر: أنَّ [9] ابتداء المدَّة من المسح؛ لأنَّ قوَّة الأحاديث تعطيه، وحديث ابني خزيمة وحبَّان هذا [10] موافقٌ لحديث الباب في الدَّلالة على اشتراط الطَّهارة [/ج1ص280/] الكاملة عند اللُّبس، فلو لبس قبل غسل [11] رجليه وغسلهما فيه؛ لم يجز المسح إلَّا أن ينزعهما من مقرِّهما ثمَّ يدخلهما فيه، ولو أدخل إحداهما بعد غسلها ثمَّ غسل الأخرى وأدخلها؛ لم يجز المسح [12] إلَّا أن ينزع الأولى من [13] مقرِّها ثمَّ [14] يدخلها فيه؛ لأنَّ الحكم المُترتِّب [15] على التَّثنية غير الحكم المُترتِّب [16] على الوحدة، واستضعفه ابن دقيق العيد؛ لأنَّ الاحتمال باقٍ، قال: لكن إن ضُمَّ إليه دليلٌ يدلُّ على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض؛ اتَّجه، ولوِ ابتدأ اللُّبس بعد غسلهما ثمَّ أحدث قبل وصولهما إلى موضع القدم؛ لم يجزِ المسح، ولو غسلهما بنيَّة الوضوء ثمَّ لبسهما ثمَّ أكمل باقي أعضاء الوضوء؛ لم يجزْ له المسح عند الشَّافعيِّ ومن وافقه على إيجاب التَّرتيب، وجاز [17] عند أبي حنيفة رضي الله عنه ومن وافقه على عدم وجوب التَّرتيب؛ بناءً على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض، ولم يخرج المصنِّف في هذا الكتاب ما يدلُّ على توقيت المسح، وقد قال به الجمهور؛ للحديث الذي قدَّمتُه [18] وحديث مسلمٍ وغيره، وخالف المالكيَّة في المشهور عندهم، فلم يجعلوا للمسح تأقيتًا بأيَّامٍ مُطلقًا، بل يمسح عليه ما لم يخلعه أو يجب على الماسح غسلٌ، نعم؛ روى أشهبُ: أنَّ المسافر يمسح ثلاثة أيَّامٍ، ولم يذكر للمقيم وقتًا، وروى ابن نافعٍ: أنَّ المقيم يمسح من الجمعة إلى الجمعة، قال القاضي أبو محمَّدٍ: هذا يحتمل الاستحباب، ثمَّ قال: بل هو مقصودٌ، ووجهه: أنَّه يغتسل للجمعة، وعُزِيَ إلى مالكٍ في «الرِّسالة» المنسوبة إليه: أنَّه حدَّ للمسافر ثلاثة أيَّامٍ، وللمقيم يومًا وليلة، وأُنكِرتِ الرِّسالة المنسوبة لمالكٍ.

ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه: رواية التَّابعيِّ الكبير عن التَّابعيِّ، والعنعنة، والتَّحديث.

[1] في (س): «زكريا».
[2] زيد في (م): «ابن».
[3] قوله: «ولم أرَه من حديثه إلَّا بالعنعنة... لا يحمل عن شيوخه»، سقط من (ص).
[4] «وهما طاهرتان»: سقط من (د).
[5] في (د): «رخَّص».
[6] في (ب) و(س): «بابتداء».
[7] في (ص): «الأصحِّ».
[8] «منه»: سقط من (د).
[9] «أنَّ»: سقط من (د)
[10] في (د) و(م): «هو».
[11] في (ص): «غسله».
[12] قوله: «إلَّا أن ينزعهما من مقرِّهما... وأدخلها؛ لم يجز المسح»، سقط من (د).
[13] في (ص): «عن».
[14] في (م): «ويدخلها».
[15] في (ص) و(م): «المرتَّب».
[16] في غير (د) و(س): «المرتَّب».
[17] في (ب) و(س): «وهذا الوضوء يجوز»، وفي (ص) و(م): «وكذا».
[18] في (د): «قدَّمناه».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

206-. حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قالَ: حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ، عن عامِرٍ، عن عُرْوَةَ بنِ المُغِيرَةِ:

عن أَبِيهِ، قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فقالَ: «دَعْهُما، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ [1] ». فَمَسَحَ عَلَيْهِما.

