متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

198- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمانِ) الحكم بن نافعٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، الحمصيُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ)؛ بتصغير «العبد» (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ)؛ بضمِّ العَيْن، وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة، زاد في رواية الأَصيليِّ: ((ابن مسعودٍ))، (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم)؛ بضمِّ قاف «ثقُل»؛ أي: أثقله المرض (وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ؛ اسْتَأْذَنَ) عليه الصلاة والسلام (أَزْوَاجَهُ) رضي الله عنهن (فِي أَنْ يُمَرَّضَ)؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح الرَّاء المُشدَّدة؛ أي: يُخدَم في مرضه (فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ)؛ بكسر المُعجَمَة، وتشديد النُّون؛ أي [1] : أن [2] يُمرَّض في بيت عائشة، (فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) من بيت ميمونة أو زينب بنت جحشٍ أو ريحانة، والأوَّل هو المُعتَمد (بَيْنَ رَجُلَيْنِ، تَخُطُّ) بضمِّ الخاء المُعجَمَة، (رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ) عمِّه رضي الله عنه (وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ)؛ الرَّاوي عن عائشة، وهذا مُدرَجٌ من كلام الزُّهريِّ الرَّاوي عنه: (فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما بقول عائشة رضي الله عنها (فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ) الذي لم تُسمِّّ [3] عائشةُ؟ (قُلْتُ: لَا) أدري (قَالَ) عبد الله: (هُوَ عَلِيٌّ)، وفي روايةٍ: ((ابن أبي طالبٍ))، وفي رواية مسلمٍ: «بين الفضل بن عبَّاسٍ»، وفي أخرى: ((بين [4] رجلين؛ أحدهما أسامة)) بن زيدٍ رضي الله عنهما [5] ، وحينئذٍ فكان _أي: العبَّاس_ أدومهم لأخذ يده الكريمة؛ إكرامًا له واختصاصًا به، والثَّلاثة يتناوبون الأخذ بيده الأخرى، ومن ثمَّ صرَّحت عائشة بالعبَّاس وأبهمت الآخر، أوِ المُراد به: عليُّ بن أبي طالبٍ، ولم تسمِّه؛ لِمَا كان عندها منه ممَّا يحصل للبشر، ممَّا يكون سببًا في الإعراض [6] عن ذكر اسمه، (وَكَانَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها) بالعطف على الإسناد المذكور [7] (تُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهُ)، ولابن عساكر: ((بيتها))؛ أي: عائشة، وأُضِيف إِليها مجازًا؛ لمُلابَسة السُّكنى فيه، (وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ)، وللأَصيليِّ: ((واشتدَّ به وجعه)): (هَرِيقُوا)؛ من هَرَاق الماء يهريقه هراقةً، وللأَصيليِّ وأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((أَهريقوا))؛ بفتح الهمزة، من أَهرق الماء يهريقه إهراقًا؛ أي: صبُّوا (عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ)؛ بكسر القاف وفتح الرَّاء، جمع قربةٍ؛ وهي ما يُسقَى [8] به، (لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ) جمع وكاءٍ؛ وهو ما يُربَط به فم القربة، (لَعَلِّي أَعْهَدُ)؛ بفتح الهمزة؛ أي: أوصي (إِلَى النَّاسِ. وَأُجْلِسَ) صلى الله عليه وسلم، وفي روايةٍ: ((فأُجلِس))؛ بالفاء، وكلاهما: بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول، (فِي مِخْضَبٍ)؛ بكسر الميم، من نحاسٍ، كما في رواية ابن خزيمة (لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ طَفِقْنَا)؛ بكسر الفاء، وقد تُفتَح؛ أي: جعلنا (نَصُبُّ عَلَيْهِ) من (تِلْكَ) القرب السَّبع (حَتَّى طَفِقَ)؛ أي: جعل صلى الله عليه وسلم (يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ) ما أمرتكنَّ به [9] من إهراق الماء من القرب المذكورة، وإنَّما فعل ذلك؛ لأنَّ الماء البارد في بعض الأمراض تُرَدُّ به القوَّة، والحكمة في عدم حلِّ الأوكية؛ لكونه أبلغ في طهارة الماء وصفائه؛ لعدم مُخالَطة الأيدي، (ثُمَّ خَرَجَ) عليه الصلاة والسلام من بيت عائشة (إِلَى النَّاسِ) الذين في المسجد، فصلَّى بهم وخطبهم، كما يأتي _إن شاء الله تعالى_ مع ما في الحديث من المباحث في «الوفاة النَّبويَّة» [خ¦4442] بحول الله وقوَّته.

واستُنِبط من الحديث وجوب القسم عليه صلى الله عليه وسلم، وإراقة الماء على المريض؛ لقصد الاستشفاء به، ورواته الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث، والإخبار بصيغة الجمع والإفراد والقول، وأخرجه المؤلِّف في ستَّة مواضع غير هذا: في «الصَّلاة» [خ¦665] في [10] موضعين، وفي «الهبة» [خ¦2588] ، و«الخُمْس» [خ¦3099] ، و«المغازي» [خ¦4442] ، وفي «مرضه» [خ¦5669] ، وفي [11] «الطِّبِّ» [خ¦5714] ، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء»، وفي «الوفاة»، [/ج1ص275/] والتِّرمذيُّ في «الجنائز».

