متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

202- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ)؛ بفتح الهمزة، وسكون المُهمَلة، وفتح المُوَحَّدة، آخره مُعجَمة، أبو عبد الله (بْنُ الْفَرَجِ)؛ بالجيم، القرشيُّ الفقيه (الْمِصْرِيُّ) المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) القرشيِّ المصريِّ، وكان «أصبغُ» ورَّاقًا له [1] أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي)، وفي رواية: ((أخبرني))؛ بالإفراد فيهما (عَمْرٌو) بفتح العَيْن، ((ابن الحارث))، كما في رواية ابن عساكر، أبو أميَّة المؤدِّب [2] الأنصاريُّ المصريُّ الفقيه، المُتوفَّى بمصر [3] سنة ثمانٍ وأربعين ومئةٍ، قال: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو النَّضْرِ)؛ بالضَّاد المُعجَمَة السَّاكنة، سالم بن أبي أميَّة، القرشيُّ المدنيُّ، مولى عمر بن عُبَيْد الله، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ)؛ بفتح اللَّام، عبد الله (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ، القرشيِّ الفقيه المدنيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) رضي الله عنه: (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ) القويِّين الطَّاهرين الملبوسين بعد كمال الطُّهر، السَّاترين لمحلِّ الفرض، وهو القدم بكعبيه من كلِّ الجوانب غير الأعلى، فلو كان واسعًا ترى [4] منه؛ لم يضرَّ [5] ، (وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) هو عطفٌ على قوله: «عن عبد الله بن عمر»، فيكون موصولًا إن حملناه على أنَّ أبا سلمةَ سمع ذلك من عبد الله، وإلَّا؛ فأبو سلمة لم يدركِ القضيَّة [6] (سَأَلَ) أباه (عُمَرَ)؛ أي: ((ابن الخطَّاب))، كما للأَصيليِّ (عَنْ ذَلِكَ)؛ أي: عن مسح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على الخفَّين، (فَقَالَ) عمر رضي الله عنه: (نَعَمْ) مسح عليه الصلاة والسلام على الخفَّين، (إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ) لثقته بنقله، وقد أخرج الحديث الإمام أحمد من طريقٍ أخرى عن أبي النَّضر عن أبي سلمة عن ابن عمر قال: «رأيت سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه [/ج1ص277/] يمسح على [7] خفَّيه بالعراق حين توضَّأ، فأنكرت ذلك عليه، فلمَّا اجتمعنا عند عمر رضي الله عنه قال لي سعدٌ: سل أباك...»، وذكر القصَّة، ورواه ابن خزيمة من طريق أيُّوب عن نافعٍ عن ابن عمر نحوه، وفيه: أنَّ عمر رضي الله عنه قال: «كنَّا ونحن مع نبيِّنا صلى الله عليه وسلم نمسح على خِفافنا لا نرى بذلك بأسًا»، وإنَّما أنكر ابن عمر المسح على الخفَّين مع قِدَمِ صحبته وكثرة [8] روايته؛ لأنَّه خفيَ عليه ما اطَّلع عليه غيره، أو أنكر عليه مسحه في الحضر، كما هو ظاهر رواية «المُوطَّأ» من حديث نافعٍ وعبد الله بن دينارٍ: أنَّهما أخبراه: أنَّ ابن عمر قدم الكوفة على سعدٍ وهو أميرها، فرآه يمسح على الخفَّين، فأنكر ذلك [9] عليه، فقال له سعدٌ: سل أباك...؛ فذكر القصَّة، وأمَّا في السَّفر فقد كان [10] ابن عمر يعلمه، ورواه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه الكبير»، وابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» من رواية عاصمٍ عن سالمٍ عنه: رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفَّين بالماء في السَّفر، وقد تكاثرتِ الرِّوايات بالطُّرق المتعدِّدة عن الصَّحابة رضي الله عنهم الذين كانوا لا يفارقونه عليه الصلاة والسلام سفرًا ولا حضرًا، وقد صرَّح جمعٌ من الحفَّاظ بتواتره، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثَّمانين [11] ، منهم: العشرة المُبشَّرة، وعن ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصريِّ: حدَّثني سبعون من الصَّحابة بالمسح على الخفَّين، واتَّفق العلماء على جوازه؛ خلافًا للخوارج كبتهم الله؛ لأنَّ القرآن [12] لم يرد به، وللشِّيعة قاتلهم الله تعالى، لأنَّ عليًّا رضي الله عنه امتنع منه، ويُرَدُّ عليهم: صحَّته عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتواتره على قول بعضهم كما تقدَّم، وأمَّا ما ورد عن عليٍّ رضي الله عنه فلم يَرِدْ عنه بإسنادٍ موصولٍ يثبت بمثله، كما قاله البيهقيُّ، وقد قال الكرخيُّ: أخاف الكفر على من لم [13] يرَ المسح على الخفَّين، وليس بمنسوخٍ؛ لحديث [14] المغيرة في غزوة تبوك، وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، و«المائدة» نزلت قبلها في غزوة المريسيع، فأُمِنَ [15] النَّسخ للمسح، ويؤيِّده حديث جريرٍ رضي الله عنه: أنَّه رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد «المائدة» يمسح [16] .

ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين مصريٍّ [17] ومدنيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ولم يخرجه المؤلِّف في غير هذا الموضع، ولم يخرج مسلمٌ في المسح إلَّا لعمر بن الخطَّاب [18] رضي الله عنه، فهذا الحديث من أفراد المؤلِّف، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة» أيضًا.

(وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقُبَةَ) رضي الله عنه؛ بضمِّ العَيْن، وسكون القاف، وفتح المُوَحَّدة، التَّابعيُّ صاحب «المغازي»، المُتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ، مما وصله الإسماعيليُّ وغيره بهذا الإسناد: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو النَّضْرِ)، التَّابعيُّ، (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ) التَّابعيَّ أيضًا (أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدًا) هو ابن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه (حَدَّثَهُ)؛ أي: حدَّث أبا سلمة: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفَّين (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (لِعَبْدِ اللهِ) ولدِه (نَحْوَهُ)؛ بالنَّصب؛ لأنَّه مقول القول؛ أي: نحو قوله في الرِّواية السَّابقة: إذا حدَّثك [19] شيئًا [20] سعدُ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فلا تسأل عنه غيره، فقول عمر رضي الله عنه في هذه الرِّواية المُعلَّقة بمعنى الموصولة السَّابقة لا بلفظها، والفاء في «فقال»: عطفٌ على قوله: «حدَّث» المحذوف [21] عند المصنِّف، كما قدَّرناه [22] إلى آخره، وإنَّما حذفه؛ لدلالة السِّياق عليه.

[1] في (ص): «ثم».
[2] في (م): «المؤذِّن»، وهو تصحيفٌ.
[3] «بمصر»: سقط من (ص).
[4] في (د): «يرى».
[5] في (م): «يضرَّه».
[6] في (م): «القصَّة».
[7] في (م): «عن».
[8] في (ص): «كثر».
[9] «ذلك»: سقط من (د).
[10] في (د) و(م): «فكان».
[11] في (د): «الثَّمان والثَّمانين»، وفي غير (د): «الثَّمانين والمئة»، وليس بصحيحٍ.
[12] في (ص): «القراءة».
[13] في (ب) و(س): «لا».
[14] في (م): «بحديث»، وهو خطأٌ.
[15] في (ص): «فأين».
[16] «يمسح»: سقط من (س).
[17] في غير (ب) و(م): «بصريٍّ»، وهو تحريفٌ.
[18] «ابن الخطَّاب»: سقط من (د).
[19] في (ص): «حدَّث».
[20] «شيئاً»: سقط من غير (ب) و(س).
[21] في حاشية (س): «الصَّواب: عُطِف على المُحدَّث به المحذوف، كما هو صنيع ابن حجرٍ، انتهى. مصحِّحه».
[22] في (س): «قرَّرناه»، وهو تحريفٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

202-. حدَّثنا أَصْبَغُ بنُ الفَرَجِ المِصْرِيُّ [1] ، عن ابْنِ وَهْبٍ، قالَ: حدَّثني عَمْرٌو: حدَّثني [2] أبو النَّضْرِ، عن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ:

عن سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ: سَأَلَ عُمَرَ [3] عن ذَلِكَ فقالَ: نَعَمْ، إذا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ.

وقالَ مُوسَىَ بنُ عُقْبَةَ: أخبَرَني أبو النَّضْرِ: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أخبَرَه: أَنَّ سَعْدًا، فقالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللَّهِ. نَحْوَهُ.

[1] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثنا أَصْبَغ المصري»، وفي رواية أبي ذر: «حدَّثنا أَصْبَغ بن الفَرَج».
[2] في رواية ابن عساكر: «أخبَرَني عمرو بن الحارث، قالَ: حدَّثني».
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «بنَ الخطاب».





202- ( أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ) بهمزة مفتوحة وغين معجمة مضمومة لا ينصرف.


202# (أَصْبَغُ) بهمزة مفتوحة فصاد مهملة ساكنة فموحدة مفتوحة فغين معجمة، لا ينصرف.

(إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئاً سَعْد، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلاَ تَسْأَلْ عَنْهُ [1] غيْرَهُ) فيه [2] أصل حسن [3] في شرعية الاستظهار [4] على البينة وعلى الرواية؛ فإنه [5] ليس كلُّ واحد [6] يُستظهر عليه، فسعدٌ ممَّن [7] لا يُستظهر عليه، وذلك أصل في تفاوت رتب العدالة، ودخول الترجيح في ذلك عند التعارض، قاله ابن المنيِّر.

