متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

200- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ)؛ أي: ابن زيدٍ، لا حمَّاد بن سلمة؛ لأنَّه لم يسمعه منه [1] مُسدَّدٌ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ؛ بضمِّ المُوَحَّدة وبالنُّونين (عَنْ أَنَسٍ) هو [2] ابن مالكٍ رضي الله عنه: (أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ)؛ بمُهْمَلاتٍ؛ الأولى مفتوحةٌ، بعدها ساكنةٌ؛ أي: متَّسِع الفم، أو الواسع الصَّحن، القريب القعر (فِيهِ شَيْءٌ) قليلٌ (مِنْ مَاءٍ)، وعند ابن خزيمة عن أحمد بن عبدة عن حمَّاد بن زيدٍ: «قدحٌ من [3] زجاجٍ»؛ بزايٍ مضمومةٍ وجيمين، بدل قوله: «رحراحٍ»، المُتَّفَق عليها عند أصحاب حمَّاد بن زيدٍ ما عدا أحمد بن عبدة، فإن ثبتت روايته؛ فيكون ذكر الجنس، والجماعةُ وصفوا الهيئة، ويؤيِّده ما في «مُسنَد أحمد» من حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ المقوقس أهدى للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قدحًا من زجاجٍ»، لكن في إسناده مقالٌ، كما نبَّه عليه في «الفتح». (فَوَضَعَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (أَصَابِعَهُ فِيهِ)؛ أي: في الماء (قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ)؛ بتثليث المُوَحَّدة، واقتصر في «الفرع» على الضَّمِّ (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) عليه الصلاة والسلام (قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه: (فَحَزَرْتُ)؛ بتقديم الزَّاي على الرَّاء، مِنَ الحزر؛ أي: قدَّرت (مَنْ تَوَضَّأَ منه مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ) وفي رواية حُمَيْدٍ السَّابقة [خ¦195] : أنَّهم كانوا ثمانين وزيادةً، وفي حديث جابرٍ: كنَّا خمس عشرة مئةٍ، ولغيره: زُهاء ثلاثِ مئةٍ، فهي وقائعٌ متعدِّدةٌ في أماكنَ مختلفةٍ وأحوالٍ مُتغايرَةٍ، وتأتي مباحث ذلك _إن شاء الله تعالى_ في باب: «علامات النُّبوَّة» [خ¦3572] .

ورواة هذا الحديث الأربعة كلُّهم أجلَّاء بصريُّون، وفيه: التَّحديث، والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل النَّبويَّة»، ووجه مُطابقَته لِمَا ترجم له المؤلِّف؛ من جهة إطلاق اسم التَّور [4] على القدح، فاعلمه.

[1] في (ص) و(م): «من»، وليس بصحيحٍ.
[2] «هو»: سقط من (ص).
[3] «من»: سقط من (ص) و(م).
[4] في (ص): «القدر».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

200-. حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادٌ، عن ثابِتٍ:

عن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعا بِإِناءٍ مِنْ ماءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْراحٍ، فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ماءٍ، فَوَضَعَ أَصابِعَهُ فِيهِ، قالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إلى الماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصابِعِهِ، قالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ، ما بَيْنَ السَّبْعِينَ إلى الثَّمانِينَ.

200- ( الرَّحرَاح ) بمهملات: الإناء الواسع القصير، ومثله لا يسع الماء الكثير، وهو أبلغ في المعجزة.


200# (بِقَدَح رَحْرَاحٍ) بمهملات أولها مفتوح وثانيها ساكن: واسعٍ قصيرٍ، وهو أبلغُ في المعجزة.


200- قوله: (حَدَّثَنَا حمَّادٌ [1] ): هو ابن زيد بن درهم الأزديُّ أبو إِسْمَاعِيل البصريُّ، أحد الأعلام، أُضِرَّ، وكان يحفظ حديثه كالماء، عن أبي عمران الجونيِّ، وثابت، وأبي [2] جمرة [3] ، وعنه: مُسَدَّد، وابن المدينيِّ، قال ابن مهديٍّ: (ما رأيت أحدًا لم يكتب أحفظ مِنْهُ، وما رأيت بالبصرة أفقه مِنْهُ، ولم أرَ أعلم بالسُّنَّة مِنْهُ) ، عاش إحدى وثمانين سنة، توفِّي في رمضان سنة (179 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (فَأُتِيَ بِقَدَحٍ): (أُتِي): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (رَحْرَاحٍ) [4] : هو براءين؛ الأولى مفتوحة، وحاءين مهملتين؛ الأولى ساكنة، يقال: قدح رحراح، ورحرح [5] أيضًا، لكنَّ الرِّواية بالألف؛ وهو الواسع، وقيل: القريب القعر، القصير الجوانب.

