متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

205- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ)؛ بفتح العَيْن المُهمَلة، وسكون المُوَحَّدة، لقب عبد الله بن عثمان، العتكيّ الحافظ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك، المروزيُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ)؛ بفتح اللَّام، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو)؛ بفتح العين [1] ، زاد الأَصيليُّ وأبوي الوقت وذَرٍّ وابن عساكر: ((ابن أميَّة))، (عَنْ أَبِيهِ) عمرٍو المذكور رضي الله عنه، وأسقط بعض الرُّواة عنه: ((جعفرًا)) من الإسناد، قال أبو حاتمٍ الرَّازي: وهو خطأٌ، (قَالَ) عمرو بن أميَّة: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ) بعد مسح النَّاصية أو بعضها، كما في رواية مسلمٍ السَّابقة، أو على عمامته فقط مقتصرًا عليها، (وَ) كذا رأيته يمسح على (خُفَّيْهِ)؛ أي: في الوضوء، والاقتصار على [2] المسح على العمامة هو مذهب الإمام أحمد، [/ج1ص279/]

لكن بشرط أن يعتَّم بعد كمال الطَّهارة، ومشقَّة نزعها؛ بأن تكون مُحنَّكةً كعمائم العرب؛ لأنَّه عضوٌ يسقط فرضه في التَّيمُّم، فجاز المسح على حائله كالقدمين، ووافق الإمامَ أحمدَ على ذلك الأوزاعيُّ والثَّوريُّ وأبو ثورٍ وابن خزيمة، وقال ابن المنذر: إنَّه ثبت عن أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، وقد صحَّ أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: «إن يطعِ النَّاسُ أبا بكرٍ وعمر؛ يرشدوا» واحتجَّ المانعون بقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6] ، ومن مسح على العمامة؛ لم يمسح على رأسه، وأجمعوا على أنَّه لا يجوز مسح الوجه في التَّيمُّم على حائلٍ دونه، فكذلك الرَّأس، وقال الخطَّابيُّ: فرض الله مسح الرَّأس، والحديث في مسح العمامة محتملٌ للتَّأويل، فلا يُترَك المُتيقَّن للمحتمل، قال [3] : وقياسه على مسح الخفِّ بعيدٌ؛ لأنَّه يشقُّ نزعه بخلافها. انتهى. وأُجيب: بأنَّ الآية لا تنفي الاقتصار على المسح عليها، لا سيَّما عند من يحمل المُشتَرك على حقيقته ومجازه؛ لأنَّ من قال: قبَّلت رأس فلانٍ، يصدق ولو كان على حائلٍ، وبأنَّ الذين أجازوا الاقتصار [4] على مسحها شرطوا فيه المشقَّة في نزعها، كما في الخفِّ، وقد مرَّ، والتَّقييد «بالعمامة»: مخرجٌ للقلنسوة ونحوها، فلا يجوز الاقتصار في المسح عليها، نعم؛ رويَ عن أنسٍ رضي الله عنه: «أنَّه مسح على القلنسوة»، وتحصل سُنَّة مسح جميع الرَّأس عندنا بتكميله على العمامة عند عسر رفعها، أو عند [5] عدم إرادة نزعها، وقال الأَصيليُّ _فيما حكاه عنه ابن بطَّالٍ_: ذكر «العمامة» في هذا الحديث من خطأ الأوزاعيِّ؛ لأنَّ شيبان وغيره روَوه عن يحيى بدونها، فوجب تغليب رواية الجماعة على الواحد. انتهى. وأُجيب: بأنَّ تفرُّد الأوزاعيِّ بذكر «العمامة» على تقدير تسليمه لا يستلزم تخطئته؛ لأنَّه زيادةٌ من ثقةٍ غير منافيةٍ لغيره، فتُقبَل.

ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين مروزيٍّ وشاميٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة.