[1] في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وهما طاهرتان».





206- ( فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ ) نصب على الحال، وفي رواية أبي الهيثم: «وهما طَاهِرَتَانِ»، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ.


206# (فِي سَفَرٍ) هذه [1] السفرةُ هي غزوةُ تبوك

@%ج1ص132%

كما بين في رواية أخرى في «الصحيح».

(فَأَهْويتُ) أي: مِلْت بيدي.

(لأَنْزِعَ) بكسر الزاي.

(طَاهِرتيْنِ) نصب على الحال من الضمير [2] في قوله: ((أدخلتهما)). وفي رواية أبي الهيثم: <وهما طاهرتان>، وبينهما فرق إذا تأملت.

ولا حُجة فيه على مَنْ جَوَّزَ المسحَ إذا غسل إحدى رجليه، ولبس أحدَهما [3] كما ظنَّه ابن بطَّال؛ إذ يحتمل أن يكون إدخالُ كلِّ رِجْلٍ بعد كمال طهارة المجموع، أو بعد طهارتها فقط، واللفظُ صادقٌ على كلِّ احتمال منهما، نعم إن ضمَّ إلى هذا دليلٌ على أن طهارة إحداهما لا تحصلُ إلا بكمال الطَّهارة في جميع الأعضاء، انتهض [4] هذا حجةً.

[1] في (م): ((هذا))، والمثبت من النسخ الأخرى.
[2] في (ق): ((الضم)).
[3] في (ق): ((إحداهما)).
[4] في (ق): ((انهض)).





206- قوله: (حَدَّثَنَا أبو نُعَيْمٍ): تقدَّم مرارًا أنَّه الفضل بن دُكَين الحافظ، وتقدَّم بعض ترجمته، وأنَّ دُكَينًا؛ بالدَّال المهملة.

قوله: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ): هو بالمدِّ والقصر، ويجوز من حيث اللُّغة: زكريُّ وزكري؛ بتشديد الياء وتخفيفها، حكاهما ابن دريد وآخرون، وخامسة: زَكَر؛ كقَلَمٍ، حكاها أبو البقاء، وزكريَّا هذا هو ابن أبي زائدة الهْمدانيُّ الوادعيُّ الحافظ، عنِ الشَّعبيِّ، وسماك، وعنه: القطَّان، وأبو نعيم، ثقة، يدلِّس عنِ الشَّعبيِّ، توفِّي سنة (149 هـ ) ، أخرج له الجماعة، قال أبو زرعة: (صويلح) ، وله ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه.

قوله: (عَنْ عَامِرٍ): هو ابن شراحيل الشَّعبيُّ أحد الأعلام، ولد في خلافة عُمر رضي الله عنه، وروايته عن عليٍّ في «البخاريِّ»، ورَوى عن أبي هريرة، والمغيرة، وخلق، وعنه: منصور، وحُصين، وابن عون، وأمم، قال: (أدركت خمس مئة من الصَّحابة) ، وقال: (ما كتبت سوادًا في بياض، ولا حُدِّثت بحديث إلَّا حفظته) ، وقال مكحول: (ما رأيت أفقه من الشَّعبيِّ) ، وقال غيره: الشَّعبيُّ في زمانه كابن عَبَّاس في زمانه، مات سنة ثلاث أو أربع [1] ومئة، أخرج له الجماعة.

قوله: (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ): تقدَّم أنَّ هذا السَّفر كان [2] غزوة تبوك، كما في «الصَّحيح»، وكانت في السَّنة التَّاسعة من الهجرة.

[فائدة: قال البزَّار في «مسنده» عن حديث المغيرة في المسح: روي من نحو ستِّين طريقًا] [3] .

قوله: (لِأَنْزِعَ): هو بكسر الزَّاي؛ أي: أخلع.

قوله: (دَعْهُمَا): الضَّمير في (دع) يعود على الخفَّين.

قوله: (أَدْخَلتُهُمَا): الضَّمير في (أدخل) يعود على الرِّجلين، فالضَّميران مختلفان.

[1] (أو أربع): ليس في (ب) .
[2] زيد في (ب): (في) .
[3] ما بين معقوفين ليس في (ج) .





206- (دَعْهُمَا): الضَّميرُ لـ (الخُفَّيْن).

(أَدْخَلْتُهُمَا): الضَّميرُ للرِّجْلين، فالضَّميرانِ مختلفانِ.