[قوله: (يَنْبعُ): تقدَّم أنَّه مُثلَّث الباء] [6] .

قوله: (مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ): تقدَّم أنَّ نبع الماء اتفق للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرَّاتٍ، وتقدَّم كلام ابن حبَّان، كم كان عددهم في كلِّ مرَّة؛ فانظره [في (باب التماس النَّاس [7] الوضوء إذا حانت الصَّلاة)] [8] . [/ج1ص95/]

[1] (حماد): ليس في (ب) .
[2] (وأبي): ليس في (ب) .
[3] في (ب): (وحمزة) .
[4] في هامش (ق): (الرَّحْراح: القصير الواسع الخشن) .
[5] في (ج): (أو رحرح) .
[6] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[7] (الناس): ليس في «اليونينيَّة» و (ق) .
[8] ما بين معقوفين ليس في (ب) .





لا تتوفر معاينة

200- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ)؛ أي: ابن زيدٍ، لا حمَّاد بن سلمة؛ لأنَّه لم يسمعه منه [1] مُسدَّدٌ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ؛ بضمِّ المُوَحَّدة وبالنُّونين (عَنْ أَنَسٍ) هو [2] ابن مالكٍ رضي الله عنه: (أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ)؛ بمُهْمَلاتٍ؛ الأولى مفتوحةٌ، بعدها ساكنةٌ؛ أي: متَّسِع الفم، أو الواسع الصَّحن، القريب القعر (فِيهِ شَيْءٌ) قليلٌ (مِنْ مَاءٍ)، وعند ابن خزيمة عن أحمد بن عبدة عن حمَّاد بن زيدٍ: «قدحٌ من [3] زجاجٍ»؛ بزايٍ مضمومةٍ وجيمين، بدل قوله: «رحراحٍ»، المُتَّفَق عليها عند أصحاب حمَّاد بن زيدٍ ما عدا أحمد بن عبدة، فإن ثبتت روايته؛ فيكون ذكر الجنس، والجماعةُ وصفوا الهيئة، ويؤيِّده ما في «مُسنَد أحمد» من حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ المقوقس أهدى للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قدحًا من زجاجٍ»، لكن في إسناده مقالٌ، كما نبَّه عليه في «الفتح». (فَوَضَعَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (أَصَابِعَهُ فِيهِ)؛ أي: في الماء (قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ)؛ بتثليث المُوَحَّدة، واقتصر في «الفرع» على الضَّمِّ (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) عليه الصلاة والسلام (قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه: (فَحَزَرْتُ)؛ بتقديم الزَّاي على الرَّاء، مِنَ الحزر؛ أي: قدَّرت (مَنْ تَوَضَّأَ منه مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ) وفي رواية حُمَيْدٍ السَّابقة [خ¦195] : أنَّهم كانوا ثمانين وزيادةً، وفي حديث جابرٍ: كنَّا خمس عشرة مئةٍ، ولغيره: زُهاء ثلاثِ مئةٍ، فهي وقائعٌ متعدِّدةٌ في أماكنَ مختلفةٍ وأحوالٍ مُتغايرَةٍ، وتأتي مباحث ذلك _إن شاء الله تعالى_ في باب: «علامات النُّبوَّة» [خ¦3572] .

ورواة هذا الحديث الأربعة كلُّهم أجلَّاء بصريُّون، وفيه: التَّحديث، والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل النَّبويَّة»، ووجه مُطابقَته لِمَا ترجم له المؤلِّف؛ من جهة إطلاق اسم التَّور [4] على القدح، فاعلمه.