(وَتَابَعَهُ)؛ بواو العطف، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((تابعه))؛ بإسقاطها؛ أي: تابع الأوزاعيَّ على رواية هذا المتن (مَعْمَرٌ)؛ أي: ابن راشدٍ، (عَنْ يَحْيَى) ابن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، (عَنْ عَمْرٍو) بالواو بإسقاط «جعفرٍ» الثَّابت في السَّابقة، وهذا هو السَّبب في سياق المؤلِّف الإسناد ثانيًا؛ ليبيِّن [6] أنَّه ليس في رواية مَعْمَرٍ ذكر جعفرٍ بين أبي سلمة [7] وعمرٍو، (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم)، لم يُذكَرِ [8] المتن في هذه الرِّواية، وهذه المُتابَعَة رواها عبد الرَّزاق في «مُصنَّفه» عن مَعْمَرٍ بدون ذكر «العمامة»، وهي مُرسَلةٌ، لكن أخرجها ابن منده في كتاب «الطَّهارة» له من طريق مَعْمَرٍ؛ بإثباتها، وأبو سلمة لم يسمع من عمرٍو، بل من ابنه [9] جعفرٍ، فالمُتابَعة مُرسَلةٌ.

[1] «بفتح العين»: سقط من (د).
[2] في (م): «في».
[3] «قال»: سقط من (ص).
[4] في (م): «الذين اقتصروا».
[5] «عند»: سقط من (م).
[6] في (د): «ليتبيَّن».
[7] «أبي»: سقط من (د).
[8] في (د): «يذكروا».
[9] في (د): «أبيه»، وهو تصحيفٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

205-. حدَّثنا عَبْدانُ، قالَ: أخبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: أخبَرَنا الأَوْزاعِيُّ، عن يَحْيَىَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن جَعْفَرِ بنِ عَمْرٍو [1] :

عن أَبِيهِ [2] ، قالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ علىَ عِمامَتِهِ وَخُفَّيْهِ.

وَتابَعَهُ [3] مَعْمَرٌ، عن يَحْيَىَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن عَمْرٍو، قالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[1] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «بن أُمَيَّة».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[3] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «تابعه».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

205- قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ): تقدَّم مرَّات أنَّه عَبْد الله بن عثمان، وتقدَّم بعض ترجمته، ولماذا لُقِّب (عبدان) .

قوله: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ): هذا هو ابن المبارك، العالم الرَّبَّانيُّ الفرد في عدَّة فنون رحمة الله عليه.

قوله: (أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ): تقدَّم أنَّه أبو عَمرو عَبْد الرَّحمن بن عَمرو العالم المشهور [1] .

قوله: (عَنْ يَحْيَى): هذا هو ابن أبي [2] كَثِير؛ بفتح الكاف، وكسر المثلَّثة، تقدَّم.

[قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ): تقدَّم أنَّه ابن عَبْد الرَّحمن بن عوف] [3] ، وأنَّه أحد الفقهاء السَّبعة على قول الأكثر، وأنَّ اسمه عَبْد الله [4] ، وقيل: إِسْمَاعِيل أعلاه.

قوله: (يَمْسَحُ على عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ): فائدة: اختلف العلماء في المسح على العمامة بدلًا عنِ الرَّأس على قولين، وقال بكلٍّ منهما جماعة من الصَّحابة، وممَّن كان يراه: أحمد وأبو ثور، وممَّن كان لا يراه: مالك، وأبو حنيفة، والشَّافعيُّ.

وقال أبو محمَّد ابن حزم الظَّاهريُّ: (ستَّة من الصَّحابة روَوا ذلك عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأسانيد لا معارض لها، ولا مطعن فيها: المغيرة، وبلال، وعمرو بن أميَّة، وسلمان [5] ، وكعب بن عجرة، وأبو ذرٍّ، وبهذا يقول جمهور الصَّحابة والتَّابعين، وقد قال الشَّافعيُّ: إنْ صحَّ الخبر؛ فبه أقول، وقد صحَّ؛ فهو قوله [6] ) [7] انتهى.