[1] ((عنه)): ليست في (ق).
[2] ((فيه)): ليست في (ق).
[3] في (ق): ((خبر)).
[4] في (م) و(د): ((شرعيته للاستظهار)).
[5] في (ق): ((وإنه)).
[6] في (ق): ((أحد)).
[7] في (م) و(د): ((من)).





202- قوله: (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ): هو عَبْد الله بن وهب أبو محمَّد الفهريُّ مولاهم، المصريُّ، أحد الأعلام، عنِ ابن جريج، ويونس، وعنه: أحمد بن صالح، والرَّبيع، وحرملة، وأمم، قال يحيى ابن بكير: (هو أفقه من ابن القاسم) ، قال ابن يونس: (طُلِب للقضاء، فجنَّن نفسه وانقطع) توفِّي سنة (197 هـ ) ، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان»، وقد تقدَّم الكلام عليه، وهو أحد الأثبات.

قوله: (حَدَّثَنِي عَمْرٌو): هو ابن الحارث بن يعقوب أَبُو أميَّة الأنصاريُّ مولاهم، المصريُّ، أحد الأعلام، عن أبي [1] يونس مولى أبي هريرة، وابن أبي مليكة، والزُّهْرِيِّ، وخلق، وعنه: اللَّيث، ومالك، وابن وهب، وخلق، حجَّة، توفِّي سنة (148 هـ ) ، وله غرائب، وله ترجمة في «الميزان»، أخرج له الجماعة.

قوله: (حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ): هو بالضَّاد المعجمة، وقد تقدَّم أنَّه لا حاجة إلى تقييده؛ لأنَّه لا يرد إلَّا بالألف واللَّام؛ بخلاف نصر، وهو سالم بن أبي [2] أميَّة المدنيُّ، عن أنس، وكتب إليه ابنُ أبي أوفى، وعنه: مالك، واللَّيث، ثقة نبيل [3] ، وثَّقه ابن مَعِين والنَّسائيُّ، توفِّي سنة (129 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وقد تقدَّم.

قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ): تقدَّم أنَّ هذا أحد الفقهاء السَّبعة على قول الأكثر، وأنَّ اسمه عَبْد الله، وقيل: إِسْمَاعِيل.

قوله: (وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ): هو بفتح الهمزة، معطوف على (أنَّه) التي قبلها.

قوله: (وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ [4] سَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ...) إلى آخره: قال شيخنا الشَّارح: (إِنَّمَا أنكر ابن عُمر رضي الله عنهما على سعد رضي الله عنه المسح في الحضر كما هو مبيَّن في بعض الرِّوايات، وأمَّا في السفر؛ فقد كان ابن عُمر يعلِّمه ويرويه مرفوعًا، كما رواه ابن أبي شيبة وغيره) .

قوله: (وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ...) إلى آخره: إِنَّمَا أتى بهذا التَّعليق لفائدة؛ وهي تصريح أبي النَّضر بأنَّ أبا سلمة أخبره بخلاف السَّند الأوَّل، فإنَّه عنعن وإنْ كان أَبُو النَّضر سالم سالمًا من التَّدليس، لكن ليخرج من الخلاف من عنعنة غير المدلِّس، والله أعلم.

وتعليق موسى بن عقبة أخرجه النَّسائيُّ، عن قتيبة، عن إِسْمَاعِيل بن جعفر، عن موسى، عن أبي النَّضر، عن أبي سلمة، عن سعد عنه عليه السَّلام «المسح على الخفَّين لا بأس به»، ولم يذكر ابن عمر.

[1] في (ج): (ابن) .
[2] (أبي): ليس في (ج) .
[3] في (ب): (يقبل) .
[4] زيد في (ب): (هو بفتح الهمزة) ، وهو تكرار في غير محله، فقد سبق في سطر فوقه.





202- (نَحْوَهُ): منصوبٌ مقولُ القول.


202- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ)؛ بفتح الهمزة، وسكون المُهمَلة، وفتح المُوَحَّدة، آخره مُعجَمة، أبو عبد الله (بْنُ الْفَرَجِ)؛ بالجيم، القرشيُّ الفقيه (الْمِصْرِيُّ) المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) القرشيِّ المصريِّ، وكان «أصبغُ» ورَّاقًا له [1] أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي)، وفي رواية: ((أخبرني))؛ بالإفراد فيهما (عَمْرٌو) بفتح العَيْن، ((ابن الحارث))، كما في رواية ابن عساكر، أبو أميَّة المؤدِّب [2] الأنصاريُّ المصريُّ الفقيه، المُتوفَّى بمصر [3] سنة ثمانٍ وأربعين ومئةٍ، قال: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو النَّضْرِ)؛ بالضَّاد المُعجَمَة السَّاكنة، سالم بن أبي أميَّة، القرشيُّ المدنيُّ، مولى عمر بن عُبَيْد الله، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ)؛ بفتح اللَّام، عبد الله (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ، القرشيِّ الفقيه المدنيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) رضي الله عنه: (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ) القويِّين الطَّاهرين الملبوسين بعد كمال الطُّهر، السَّاترين لمحلِّ الفرض، وهو القدم بكعبيه من كلِّ الجوانب غير الأعلى، فلو كان واسعًا ترى [4] منه؛ لم يضرَّ [5] ، (وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) هو عطفٌ على قوله: «عن عبد الله بن عمر»، فيكون موصولًا إن حملناه على أنَّ أبا سلمةَ سمع ذلك من عبد الله، وإلَّا؛ فأبو سلمة لم يدركِ القضيَّة [6] (سَأَلَ) أباه (عُمَرَ)؛ أي: ((ابن الخطَّاب))، كما للأَصيليِّ (عَنْ ذَلِكَ)؛ أي: عن مسح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على الخفَّين، (فَقَالَ) عمر رضي الله عنه: (نَعَمْ) مسح عليه الصلاة والسلام على الخفَّين، (إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ) لثقته بنقله، وقد أخرج الحديث الإمام أحمد من طريقٍ أخرى عن أبي النَّضر عن أبي سلمة عن ابن عمر قال: «رأيت سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه [/ج1ص277/] يمسح على [7] خفَّيه بالعراق حين توضَّأ، فأنكرت ذلك عليه، فلمَّا اجتمعنا عند عمر رضي الله عنه قال لي سعدٌ: سل أباك...»، وذكر القصَّة، ورواه ابن خزيمة من طريق أيُّوب عن نافعٍ عن ابن عمر نحوه، وفيه: أنَّ عمر رضي الله عنه قال: «كنَّا ونحن مع نبيِّنا صلى الله عليه وسلم نمسح على خِفافنا لا نرى بذلك بأسًا»، وإنَّما أنكر ابن عمر المسح على الخفَّين مع قِدَمِ صحبته وكثرة [8] روايته؛ لأنَّه خفيَ عليه ما اطَّلع عليه غيره، أو أنكر عليه مسحه في الحضر، كما هو ظاهر رواية «المُوطَّأ» من حديث نافعٍ وعبد الله بن دينارٍ: أنَّهما أخبراه: أنَّ ابن عمر قدم الكوفة على سعدٍ وهو أميرها، فرآه يمسح على الخفَّين، فأنكر ذلك [9] عليه، فقال له سعدٌ: سل أباك...؛ فذكر القصَّة، وأمَّا في السَّفر فقد كان [10] ابن عمر يعلمه، ورواه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه الكبير»، وابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» من رواية عاصمٍ عن سالمٍ عنه: رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفَّين بالماء في السَّفر، وقد تكاثرتِ الرِّوايات بالطُّرق المتعدِّدة عن الصَّحابة رضي الله عنهم الذين كانوا لا يفارقونه عليه الصلاة والسلام سفرًا ولا حضرًا، وقد صرَّح جمعٌ من الحفَّاظ بتواتره، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثَّمانين [11] ، منهم: العشرة المُبشَّرة، وعن ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصريِّ: حدَّثني سبعون من الصَّحابة بالمسح على الخفَّين، واتَّفق العلماء على جوازه؛ خلافًا للخوارج كبتهم الله؛ لأنَّ القرآن [12] لم يرد به، وللشِّيعة قاتلهم الله تعالى، لأنَّ عليًّا رضي الله عنه امتنع منه، ويُرَدُّ عليهم: صحَّته عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتواتره على قول بعضهم كما تقدَّم، وأمَّا ما ورد عن عليٍّ رضي الله عنه فلم يَرِدْ عنه بإسنادٍ موصولٍ يثبت بمثله، كما قاله البيهقيُّ، وقد قال الكرخيُّ: أخاف الكفر على من لم [13] يرَ المسح على الخفَّين، وليس بمنسوخٍ؛ لحديث [14] المغيرة في غزوة تبوك، وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، و«المائدة» نزلت قبلها في غزوة المريسيع، فأُمِنَ [15] النَّسخ للمسح، ويؤيِّده حديث جريرٍ رضي الله عنه: أنَّه رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد «المائدة» يمسح [16] .

ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين مصريٍّ [17] ومدنيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ولم يخرجه المؤلِّف في غير هذا الموضع، ولم يخرج مسلمٌ في المسح إلَّا لعمر بن الخطَّاب [18] رضي الله عنه، فهذا الحديث من أفراد المؤلِّف، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة» أيضًا.

(وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقُبَةَ) رضي الله عنه؛ بضمِّ العَيْن، وسكون القاف، وفتح المُوَحَّدة، التَّابعيُّ صاحب «المغازي»، المُتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ، مما وصله الإسماعيليُّ وغيره بهذا الإسناد: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو النَّضْرِ)، التَّابعيُّ، (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ) التَّابعيَّ أيضًا (أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدًا) هو ابن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه (حَدَّثَهُ)؛ أي: حدَّث أبا سلمة: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفَّين (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (لِعَبْدِ اللهِ) ولدِه (نَحْوَهُ)؛ بالنَّصب؛ لأنَّه مقول القول؛ أي: نحو قوله في الرِّواية السَّابقة: إذا حدَّثك [19] شيئًا [20] سعدُ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فلا تسأل عنه غيره، فقول عمر رضي الله عنه في هذه الرِّواية المُعلَّقة بمعنى الموصولة السَّابقة لا بلفظها، والفاء في «فقال»: عطفٌ على قوله: «حدَّث» المحذوف [21] عند المصنِّف، كما قدَّرناه [22] إلى آخره، وإنَّما حذفه؛ لدلالة السِّياق عليه.

[1] في (ص): «ثم».
[2] في (م): «المؤذِّن»، وهو تصحيفٌ.
[3] «بمصر»: سقط من (ص).
[4] في (د): «يرى».
[5] في (م): «يضرَّه».
[6] في (م): «القصَّة».
[7] في (م): «عن».
[8] في (ص): «كثر».
[9] «ذلك»: سقط من (د).
[10] في (د) و(م): «فكان».
[11] في (د): «الثَّمان والثَّمانين»، وفي غير (د): «الثَّمانين والمئة»، وليس بصحيحٍ.
[12] في (ص): «القراءة».
[13] في (ب) و(س): «لا».
[14] في (م): «بحديث»، وهو خطأٌ.
[15] في (ص): «فأين».
[16] «يمسح»: سقط من (س).
[17] في غير (ب) و(م): «بصريٍّ»، وهو تحريفٌ.
[18] «ابن الخطَّاب»: سقط من (د).
[19] في (ص): «حدَّث».
[20] «شيئاً»: سقط من غير (ب) و(س).
[21] في حاشية (س): «الصَّواب: عُطِف على المُحدَّث به المحذوف، كما هو صنيع ابن حجرٍ، انتهى. مصحِّحه».
[22] في (س): «قرَّرناه»، وهو تحريفٌ.





202- ( أَصْبَغُ ): بفتح الهمزة والموحَّدة آخره معجمة.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

202- وبه قال: ((حدثنا أَصْبَغ)) ؛ بفتح الهمزة، وسكون الصَّاد المهملة، وفتح الموحدة، آخره معجمة، أبو عبد الله ((بن الفَرَج)) ؛ بفتح الفاء والرَّاء آخره جيم، الفقيه القرشي المصري، المصطعلك بالفقه والنظر، المتوفى سنة ست وعشرين ومئتين ((عن ابن وَهب)) ؛ بفتح الواو: هو عبد الله القرشي المصري، ولم يكن في المصريِّين أكثر حديثًا منه، طُلِبَ للقضاء؛ فجنن نفسه، وانقطع، وكان أصبغ ورَّاقًا له ((قال: حدثني)) ، وفي رواية: (أخبرني) ؛ بالإفراد فيهما ((عَمرو)) ؛ بفتح العين المهملة؛ أي: ابن الحارث، كما في روايةٍ، أبو أمية المؤدب الأنصاري المصري القارئ الفقيه، المتوفى بمصر سنة ثمان وأربعين ومئة ((قال: حدثني)) بالإفراد ((أبو النَّضْر)) ؛ بفتح النُّون وسكون المعجمة، سالم بن أبي أمية القرشي المديني، مولى عمر بن عبد الله التيمي وكاتبه، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئة، ((عن أبي سلَمة)) ؛ بفتح اللام؛ أي: عبد الله ((بن عبد الرحمن)) ؛ أي: ابن عوف القرشي الفقيهالمدني، ((عن عبد الله بن عمر)) ؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنهما، ((عن سعْد)) بسكون العين المهملة ((بن أبي وقَّاص)) ؛ بتشديد القاف وبالصَّاد المهملة، أحد العشرة رضي الله عنه.