[1] «أي»: سقط من (ص).
[2] «أن»: سقط من (م).
[3] في (م): «تسمِّه».
[4] «بين»: سقط من غير (ب) و(س).
[5] «ابن زيدٍ رضي الله عنهما»: مثبتٌ من (م).
[6] في (م): «للإعراض».
[7] قوله: «بالعطف على الإسناد المذكور»، سقط من (م).
[8] في (د) و(س): «يُستَقى».
[9] «به»: سقط من (م).
[10] «في»: سقط من (د).
[11] «في»: سقط من (د).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

198-. حدَّثنا أبو اليَمَانِ، قالَ: أخبَرَنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخبَرَني عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ [1] :

أَنَّ عَائِشَةَ قالتْ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأذَنَ أَزْواجَهُ فِي [2] أَنْ يُمَرَّضَ في بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، تَخُطُّ رِجْلَاهُ في الأَرْضِ، بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ _قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَخْبَرْتُ [/ج1ص50/] عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ فقالَ: أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ؟ قُلْتُ: لَا. قالَ: هو عَلِيٌّ [3] _ وَكانَتْ عائِشَةُ [4] تُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ بَعْدَ ما دَخَلَ بَيْتَهُ [5] واشْتَدَّ [6] وَجَعُهُ: «هَرِيقُوا [7] عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إلى النَّاسِ». وَأُجْلِسَ في مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ طَفِقْنا نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ [8] ، حَتَّىَ طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنا: أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ. ثُمَّ خَرَجَ إلى النَّاسِ.

[1] في رواية الأصيلي زيادة: «بنِ مَسْعُود».
[2] في هامش اليونينية دون رقم: «علىَ» كتبت بالحمرة.
[3] في رواية الأصيلي و [عط] زيادة: «بنُ أبي طالب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ».
[4] زاد في (ن) بين الأسطر: « رَضِيَ اللهُ عَنْهَا»، وهي في هامش (و)، ومثبتة في متن (ب، ص).
[5] هكذا في روايةٍ لابن عساكر أيضًا (ب، ص)، وفي أخرىَ عنه: «بَيْتَها».
[6] في رواية الأصيلي زيادة: «به».
[7] هكذا في روايةٍ للسَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي ذر و [عط] وأخرىَ للسَّمعاني عن أبي الوقت: «أَهْرِيقُوا»، وقيَّد في (ب، ص) رواية أبي ذر بروايته عن الكُشْمِيْهَنِيِّ، وزاد في (و) نسبتها إلىَ رواية المُستملي.
[8] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





198- ( أهريقوا ) بهمزة مفتوحة، وجوَّز السَّفاقُسِي فتح الهاء وإسكانها، واستشكل هذه الرواية، أعني الجمع بين الهمزة والهاء، وصوَّب رواية: «هَرِيقُوا» بإبدال الهمزة هاء، وأصله: أريقوا.

( لم تحلل أوكيتهن ) جمع وِكَاء وهو الذي يربط به رأس السِّقاء، وإنَّما شرط ذلك مبالغة في نظافة الماء وصيانته؛ لأن الأيدي لم تخالطه، ويشبه أن [/ج1ص99/] يكون خصَّ السبع من العدد تبرُّكًا؛ لأن له شأنًا في كثير من الأعداد. [1]

( طَفِقَ ) بكسر الفاء وفتحها: شرع في الفعل.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: قال الخطابي: يشبه أن يكون خص السبع تبركًا؛ لأن له شأنًا في كثير من الأعداد في الشريعة والخلقة، واحتج به للحسن البصري في قوله: أن المغمى عليه الغسل، وأجيب بأن ذلك محمول على التداوي لقوله: «لعَلِّي أَسْتَرِيحُ فَأَعْهَد».





198# (هَرِيقُوا) أي: أَريقوا، وفي رواية: <أَهريقوا> بهمزة مفتوحة. وجوز السفاقسي فتح الهاء وإسكانها، واستُشكل الجمعَ بين الهمزة والهاء.

(لَمْ تُحْلَلْ أَوْكيتُهُنَّ) جمع وِكاء، وهو ما يُربط به رأسُ السقاء، وإنما شرط ذلك مبالغةً في نظافة الماء، وكونِه مصوناً عن مخالطة الأيدي، ولعله خصَّ السبعَ تبركاً بأن [1] لها شأناً في كثير من الأحوال.

(ثُمَّ طَفِقْنَا) بكسر الفاء وفتحها: شَرَعْنا.

[1] في (ق): ((لأن)).





198- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَان): تقدَّم مرارًا أنَّه الحكم بن نافع، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم مرارًا أنَّه أبو بكر [1] محمَّد بن مُسْلِم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب العالم المشهور.

قوله: (ثقُلَ): هو بفتح الثَّاء المثلَّثة، ثُمَّ قاف مضمومة، ومعناه معروف.

قوله: (اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ): تقدَّم أنَّ أزواجه كنَّ تسعًا رضي الله عنهنَّ، وهنَّ معروفات مشهورات [2] ، وهنَّ: عائشة، وسودة، وحفصة، وأمُّ سلمة هند، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وأمُّ حبيبة بنت أبي سفيان رملة، وصفيَّة بنت حُييِّ بن أخطب من [3] سبط هارون عليه السَّلام، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وأمَّا ريحانة؛ فاختُلِف فيها: هل وطئها بالزوجية أو بملك اليمين، والأوَّل أثبت عند الواقديِّ، وأمَّا ابن عبد البَرِّ؛ فقال: سريَّة، وهي ريحانة بنت زيد بن عَمرو بن خنافة بن سمعون [4] [بالعين والغين معًا] بن زيد، من بني النَّضير، وبعضهم يقول: من بني قريظة.

قوله: (فَخَرَجَ [النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] بَيْنَ رَجُلَيْنِ...) إلى قوله: (بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ): وقال في آخره: (إنَّ الرَّجُلُ الآخَر: عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِب): سمَّاه كذلك ابن عَبَّاس، وجاء في «مسلم»: (بين الفضل بن عَبَّاس ورجل آخر) ، وفي رواية: (بين رجلين، أحدهما أسامة) .