وفي «البحر» عن محمَّد بن نصر المروزيِّ -من كبار الشَّافعيَّة-: أنَّه يكفي المسح على العمامة سواء وضع العمامة على طهر أم لا، وأجاب أصحاب الشَّافعيِّ: بأنَّ هذه الأحاديث وقع فيها اختصار، والمراد مسح النَّاصية والعمامة؛ بدليل رواية المغيرة بن شُعْبَة: (مسح بناصيته وعلى عمامته) ، أخرجها مُسْلِم، ورواية بلال: (أنَّه عليه السَّلام مسح على الخفَّين، وبناصيته، وعلى [8] العمامة) ، قال البيهقيُّ: (إسنادها حسن) [9] ، وقالوا أيضًا: فإنَّ العمامة لا تسمَّى رأسًا، واشترط أحمد وضعها على طهارة، وأنْ يكون محنَّكًا بها، فإنْ لَمْ يكن محنَّكًا بها، وكان لها ذؤابة؛ فوجهان لأصحابه، وفي مسح المرأة على مقنعتها روايتان عندهم، والله أعلم.

قوله: (وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عن يَحْيَى [10] ، عن أَبِي سَلَمَة،َ عن عَمْرِو [11] قَالَ: رَأَيْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): الضَّمير في (تَابعَهُ) يعود على الأَوْزَاعِيِّ، وهو بإسكان العين، وهو ابن راشد، وقد تقدَّم بعض ترجمته، ومتابعة معمر لَمْ أرها في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، وقال شيخنا: (وأمَّا متابعة معمر [12] ؛ فمرسلة، وليس فيها ذكر العمامة، ورواه عَبْد الرزَّاق عن معمر بدونها) انتهى [13]

وحديث أبي سلمة عن عَمرو بن أميَّة أخرجه ابن ماجه في (الطَّهارة) ، عن دحيم [14] ، عنِ الوَلِيد بن مُسْلِمٍ، عنِ الأَوْزَاعِيِّ، عن يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن عَمْرِو بن أُمَيَّةَ به، زاد المِزِّيُّ في «أطرافه»: (تابعه معمر، عن يحيى، وقال شيبان وغير واحد: عن يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن جعفر بن عمرو بن أُمَيَّةَ، عن أبيه، وكذلك قال عَبْد الله بن المبارك، عنِ الأَوْزَاعِيِّ، وقد مضى) انتهى.

قوله: (عَنْ يَحْيَى): هو ابن أبي كَثِير، تقدَّم قريبًا وبعيدًا أنَّه بفتح الكاف، وكسر المثلَّثة.

قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ): تقدَّم أنَّه ابن [15] عَبْد الرَّحمن بن عوف، وأنَّه أحد الفقهاء السَّبعة على قول الأكثر، وتقدَّم بعض ترجمته.

تنبيه: الحاصل من هذه المتابعات: أنَّ الأربعة -وهم: شيبان؛ هو ابن [16] عَبْد الرَّحمن، وحرب؛ هو ابن شدَّاد، وأبان؛ هو ابن يزيد، والأوزاعيُّ- روَوه عن يحيى هو ابن أبي كَثِير، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عَمرو بن أميَّة، (عن عَمرو بن أميَّة) [17] ، وأنَّ معمرًا رواه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عَمرو بن أميَّة، فأسقط جعفرًا، والله أعلم.

[1] (العالم المشهور): ليس في (ب) .
[2] (أبي): ليس في (ج) .
[3] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[4] في (ج): (الرحمن) ، وكذا كان في (أ) قبل الإصلاح.
[5] في (ج): (وسليمان) .
[6] في النسخ: (قول) ، والمثبت موافق لما في «المحلى» (*) .
[7] «المحلَّى» (*) .
[8] في (ب): (على) .
[9] «السنن الصغرى» (107) .
[10] (عن يحيى): ليس في (ج) .
[11] في (ج): (عمر) ، وليس بصحيح.
[12] في (أ) و (ب): (عمرو) ، وكذا في «التوضيح» (4/355) ، والمثبت من (ج) وسائر الشروح، ولعله هو الصواب.
[13] «التوضيح» (4/355) .
[14] في (ب): (الحكم) ، وفي (ج): (دحم) ، وكلاهما تحريف.
[15] (ابن): سقط من (ج) .
[16] (ابن): ليس في (ج) .
[17] ما بين قوسين ليس في (ب) و (ج) .