[1] في (ص) و(م): «من»، وليس بصحيحٍ.
[2] «هو»: سقط من (ص).
[3] «من»: سقط من (ص) و(م).
[4] في (ص): «القدر».





200- ( رَحْرَاحٍ ): بمهملات أوَّله مفتوح وثانيه ساكن، أي: متَّسع الفم، وقال الخطَّابيُّ: هو الواسع القصير، ولابن خزيمة بدله «زُجاج» بضمِّ الزَّاي وجيمين، وقيل: إنَّه تصحيف.

( فَحَزَرْتُ ): بتقديم الزَّاي، أي: قدَّرت.


52/200# قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حدَّثنا حَمَّاد بن زيد، عن ثابِتٍ:

عن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَعا بِإِناءٍ مِنْ ماءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْراحٍ [1] ، فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ماءٍ، فَوَضَعَ أَصابِعَهُ، قالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إلى الماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصابِعِهِ، قالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ، ما بَيْنَ

@%ص67%

السَّبْعِينَ إلى الثَّمانِينَ.

(القدَحُ الرَّحراح [2] ): هو الواسع الصحن، القريب القَعر، ومثل ذلك [3] من الأقداح لا يَسَعُ الماء الكثير.

وفي هذا آيةٌ من آيات نُبُوَّته صلى الله عليه وسلم ، ومُعجِزةٌ من مُعجزاته، وقد قيل: إنَّ هذا أبلغُ في الإعجاز من تَفْجِير الماء من الحجر لموسى صلوات الله عليه؛ لأنَّ في طبع الحِجارة أن يخرج منها الماءُ الغَدَق الكثير، وليس ذلك في طِباع أعضاء بني آدم [4] .

[1] في (ر): (زجاج) محرفاً.
[2] في (ر): (الزجاج) محرفاً.
[3] في (النسخ الفروع: (ومثله).
[4] قوله: (قال أبو عبد الله.... بني آدم) سقط من (ط).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

200# قوله: (الرَّحْرِاح): القصير الجدار [1] ، القريب القعر.

[1] في (ب): (والجدار).





200- وبه قال: ((حدَّثنا مسدد)) ؛ هو ابن مسرهد ((قال: حدثنا حماد)) ؛ بالحاء المهملة، هو ابن زيد لا ابن سلمة؛ لأنَّ مسدد لم يسمع منه، ((عن ثابت)) ؛ بالمثلثة؛ أي: البُناني _بضم الموحدة وبالنُّونين، ((عن أنس)) ؛ أي: ابن مالك رضي الله عنه: ((أن النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم دعا بإناء من ماء)) ؛ لأجل أن يتوضأ، ((فأُتي)) ؛ بضم الهمزة ((بقَدَح)) ؛ بفتحتين ((رَحْراح)) ؛ بفتح الرَّاء، وبالحاءين المهملتين أولاهما ساكنة، بينهما راء، بعدها ألف؛ أي: واسع، ويقال: رحرح أيضًا؛ بحذف الألف، وقال الخطابي: (الرحراح: الإناء الواسع الفم القريب القعر، ومثله لا يسع الماء الكثير، فهو أَدَلُّ على عِظَمِ المعجزة) ، وروى ابن خزيمة هذا الحديث عن أحمد بن عبدة عن حماد بن زيد، فقال بدل (رحراح) : (زُجاج) ؛ بزاي مضمومة وجيمين، وبوَّب عليه بباب (الوضوء من آنية الزجاج) ، وفي «مسند أحمد» عن ابن عباس: أنَّ المقوقس أهدى للنبي الأعظم عليه السلام قدحًا من زجاج، لكن في إسناده مقال، كذا في «عمدة القاري»، قال ابن حجر: (وفيه إشارة إلى الرد على من زعم من المتصوفة أنَّ ذلك إسراف لإسراع الكسر إليه) انتهى، وصرَّح جماعة: بأنَّ أحمد بن عبدة صحَّفها، ويدل له أنَّه قال في روايته: (أحسبه) ، وعلى ثبوتها؛ فلا منافاة بين الروايتين؛ لاحتمال أن َّالأولى ذكرت بوصف الهيئة والثاني بذكر الجنس؛ فتأمل، ((فيه شيء من ماء)) ؛ أي: قليل من الماء؛ لأنَّ التنوين للتقليل و (من) للتبعيض، ((فوضع)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((أصابعه)) الشريفة ((فيه)) ؛ أي: في الماء داخل القدح، ((قال أنس)) ؛ أي: ابن مالك: ((فجعلت أنظر إلى الماء ينبع)) ؛ بتثليث الموحدة، واقتصر في «الفرع» على الضم؛ أي: يفور ((من بين أصابعه)) ؛ أي: أصابع يده اليمنى عليه السلام، ((قال أنس)) رضي الله عنه: ((فحزرت)) ؛ بتقديم الزاي على الرَّاء، من الحزر، وهو الخرص والتقدير؛ أي: قدَّرت ((مَن)) ؛ بفتح الميم، موصولة، أو نكرة موصوفة في محل نصب على المفعولية ((توضأ)) راعى في (مَن) لفظها، فأعاد الضمير من (توضأ) عليها مفردًا مذكرًا ((منه)) ؛ أي: من الماء الذي في القدح ((ما)) ؛ بالنصب على الحال، أو مفعول ثان لـ (حزرت) ؛ لأنَّه بمعنى: قدرت أو ظننته، أو بدل، والأول أظهر؛ لاحتياج غيره إلى التقدير، وعدمه أولى؛ فليحفظ، ((بين السبعين إلى الثمانين)) صلة (ما) أو صفتها، وتقدم أنَّهم كانوا ثمانين وزيادة، وسيأتي في (علامات النبوة) : (أنهم زهاء ثلاث مئة) ، وفي بعض الروايات: (أنهم كانوا خمس عشرة مئة) ، وأجاب الكرماني: (بأنَّها قضايا متعددة في مواطن مختلفة وأحوال متغايرة) انتهى، وزعم ابن حجر عن قضية أنس فقط بأنها تنيف على السبعين، ويشك هل بلغت العقد الثامن أو جاوزته؟ انتهى، ولا يخفى أنَّ جواب الكرماني أحسن وأوجه؛ فليحفظ، وقد رمرم العجلوني عبارة ابن حجر مما فيه تحريف، واستوجه جوابه تعصبًا؛ فافهم.

وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة ومعجزة عظيمة من معجزات النبي الأعظم عليه السلام، وهو أبلغ من تفجير الماء من الحجر لموسى عليه السلام؛ لأنَّ في طبع الحجارة أن يخرج منها الماء الغدق الكثير، وليس ذلك في طباع أعضاء بني آدم، وما أحسن ما قيل:

~إن كان موسى قد استسقى لهم حجرًا فالفخر بالكف ليس الفخر بالحجر

وقال الكرماني: (ووجه المطابقة في الحديث للترجمة أن التور كما قاله الجوهري: «الإناء الذي يُشْرَبُ منه»، وهو صادق على القدح الرحراح) انتهى، وقول العجلوني: (والقدح الرحراح شبيه بالطست، وبه تظهر المناسبة للترجمة) ؛ فبعيد، كما لا يخفى.

وقال ابن حجر: (واستدل الشافعي بهذا الحديث على ردِّ من قال من أصحاب الرأي: إنَّ الوضوء مقدر بقدر معين من الماء؛ لأنَّ الصحابة اغترفوا من القدح من غير تقدير؛ لأنَّ الماء النابع لم يكن قدره معلومًا لهم، فدل على عدم التقدير) انتهى.

قلت: وهو استدلال فاسد؛ لأنَّ الماء الذي يتوضأ معيَّنٌ بنص الشارع ومقدَّر، وكذا الغسل، وقوله: (لأن الصحابة...) إلخ؛ فيه نظر؛ لأنَّه هل يظهر فرق بين الاغتراف من هذا القدح ومن غيره من الحياض والبرك؟ وقوله: (لأن النابع...) إلخ؛ أي: لأجل إظهار المعجزة، ولا يدل هذا على عدم التقدير بدليل أنَّهم لما فرغوا من الوضوء؛ لم يبق في القدح إلا الماء الذي كان قبل وضع أصابعه عليه السلام، فالتقدير في الماءللوضوء والغسل مقدَّر معيَّن بنصِّ الشارع، ولهذا المعنى عقَّب المؤلف هذا الحديث بقوله: