متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

43- هذا [1] (باب) حكم (وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِه) في إناءٍ واحدٍ، وواو «وُضوء» مضمومةٌ على المشهور؛ لأنَّ المُراد منه الفعل، وفي بعض النُّسخ: ((معَ المرأة)) وهو أعمُّ من أن تكون امرأته أو غيرها، (وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ)؛ بفتح الواو؛ أي: الماء الفاضل في الإناء بعد فراغها من الوضوء، و«فضلِ»: مجرورٌ عطفًا على المجرور السَّابق. (وَتَوَضَّأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (بِالْحَمِيمِ)؛ بفتح الحاء المُهمَلة؛ أي: الماء المُسخَّن، «فَعيلٌ» بمعنى «مفعولٍ»، وهذا الأثر وصله سعيد بن منصورٍ وعبد الرَّزَّاق وغيرهما بإسنادٍ صحيحٍ بلفظ: «إنَّ عمر كان يتوضَّأ بالحميم ويغتسل منه»، واتُّفِق على جوازه إلَّا ما نُقِل عن مجاهدٍ. نعم؛ يُكرَه [2] شديد السُّخونة؛ لمنعه الإسباغ، (و) توضَّأ عمر أيضًا (مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ) فيما وصله الشَّافعيُّ رضي الله عنه، وعبد الرَّزَّاق، وغيرهما عن سفيان بن عُيَيْنَةَ عن زيد بن أسلمَ عن أبيه: أنَّ عمر رضي الله عنه توضَّأ من ماءٍ نصرانيَّةٍ في جرَّةِ [3] نصرانيَّةٍ، لكنَّ ابن عُيَيْنَةَ لم يسمع من زيد بن أسلمَ، فقد رواه البيهقيُّ من طريق سعدان [4] بن نصر عنه، قال: وحدَّثونا [5] عن زيد بن أسلم....، فذكره مُطوَّلًا، وفي رواية كريمة: ((بالحَمِيم من بيت نصرانيَّةٍ))؛ بحذف واو العطف، وفي ذلك نظرٌ؛ لأنَّهما أثران مُستقلَّان _كما مرَّ_، ولم تظهر [6] لي [7] مُناسَبَتهما للتَّرجمة، أمَّا توضُّؤ عمر بالحميم؛ فلا يخفى عدم مُناسَبته، وأمَّا توضُّؤه من بيت نصرانيَّةٍ؛ فلا يدلُّ على أنَّه كان من فضل ما استعملته، بلِ الذي يدلُّ عليه جواز استعمال مياههم، ولا خلاف في جواز [8] استعمال سؤر النَّصرانيَّة؛ لأنَّه طاهرٌ؛ خلافًا لأحمد وإسحاق بن راهويه [9] رضي الله عنهما وأهل الظَّاهر، واختلف قول مالكٍ رحمه الله؛ ففي «المُدوَّنة»: لا يتوضَّأ بسؤر النَّصرانيِّ ولا بما أدخل يده فيه. وفي «العتبيَّة»: أجازه مرَّةً وكرهه أخرى، وفي رواية ابن عساكر: حذف الأثرين، وهو أَوْلى؛ لعدم المُطابَقة بينهما وبين التَّرجمة.

[1] «هذا»: سقط من (د).
[2] في (ص): «يكون»، وهو تصحيفٌ.
[3] «في جرَّةٍ»: سقط من (ص).
[4] في كلِّ النُّسخ: «سعد»، وهو خطأ، والمثبت موافق لما في «الفتح» (1/299)، وهو كذلك في كتب التراجم.
[5] في (م): «حدثنا ثوبان»، وليس بصحيحٍ.
[6] في غير (س): «يظهر».
[7] «لي»: سقط من (م).
[8] «جواز»: سقط من (س).
[9] «بن راهويه»: مثبتٌ من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(43) بابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَفَضْلِ وَضُوءِ [1] المَرْأَةِ

وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ [2] ، مِنْ [3] بَيْتِ نَصْرانِيَّةٍ. [4]

[1] بفتح الواو أي الماء الفاضل في الإناء، وفي رواية [عط] : «وُضُوءِ» بضم الواو، ولا وجه لها.
[2] بهامش اليونينية: «قال ابن الأثير في نهايته: ومنه الحديث: (أنه كان يغتسل بالحَميم) وهو الماء الحارُّ».اهـ.
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «وَمِنْ».
[4] هذا الأثر ليس في رواية ابن عساكر.