قال في «عمدة القاري»: وهذا من مسند سعد بحسب الظاهر، وكذا جعله صاحب «الأطراف»، ويحتمل أن يكون من مسند عمر أيضًا، وقال الدارقطني: (رواه أبو أيوب الأفريقي، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن عمر وسعد عن النبي عليه السلام) ، ثم قال الدارقطني: (والصواب: قول عمرو بن الحارث، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن سعد ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم أنَّه مسح على الخفين)) ؛ بشروط؛ منها: لبسهما بعد غسل الرجلين، ومنها: سترهما للكعبين، ومنها: إمكان متابعة المشي فيهما، ومنها: خلوُّ كل منهما عن خرق قدر ثلاث أصابع، ومنها: استمساكهما على الرجلين من غير شدٍّ، ومنها: منعهما وصول الماء إلى الجسد، ومنها: أن يبقى من مُقدَّم القدم قدر ثلاث أصابع، كما هو مبسوط في كتب الفروع، ففيه دليل على ثبوته بالسنة، وقيل: إنَّه ثبت بالكتاب؛ عملًا بقراءة الجر، فإنها لمَّا عارضت قراءة النصب؛ حُمِلَتْ على ما إذا كان متخففًا، وحُمِلَتْ قراءة النصب على ما إذا لم يكن متخففًا، واختاره في «غاية البيان»، وقال الجمهور: إنَّه لم يثبت بالكتاب بدليل قوله: {إِلَى الكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] ؛ لأنَّ المسح غير مُقَدَّرٍ بها بالإجماع، والصحيح أنَّه ثابت بالسنة، كما في «البحر» عن «المستصفى»، واختاره الجمهور، وحملوا قراءة الجر عطفًا على المغسول، والجر؛ للجوار، وقد جاءت السنة بجوازه قولًا وفعلًا، فمُنْكِرُهُ مبتدع، وقال صاحب «البدائع»: (المسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء وعامة الصحابة إلا شيئًا روي عن ابن عباس: «أنه لا يجوز»، وهو قول الرافضة والخوارج) ، ثم قال: (وروي عن الحسن البصري أنَّه قال: «أدركت سبعين صحابيًّا كلهم يرى المسح على الخفين»، وقال الإمام الأعظم: «ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل فلق الصبح»، وروي: «مثل ضوء النهار»، فكان الجحود ردًّا على كبار الصحابة رضي الله عنهم، ونسبته إياهم إلى الخطأ،فكان [1] بدعة) ، وقال شيخ الإسلام: (والدليل على أنَّ [/ص177/] مُنْكِرَ المسح ضالٌّ مبتدع ما روي عن الإمام الأعظم: أنَّه سُئِلَ عن مذهب أهل السنة والجماعة، فقال: هو أن تفضل الشيخين، وتحب الختنين، وترى المسح على الخفين) ، وقال الإمام الكرخي: قال الإمام الأعظم: أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين؛ لأنَّ الآثار التي جاءت فيه في حيِّز التواتر، وقال الإمام أبو يوسف: خبر المسح يجوز نسخ الكتاب به؛ لشهرته، وعلى قياس قوله؛ يكفر جاحده؛ لأنَّ المشهور عنده بمنزلة المتواتر، وعلى قول الإمام الأعظم؛ لا يكفر؛ لأنَّه بمنزلة الآحاد عنده.

وقال البيهقي: (وإنَّما جاء كراهة ذلك عن علي، وابن عباس، وعائشة، فأمَّا الرواية عن علي؛ فلم يرد عنه بإسناد موصول يثبت مثله، وأما عائشة؛ فثبت عنها أنَّها أحالت ذلك على علي رضي الله عنهما، وأمَّا ابن عباس؛ فإنَّما كرهه حين لم يثبت مسحه عليه السلام بعد نزول «المائدة»، فلما ثبت؛ رجع إليه) ، وقال في «الموضوعات»: (إنكار عائشة غير ثابت عنها) ، وقال الكاساني: وأمَّا الرواية عن ابن عباس؛ فلم تصح؛ لأنَّ مداره على عكرمة، وروي أنَّه لما بلغ عطاء؛ قال: كذب عكرمة، وروي عن عطاء أنَّه قال: (كان ابن عباس يخالف الناس في المسح على الخفين، فلم يمت حتى تابعهم) .

وفي «المغني» لابن قدامة: قال أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء أفضل؛ يعني: من الغَسْل؛ لأنَّه عليه السلام وأصحابه إنَّما طلبوا الفضل، وقد تكاثرت الروايات بالطرق المتعددة من الصحابة الذين كانوا لا يفارقون النبي الأعظم عليه السلام في الحضر ولا في السفر، فجرى ذلك مجرى التواتر، وحديث المغيرة كان في غزوة تبوك، فسقط بهذا قول من يقول: آية الوضوء مدنية، والمسح منسوخ بها؛ لأنَّه متقدم؛ لأنَّ غزوة تبوك آخر غزواته عليه السلام، و«المائدة» نزلت قبلها، وممَّا يدل على أنَّ المسح غير منسوخ حديث جرير: (أنَّه رأى النبي الأعظم عليه السلام مسح على الخفين، وهو أسلم بعد «المائدة»، وكان القوم يعجبهم ذلك) ، وأيضًا فإن حديث المغيرة في المسح كان في السفر، فيعجبهم استعمال جرير له في الحضر، وقال النووي: (لما كان إسلام جرير متأخرًا؛ علمنا أن حديثه يُعْمَلُ به، وهو مبين أن المراد بآية «المائدة» غير صاحب الخف، فتكون السنة مخصصة للآية) ، وقال الخطابي: (فيه دليل: على أنَّهم كانوا يرون نسخ القرآن بالسنة) ، وفي «الهداية»: (الأخبار فيه مستفيضة حتى أنَّ من لم يره؛ كان مبتدعًا، لكن من رآه، ثم لم يمسح أخذًا بالعزيمة؛ كان مأجورًا) ، وفي «جامع الفتاوى»: المسح على الخفين أفضل من الغسل؛ أخذًا بالأيسر، وقيل: الغسل أفضل؛ أخذًا بالعزيمة والمشقة، وفي «المجتبى» عن الإمام الترجماني: أنَّ المسح أفضل من الغسل؛ أخذًا بالأيسر، وما ذكره في «الهداية» من أنَّ الغسل أفضل صرَّح به شيخ الإسلام في «المبسوط» لكن بشرط أن يرى جوازه، قال في «التوشيح»: وهذا مذهبنا، وهو الصحيح، كما في «الأجناس»، حتى أنَّ الباني إذا نزع خفيه وغسل رجليه قبل تمام مدة المسح؛ يمضي عند الإمام محمد، وهو رواية عن الإمام الأعظم، ولو لم يكن الغسل أفضل؛ لبطل البناء، انتهى.