(طَاهِرَتَيْنِ): على الحال.

(فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا): فيه إضمارٌ تقديرُه: فأحدثَ فمسحَ عليهما.


206- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) [1] ابن أبي زائدة، الكوفيُّ، (عَنْ عَامِرٍ) هو ابن شراحيل، الشَّعبيُّ التَّابعيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وزكريَّا مدلِّسٌ، ولم أرَه من حديثه إلَّا بالعنعنة، لكن أخرجه الإمام أحمد عن يحيى [2] القطَّان عن زكريَّا، والقطَّان لا يحمل عن شيوخه [3] المدلِّسين إلَّا ما كان مسموعًا لهم، صرَّح بذلك الإسماعيليُّ، انتهى. (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ) المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ) في رجب سنة تسعٍ في غزوة تبوك (فَأَهْوَيْتُ)؛ أي: مددت يدي، أو قصدت، أو أشرت، أو أومأت؛ (لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ) صلى الله عليه وسلم، (فَقَالَ: دَعْهُمَا)؛ أي: الخفَّين، (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا)؛ أي: الرِّجلين حال كونهما (طَاهِرَتَيْنِ) من الحدثين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وهما طاهرتان)): جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، ولأبي داود: «فإنِّي أدخلت القدمين الخفَّين وهما طاهرتان [4] . ..»؛ الحديث، ثمَّ أحدث عليه الصلاة والسلام، (فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا)، ولابنَي خزيمة وحبَّان: أنَّه صلى الله عليه وسلم أرخص [5] للمسافر ثلاثة أيَّامٍ ولياليهنَّ، وللمقيم يومًا وليلةً إذا تطهَّر فلبس خفَّيه أن يمسح عليهما؛ أي: من الحدث بعد اللُّبس؛ لأنَّ وقت المسح يدخل بانتهاء [6] الحدث على الرَّاجح [7] ، فاعتبرت مدَّته منه [8] ، واختار في «المجموع» قول أبي ثورٍ وابن المنذر: أنَّ [9] ابتداء المدَّة من المسح؛ لأنَّ قوَّة الأحاديث تعطيه، وحديث ابني خزيمة وحبَّان هذا [10] موافقٌ لحديث الباب في الدَّلالة على اشتراط الطَّهارة [/ج1ص280/] الكاملة عند اللُّبس، فلو لبس قبل غسل [11] رجليه وغسلهما فيه؛ لم يجز المسح إلَّا أن ينزعهما من مقرِّهما ثمَّ يدخلهما فيه، ولو أدخل إحداهما بعد غسلها ثمَّ غسل الأخرى وأدخلها؛ لم يجز المسح [12] إلَّا أن ينزع الأولى من [13] مقرِّها ثمَّ [14] يدخلها فيه؛ لأنَّ الحكم المُترتِّب [15] على التَّثنية غير الحكم المُترتِّب [16] على الوحدة، واستضعفه ابن دقيق العيد؛ لأنَّ الاحتمال باقٍ، قال: لكن إن ضُمَّ إليه دليلٌ يدلُّ على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض؛ اتَّجه، ولوِ ابتدأ اللُّبس بعد غسلهما ثمَّ أحدث قبل وصولهما إلى موضع القدم؛ لم يجزِ المسح، ولو غسلهما بنيَّة الوضوء ثمَّ لبسهما ثمَّ أكمل باقي أعضاء الوضوء؛ لم يجزْ له المسح عند الشَّافعيِّ ومن وافقه على إيجاب التَّرتيب، وجاز [17] عند أبي حنيفة رضي الله عنه ومن وافقه على عدم وجوب التَّرتيب؛ بناءً على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض، ولم يخرج المصنِّف في هذا الكتاب ما يدلُّ على توقيت المسح، وقد قال به الجمهور؛ للحديث الذي قدَّمتُه [18] وحديث مسلمٍ وغيره، وخالف المالكيَّة في المشهور عندهم، فلم يجعلوا للمسح تأقيتًا بأيَّامٍ مُطلقًا، بل يمسح عليه ما لم يخلعه أو يجب على الماسح غسلٌ، نعم؛ روى أشهبُ: أنَّ المسافر يمسح ثلاثة أيَّامٍ، ولم يذكر للمقيم وقتًا، وروى ابن نافعٍ: أنَّ المقيم يمسح من الجمعة إلى الجمعة، قال القاضي أبو محمَّدٍ: هذا يحتمل الاستحباب، ثمَّ قال: بل هو مقصودٌ، ووجهه: أنَّه يغتسل للجمعة، وعُزِيَ إلى مالكٍ في «الرِّسالة» المنسوبة إليه: أنَّه حدَّ للمسافر ثلاثة أيَّامٍ، وللمقيم يومًا وليلة، وأُنكِرتِ الرِّسالة المنسوبة لمالكٍ.

ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه: رواية التَّابعيِّ الكبير عن التَّابعيِّ، والعنعنة، والتَّحديث.

[1] في (س): «زكريا».
[2] زيد في (م): «ابن».
[3] قوله: «ولم أرَه من حديثه إلَّا بالعنعنة... لا يحمل عن شيوخه»، سقط من (ص).
[4] «وهما طاهرتان»: سقط من (د).
[5] في (د): «رخَّص».
[6] في (ب) و(س): «بابتداء».
[7] في (ص): «الأصحِّ».
[8] «منه»: سقط من (د).
[9] «أنَّ»: سقط من (د)
[10] في (د) و(م): «هو».
[11] في (ص): «غسله».
[12] قوله: «إلَّا أن ينزعهما من مقرِّهما... وأدخلها؛ لم يجز المسح»، سقط من (د).
[13] في (ص): «عن».
[14] في (م): «ويدخلها».
[15] في (ص) و(م): «المرتَّب».
[16] في غير (د) و(س): «المرتَّب».
[17] في (ب) و(س): «وهذا الوضوء يجوز»، وفي (ص) و(م): «وكذا».
[18] في (د): «قدَّمناه».





206- ( فَأَهْوَيْتُ ) أي: مددت يدي.

( طَاهِرَتَيْنِ ) حال، وللكُشْمِيهنيِّ: «وهما طاهرتان». [/ج1ص337/]


54/206# قال أبو عبد الله: حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قالَ: حدَّثنا زَكَرِيَّا، عن عامِرٍ، عن عُرْوَةَ بنِ المُغِيرَةِ:

عن أَبِيهِ، قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فقالَ: «دَعْهُما، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِما.

قد استدلَّ بهذه اللفظة مَنْ لا يُجيز المَسْحَ على الخُفَّين لمن لَبس أحدَهما [1] بعد غَسل إحدى رجليه قبل غسل الرِّجل الأخرى، قال: وذلك لأنَّه قد اشترط في إدخال الرجلين طهارتهما معاً، وهو وصفٌ يَجمَعُهما عند ابتداء لُبس الخفين وإدخالهما القدمين، ومن غسَل إحدى الرجلين وأدخلَها أحدَ الخُفِّين قبل أن يغسل الأخرى لم يستحقَّ هذا الوصف؛ إذ طهارةُ إحدى الرجلين مُتعَلِّقَة بطهارة الأخرى، وإليه ذَهَب مالك والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ، وقد ذكر محمَّد بن إسحاق بن خُزيمة في هذا حديثين صَحيحَي الإسناد [2] بلفظتين هما أوضَحُ [3] دَلالةً [4] ، وأكثرُ بياناً من حديث المغيرة، أحدهما: حديثُ أبي بكرَة، والآخر: حديثُ صَفوان بن عَسَّال، حدَّثني بهما عنه إبراهيم بن عبد الله الأصبهانيُّ، قال: حدَّثنا محمَّد بن إسحاق، قال: حدَّثنا بُندار وبشر بن مُعاذ العَقَديُّ ومحمَّد بن أبَان، قالوا: حدَّثنا عبد الوَهَّاب بن عبد المجيد، قال: حدَّثنا المُهاجر _وهو ابن مَخْلَد [5] _ عن عبد [6] الرحمن بن أبي بَكرَة، عن أبيه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه رَخَّصَ [7] للمسافر ثلاثة [8] أيَّام ولياليهنَّ، وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهَّرَ فلبس خُفَّيه أنْ يَمسَحَ عليهما. [9]

فقوله: «إذا تطَّهر فلبس خُفيَّه» شرطٌ في إكمال الطَّهارةِ قبل لُبس الخُفِّ، ألا تراه قد عَقَّبه بحرف

@%ص69%

الفاء التي تُوجب التَّعقيبَ.