لا تتوفر معاينة

205- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ)؛ بفتح العَيْن المُهمَلة، وسكون المُوَحَّدة، لقب عبد الله بن عثمان، العتكيّ الحافظ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك، المروزيُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ)؛ بفتح اللَّام، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو)؛ بفتح العين [1] ، زاد الأَصيليُّ وأبوي الوقت وذَرٍّ وابن عساكر: ((ابن أميَّة))، (عَنْ أَبِيهِ) عمرٍو المذكور رضي الله عنه، وأسقط بعض الرُّواة عنه: ((جعفرًا)) من الإسناد، قال أبو حاتمٍ الرَّازي: وهو خطأٌ، (قَالَ) عمرو بن أميَّة: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ) بعد مسح النَّاصية أو بعضها، كما في رواية مسلمٍ السَّابقة، أو على عمامته فقط مقتصرًا عليها، (وَ) كذا رأيته يمسح على (خُفَّيْهِ)؛ أي: في الوضوء، والاقتصار على [2] المسح على العمامة هو مذهب الإمام أحمد، [/ج1ص279/]

لكن بشرط أن يعتَّم بعد كمال الطَّهارة، ومشقَّة نزعها؛ بأن تكون مُحنَّكةً كعمائم العرب؛ لأنَّه عضوٌ يسقط فرضه في التَّيمُّم، فجاز المسح على حائله كالقدمين، ووافق الإمامَ أحمدَ على ذلك الأوزاعيُّ والثَّوريُّ وأبو ثورٍ وابن خزيمة، وقال ابن المنذر: إنَّه ثبت عن أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، وقد صحَّ أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: «إن يطعِ النَّاسُ أبا بكرٍ وعمر؛ يرشدوا» واحتجَّ المانعون بقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6] ، ومن مسح على العمامة؛ لم يمسح على رأسه، وأجمعوا على أنَّه لا يجوز مسح الوجه في التَّيمُّم على حائلٍ دونه، فكذلك الرَّأس، وقال الخطَّابيُّ: فرض الله مسح الرَّأس، والحديث في مسح العمامة محتملٌ للتَّأويل، فلا يُترَك المُتيقَّن للمحتمل، قال [3] : وقياسه على مسح الخفِّ بعيدٌ؛ لأنَّه يشقُّ نزعه بخلافها. انتهى. وأُجيب: بأنَّ الآية لا تنفي الاقتصار على المسح عليها، لا سيَّما عند من يحمل المُشتَرك على حقيقته ومجازه؛ لأنَّ من قال: قبَّلت رأس فلانٍ، يصدق ولو كان على حائلٍ، وبأنَّ الذين أجازوا الاقتصار [4] على مسحها شرطوا فيه المشقَّة في نزعها، كما في الخفِّ، وقد مرَّ، والتَّقييد «بالعمامة»: مخرجٌ للقلنسوة ونحوها، فلا يجوز الاقتصار في المسح عليها، نعم؛ رويَ عن أنسٍ رضي الله عنه: «أنَّه مسح على القلنسوة»، وتحصل سُنَّة مسح جميع الرَّأس عندنا بتكميله على العمامة عند عسر رفعها، أو عند [5] عدم إرادة نزعها، وقال الأَصيليُّ _فيما حكاه عنه ابن بطَّالٍ_: ذكر «العمامة» في هذا الحديث من خطأ الأوزاعيِّ؛ لأنَّ شيبان وغيره روَوه عن يحيى بدونها، فوجب تغليب رواية الجماعة على الواحد. انتهى. وأُجيب: بأنَّ تفرُّد الأوزاعيِّ بذكر «العمامة» على تقدير تسليمه لا يستلزم تخطئته؛ لأنَّه زيادةٌ من ثقةٍ غير منافيةٍ لغيره، فتُقبَل.

ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين مروزيٍّ وشاميٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة.