وقال شيخنا الشَّارح في باب [5] (حَدِّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَة): (وفي رواية لابن حبَّان في صحيحه: «أنَّه خرج بين بريرة ونوبة»؛ بالنُّون، وبعد الواو موحَّدة، وهو عَبْد أسود، كما قاله سيف في «الرِّدة»، وفي «مسلم»: «ويده على الفضل [6] ، والأخرى على رجل آخر، سمَّاه ابن عَبَّاس: عليًّا»، وفي «الدَّارقطنيِّ»: «بين أسامة والفضل»، فلعلَّ ذلك كان نوبًا؛ مرَّة هذا ومرَّة هذا، أو بُريرة ونُوبة من البيت إلى الباب، والباقي خارج الباب، وإنْ كان مسافة ما بين الحجرة والصَّلاة ليست بعيدة؛ لالتماس البركة وزيادة الإكرام، والعَبَّاس ألزمهم بيده [7] ، وغيره يتناوب، فاقتصرت عائشة رضي الله عنها عليه لذلك، وهذا أولى من قول من قال: [/ج1ص94/] إنَّما لَمْ تذكر الآخر -وهو عليٌّ-؛ لشيء كان بينهما، أو كان ذلك ليس حالة واحدة، كما ستعلمهو كان ذلك ليس حالة واحدة كما أو) انتهى.

وقول شيخنا: إنَّ نوبة عبد؛ فاعلم أنَّ الذَّهبيَّ ذكره في الرِّجال وفي النِّساء، وقد ذكره في الرِّجال بعد (نوفل) ، ومقتضى التَّرتيب أنْ يكون (نونة) ؛ بنون بعد الواو أو [8] بالمثنَّاة [9] تحتُ، وكما قيَّده شيخنا قيَّده ابن ماكولا في «إكماله»، ولفظه: (وأمَّا نُوْبَة -أوَّله نون مضمومة، وبعدها واو ساكنة، وباء مفتوحة معجمة بواحدة-؛ فهو في حديث زائدة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مرض رسول الله واشتدَّ مرضه...»؛ فذكر الحديث، وقالت في آخره: «فوجد رسول الله من نفسه خفَّة فخرج بين بريرة [10] ونوبة») انتهى لفظه، وظاهر كلام ابن ماكولا أنَّه رجل، وفي «مبهمات» ابن شيخنا أبي زرعة ابن العراقيِّ عنِ الخطَّابيِّ وغيره: (بين عليٍّ وأسامة) ، وقد تقدَّم من كلام شيخنا: (بين [11] أسامة والفضل) وعزاها للدَّارقطنيِّ، انتهى.

فالحاصل من الرِّوايات في الآخذ باليد: العَبَّاس، وعليٍّ، والفضل، وأسامة، وبريرة، ونوبة، والله أعلم، وأفاد [12] ابن شيخنا البلقينيِّ: أنَّ في «طبقات ابن سعد»: (أنَّه خرج متوكِّئًا على الفضل بن عَبَّاس وثوبان غلامه حتَّى دخل المسجد) .

قوله: (هَرِيقُوا عَلَيَّ): كذا في هذه الرِّواية، قال شيخنا الشَّارح: (وذكره ابن التِّين: «أهريقوا»، ثُمَّ قال: صوابه: «أريقوا أو هريقوا» على أنَّ تبدل من الهمزة هاء، فأمَّا [13] الجمع بينهما؛ ففيه بُعد، وإنَّما يجتمعان في الفعل المستقبل، وقال الجوهريُّ: (هراق الماء يُهريقه هِراقة: صبَّه، وأصله: أراق يُريق إراقةً، وإنَّما قالوا: أنا [14] أهريقُه، ولا يقولون: أنا أُريقُه؛ لاستثقاله الهمزتين، وقد زال ذلك بعد الإبدال، ثُمَّ حكى فيه لغتين أخريين؛ وهما: أهْرَق [15] الماء يُهْرقه إهراقًا، على أفعَلَ يفعِل، وفيه لغة ثَالِثة: أَهْرَاق يُهْريق [16] إهْرِياقًا) انتهى.

قوله: (مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ): قال شيخنا الشَّارح: (إنَّما أمر -والله أعلم- بأنْ يهراق عليه من سبع قرب على وجه التَّداوي، كما صبَّ عليه الصَّلاة والسَّلام وَضوءه على المغمى عليه، وكما أمر المعين أن يغتسل، وليس كما ظُنَّ وزُعم أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام اغتسل من إغمائه، نبَّه عليه المهلَّب) ، وعن الحسن: (أنَّ الغسل واجب على المغمى عليه) ، وعن ابن حبيب: (إنْ طال ذلك) ، والعلماء متِّفقون _ غير هؤلاء- أنَّ من أغمي عليه؛ فلا غسل عليه إلَّا أنَّ يُجنب، وقصده عليه الصَّلاة والسَّلام إلى السَّبع؛ تبرُّكًا بهذا العدد؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق كثيرًا من مخلوقاته سبعًا، وقد أفرد ذلك الشَّيخ الأستاذ صلاح الدِّين خليل بن أيبك الصَّفديُّ، ومراده عليه الصَّلاة والسَّلام بأنَّ أَوكيتهنَّ لَمْ تحلل يحتمل ثلاثة أشياء -كما نبَّه عليه ابن الجوزيِّ-: التَّبرُّك عند ذكر الله عند شدِّها وحلِّها، وطهارة الماء إذا لَمْ تمسَّه يدٌ قبل حلِّ الوكاء فيكون أطيب للنفس، وبرده إذ لَمْ يسخن بحرارة الهواء.