قال: وحدَّثنا محمَّد بن يحيى ومحمَّد بن رافع [10] ، قالا: حدَّثنا عبد الرزَّاق، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن زِرّ بن حُبيش، عن صفوان بن عَسَّال قال: «كنَّا في الجيش الذين [11] بعثهم رسولُ الله [12] صلى الله عليه وسلم ، فأمَرَنا [13] أن نَمسح على الخُفَّين إذا نحن أدخلناهما [14] على طهور ثلاثاً إذا سافرنا، وليلةً إذا أقمنا» [15] .

وقوله: «إذا نحن أدخلناهما على طَهورٍ» يُؤكِّد هذا المعنى؛ لأنَّه إذا لبس أحدهما قبل غسل رجله الأخرى لم يكن مدخلُهما على طَهور، والحكم المُعلَّق بشرطين لا يجبُ وُقُوعُه بوجود [16] أحدهما دون الآخر.

قلتُ: زيادةُ الدَّلالة من هذين الحديثين على ما جاء به الإمام [17] أبو عبد الله من حديث المُغيرة هي أنَّه قد علَّق الطَّهارة فيه بالقدمين، وعلَّقهما في هذين الحديثين بالمتوضِّئ، [18] فتأمَّل.

[1] في (ط): (أحديهما).
[2] في (ط): (الأشياخ) وفي (ر): (الأسانيد).
[3] في (ر) و (ف) و (م): (بلفظ أوضح).
[4] في (أ): (بلفظ واضح ذكره).
[5] في (أ): (المهاجر بن منقذ) وفي (م): (المهاجر بن قنفد).
[6] (عن عبد) تكررت في (ط).
[7] في النسخ الفروع: (أرخص).
[8] في (أ) و (م): (في ثلاثة).
[9] انظر: صحيح ابن خزيمة 1/96.
[10] في (ر): (واجع) محرفاً.
[11] في (أ) و (ر) و (ف): (الذي).
[12] في (أ): (بعثه النبي) وفي (م) (بعثهم النبي).
[13] في (ر) و (أ): (فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ).
[14] في (ر): (أدخلنا بهما).
[15] صحيح ابن خزيمة (193).
[16] في النسخ الفروع: (لا يجب وجوده بوقوع).
[17] (الإمام) ليست في الأصل.
[18] في (ط) و (أ): (بالتوضي).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

206# قوله: (فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا): فيه إضمارٌ، تقديره: فأحدث فمسح؛ لأنَّ وقت جواز المسح بعد الحدث، ولا يجوز قبله.


206- وبه قال: ((حدثنا أبو نُعيم)) ؛ بضم النُّون: الفضل بن دكين ((قال: حدثنا زكريا)) ؛ ممدودًا ومقصورًا، هو ابن أبي زائدة الكوفي، ((عن عامر)) : هو ابن شرحبيل، الشعبي التابعي، ((عن عُروة)) بضم العين ((بن المُغيرة)) ؛ بضم الميم، ((عن أبيه)) : هو المغيرة المذكور ابن شُعْبة الصحابي الجليل؛ بضم المعجمة وسكون المهملة ((قال: كنت مع النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم في سَفر)) ؛ بفتح المهملة؛ أي: في غزوة تبوك؛ كما ورد مبيَّنًا في رواية أخرى، وكانت في رجب سنة تسع، ((فأهويت)) ؛ أي: مددت يدي، أو أشرت إليه، أو أومأت، قال الجوهري: (يقال: أهوى إليه بيده ليأخذه) ، وقال الأصمعي: (أهويت بالشيء: إذا أومأت به) ، وقال التيمي: أهويت؛ أي: قصدت، وقيل: أهويت؛ أي: قصدت الهوي من القيام إلى القعود، وقيل: الإهواء: الإمالة، كذا في «عمدة القاري»، وفيه حذف؛ تقديره: فتوضأ إلا رجليه، فأهويت...إلخ، ويحتمل تقديره قبل قوله: فمسح عليهما؛ فتأمل، ((لأنزِع)) ؛ بكسر الزاي، من باب (ضرب يضرِب) .

فإن قلت: فيه حرف الحلق، وما فيه حرف الحلق يكون من باب (فعَل يفعَل) ؛ بالفتح فيهما.