(وَتَابَعَهُ)؛ بواو العطف، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((تابعه))؛ بإسقاطها؛ أي: تابع الأوزاعيَّ على رواية هذا المتن (مَعْمَرٌ)؛ أي: ابن راشدٍ، (عَنْ يَحْيَى) ابن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، (عَنْ عَمْرٍو) بالواو بإسقاط «جعفرٍ» الثَّابت في السَّابقة، وهذا هو السَّبب في سياق المؤلِّف الإسناد ثانيًا؛ ليبيِّن [6] أنَّه ليس في رواية مَعْمَرٍ ذكر جعفرٍ بين أبي سلمة [7] وعمرٍو، (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم)، لم يُذكَرِ [8] المتن في هذه الرِّواية، وهذه المُتابَعَة رواها عبد الرَّزاق في «مُصنَّفه» عن مَعْمَرٍ بدون ذكر «العمامة»، وهي مُرسَلةٌ، لكن أخرجها ابن منده في كتاب «الطَّهارة» له من طريق مَعْمَرٍ؛ بإثباتها، وأبو سلمة لم يسمع من عمرٍو، بل من ابنه [9] جعفرٍ، فالمُتابَعة مُرسَلةٌ.

[1] «بفتح العين»: سقط من (د).
[2] في (م): «في».
[3] «قال»: سقط من (ص).
[4] في (م): «الذين اقتصروا».
[5] «عند»: سقط من (م).
[6] في (د): «ليتبيَّن».
[7] «أبي»: سقط من (د).
[8] في (د): «يذكروا».
[9] في (د): «أبيه»، وهو تصحيفٌ.





205- ( وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ... ) إلى آخره، زاد أبو ذرٍّ لفظ المتن.

( وَهُوَ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ ) زاد الكُشْمِيهنيُّ: «وخفَّيه».


53/205# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدانُ، قالَ: أخبَرنا عَبْدُ اللهِ [1] ، قالَ: أخبَرنا الأَوْزاعِيُّ، عن يَحْيَىَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن جَعْفَرِ بنِ عَمْرٍو:

عن أَبِيهِ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ علىَ عِمامَتِهِ وَخُفَّيْهِ.

قلت: ظاهر هذا [2] يُوجب جوازَ المَسح على العمامة من غير أن يَصِله بشيءٍ [3] من الرأس، كما يَمْسَحُ على الخُفِّ من غير أن يَمسَح معه شيءٌ من الرِّجل، وقد قال به غيرُ واحدٍ من العلماء؛ منهم الأوزاعيُّ، وهو مَذْهَبُ أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأهل الظاهر، وقال أحمد: قد جاء ذلك عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من خمسة أوْجُهٍ [4] . وإليه ذهب محمَّدُ بنُ إسحاقَ بن خزيمة وعامَّةُ أصحاب الحديث، واشترط كُلُّ من جَوَّز المَسْح على العِمامة أن يكونَ الماسحُ قد اعتَمَّ بعد كمال الطهارة كالماسح على الخُفَّين، وزاد بعضُهم في شرائطه أن يكونَ قد تَلَحَّى بالعمامة، فإن لم يجعلها [5] تحت الذَّقن لم يُجزِئه [6] المَسحُ عليها، وكأنَّه راعَى هيئة القوم وعادتَهم في لُبس العمائم، وكان عامَّتُهم يجعلونها تحت الأذقان، فمن خالف ذلك لم تُجعل [7] له الرُّخصَة في المَسح، والعمامة إنَّما تتماسَكُ وتثبُتُ على رأس المُعتمِّ إذا جعلَ شيئاً تحت ذَقَنه، فيكون ذلك شبيهاً بالخُفِّ المخْروز المُتماسك في رجله [8] ، ولو تَلَفَّفَ بالجلد من غير خَرْز لم يُجْزِئه المَسحُ، فكذلك إذا اقتعَطَ [9] العِمامة من غير تحنيك

@%ص68%

لم يُجزِئه [10] المَسْحُ [11] عليها؛ لانَّ ذلك إنَّما يكون حينئذ بمنزلة الكارة [12] الموضوعة فوق الرأس.

