إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين

206- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) [1] ابن أبي زائدة الكوفيُّ (عَنْ عَامِرٍ) هو ابن شراحيل الشَّعبيُّ التَّابعيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وزكريَّا مدلِّسٌ، ولم أرَه من حديثه إلَّا بالعنعنة، لكن أخرجه الإمام أحمد عن يحيى [2] القطَّان عن زكريَّا، والقطَّان لا يحمل عن شيوخه [3] المدلِّسين إلَّا ما كان مسموعًا لهم، صرَّح بذلك الإسماعيليُّ. انتهى. (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ) المغيرة بن شعبة رضي الله عنهم (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فِي سَفَرٍ) في رجب سنة تسعٍ في غزوة تبوك (فَأَهْوَيْتُ) أي: مددت يدي، أو قصدت، أو أشرت، أو أومأت (لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ) صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ: دَعْهُمَا) أي: الخفَّين (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا) أي: الرِّجلين حال كونهما (طَاهِرَتَيْنِ) من الحدثين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وهما طاهرتان)) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، ولأبي داود: «فإنِّي أدخلت القدمين الخفَّين وهما طاهرتان [4]...» الحديثَ، ثمَّ أحدث عليه الصلاة والسلام (فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) ولابنَي خزيمة وحبَّان: «أنَّه صلى الله عليه وسلم أرخص [5] للمسافر ثلاثة أيَّامٍ ولياليهنَّ، وللمقيم يومًا وليلةً إذا تطهَّر فلبس خفَّيه أن يمسح عليهما» أي: من الحدث بعد اللُّبس لأنَّ وقت المسح يدخل بانتهاء [6] الحدث على الرَّاجح [7] فاعتبرت مدَّته منه [8]، واختار في «المجموع» قول أبي ثورٍ وابن المنذر أنَّ [9] ابتداء المدَّة من المسح لأنَّ قوَّة الأحاديث تعطيه، وحديث ابني خزيمة وحبَّان هذا [10] موافقٌ لحديث الباب في الدَّلالة على اشتراط الطَّهارة
ج1ص280
الكاملة عند اللُّبس، فلو لبس قبل غسل [11] رجليه وغسلهما فيه لم يجز المسح إلَّا أن ينزعهما من مقرِّهما ثمَّ يدخلهما فيه، ولو أدخل إحداهما بعد غسلها ثمَّ غسل الأخرى وأدخلها لم يجز المسح [12] إلَّا أن ينزع الأولى من [13] مقرِّها ثمَّ [14] يدخلها فيه؛ لأنَّ الحكم المُترتِّب [15] على التَّثنية غير الحكم المُترتِّب [16] على الوحدة، واستضعفه ابن دقيق العيد لأنَّ الاحتمال باقٍ، قال: لكن إن ضُمَّ إليه دليلٌ يدلُّ على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض اتَّجه، ولوِ ابتدأ اللُّبس بعد غسلهما ثمَّ أحدث قبل وصولهما إلى موضع القدم لم يجزِ المسح، ولو غسلهما بنيَّة الوضوء ثمَّ لبسهما ثمَّ أكمل باقي أعضاء الوضوء لم يجزْ له المسح عند الشَّافعيِّ ومن وافقه على إيجاب التَّرتيب وجاز [17] عند أبي حنيفة رضي الله عنه ومن وافقه على عدم وجوب التَّرتيب؛ بناءً على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض، ولم يخرج المصنِّف في هذا الكتاب ما يدلُّ على توقيت المسح، وقد قال به الجمهور للحديث الذي قدَّمتُه [18] وحديث مسلمٍ وغيره، وخالف المالكيَّة في المشهور عندهم، فلم يجعلوا للمسح تأقيتًا بأيَّامٍ مُطلقًا، بل يمسح عليه ما لم يخلعه أو يجب على الماسح غُسْلٌ، نعم؛ روى أشهبُ: أنَّ المسافر يمسح ثلاثة أيَّامٍ، ولم يذكر للمقيم وقتًا، وروى ابن نافعٍ: أنَّ المقيم يمسح من الجمعة إلى الجمعة، قال القاضي أبو محمَّدٍ: هذا يحتمل الاستحباب، ثمَّ قال: بل هو مقصودٌ، ووجهه: أنَّه يغتسل للجمعة، وعُزِيَ إلى مالكٍ في «الرِّسالة» المنسوبة إليه: أنَّه حدَّ للمسافر ثلاثة أيَّامٍ، وللمقيم يومًا وليلة، وأُنكِرتِ الرِّسالة المنسوبة لمالكٍ.
ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه: رواية التَّابعيِّ الكبير عن التَّابعيِّ، والعنعنة والتَّحديث.
ج1ص281


[1] في (س): «زكريا».
[2] زيد في (م): «ابن».
[3] قوله: «ولم أرَه من حديثه إلَّا بالعنعنة... لا يحمل عن شيوخه» سقط من (ص).
[4] «وهما طاهرتان»: سقط من (د).
[5] في (د): «رخَّص».
[6] في (ب) و(س): «بابتداء».
[7] في (ص): «الأصحِّ».
[8] «منه»: سقط من (د).
[9] «أنَّ»: سقط من (د).
[10] في (د) و(م): «هو».
[11] في (ص): «غسله».
[12] قوله: «إلَّا أن ينزعهما من مقرِّهما... وأدخلها لم يجز المسح» سقط من (د).
[13] في (ص): «عن».
[14] في (م): «ويدخلها».
[15] في (ص) و(م): «المرتَّب».
[16] في غير (د) و(س): «المرتَّب».
[17] في (ب) و(س): «وهذا الوضوء يجوز»، وفي (ص) و(م): «وكذا».
[18] في (د): «قدَّمناه».