قوله: (أَوْكِيَتُهُنَّ): جمع وِكاء، وقد تقدَّم أنَّه الخيط الذِي يُربَط به الوعاء.

قوله: (وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ [17] ): تقدَّم الكلام على ضبط المخضب قريبًا، وما هو، قال شيخنا الشَّارح: (جاء أنَّه من نحاس، رواه عَبْد الرَّزاق، وساق سنده إلى عائشة رضي الله عنها) انتهى [18] ، وقد رأيته في «المستدرك» في (الطَّهارة) عن عروة عنها، والله أعلم لكن بغير شكٍّ؛ لأنَّ شيخنا الرِّواية التي ساقها عن عروة أو غيره، عن عائشة رضي الله عنها.

قوله: (فطَفِقْنَا) [19] : أي: جعلنا [20] ، طفِق: بكسر الفاء وفتحها، ولا يكاد يقولونها بالنَّفي، لكن في الإيجاب، ولا يقال: ما طفق يفعل.

[1] (أبو بكر): ليس في (ب) .
[2] (مشهورات): ليس في (ج) .
[3] في (ج): (ابن) .
[4] في (ب) و (ج): (سمغون) .
[5] (باب): ليس في (ج) .
[6] في (ج): (الفضيل) ، وهو تحريفٌ.
[7] في (ب) و (ج): (أكرمهم لسيده) .
[8] في (ج): (و) .
[9] في (ب): (بالياء المثناة) .
[10] في (ب): (بريدة) ، وهو تحريفٌ.
[11] (بين): ليس في (ج) .
[12] في (ب): (وأورد) .
[13] في (ب): (وأمَّا) .
[14] (أنا): ليس في (ج) .
[15] في (ج): (إهراق) .
[16] في (ج): (ييريق) .
[17] في هامش (ق): (المخضب هنا: الإجانة) .
[18] (انتهى): ليس في (ب) .
[19] في (ب): (فطفقا) .
[20] في (ب): (جعلتا) .





لا تتوفر معاينة

198- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمانِ) الحكم بن نافعٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، الحمصيُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ)؛ بتصغير «العبد» (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ)؛ بضمِّ العَيْن، وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة، زاد في رواية الأَصيليِّ: ((ابن مسعودٍ))، (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم)؛ بضمِّ قاف «ثقُل»؛ أي: أثقله المرض (وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ؛ اسْتَأْذَنَ) عليه الصلاة والسلام (أَزْوَاجَهُ) رضي الله عنهن (فِي أَنْ يُمَرَّضَ)؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح الرَّاء المُشدَّدة؛ أي: يُخدَم في مرضه (فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ)؛ بكسر المُعجَمَة، وتشديد النُّون؛ أي [1] : أن [2] يُمرَّض في بيت عائشة، (فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) من بيت ميمونة أو زينب بنت جحشٍ أو ريحانة، والأوَّل هو المُعتَمد (بَيْنَ رَجُلَيْنِ، تَخُطُّ) بضمِّ الخاء المُعجَمَة، (رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ) عمِّه رضي الله عنه (وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ)؛ الرَّاوي عن عائشة، وهذا مُدرَجٌ من كلام الزُّهريِّ الرَّاوي عنه: (فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما بقول عائشة رضي الله عنها (فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ) الذي لم تُسمِّّ [3] عائشةُ؟ (قُلْتُ: لَا) أدري (قَالَ) عبد الله: (هُوَ عَلِيٌّ)، وفي روايةٍ: ((ابن أبي طالبٍ))، وفي رواية مسلمٍ: «بين الفضل بن عبَّاسٍ»، وفي أخرى: ((بين [4] رجلين؛ أحدهما أسامة)) بن زيدٍ رضي الله عنهما [5] ، وحينئذٍ فكان _أي: العبَّاس_ أدومهم لأخذ يده الكريمة؛ إكرامًا له واختصاصًا به، والثَّلاثة يتناوبون الأخذ بيده الأخرى، ومن ثمَّ صرَّحت عائشة بالعبَّاس وأبهمت الآخر، أوِ المُراد به: عليُّ بن أبي طالبٍ، ولم تسمِّه؛ لِمَا كان عندها منه ممَّا يحصل للبشر، ممَّا يكون سببًا في الإعراض [6] عن ذكر اسمه، (وَكَانَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها) بالعطف على الإسناد المذكور [7] (تُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهُ)، ولابن عساكر: ((بيتها))؛ أي: عائشة، وأُضِيف إِليها مجازًا؛ لمُلابَسة السُّكنى فيه، (وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ)، وللأَصيليِّ: ((واشتدَّ به وجعه)): (هَرِيقُوا)؛ من هَرَاق الماء يهريقه هراقةً، وللأَصيليِّ وأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((أَهريقوا))؛ بفتح الهمزة، من أَهرق الماء يهريقه إهراقًا؛ أي: صبُّوا (عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ)؛ بكسر القاف وفتح الرَّاء، جمع قربةٍ؛ وهي ما يُسقَى [8] به، (لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ) جمع وكاءٍ؛ وهو ما يُربَط به فم القربة، (لَعَلِّي أَعْهَدُ)؛ بفتح الهمزة؛ أي: أوصي (إِلَى النَّاسِ. وَأُجْلِسَ) صلى الله عليه وسلم، وفي روايةٍ: ((فأُجلِس))؛ بالفاء، وكلاهما: بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول، (فِي مِخْضَبٍ)؛ بكسر الميم، من نحاسٍ، كما في رواية ابن خزيمة (لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ طَفِقْنَا)؛ بكسر الفاء، وقد تُفتَح؛ أي: جعلنا (نَصُبُّ عَلَيْهِ) من (تِلْكَ) القرب السَّبع (حَتَّى طَفِقَ)؛ أي: جعل صلى الله عليه وسلم (يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ) ما أمرتكنَّ به [9] من إهراق الماء من القرب المذكورة، وإنَّما فعل ذلك؛ لأنَّ الماء البارد في بعض الأمراض تُرَدُّ به القوَّة، والحكمة في عدم حلِّ الأوكية؛ لكونه أبلغ في طهارة الماء وصفائه؛ لعدم مُخالَطة الأيدي، (ثُمَّ خَرَجَ) عليه الصلاة والسلام من بيت عائشة (إِلَى النَّاسِ) الذين في المسجد، فصلَّى بهم وخطبهم، كما يأتي _إن شاء الله تعالى_ مع ما في الحديث من المباحث في «الوفاة النَّبويَّة» [خ¦4442] بحول الله وقوَّته.