( باب وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ [1] ، وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ )

الأول بضم الواو والثاني بفتحها.

( الْحَمِيم ) الماء المسخَّن، فعيل بمعنى مفعول، ومنه سمِّي الحمام لاستحمامه من يدخل فيه.

[1] في [ب] : المرأة.





(43) (باب: وُضُوءِ الرَّجُلِ معَ المرأة [1] ) بضم الواو.

(وَفَضْلِ وَضُوء الْمَرْأَةِ) أي [2] : ما يفضل من وَضوئها، وهو بفتح الواو.

(بِالْحَمِيم) بالماء المسخَّن، فَعيل بمعنى مفعول، ومنه سُمِّي الحَمَّام؛ لاستحمام من يدخل فيه.

[1] في المتن: ((امرأته)).
[2] ((أي)): ليست في (ق).





قوله: (بَاب وُضُوءِ الرَّجُلِ): هو بضمِّ الواو الفعل، ويجوز فتحها، وقد تقدَّم مرارًا.

قوله: (وَفَضْلِ وَضُوءِ المَرْأَةِ): هذا بالفتح؛ لأنَّ المراد: الماء، ويجوز ضمُّها، كما تقدَّم مرارًا.

قوله: (وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالحَمِيمِ): أمَّا (عُمر) ؛ فهو ابن الخطَّاب، أحد العشرة رضي الله عنهم، ترجمته معروفة، كيف وقد روي عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «لو كان بعدي نبيٌّ؛ لكان عمر»، ومناقبه جليلة رضي الله عنه.

وأمَّا قوله: (بالحَمِيم) ؛ هو -بفتح الحاء، وكسر الميم- الماء المسخَّن، فعيل بمعنى مفعول، ومنه سمِّي الحمَّام حمَّامًا؛ لإسخانه من دخله، قال ابن المنذر: (أجمع أهل الحجاز جميعًا على الوضوء بالماء المسخَّن غير مجاهد، فإنَّه كرهه [1] ) .

فائدة: (الحَمِيم): تقدَّم أنَّه الماء الحارُّ، هذا هو المشهور، وحَكى الصَّغانيُّ أَبُو الحسن اللُّغويُّ: (أنَّه من الأضداد) ، ذكر ذلك في كتاب له في اللُّغة، فيه لغات زائدة على كتب عدَّة، وفيه أيضًا قراءات شواذٌّ وفوائد.

[1] في (ب): (يكرهه) .