فأمَّا أكثر الفقهاء فإنَّهم لم يجيزوا [13] المَسَح على العمِامة، وتأوَّلوا الخبر على

أنَّه أراد به مَسحَ مُقَدَّم الرأس من غير نقضٍ للعِمامة أو إبانةٍ لها [14] عن مكانها.

[1] (قال أخبرنا عبد الله) سقط من (ط).
[2] في النسخ الفروع: (ظاهره).
[3] في (ط): (من غير أن يمسح معه شيء من الرأس).
[4] انظر المغني لابن قدامة 1/219
[5] في (ط): (يخلعها) محرفاً.
[6] في النسخ الفروع: (لم يجز).
[7] في النسخ الفروع: (لم تكن).
[8] في النسخ الفروع: (في الرجل).
[9] قال صاحب التاج (قعط): قعط عمامته يَقْعَطُها قَعْطاً واقْتَعَطَها أدارها على رأسه ولم يتلحَّ بها.
[10] في (النسخ الفروع: (لم يجز).
[11] قوله: (فكذلك إذا... المسح): سقط من (ط).
[12] في الأصل فوق كلمة (الكارة) بشتواره، وكأنها شرح لتلك الكلمة بلغة الناسخ.
[13] في (ط): (يجوزوا) بالواو.
[14] (لها) ليست في الأصل.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

205- وبالسند قال: ((حدثنا عَبْدان)) ؛ بفتح العين المهملة وسكون الموحدة، لقب عبد الله بن عثمان العتكي الحافظ ((قال: أخبرنا عبد الله)) ؛ أي: ابن المبارك المروزي ((قال: أخبرنا الأوزاعي)) : عبد الرحمن الإمام، ((عن يحيى)) ؛ أي: ابن أبي كثير، وعند أحمد: (عن أبي المغيرة عن الأوزاعي: حدثنا يحيى) ، ((عن أبي سلَمة)) ؛ بفتح اللام، ابن عبد الرحمن بن عوف، ((عن جعْفر)) بسكون العين ((بن عَمرو)) بفتح العين ((بن أُمية)) ؛ بضم الهمزة، قال في «عمدة القاري»: (وأسقط بعض الرواة عن الأوزاعي جعفرًا من الإسناد، وهو خطأ، قاله أبو حاتم الرازي) انتهى ((عن أبيه)) ؛ أي: عمرو بن أمية الصحابي السابق ((قال: رأيت النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم يمسح على عِمامته)) ؛ بكسر العين؛ أي: بعد مسح الناصية أو بعضها، كما في رواية مسلم، أو على عمامته فقط مقتصرًا عليها؛ كما هو ظاهر الحديث، وهو مذهب أحمد ابن حنبل بشروط عنده ستأتي، وقال الأصيلي: (ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي؛ لأنَّ شيبان رواه عن يحيى ولم يذكرها، وتابعه حرب وأبان، والثلاثة خالفوا الأوزاعي، فوجب تغليب الجماعة على الواحد) ، وأجاب في «عمدة القاري»: بأنه على تقدير تفرد الأوزاعي بذكر العمامة؛ لا يستلزم ذلك تخطئته؛ لأنَّه زيادة من ثقة غير منافية لرواية غيره فتُقْبَل، انتهى؛ فليحفظ، ((و)) كذا رأيته يمسح على ((خفيه)) ؛ أي: في الوضوء، ويشترط عند أحمد للمسح على العمامة الاعتمام بعد كمال الطهارة، ومشقة نزعها بأن تكون محنكة كعمائم العرب، ولأنه عضو يسقط فرضه في التيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين، وفي «المغني» للحنابلة: من شرائط جواز المسح شيئان؛ أحدهما: أن تكون تحت الحنك سواء أرخى لها ذؤابة أو لا، وقيل: إنَّما يحرم المسح على العمامة التي ليس لها حنك؛ لأنَّه عليه السلام أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط، وهو ألَّا يكون تحت الحنك منها شيء، وروي عن عمر: (أنه رأى رجلًا ليس تحت حنكه من عمامته شيء فحنكه بكور منها، وقال: ما هذه الفاسقة؟) ، والثاني: أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين، ويستحب أن يمسح على ما ظهر من الرأس مع المسح على العمامة، نصَّ عليه أحمد، انتهى، وهو قول قتادة، ومكحول، والأوزاعي، وأبو ثور.