قلت: ليس الأمر كذلك، وإنما [إذا] وجد [1] (فعَل يفعَل) _بالفتح فيهما_؛ فالشرط فيه أن يكون فيه حرف من حروف الحلق، وأمَّا إذا كانت كلمة فيها حرف حلق معلَّق؛ لا يلزم أن يكون من باب (فعَل يفعَل) ؛ بالفتح فيهما، كذا في «عمدة القاري».

((خفَّيه)) ؛ بالتثنية؛ أي: خُفَّي النبي الأعظم عليه السلام، ففيه: خدمة العالم، وللخادم أن يقصد إلى ما يعرف من حديثه دون أن يأمر بها، ((فقال)) عليه السلام له: ((دعهما)) ؛ أي: دع الخفين؛ أي: اتركهما بدون نزع، فـ (دع) معناه: الترك؛ لأنَّه من الأفعال التي أماتوا ماضيها، ((فإني أدخلتهما)) ؛ أي: الرجلين، وجاز تشتيت الضمير؛ لظهور المراد، ولو جعل ضمير (أدخلتهما) عائدًا إلى الخفين على أنه من باب القلب؛ لم يبق فيه تشتيت؛ فافهم، ((طاهرتين)) ؛ أي: من الحدث، وهو منصوب على الحال، هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية: (وهما طاهرتان) ، وهي جملة اسمية حالية، وفي رواية أبي داود: (فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان) ، وللحميدي في «مسنده»: (قلت: يا رسول الله؛ أيمسح أحدنا على خفيه؟ قال: نعم؛ إذا أدخلهما وهما طاهرتان) .

ففيه: أنَّ من لبس خفيه على غير طهارة؛ أنه لا يمسح عليهما بلا خلاف، كما في «عمدة القاري»، والمراد بالطهارة للرجلين: غسلهما، وإتمام الوضوء قبل الحدث، فلو غسل رجليه، ولبس الخفين، ثم أكمل بقية الوضوء، ثم أحدث؛ يجزئه المسح عليهما؛ لأنَّ الشرط: أن يصادف الحدث طهارة كاملة، وكذا لو تخفف المحدث، ثم خاض الماء، فابتلَّ قدماه، ثم تمَّم وضوءَه، ثم أحدث؛ جاز أن يمسح؛ لوجود الشرط، وهو كونهما ملبوسين على طهارة كاملة وقت الحدث، ومثله: ما لو غسل رجليه، ثم تخفَّف، ثم تمَّم الوضوء، أو غسل رجلًا، فخففَّها، ثم الأخرى كذلك، كما في «البحر»، بخلاف ما لو توضأ، ثم أحدث قبل دخول الرِّجل إلى قدم الخف؛ فإنه لا يمسح، وهذا ظاهر من قوله في الحديث: (وهما طاهرتان) ؛ لأنَّ المراد من قوله: (طاهرتان) كونهما مغسولتين سواء كان قبل إكمال الوضوء أو في أثنائه، وبغسلهما لا ريب أنه ارتفع الحدث عنهما، فصدق عليهما أنهما طاهرتان، وليس المراد: إدخالهما طاهرتان بطهر الوضوء؛ لأنَّه لا يفهم من الحديث ذلك؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لقال: فإني أدخلتهما بعد تمام الوضوء، فلمَّا قال: (فإني أدخلتهما طاهرتين) ؛ عُلِم منه أنه لا يشترط أن يكون لبسهما على طهارة بعد تمام الوضوء، بل يجوز المسح سواء غسلهما قبل تمام الوضوء أو بعده؛ فليحفظ.

وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: معنى قوله: «أدخلتهما طاهرتين» يجوز أن يقال: إذا غسلهما وإن لم تكمل الطهارة، كما يقال: صلى ركعتين قبل أن يتمَّ صلاته، وهذا هو المتبادر من اللفظ، ويحتمل أن يريد: طاهرتان من جنابة أو خبث، ولو قلت: دخلنا البلد ونحن ركبان؛ يشترط أن يكون كل واحد راكبًا عند دخوله، ولا يشترط اقترانهم في الدخول، فكون كل واحدة من الرجلين عند إدخالهما الخف طاهرة؛ إذ لم يدخلهما الخفين وهما معًا طاهرتان؛ لأنَّ إدخالهما معًا غير متصوَّر عادة، وإنما أراد إدخال كل واحدة الخف وهي طاهرة بعد الأخرى، وقد وُجِد، ومع هذا فإن المسألة مبنية على أن الترتيب شرط عند الشافعي، وليس بشرط عندنا، وهو المتبادر من لفظ الحديث؛ كما لا يخفى؛ فافهم.