لا تتوفر معاينة

43- هذا [1] (باب) حكم (وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِه) في إناءٍ واحدٍ، وواو «وُضوء» مضمومةٌ على المشهور؛ لأنَّ المُراد منه الفعل، وفي بعض النُّسخ: ((معَ المرأة)) وهو أعمُّ من أن تكون امرأته أو غيرها، (وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ)؛ بفتح الواو؛ أي: الماء الفاضل في الإناء بعد فراغها من الوضوء، و«فضلِ»: مجرورٌ عطفًا على المجرور السَّابق. (وَتَوَضَّأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (بِالْحَمِيمِ)؛ بفتح الحاء المُهمَلة؛ أي: الماء المُسخَّن، «فَعيلٌ» بمعنى «مفعولٍ»، وهذا الأثر وصله سعيد بن منصورٍ وعبد الرَّزَّاق وغيرهما بإسنادٍ صحيحٍ بلفظ: «إنَّ عمر كان يتوضَّأ بالحميم ويغتسل منه»، واتُّفِق على جوازه إلَّا ما نُقِل عن مجاهدٍ. نعم؛ يُكرَه [2] شديد السُّخونة؛ لمنعه الإسباغ، (و) توضَّأ عمر أيضًا (مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ) فيما وصله الشَّافعيُّ رضي الله عنه، وعبد الرَّزَّاق، وغيرهما عن سفيان بن عُيَيْنَةَ عن زيد بن أسلمَ عن أبيه: أنَّ عمر رضي الله عنه توضَّأ من ماءٍ نصرانيَّةٍ في جرَّةِ [3] نصرانيَّةٍ، لكنَّ ابن عُيَيْنَةَ لم يسمع من زيد بن أسلمَ، فقد رواه البيهقيُّ من طريق سعدان [4] بن نصر عنه، قال: وحدَّثونا [5] عن زيد بن أسلم....، فذكره مُطوَّلًا، وفي رواية كريمة: ((بالحَمِيم من بيت نصرانيَّةٍ))؛ بحذف واو العطف، وفي ذلك نظرٌ؛ لأنَّهما أثران مُستقلَّان _كما مرَّ_، ولم تظهر [6] لي [7] مُناسَبَتهما للتَّرجمة، أمَّا توضُّؤ عمر بالحميم؛ فلا يخفى عدم مُناسَبته، وأمَّا توضُّؤه من بيت نصرانيَّةٍ؛ فلا يدلُّ على أنَّه كان من فضل ما استعملته، بلِ الذي يدلُّ عليه جواز استعمال مياههم، ولا خلاف في جواز [8] استعمال سؤر النَّصرانيَّة؛ لأنَّه طاهرٌ؛ خلافًا لأحمد وإسحاق بن راهويه [9] رضي الله عنهما وأهل الظَّاهر، واختلف قول مالكٍ رحمه الله؛ ففي «المُدوَّنة»: لا يتوضَّأ بسؤر النَّصرانيِّ ولا بما أدخل يده فيه. وفي «العتبيَّة»: أجازه مرَّةً وكرهه أخرى، وفي رواية ابن عساكر: حذف الأثرين، وهو أَوْلى؛ لعدم المُطابَقة بينهما وبين التَّرجمة.

[1] «هذا»: سقط من (د).
[2] في (ص): «يكون»، وهو تصحيفٌ.
[3] «في جرَّةٍ»: سقط من (ص).
[4] في كلِّ النُّسخ: «سعد»، وهو خطأ، والمثبت موافق لما في «الفتح» (1/299)، وهو كذلك في كتب التراجم.
[5] في (م): «حدثنا ثوبان»، وليس بصحيحٍ.
[6] في غير (س): «يظهر».
[7] «لي»: سقط من (م).
[8] «جواز»: سقط من (س).
[9] «بن راهويه»: مثبتٌ من (م).





( باب وُضُوءِ الرَّجُل ): بالضَّمِّ.

( وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ ): بالفتح.

( بِالْحَمِيمِ ): هو الماء الحارُّ.

( ومِنْ بَيْتِ ): سقطت الواو لكريمة وإثباتها أصوب؛ لأنَّهما أثران متغايران. [/ج1ص331/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

هذا ((باب)) جواز ((وُضوء)) ؛ بضم الواو؛ لأنَّ المراد منه الفعل ((الرجل مع امرأته)) من إناء واحد، وفي رواية: (مع المرأة) ، وهو أعمُّ من أن تكون امرأته أو غيرها، ((وفضلِ)) ؛ بالجر؛ عطفًا على قوله: (وضوء الرجل) ((وَضوء)) ؛ بفتح الواو؛ لأنَّ المراد به: الماء الفاضل في الإناء بعد فراغ ((المرأة)) من الوضوء وحدها، أو بالرفع، والظرف لغو للمصدر لا حال من (الرجل) .

((وتوضأ عمر)) ؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنه، مما رواه ابن أبي شيبة والدارقطني بلفظ: كان عمر يُسَخَّنُ له ماء في حميم ثم يغتسل منه، قال الدارقطني: (إسناده صحيح) ، ووصله أيضًا سعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وغيرهما بإسناد صحيح بلفظ: (أن عمر رضي الله عنه كان يتوضأ بالحَميم ويغتسل منه)، وهو بفتح الحاء المهملة، وهو الماء المسخَّن، أو الماء السخين؛ (فعيل) بمعنى: (مفعول) ، ومنه سُمِّي الحمَّام حمَّامًا؛ لإسخانه من دخله، والمحموم محمومًا؛ لسخونة جسده.