واستُنِبط من الحديث وجوب القسم عليه صلى الله عليه وسلم، وإراقة الماء على المريض؛ لقصد الاستشفاء به، ورواته الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث، والإخبار بصيغة الجمع والإفراد والقول، وأخرجه المؤلِّف في ستَّة مواضع غير هذا: في «الصَّلاة» [خ¦665] في [10] موضعين، وفي «الهبة» [خ¦2588] ، و«الخُمْس» [خ¦3099] ، و«المغازي» [خ¦4442] ، وفي «مرضه» [خ¦5669] ، وفي [11] «الطِّبِّ» [خ¦5714] ، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء»، وفي «الوفاة»، [/ج1ص275/] والتِّرمذيُّ في «الجنائز».

[1] «أي»: سقط من (ص).
[2] «أن»: سقط من (م).
[3] في (م): «تسمِّه».
[4] «بين»: سقط من غير (ب) و(س).
[5] «ابن زيدٍ رضي الله عنهما»: مثبتٌ من (م).
[6] في (م): «للإعراض».
[7] قوله: «بالعطف على الإسناد المذكور»، سقط من (م).
[8] في (د) و(س): «يُستَقى».
[9] «به»: سقط من (م).
[10] «في»: سقط من (د).
[11] «في»: سقط من (د).





198- ( ثَقُلَ ): بضمِّ القاف، أي: في المرض.

( يُمَرَّضَ ): بفتح الرَّاء مشدَّدة، أي: يخدم في مرضه.

( فَأَذِنَّ ): بكسر المعجمة وتشديد النُّون المفتوحة.

( هَرِيقُوا ): الهاء بدل من الهمزة، أي: أريقوا، وللأَصِيلي: «أَهْريقوا» بسكون الهاء.

( سَبْعِ قِرَبٍ ) قال الخطَّابيُّ: خصَّ السَّبع تبرُّكًا بهذا العدد؛ لأنَّ له دخولًا في أمور كثيرة من أمور الشَّريعة وأصل الخلقة، زاد الطَّبريُّ: «من آبار شتَّى».

(لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ ) جمع وِكاء: وهو الذي يربط به، وشرَطَ ذلك مبالغة في نظافة الماء وصيانته؛ لأنَّ الأيدي لم تخالطه.

( وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ ) زاد ابن خزيمة: «من نحاس».

( طَفِقَ ) بكسر الفاء وفتحّها: شرع في الفعل واستمر فيه. [/ج1ص334/]


51/198# قال أبو عبد الله:

@%ص66%

حدَّثنا أبو اليَمَانِ، قالَ: حدَّثنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخبَرني عُبَيْدُ اللهِ [1] بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ:

أَنَّ عَائِـشَةَ قالتْ: لَمَّا ثَقُلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم واشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، قال: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إلى النَّاسِ». وَأُجْلِسَ في مِخْضَبٍ [2] لِحَفْصَةَ، ثُمَّ طَفِقْنا نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ، حَتَّىَ طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنا: أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ. ثُمَّ خَرَجَ إلى النَّاسِ.

المِخْضَب: شبه الإجَّانة [3] ، يُغسل فيه الثياب.

وقولها: (طَفِقنا) أي: جعلنا نفعل ذلك [4] ، يقال: طَفِقَ الرجلُ يفعل كذا [5] ؛ إذا واصل [6] الفِعْلَ.

و (الأوكية): جمع الوِكاء، وهو الخيط الذي يُربط به رأسُ السِّقاء، وإنَّما طلب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك إليهنَّ؛ لأنَّ المريض إذا صُبَّ عليه الماء الباردُ ثابت إليه قُوَّتُه في بعض الأمراض.

ويشبهُ أن يكون ما اشترطه في القِرَبِ من أن لم تكن حُلَّتْ أوكيتُهنَّ طهارةَ الماء؛ وذلك أنَّ أوَّلَ الماء [7] أطهرُهُ وأَصْفَاهُ؛ لأنَّ الأيديَ لم تخالطه ولم تَمرُسُه بعد.

وقد يحتمل أن يكون إنَّما خَصَّ بها عددَ السَّبع من ناحية التَّبَرُّك، وفي عدد السَّبع بَرَكَة، ولها شأنٌ؛ لوُقُوعها في كثير من أعداد مَعَاظِم الخليقة [8] ، وبعض أُمورِ الشريعة، والأواني والقِرَب إنَّما تُوكَى وتُحلُّ على ذِكْرِ الله، فاشترط أن يكون صَبُّ الماء عليه من الأسقية التي لم تُحلَلْ؛ ليكون قد جمع بركة الذِكر في شدها وحَلِّها معاً، والله أعلم بحقيقة ما أراد من ذلك.