وقال الشيخ أبو الحسن الرستغفني: (إنَّ المسح أفضل، وهو أصح الروايتين عن أحمد، وهو قول الشعبي، وحماد، والحاكم، والشافعي، وإسحاق، إمَّا لنفي التهمة عن نفسه؛ لأنَّ الروافض والخوارج لا يرونه، وإمَّا للعمل بقراءة النصب والجر) انتهى.

فعلى هذا ينبغي أن يقال: إنَّ من يعتقد جوازه وليس بحضرة من يتهمه؛ فالغسل أفضل، وإن كان بحضرة من لم يره؛ فالمسح أفضل رغمًا له، كذا في «منهل الطلاب»، واختلفت الرواية عن مالك؛ فروي عنه: (أنه لا يجوز المسح أصلًا) ، كما هو قول الروافض والخوارج، وفي رواية: (أنه يجوز لكنه مكروه) ، والمشهور: أنه يجوز أبدًا غير مؤقت، وفي رواية: ((أنه يجوز بتوقيت) ، وفي رواية: (يجوز للمسافر دون المقيم) ، وفي رواية: بالعكس، وقال ابن المنذر: الغسل والمسح سواء، وهو رواية عن أحمد، وقال أصحاب الشافعي: الغسل أفضل من المسح بشرط ألَّا يُترَك المسح رغبة عن السنة، ولا شك في جوازه، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من الفقهاء روي عنه إنكار المسح إلا مالكًا، والروايات الصحاح عنه بخلاف ذلك، واعترضه في «عمدة القاري»: بأن فيه نظر؛ لما في «مصنف ابن أبي شيبة»: من أنَّ مجاهدًاوسعيد بن جبير وعكرمة كرهوه، وكذا حكى أبو الحسن النسابة عن محمد بن علي بن الحسن، وأبي إسحاق السبيعي، وقيس بن الربيع، وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي بكر بن أبي داود، والخوارج، والروافض، وقال الميموني عن أحمد: فيه سبعة وثلاثون صحابيًّا، وفي رواية الحسن بن محمد عنه: أربعون، وكذا قاله البزار في «مسنده»، وقال ابن أبي حاتم: أحد وأربعون صحابيًّا، وفي «الأشراف»: عن الحسن حدثني به سبعون صحابيًّا، وقال أبو عمر [2] بن عبد البر: مسح على الخفين سائر أهل بدر والحديبية، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، والتابعين، وفقهاء المسلمين، وقد أشرنا إلى رواية [3] ستة وخمسين من الصحابة في شرحنا لـ«معاني الآثار» للحافظ الطحاوي، فمن أراد الوقوف عليه؛ فليرجع إليه، قاله في «عمدة القاري».

((وأنَّ عبد الله بن عمر)) ؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنهما، قال في «عمدة القاري»: (عطف على قوله: «عن عبد الله»، فيكون موصولًا إن حُمِلَ على أن أبا سلمة سمع ذلك من عبد الله، وإلا؛ فأبو سلمة لم يُدْرِكِ القصة) انتهى، لكن قول الكرماني: (هذا إمَّا تعليق من المؤلف، وإمَّا كلام أبي سلمة، والظاهر: الثاني) ، يؤيد سماع أبي سلمة من عبد الله، ومثله ما أخرجه أحمد من طريق أخرى: عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن ابن عمر قال: رأيت سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه بالعراق حين توضأ، فأنكرت ذلك عليه، فلما اجتمعنا عند عمر؛ قال لي سعد: سل أباك...؛ وذكر القصة، ورواه ابن [4] خزيمة من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر نحوه، وفيه: أنَّ عمر قال: كنا ونحن مع نبينا عليه السلام نمسح على خفافنا لا نرى بذلك بأسًا، وقوله: ((سأل)) ؛ أي: عبد الله ((عمر)) ؛ أي: والده ((بن الخطاب)) كما ثبت للأصيلي ((عن ذلك)) ؛ أي: عن مسح النبي الأعظم عليه السلام على الخفين، خبر (أنَّ) ، ((فقال)) ؛ أي: عمر عطف على (سأل) : ((نعم)) ؛ أي: مسح النبي الأعظم عليه السلام على الخفين.

وقوله: ((إذا حدثك شيئًا)) : نكرة عامة؛ لأنَّ الواقع في سياق الشرط كالواقع في سياق النفي يفيد العموم، كما في «عمدة القاري» ((سعْد)) ؛ بسكون العين؛ أي: ابن أبي وقاص، وهو بالرفع فاعل (حدثك) ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم فلا تسأل)) : وفي رواية: (فلا تسل) ((عنه)) ؛ أي: عن ذلك الشيء الذي حدثه سعد ((غيره)) ؛ أي: غير سعد؛ لقوة وثوقه بنقله، من كلام عمر مستأنف استئنافًا بيانيًّا.

ففيه: تعظيم سعد رضي الله عنه.

وفيه: دليل على وجوب العمل بخبر الواحد وإن كان ظنيًّا، وأنَّ عمر يكتفي بخبره، وما نُقِلَ عنه من توقفه في خبر الواحد؛ فذاك عند وقوع ريبة في خبره، مع أنه قد يصير الخبر محفوفًا بالقرائن، فيفيد اليقين؛ لقيام تعدد القرائن مقام تعدد الأشخاص، وحينئذ فلا حاجة إلى السؤال بأن يقال: لم نهاه عن السؤال عن غيره؟ أو هو كناية عن تصديقه؛ لأنَّ المصدق لا يسأل غيره، وإنما أنكر ابن عمر ذلك مع قدم صحبته؛ لخفائه عليه، أو لأنَّه أنكر عليه مسحه في الحضر، كما هو ظاهر رواية مالك في «الموطأ»: أن ابن عمر قدم الكوفة على سعد وهو أميرها، فرآه يمسح على الخفين، فأنكر عليه، فقال له سعد: سل أباك؛ فذكر القصة، وأمَّا في السفر؛ فكان ابن عمر يعلمه ويرويه عن النبي الأعظم عليه السلام، كما رواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه الكبير»، وابن أبي شيبة في «مصنفه» من رواية سالم عنه قال: رأيت النبي الأعظم عليه السلام يمسح على الخفين بالماء في السفر، أفاده في «عمدة القاري».

((وقال موسى بن عُقْبة)) ؛ بضم العين المهملة وسكون القاف: التابعي صاحب «المغازي»، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة، وهذا التعليق إمَّا من المؤلف؛ فيكون عطفًا على (حدثنا أصبغ) ، وإمَّا من كلام ابن وهب؛ فيكون عطفًا على (حدثني عمرو) ، قاله الكرماني.[/ص178/]

قلت: وجزم بالأول صاحب «عمدة القاري»، ويؤيِّده ما في بعض النسخ من قوله: (قال: أبو عبد الله) ، وقد وصله الإسماعيلي، والنسائي، وغيرهما بهذا الإسناد؛ فليحفظ.

((أخبرني)) بالإفراد ((أبو النَّضْر)) ؛ بفتح النُّون وسكون المعجمة، سالم: ((أن أبا سلَمة)) ؛ بفتح اللام: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ((أخبره: أن سعْدًا)) ؛ بسكون العين المهملة؛ أي: ابن أبي وقاص رضي الله عنه، وجملة: ((حدثه)) ؛ أي: حدث أبا سلمة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين)) ؛ خبر (أن) ، وقد سقطت من نسخة صاحب «عمدة القاري»، فلذا قال: (خبر «أن» محذوف؛ تقديره: أن سعدًا حدث أبا سلمة أن رسول الله عليه السلام مسح على الخفين) ، ومثله قال الكرماني، ووقع في نسخة ابن حجر حذف ما بعد (حدثه) ، فلذا قال: (والمُحَدَّثُ به محذوف تبيَّن من الرواية الموصولة أن لفظ: «أن رسول الله عليه السلام مسح على الخفين»؛ فاعرفه) ، وقد جرى عليه القسطلاني.

((فقال عمر)) ؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنه، عطف على (حدثه) الموجود أو المقدر على اختلاف النسخ ((لعبد الله)) ؛ أي: ولده ((نحوَه)) ؛ بالنصب مقول القول؛ أي: نحو ما تقدم في الرواية السابقة من قوله: (إذا حدثك سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا تسأل عنه غيره) ، فقول عمر في هذه الرواية المعلقة بمعنى الموصولة السابقة لا بلفظها، ورواه الإسماعيلي بلفظ: (وقال عمر لابنه وكان يلومه: إذا حدث سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا تبغ وراء حديثه شيئًا) ، وقال الإسماعيلي: (ورواية عروة وأبي سلمة عن ابن عمر في المسح صحيح) ، قال: (وسألت البخاري عن حديث ابن عمر في المسح مرفوعًا، فلم يعرفه) ، وتمامه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (لكان)، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (عمرو)، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (رواة)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] زيد في الأصل: (أبي)، وليس بصحيح.