وقال ابن المنذر: (وممن مسح على العمامة أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأنس، وأبو أمامة) انتهى، وقال الإمام الأعظم، وأصحابه، وعروة، والنخعي، والشعبي، وأبو القاسم، ومالك، والشافعي: لا يجوز المسح على العمامة؛ لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6] ، ومن مسح على العمامة؛ لم يصدق عليه أنه مسح على رأسه، وأجمعوا على أنه لا يجوز مسح الوجه في التيمم على حائل دونه، فكذلك الرأس، وقال الخطابي: (فرض الله مسح الرأس، والحديث في مسح العمامة مُحْتَمِل للتأويل، فلا يُتْرَكُ المتيقن للمحتمل، وقياسه على مسح الخف بعيد؛ لأنَّه يشق نزعه بخلافها) انتهى.

وأيضًا مسح الخف الأخبار فيه مستفيضة، تجوز الزيادة بمثلها على الكتاب بخلاف مسح العمامة، فإنه قد أنكره بعض الصحابة، كذا في «البحر»، وقد أخرج الترمذي عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: سألت جابر بن عبد الله عن المسح على العمامة، فقال: أَمِسَّ الشعر، وقال الإمام محمد بن الحسن في «موطئه»: (أخبرنا مالك قال: بلغني عن جابر بن عبد الله أنه سئل عن المسح على العمامة، فقال: لا حتى تمس الشعر الماء) ، قال الإمام محمد: (وبهذا نأخذ) ، ثم قال: (أخبرنا مالك قال: حدثنا نافع قال: رأيت صفية بنت أبي عبيدة تتوضأ، وتنزع خمارها، ثم تمسح برأسها، قال نافع: وأنا يومئذ صغير) ، قال الإمام محمد: (وبهذا نأخذ، وقد بلغنا أن المسح على العمامة كان، ثم تُرِك) ، كذا في «غاية البيان».

وحديث الباب محمول على فرع ذكره في «السراج الوهاج»، وهو: (إذا كانت العمامة رقيقة تنفذ البلة منها وتصير إلى الرأس مقدار مسحه؛ فإنه يجوز) انتهى، ويدل لهذا أن في زمانهم العمامة كانت رقيقة تشفُّ الماء، ولم يكن في زمانهم الطربوش؛ فعمامتهم الشاش الرقيق فقط، لا سيما وبلادهم حارة لا يلبس فيها إلا الرقيق، وذكر في «البحر»: (أن المرأة إذا مسحت على خمارها ونفذت البلة إلى رأسها حتى ابتل قدر الربع منه؛ فيجوز) انتهى.

قلت: أو يُحْمَل حديث الباب على أن الراوي كان بعيدًا عن النبي الأعظم عليه السلام، فمسح عليه السلام على رأسه ولم يضع العمامة عن رأسه؛ فظن الراوي أنه عليه السلام مسح على العمامة، وأراد الراوي المجاز إطلاقًا لاسم الحال على المحل، فهذا الحديث متروك الظاهر، لاسيما وقد صرَّح مسلم بروايته: (أنه عليه السلام مسح على ناصيته ثم مسح على عمامته) ، وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال: بالمسح على القلنسوة إلا أنسًا، فإنه مسح على قلنسوته.

ولا يجوز المسح على الوقاية قولًا واحدًا، ولا نعلم فيها خلافًا؛ لأنَّه [لا] يشقُّ نزعها، وفي جواز المسح للمرأة على الخمار عن أحمد روايتان؛ الجواز وعدمه، وبعدمه قال نافع، وحماد بن سليمان، والأوزاعي، وسعيد بن [/ص180/] عبد العزيز، وتمامه في «عمدة القاري» و«منهل الطلاب».