[1] في (ط) و (ر): (عبد الله) مكبراً.
[2] في (ط): (محصب) مصحفاً.
[3] (الإجَّانة): إناء تغسل فيه الثياب، ويقال: الإيجانة بإبدال إحدى الجيمين ياء (التاج: أجن).
[4] في (ط): (ذاك).
[5] في الأصل: (يفعل وكذا..).
[6] في (ط): (وصل) بإسقاط الألف.
[7] قوله: (الماء) زيادة من (ط).
[8] في (ف): (الخلقة).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

198- وبه قال: ((حدثنا أبو اليَمان)) ؛ بألف بعد الميم، قبلها مثناة تحتية مفتوحة، هو الحَكم بن نافع؛ بفتح الحاء المهملة ((قال: أخبرنا شُعيب)) ؛ بضم المعجمة، ابن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصي، ((عن الزهري)) محمد بن مسلم ابن شهاب ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((عبيد الله)) بالتصغير ((بن عبد الله)) بالتكبير ((بن عُتبة)) ؛ بضم العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، زاد في رواية: (ابن مسعود) رضي الله عنه: ((أن عائشة)) زوج النبي الأعظم عليه السلام ورضي عنها، ((قالت: لمَّا)) بتشديد الميم ((ثقل النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: أثقله المرضن قال في «عمدة القاري»: (ثَقُل _بضم القاف_ يقال: ثقل الشيء ثقلًا؛ مثل: صغر صغرًا، فهو ثقيل، وقال أبو نصر: أصبح فلان ثاقلًا: إذا أثقله المرض، والثقل: ضد الخفة، والمعنى ههنا: اشتد مرضه، ويفسره قولها بعده: ((واشتد به وجعه)) ؛ أي: مرضه، وأما الثَّقْل _بفتح الثاء وسكون القاف_ فهو مصدر ثقَل الشيء _بفتح القاف_ في الوزن يَثْقُله ثقلًا، من باب (نَصَر يَنْصُر) : إذا وزنه، وكذلك ثقلت الشاة: إذا رفعتها للنظر ما ثقلها [1] من خفتها، ونقل ابن حجر عن «القاموس»: (ثقِل الرجل _بكسر القاف_ فهو ثاقل وثقيل: اشتد مرضه) ، واعترضه في «عمدة القاري»: (بأنَّ هذا يحتاج إلى مستند إلى أحد من أئمة اللغة المعتمد عليهم) انتهى.

وقوله: ((استأذن)) عليه السلام، جواب (لمَّا) ((أزواجه رضي الله عنهنَّ)) ، وكنَّ تسعة، وهنَّ اللاتي مات عنهنَّ، وقد نظمهنَّ بعضهم بقوله:

~تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ إلَيْهِنَّ تُعْزَى الْمَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ

~فَعَائِشَةٌ مَيْمُونَةٌ وَصَفِيَّةٌ وَحَفْصَةُ أَيْضًا ثُمَّ هِنْدٌ وَزَيْنَبُ

~جُوَيْرِيَةُ مَعَ سَوْدَةٍ ثُمَّ رَمْلَةٍ ثَلَاثٌ وَسِتٌّ ذِكْرُهُنَّ مُهَذَّبُ

أي: طلب منهنَّ أن يأذنَّ له ((في أن يُمرَّض)) ؛ بضم المثناة التحتية وفتح الرَّاء المشددة، على صيغة المجهول من التمريض، يقال: مرَّضته تمريضًا: إذا قمت عليه في مرضه؛ يعني: خدمته فيه، ويحتمل هنا: أزلت مرضه بالخدمة، كذا في «عمدة القاري» ((في بيتي)) ؛ متعلق بـ (يُمرض) ، ففيه دلالة على وجوب القسم على النبي الأعظم عليه السلام، وإلَّا لم يحتج إلى الاستئذان منهنَّ، ووجوبه على غيره من الأمَّة بالطريق الأولى، ((فأذِنَّ)) ؛ بتشديد النُّون وكسر المعجمة؛ لأنَّه جماعة النساء؛ أي: أذنت أزواج النبي الأعظم عليه السلام ((له)) ؛ أي: للنبي الأعظم عليه السلام أن يمرَّض في بيتها؛ أي: عائشة رضي الله عنها، ففيه: دليل على أنَّ لبعض الضرَّات أن تهب نوبتها للضرَّة الأخرى، وهو مذهب الإمام الأعظم والجمهور، ولها أن ترجع؛ لأنَّها أسقطت حقًّا لم يجب بعد، فلا يسقط، كذا في «شرح الملتقى»، وفي الحديث: دلالة على فضل السيدة عائشة رضي الله عنها؛ لتمريض النبي الأعظم عليه السلام في بيتها، وفيه: أنَّه عليه السلام كان يشتد به المرض؛ ليعظم أجره بذلك عند ربه عزَّ وجلَّ، وفي الحديث الآخر: «إنِّي أوعك كما يوعك رجلان منكم»، وفيه: أنَّ المريض يسْكُنُ نفسه لبعض أهله دون بعض، كذا في «عمدة القاري».

((فخرج النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: من بيت ميمونة، وهو الأظهر، وقيل: من بيت زينب بنت جحش، وقيل: من بيت ريحانة، وفي هذا دلالة على أنَّه لا يجْمَعُ بين الضرائر إلَّا بالرضا، ولو قالت: لا أسكن مع أَمتك؛ ليس لها ذلك، كذا في «شرح الملتقى» ((بين رجلين تَخُطُّ)) بفتح المثناة الفوقية وضم الخاء المعجمة ((رجلاه)) فاعله؛ أي: يؤثر برجليه على الأرض كأنه يخطُّ خطًّا، وفي رواية: (تُخَطُّ) ؛ بصيغة المجهول، كذا في «عمدة القاري»، ومثله في«الكرماني»، وقوله: ((في الأرض)) متعلق بـ (تخط) ، وكلمة (في) على بابها، أو بمعنى: على، وقوله: ((بين عباس)) ؛ أي: عمه عليه السلام، وهو العباس بن عبد المطلب، يُكْنى أبا الفضل، أكبر من النبي الأعظم عليه السلام بسنتين أو ثلاث، المتوفى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين أو بعدها، عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بالبقيع، وقبره مشهور يُزَار، ((ورجل آخر)) بدل من قوله: (بين رجلين) .