((فمسح)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((عليهما)) ؛ أي: على الخفين، وفيه إضمار؛ تقديره: فأحدث، فمسح عليهما؛ لأنَّ وقت جواز المسح بعد الحدث والوضوء، ولا يجوز قبله؛ لأنَّه على طهارة.

وليس في هذا الحديث توقيت مدة المسح، وهو المرجح عند مالك من أقوال تقدم بيانها، والمشهور وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: أنه للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها؛ لما رواه ابن خزيمة من حديث صفوان بن عسال [2] : (أمرنا[/ص181/]

رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا) ، ولما في «مسلم» من حديث علي رضي الله عنه قال: (جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهنَّ للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم) ، ورواه ابن حبان، وهذا حجة على مالك في عدم توقيته بمدَّة.

وابتداء المدة للمقيم والمسافر عقيب الحدث الذي يحصل بعد لبس الخفين على طهر عند عامَّة علمائنا، وهو الصحيح؛ لأنَّ الخف عهد مانعًا سراية الحدث، فيعتبر ابتداء المدة من وقت المنع؛ لأنَّ ما قبله ليس طهارة مسح، بل طهارة غسل، فلا تعتبر، وقال الإمام المرغيناني في «الهداية»: (المسح جائز من كل حدث موجب للوضوء إذا لبسهما على طهارة كاملة، ثم أحدث) ، ثم قال: (وقوله: «إذا لبسهما على طهارة كاملة»: لا يفيد اشتراط الكمال وقت اللبس، بل وقت الحدث، وهو المذهب عندنا حتى لو غسل رجليه ولبس خفيه، ثم أكمل الطهارة، ثم أحدث؛ يجزئه المسح، وهذا لأنَّ الخف مانع حلول الحدث بالقدم، فيراعى كمال الطهارة وقت المنع وهو وقت الحدث حتى لو كانت ناقصة عند ذلك؛ كان الخف رافعًا) .

قال ابن حجر بعد ذكر كلام «الهداية»: (والحديث حجة عليه؛ لأنَّه جعل الطهارة قبل لبس الخف شرطًا لجواز المسح، والمعلَّق بشرط لا يصحُّ إلا بوجود ذلك الشرط) .

وردَّه في «عمدة القاري»: بأن الحديث المذكور ليس بحجة على صاحب «الهداية»، أمَّا أولًا؛ فإن اشتراط اللبس على طهارة كاملة لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في أنه هل يشترط الكمال عند اللبس أو عند الحدث؟ فعندنا: عند الحدث، وعند الشافعي: عند اللبس، وتظهر ثمرة الخلاف: فيما إذا غسل رجليه أولًا، ولبس خفيه، ثم أتمَّ الوضوء قبل أن يُحدِث؛ جاز له المسح عندنا خلافًا له، وكذا لو توضأ، فرتَّب، لكن غسل إحدى رجليه، ولبس الخف، ثم غسل الأخرى، ولبس الخف الآخر؛ يجوز له المسح عندنا، وهو قول الثوري، ومطرف من أصحاب مالك، والمزني صاحب الشافعي، وابن المنذر وغيرهم، خلافًا للشافعي، وذلك لصدق أنه أدخل كلًّا من رجليه الخفين، وهي طاهرة.

وقوله: (المعلق بشرط لا يصح إلا بوجود ذلك الشرط) سلَّمناه، ولكن لا نسلم أنه عليه السلام شرط كمال الطهارة وقت اللبس؛ لأنَّه لا يفهم ذلك من نصِّ الحديث، غاية ما في الحديث: أنه أخبر أنه لبسهما وقدماه كانتا طاهرتين، فأخذنا من هذا اشتراط الطهارة؛ لأجل جواز المسح سواء كانت حاصلة وقت اللبس أو وقت الحدث، وتقييده بوقت اللبس أمر زائد لا يُفْهَمُ من العبارة، فإذا تقرر هذا؛ لم يكن الحديث حجة على صاحب «الهداية»، بل حجة له؛ حيث اشترط الطهارة لأجل جواز المسح، وحجة على الشافعي؛ حيث يأخذ منه ما ليس يدل على مدعاه، على أنه قدمنا عن الحافظ الطحاوي أن قوله: (أدخلتهما طاهرتين) : يحتمل أن يقال: إنَّه غسلهما وإن لم تكمل الطهارة، كما يقال: صلى ركعتين قبل أن يتم صلاته، ويحتمل أن يريد طاهرتان من جنابة أو خبث.