وروى الطبراني [1] في «الكبير»، والحسن بن سفيان في «مسنده»، وأبو نعيم في «المعرفة»، والمشهور من طريق الأسلع بن شريك قال: (كنت أرحل ناقة رسول الله عليه السلام، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله عليه السلام أن يرحل، وأنا جنب، وخشيت أن اغتسل بالماء البارد، فأموت أو أمرض، فأمرت رجلًا من الأنصار يرحلها، ووضعت أحجارًا فأسخنت بها ماء، فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله عليه السلام، فذكرت له فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ} إلى قوله: {غَفُورًا} [النساء: 43] ) ، وفي سنده الهيثم بن زريق الراوي له عن أبيه، عن الأسلع مجهولان، والعلاء بن الفضل راويته [2] عن الهيثم فيه ضعف، وقيل: إنه تفرَّد به، وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة منهم عمر، كما ذكره المؤلف، ومنهم: سلمة بن الأكوع: (أنَّه كان يسخن الماء يتوضأ به) ، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ومنهم: ابن عباس أنه قال: (إنا نتوضأ بالحميم، وقد أغلي على النار) ، رواه ابن أبي سلمة في «مصنفه»، ومنهم: ابن عمر (كان يتوضأ بالحميم) ، رواه عبد الرزاق، قال ابن المنذر: (وأجمع أهل العراق وأهل الحجاز جميعًا على الوضوء بالماء المسخن غير مجاهد؛ فإنه كرهه، رواه عنه ليث بن أبي سليم) .

قلت: نعم يُكْرَهُ استعماله إن كان شديد السخونة كشديد البرودة؛ لأنَّه يمنع إسباغ الوضوء والغسل.

قال في «عمدة القاري»: (هذا الأثر المعلق ليس له مطابقة للترجمة أصلًا) ، وهذا ظاهر، كما ترى، وتبعه القسطلاني حيث قال: (ولم تظهر لي مناسبته للترجمة) ، فلا يخفى عدم مناسبته.

وقال ابن حجر: (مناسبته للترجمة من جهة أن الغالب أنَّ أهل الرجل تَبَعٌ له فيما يفعل، فأشار المؤلف إلى الرد على من منع المرأة أن تتطهر بفضل الرجل؛ لأنَّ الظاهر: أن امرأة عمر كانت تغتسل بفضله أو معه، فناسب قوله: «وضوء الرجل مع امرأته في إناء واحد») .

قال في «عمدة القاري»: (من له ذوق أو إدراك لا يقول هذا الكلام البعيد، فمراده من قوله: «إنَّ أهل الرجل تبع له فيما يفعل» في كلِّ الأشياء أو في بعضها، فإن كان الأول؛ فلا نسلم ذلك، وإن كان الثاني؛ فيجب التعيين، وقوله: «لأنَّ الظاهر...» إلى آخره: أيُّ ظاهر دل على هذا؟ وهل هذا إلا حدس وتخمين) انتهى.

قلت: على أن ما ذكره في وجه المطابقة خلط فاحش من حيث إنه جعل قوله: (وتوضأ عمر...) إلخ أثر واحد، والحال أنَّهما أثران، كما يأتي التنبيه عليه، وقد خبط وخلط العجلوني أيضا هنا، كما ستقف على عبارته؛ فافهم.

وقال الكرماني: (ووجه مناسبته للترجمة من حيث إن غرض المؤلف في هذا الكتاب ليس منحصرًا في ذكر متون الأحاديث، بل يريد الإفادة، وهي أعم من ذلك، ولهذا يذكر آثار الصحابة، وفتاوى السلف، وأقوال العلماء، ومعاني اللغات وغيرها، فقصده هنا بيان التوضؤ بالماء المسخن بلا كراهة؛ دفعًا لما قاله مجاهد) .