((قال: عبيد الله)) ؛ بالتصغير؛ أي: الراوي عن عائشة رضي الله عنها، وهذا مدرج من كلام الزهري الراوي عنه، لكنه بالإسناد المذكور بغير واو العطف: ((فأخبرت عبد الله بن عباس)) رضي الله عنهما؛ أي: بقول عائشة رضي الله عنها، ((فقال)) أي: ابن عباس: ((أتدري من الرجل الآخر؟)) ؛ أي: الذي لم تسمِّه عائشة، ((قال: لا)) ؛ أي: لا أدري، ((قال)) أي: ابن عباس: ((هو علي)) ؛ أي: ابن أبي طالب، كما صُرِّح به في رواية، لكن في رواية مسلم: (بين الفضل بن عباس) ، وفي أخرى: (بين رجلين؛ أحدهما: أسامة) ، قال في «عمدة القاري»: (وطريق الجمع أنَّهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة تارة هذا وتارة هذا، وكان العباس أكثرهم أخذًا ليده الكريمة؛ لأنَّه كان أدومهم لها إكرامًا واختصاصًا به، وعلي وأسامة والفضل يتناوبون اليد الأخرى، قال: فعلى هذا يجاب عن إبهام عائشة بأنَّها صرحت بالعباس، وأبهمت الآخر لكونهم ثلاثة، وهذا الجواب أحسن من أنَّه كان في قلبها منه ما يحصل في قلوب البشر مما يكون سببًا في الإعراض عن ذكر اسمه؛ حيث قال للنبي الأعظم عليه السلام عنها في قصة الإفك: (النساء سواها كثير) ، وإن تبعه الشراح؛ لأنَّ في هذا توصل للجهال والقيل والقال، كما لا يخفى على أهل الأحوال.

((وكانت عائشة تحدث أن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) عطف على (فأخبرت) ، فهو من مقول عبيد الله لا ابن عباس، فهو داخل تحت الإسناد السابق، ويحتمل أن يكون ما سمع عبيد الله من عائشة، فيكون مسندًا، وأن يكون تعليقًا من عبيد الله؛ فتأمل ((قال بعد ما دخل بيته)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام، ولابن عساكر: (بيتها) ؛ أي: عائشة، وأضيف إليها مجازًا؛ لسكناها فيه، ((واشتد وجعه)) وفي رواية الأصيلي: (واشتد به وجعه) : ((هريقوا)) ؛ بدون الهمزة في أكثر الروايات، وفي رواية: (أهريقوا) ؛ بزيادة الهمزة، وفي أخرى: (أريقوا) .

وفي هذه المادة ثلاث لغات:

الأولى: هراق الماء يهريقه هراقة؛ أي: صبَّه، وأصله: أراق يريق إراقة، من باب الإفعال، وأصل أراق: أَرْيَق على وزن (أفعل) ، نقلت حركة الياء إلى ما قبلها[/ص173/]ثم قلبت ألفًا؛ لتحركها في الأصل، وانفتاح ما قبلها بعد النقل، فصار (أراق،) وأصل يريق: يأريق على وزن (يأفعل) ، مثل يكرم أصله: (يؤكرم) ، حذفت الهمزة منه إتباعًا لحذفها في المتكلم؛ لاجتماع الهمزتين فيه، وهو ثقيل.

اللغة الثانية: أهرق الماء يهرقه إهراقًا؛ على وزن (أفعل إفعالًا) ، قال سيبويه: (قد أبدلوا من الهمزة الهاء، ثم لزمت، فصارت كأنها من نفس الكلمة، ثم حذفت الألف بعد الهاء، ونزلت الهاء عوضًا عن حذفهم العين؛ لأنَّ أصل أهرق: (أريق) .