ولو قلت: دخلنا البلد ونحن ركبان؛ يشترط أن يكون كل واحد راكبًا عند دخول البلد، ولا يشترط اقترانهم في الدخول، وإدخالهما معًا غير متصوَّر عادة، وإنما المتبادر إدخال كل واحدة الخف وهي طاهرة بعد الأخرى، وقد وُجِد.

وقال ابن حجر أيضًا: (وحديث صفوان السابق أقوى حجة للشافعي) .

قال في «عمدة القاري»: (إن كان مراده من قوله: «أقوى حجة» كون مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يومًا وليلة؛ فمسلَّم؛ لأنَّه قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، ونحن نقول به، وإن كان مراده اشتراط الطهارة وقت اللبس؛ فغير مسلَّم؛ ذلك لأنَّه لا يفهم ذلك من نص الحديث على ما ذكرناه الآن) .

ثم قال ابن حجر: (وحديث صفوان وإن كان صحيحًا لكنه ليس على شرط المؤلف، لكن حديث الباب موافق له في الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس) .

ورده في «عمدة القاري»؛ حيث قال: (قلت: بعد أن صح حديث صفوان عند جماعة من المحدثين لا يلزم أن يكون على شرط المؤلف، وقوله: «موافق له في الدلالة...»إلخ: غير مسلَّم؛ لأنَّه لا يدل على كون الطهارة عند اللبس، نعم؛ هو موافق له في مطلق اشتراط الطهارة لا غير، فإن ادعى هذا القائل أنَّه يدل على كونها عند اللبس؛ فعليه البيان بأي نوع من أنواع الدلالة) انتهى.

وزاد في الطنبور نغمة العجلونيُّ على ابن حجر وقال: (والظاهر من الأحاديث: الطهارة الكاملة عند اللبس، ويكفي الظهور في ثبوت الحكم لا سيما رواية: «وهما طاهرتان»؛ لدلالة الجملة الاسمية على الاستمرار) انتهى.

قلت: وهو مردود؛ فأي دليل دلَّه على أن (الظاهر من الأحاديث: الطهارة الكاملة عند اللبس) ، وما ذاك إلا دعوى بدون دليل، بل الظاهر المتبادر من الأحاديث: اشتراط الطهارة وقت الحدث، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم.

وقوله: (ويكفي الظهور في ثبوت الحكم) : مردود؛ لأنَّه لم يَظْهَر شيء مما قاله حتى يَثْبُتَ الحكم، وهذا الظهور أوهى من بيت العنكبوت.

وقوله: (لا سيما رواية: «وهما طاهرتان») ؛ يعني: أنه قد ترقَّى في الدليل، ولم يدر أنَّه قد تكلَّم بكلام لا يقبله الطبع السليم، ولا يقوله إلا صاحب الطبع والفهم السقيم، وغاية ما يدل قوله: (وهما طاهرتان) إخبارٌ منه أنه لبسهما على طهارة فقط، وكونه عند اللبس أمر زائد على المفهوم المتبادر من الأحاديث، كما لا يخفى.

وقوله: (لدلالة الجملة الاسمية على الاستمرار) ؛ معناه: الاستمرار على الطهارة، فليس فيه دلالة على ما قاله الشافعية، بل الأحاديث التي في هذا الباب ظاهرها والمتبادر منها ما يدل على ما قاله الأئمة الحنفية، ومن تتبع ما قلناه؛ ظهر له الحق اليقين، وخسر هنالك المبطلون؛ فافهم.

وفي الحديث: إمكان الفهم عن الإشارة، وردُّ الجواب بالعلم على ما يفهم من الإشارة؛ لأنَّ المغيرة أهوى لينزع الخفين، ففهم منه عليه السلام ما أراد، [فأجاب] بأن يجزئه المسح، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

[1] في الأصل: (وجب)، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (غسان)، وهو تحريف.