وردَّه في «عمدة القاري» بأن هذا عجيب وغريب، وكيف يطابق هذا الكلام، وقد وضع أبوابًا مترجمة، ولا بدَّ من رعاية التطابق بين تلك الأبواب وبين الآثار التي يذكرها فيها، وإلا فيعدُّ هذا من التخابيط، وكونه يذكر فتاوى السلف، وأقوال العلماء، ومعاني اللغات لا يدل على ترك المناسبات والمطابقات، وهذه الأشياء أيضًا إذا ذكرت بلا مناسبة؛ يكون الترتيب مخبطًا، فلو ذكر شخص مسألة في الصلاة مثلًا في كتاب «الطهارة» أو مسألة من كتاب «الطهارة» في كتاب «التطليق» [3] أو «العتاق» مثلًا؛ نسب إلى التخبيط) ؛ فافهم.

((و)) وتوضأ عمر أيضًا ((من بيت نصرانية)) ، فهو عطف على قوله: (بالحميم) ، وهذا أثر ثان وصله عبد الرزاق، والشافعي، وغيرهما، عن سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: (أن عمر توضأ من ماء نصرانية) ،[/ص168/]

وهذا لفظ الشافعي، وقال الحافظ أبو بكر الحازمي: (رواه خلَّاد بن أسلم عن سفيان بسنده، فقال: «من ماء نصراني»؛ بالتذكير، والمحفوظ ما رواه الشافعي: «نصرانية»؛ بالتأنيث) ، وفي «الأم» للشافعي: (من جر نصرانية) ؛ بالهاء في آخرها، وفي «المهذب» لأبي إسحاق: (جر نصراني) ، وقال: (صحيح) ، وذكر ابن فارس في «حلية العلماء»: هذا سلاخة عرقوب البعير يُجْعَل وعاء للماء.

ولا بأس باستعمال الماء الذي في أواني أهل الكتاب وغيرهم للتوضؤ والاغتسال؛ لأنَّ الأصل: الطهارة ما لم يتيقن النجاسة، وكذا لا بأس باستعمال ثيابهم والصلاة بها؛ لأنَّ الأصل الطهارة، واحتمال النجاسة أمر مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك، أمَّا إذا علم نجاستها؛ فلا شك بفساد الصلاة معها، هذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأصحابه، وقال ابن المنذر: (لا أعلم أحدًا كرهه إلا أحمد وإسحاق) ، قال في «عمدة القاري»: (قلت: وتبعهما أهل الظاهر، واختلف قول مالك في هذا، فقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز مع الكراهة، وانفرد النخعي بكراهة فضل المرأة إذا كانت جُنُبًا) انتهى.

ووقع في رواية كريمة: بحذف الواو من قوله: (ومن بيت) ، قال في «عمدة القاري»: (وهذا غير صحيح؛ لأنَّهما أثران مستقلان، كما سبق) .

فإن قلت: ما وجه تطابق هذا الأثر للترجمة؟!

قال الكرماني: (هو مناسب لترجمة الباب من فعل عمر رضي الله عنه ذكر الأمر الأول أيضًا، وإن لم يكن مناسبًا لها؛ لاشتراكهما في كونهما من فعله؛ تكثيرًا للفائدة، واختصارًا في الكتاب، ويُحْتَمَلُ أن يكون هذا قضية واحدة؛ أي: توضأ من بيت نصرانية بالماء الحميم، ويكون المقصود ذكر استعمال سؤر المرأة النصرانية، وذكر الحميم إنَّما هو لبيان الواقع، فتكون المناسبة للترجمة ظاهرة) .

ورده في «عمدة القاري» بأن هذا منه لعدم اطلاعه على كتب القوم، فظن أنه أثر واحد، وقد عرفت أنهما أثران مستقلان، ثم ادَّعى أن الأمر الأخير مناسب للترجمة، فهيهات أن يكون مناسبًا؛ لأنَّ الباب في وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة، فأي واحد من هذين مناسب لهذا وأثر واحد من هذين لا يدل على ذلك؟! أما توضؤ عمر بالحميم؛ فلا يدل [على شيء من ذلك ظاهرًا، وأمَّا توضؤ عمر من بيت نصرانية؛ فهل يدل على أن وضوءه كان من فضل هذه النصرانية؟ فلا يدل] [4] ولا يستلزم ذلك، فمن ادَّعى ذلك؛ فعليه البيان بالبرهان.