اللغة الثالثة: أهراق يهريق إهرياقًا، فهو مهريق، والشيء: مهْراق، ومهَراق أيضًا بالتحريك؛ وهذا شاذ، نظيره أَسطاع يُسطيع إسطياعًا؛ بفتح الألف في الماضي، وضم الياء في المضارع، وهو: لغة في (أطاع يطيع) ، فجعلوا السين عوضًا من ذهاب حركة عين الفعل، فكذلك حكم الهاء، وقد خبط بعضهم في هذا الموضع خباطًا؛ لعدم وقوفه على قواعد علم الصرف، كذا قاله في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((عليَّ)) بتشديد الياء المفتوحة ((من سبع قِرَب)) ؛ بكسر القاف وفتح الرَّاء، جمع قربة، وهي ما يسقى به، وهو جمع كثرة، وجمع القلَّة: قرْبات؛ بسكون الرَّاء وفتحها، كذا في «عمدة القاري»، وكلاهما متعلق بـ (هريقوا) ((لم تُحلل)) بالبناء للمجهول ((أوكيتهن)) جمع وكاء؛ وهو الذي يشدُّ به رأس القربة؛ أي: فمها، ((لعلِّي أَعهَد)) ؛ بفتح الهمزة والهاء ((إلى الناس)) ؛ أي: أوصي إليهم، من باب (علم يعلم) ، يقال: عهدت إليه؛ أي: أوصيته، ((وأُجْلِسَ)) ، وفي رواية: (فأُجْلِسَ) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام، والفعل في الروايتين مبني للمفعول ((في مِخْضَب)) ؛ بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة: إناء يُغْسَلُ فيه، زاد ابن خزيمة: (أنَّه كان من نحاس) ((لحفصة زوجِ النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ بالجر صفة لـ (حفصة) ، ((ثم طفِقنا)) ؛ بكسر الفاء، وفتحها حكاه الأخفش، والكسر أفصح، وهو من أفعال المقاربة، ومعناه: جعلنا ((نَصبُّ)) ؛ بضم الصَّاد المهملة ((عليه)) الماء صلى الله عليه وسلم ((من تلك)) ؛ أي: القِرَب السبع، وفي رواية: (تلك القِرَب) ، وهو في محل نصب مفعول (نَصُبُّ) ((حتى طفِق)) ؛ بكسر الفاء، وقد تفتح؛ أي: حتى جعل ((يُشِيرُ)) أي: النبي الأعظم عليه السلام ((إلينا)) ، والجملة خبر (طفق) ، وكذا جملة (نصبُّ) خبر (طفقنا) ، وفي (طفق) معنى: الاستمرار والمواصلة؛ ((أن قد فعلتُنَّ)) ؛ بضم المثناة الفوقية، وتشديد النُّون، جمع مؤنث مخاطب، و (أن) تفسيرية؛ لأنَّ (يشير) فيه معنى القول دون حروفه؛ أي: فعلتنَّ ما أمرتكنَّ به من إهراق الماء عليَّ من القرب الموصوفة، ((ثم خرج)) أي: النبي الأعظم عليه السلام من بيت عائشة ((إلى الناس)) ؛ أي: إلى الذين في المسجد، فصلَّى بهم، وخطبهم، على ما يأتي إن شاء الله تعالى مفصَّلًا في مباحث الوفاة النبوية.

فإن قلت: لم يذكر للخشب ما يدل عليه من أحاديث الباب، وأجيب: باحتمال أنَّ القدح كان من الخشب، أفاده الكرماني.

وفي الحديث: جواز الإجلاس في المِخْضَبِ ونحوه؛ لأجل صبِّ الماء عليه سواء كان من خشب، أو حجر، أو نحاس، وقد روي عن ابن عمر كراهة الوضوء في النحاس، وقد ذكرناه، وقد روي عنه أنَّه قال: إنِّي أتوضأ بالنحاس وما يكره منه شيء إلا رائحته فقط، وقيل: الكراهة فيه؛ لأنَّ الماء يتغيَّر فيه، وروي أنَّ الملائكة تَكْرَهُ ريح النحاس، وقيل: يحتمل أن تكون الكراهة فيه؛ لأنَّه مستخرج من معادن الأرض شبيه بالذهب والفضة، والصَّواب: جواز استعماله؛ بما ذكرنا من رواية ابن خزيمة وفي رسول الله عليه السلام الأسوة الحسنة والحجة البالغة.

وفي الحديث: دلالة على جواز إراقة الماء على المريض بنيَّة التداوي وقصد الشفاء، وعلى جواز الرقى والتداوي للعليل، ويكره ذلك لمن ليست به علة، والحكمة في طلب النبي الأعظم عليه السلام الماء في مرضه: أنَّ المريض إذا صُبَّ عليه الماء البارد؛ بانت إليه قوته، لكن في مرض يقتضي ذلك كالحمى، والنبي الأعظم عليه السلام علم ذلك، فلذلك طلب الماء، ولذلك بعد استعمال الماء قام وخرج إلى الناس، كذا قاله في «عمدة القاري»، وقال الكرماني: (والحكمة في تعيين العدد السبع في القِرَب؛ لأنَّه يحتمل أن يكون ذلك من جهة التبرك، وفي عدد السبع بركة؛ لأنَّ له دخولًا كثيرًا في كثير من أمور الشريعة، ولأن الله تعالى خلق خلقًا كثيرًا من مخلوقاته سبعًا) انتهى.

والأحسن في الجواب ما قاله في «عمدة القاري»: (من أنَّ نهاية العدد عشرة، والمئات تركب من العشرات، والألوف من المئات، والسبعة من وسط العشرة، وخير الأمور أوساطها، وهي وتر، والله تعالى يحب الوتر، بخلاف السادس والثامن، وأمَّا التاسع؛ فليس من الوسط، وإن كان وترًا) ؛ فليحفظ.

ثم قال: (والحكمة في تعيين القِرَب أن الماء يكون فيه محفوظًا، وفي معناها ما يشاكلها مما يُحْفظ فيه الماء، ولهذا جاء في رواية الطبراني في هذا الحديث من آثار شتَّى، والحكمة في شرطه عليه السلام في القِرَب عدم حل أوكيتهن: أنَّ أولى الماء أطهره وأصفاه؛ لأنَّ الأيدي لم تخالطه ولم تدنسه بعد، والقِرَب إنَّما توكى وتحل على ذكر الله عزَّ وجلَّ، فاشترط أن يكون صبُّ الماء عليه من الأسقية التي لم تحلل؛ ليكون قد جمع بركة الذكر في شدِّها وحلِّها معًا) انتهى كلامه، والله تعالى أعلم.

اللهم إني أسألك فرجًا قريبًا، وعلمًا نافعًا، وسترًا جميلًا، ورزقًا واسعًا، وعمرًا طويلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة، واكشف عنَّا وعن المسلمين هذا البلاء، وفرج عنَّا ما أهمَّنا وأهمَّهم برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين آمين آمين، وصلى الله على محمَّد وآله وصحبه أجمعين.

[1] في الأصل: (يقلها)، وهو تصحيف.