((وتابعه)) ؛ بواو العطف الساقطة في رواية؛ أي: تابع الأوزاعيَّ على رواية هذا الحديث ((مَعمَرٌ)) ؛ بفتح الميمين، ابن راشد، وهذه المتابعة ناقصة ذكرها على سبيل التعليق، و (معمرٌ) ؛ بالرفع فاعل؛ لقوله: (تابعه) ، والضمير المنصوب فيه للأوزاعي، ((عن يحيى)) : هو ابن أبي كثير، ((عن أبي سلَمة)) ؛ بفتح اللام: ابن عبد الرحمن بن عوف، ((عن عمرو)) ؛ بالواو، لكن بإسقاط (جعفر) في هذه المتابعة الثابت في الرواية السابقة، وهذا هو السبب في سياق المؤلف الإسناد ثانيًا؛ ليبيِّن أنه ليس في رواية معمر ذكر (جعفر) بين (أبي سلمة) و (عمرو) ؛ فليحفظ، ((قال)) أي: عمرو ((رأيت النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم يمسح على عِمامته)) بكسر العين ((وخفَّيه)) ؛ أي: ورأيته يمسح على خفيه عليه السلام، وسقط المتن كله في رواية، وفي أخرى سقط قوله: (وخفيه) فقط، وقال في «عمدة القاري»: (وهذه المتابعة مرسلة، وليس فيها ذكر العمامة؛ لما روى عنه عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو قال: رأيت النبي عليه السلام يمسح على خفيه، هكذا وقع في «مصنف» عبد الرزاق، ولم يذكر «العمامة»، وأبو سلمة لم يسمع من عمرو، وإنما سمع من أبيه جعفر، فلا حجة فيها) .

قال الكرماني: (ووقع في كتاب «الطهارة» لابن منده من طريق معمر، وفيه ذكر «العمامة») ، قال ابن حجر: (سماع أبي سلمة من عمرو ممكن، فإنه مات بالمدينة سنة ستين، وأبو سلمة مدني، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو) ، قال العجلوني: (يعني: فيحمل ما يرويه على السماع عند مسلم من عدم اشتراط اللقي بالفعل) انتهى.

وردَّ كلام ابن حجر في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: كونه مدنيًّا وسماعه من خلق ماتوا قبله؛ لا يستلزم سماعه من عمرو، وبالاحتمال لا يَثْبُتُ ذلك) انتهى.

قلت: وقول العجلوني: (يعني: فيحمل...) إلخ: لا حاجة لهذه العناية والحمل؛ لأنَّ الشرط عند المؤلف ومن وافقه: اشتراط اللقي بالفعل والسماع منه حقيقة، فكيف يصحُّ الحمل على ما شرطه مسلم؟ ولا ريب أن هذا قياس مع الفارق، والفرق ظاهر بين ما شرطه المؤلف وشرطه مسلم، والعجلوني مثله كمثل رجل ركب في سفينة في البحر، وأراد أن يتوضأ، فجاء إلى قارورة الماء، فرأى قربها قارورة خمر والإفرنج يشربون من الخمر، ثم يشربون من الماء، فقال بحمل الماء على الطهارة، وتوضَّأ منه، وصلى، فأين تصح هذه الصلاة مع تيقُّن نجاسة الماء؟! فافهم.

والحديث يفيد صحة المسح على العمامة بدلًا عن مسح الرأس، وهو متروك الظاهر؛ كما قدمنا، وأخذ بظاهره أحمد وقال: بالصحة، لكن بالشروط السابقة، ويشترط أيضًا ألا تكون عمامة محرَّمة، فلا يجوز المسح على عمامة مغصوبة، ولا يجوز للمرأة أن تمسح على عمامة إذا لبست عمامة رجل، والأظهر عنده: وجوب استيعابها والتوقيت كالخف، ويبطل المسح بالنزع والانكشاف إلا أن يكون يسيرًا؛ مثل أن يحك رأسه أو يرفعها لأجل الوضوء، وفي اشتراط لبسها على طهارة روايتان عنه، انتهى، وعندنا المسح على الخف المغصوب صحيح، كما في «الدر» وغيره، والله تعالى أعلم.