وقال ابن حجر: (الثاني مناسب لقوله: «وفضل وضوء المرأة»؛ لأنَّ عمر توضأ بمائها، وفيه دليل على جواز التطهير بفضل وضوء المرأة المسلمة؛ لأنَّها لا تكون أسوأ حالًا من النصرانية) .

ورده في «عمدة القاري»: (بأن الترجمة: فضل وضوء المرأة، والنصرانية هل لها فضل وضوء حتى يكون التطابق بينه وبين الترجمة؟ وقوله: «من بيت نصرانية» لا يدل على أن الماء كان من فضل استعمال النصرانية، ولا أنَّ الماء كان لها، وما سبق من الروايات: «من ماء نصرانية»، أو «في جر نصرانية»، وهو أيضًا لا يدلُّ على أنه كان من فضل استعمالها، والذي يدلُّ عليه [5] هذا الأثر جواز استعمال مياههم، ولكن يُكْرَهُ استعمال أوانيهم وثيابهم سواء فيه أهل الكتاب وغيرهم) انتهى.

وتبعه القسطلاني حيث قال: (ولم يظهر لي مناسبته للترجمة؛ لأنَّ توضؤ عمر من بيت النصرانية لا يدلُّ على أنَّه كان من فضل ما استعملته، بل الذي يدل عليه جواز استعمال مياههم، ولا خلاف في استعمال سؤر النصرانية؛ لأنَّه طاهر خلافًا لأحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر) انتهى كلامه.

واعترضه العجلوني وقال: (يمكن الجواب عن الأول: بأنَّ النصرانية إذا طُلِبَ منها الغسل لتحل لحليلها المسلم؛ فيُطلَبُ منها الوضوء؛ لأجل الغسل، وحينئذ فيحتمل أن يكون الماء من فضل استعمال وضوئها، فيندفع الاعتراض الثاني أيضًا، ولئن قلنا: إنَّما لا يُطْلَبُ منها الوضوء، فهي يطلب منها الغسل، وحكم الباقي من مائه حكم الباقي من الوضوء، أو يراد بالوضوء: الوضوء اللغوي؛ فتأمل) .

قلت: وهذا خبط وخلط، فأي دليل على أنَّ النصرانية التي أخذ من بيتها عمر الماء كانت تحت مسلم؟! فهذه دعوىولا بدَّ لها من بيان ببرهان، ولئن سلَّمنا أنَّها كانت تحت مسلم؛ فمن أين يطلب منها الوضوء لأجل الغسل وهي كافرة غير مخاطبة بفروع الشريعة؟ كما ذكره أهل الأصول، على أنَّه الواجب على المسلمة الغسل إذا كانت جنبًا أو حائضًا، والوضوء ليس بواجب عليها، فالكافرة التي غير مخاطبة بالأولى، وقوله: (ولئن قلنا...) إلخ: هذا قول مردود أيضًا، فإنَّها لا يُطْلَبُ منها الغسل أيضًا، فلو كانت حائضًا [6] وانقطع دمها لدون العشرة؛ يسع زوجها وطؤها ووسعها أن تتزوج بآخر؛ لأنَّه لا اغتسال عليها؛ لعدم الخطاب، كما في «منهل الطلاب»، وقوله: (أو يراد بالوضوء اللغوي) : ممنوع، فإنَّ المراد هنا: الوضوء الشرعي، والكلام فيه لا اللغوي، كما لا يخفى على أولي الألباب.

[1] في الأصل: (الطبري).
[2] في الأصل: (روايته)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (التعليق)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] ما بين معقوفين سقط من الأصل، وهو مثبت من «عمدة القاري».
[5] في الأصل: (على)، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (حائض).